لكن في تاريخ التصوف الإسلامي وحاضره حكايات عن أهل الملامة والمنتسبين إليها، قد يصعب إدراجها في سلك هذا النظام المنضبط بظاهر الشريعة على ما يقرب فهمه ولا يبعد توجيهه، ومن ذلك ما يلتقطه خصوم الصوفية ليبنوا عليه أحكاما عامة يتهمون بها جميع الملامتية، ويشنعون بذكرها على جملة الصوفية. ومع ما في هذا المسلك من إجحاف وتعد على حيادية الحكم العلمي؛ فإن أكثر ما انتقده خصوم الصوفية كانوا فيه عالة على مسيرة التصحيح والنقد الذاتي التي لم يتخلف نشاطها في تاريخ التصوف الإسلامي منذ نشأته، ولا يكاد يخلو منها شيء من المؤلفات الرئيسة لصوفية الإسلام على امتداد تاريخهم.
ومن هذا ما فعله الشيخ الهجويري حينما أجرى الكلام في الملامة على أنها ثلاثة أنواع: ملامة استقامة السير، وملامة القصد، وملامة الترك.
أما ملامة استقامة السير؛ فأهلها المحافظون على الدين، المراعون لله ـ تعالى ـ في المعاملات، ولا يفرطون في شيء مما فرضه الله عليهم؛ فيلومهم الخلق وهم فارغون منهم لاشتغال قلوبهم بالحق. وأحسب أن هؤلاء من عناهم الشيخ محيي الدين الحاتمي بكلامه، ورفع منزلتهم على سائر الصوفية.
وأما ملامة القصد؛ فأهلها الفارون من حصول الجاه لهم بين الخلق، المريدون لنفي اشتغال قلوبهم إلا بالحق، ومنهم من يتكلف إظهار ما ينفر الناس منه لينفي ما علق بنفسه من إقبالهم عليه، بما لا يخالف الشريعة وإن أوهم أنه مخالف، وقد يكون هو المشتغلَ بالناس لينفضوا أيديهم عنه والناس فارغون منه. وأحسب أن هؤلاء من عناهم الشيخ السهروردي بكلامه، وجعل منزلتهم دون منزلة الصوفي المتحقق وأعلى من منزلة المتصوف.
أما ملامة الترك؛ فالضلال متمكن من أصحابها الذين عجزت نفوسهم عن اتباع الشريعة؛ فزعموا أنهم يسيرون في طريق الملامة، وهم في الحقيقة مبطلون في الادعاء لا يقومون إلا بما تمليه عليه أهواؤهم[21].
ولا إشكال في ذم أهل الدعوى الباطلة، ولا مماراة في نفيهم من جملة أهل الحق، ولذلك قال الشيخ الهجويري: « وأما من كان طريقه الترك، ويختار ما يخالف الشريعة، ويقول: إنني أسلك طريق الملامة. فتلك ضلالة واضحة، وآفة ظاهرة، وجنون صادق، على نحو ما يوجد عليه كثيرون هذه الأيام، وَمَقْصُودُهُمْ منْ رَدِّ الخَلْقِ قَبُولُ الخَلْقِ؛ لأنه يجبُ أن يكونَ الشَّخصُ أوَّلا مقبولا من الخلقِ حتَّى يَطلُبَ ردَّهم، ويَظْهَرَ بفِعْلٍ يَردُّونه به؛ إذ إنَّ تَكَلُّفَ الردِّ لقَبولٍ لم يحصُلْ يكونُ حيلةً.
واتفق لي ذات مرة أن أصحب أحد هؤلاء الأدعياء المبطلين، فظهر يوما بمعاملة باطلة، وجعل الملامة عذرا لها؛ فقال له رجل: هذا ليس بشيء. فرأيته يزفر؛ فقلت له: يا هذا، إذا كنت تسلك طريق المعاملة وأنت صادق في هذا؛ فإنكار هذا الرجل لفعلك تأكيد لمذهبك، وما دام هو يوافقك في طريقك؛ فلم الخصومة والغضب؟! وقصتك هذه أقرب إلى الدعوى منها إلى الملامة، وكل من يدعو الخلق يجب أن يدعوهم بأمر له برهان من الحق، وبرهانه حفظ السنة. ولما كنت أرى منك ترك الفريضة ظاهرا وأنت تدعو الخلق؛ فإن هذا الأمر يخرج عن دائرة الإسلام»[22].
ولا إشكال أيضا في مدح أهل ملامة الاستقامة، ولا عيب في طلب التأدب بآدابهم في إقامة الدين، والتخلق بأخلاقهم في حفظ الحال وستر ما لا يلزم إظهاره من الأعمال، مع الانشغال بالحق وترك العناية بآراء الخلق. وإنَّ أول من اشتهر به مذهب الملامة من الصوفية المسلمين هو أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار (تـ271هـ)، وقد عده الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقة الأولى من طبقات الصوفية ـ كان من كبار رجالات العلم يذهب في الفقه مذهب سفيان الثوري أحد أمراء المؤمنين في علم الحديث، وكان هو نفسه من رواة الحديث المسندين، واختار السلمي من مروياته المسندة في الترجمة له حديثا يمثل أصلا من أصول طريقته؛ فروى عن والده، عن عبد الله بن مُنازل؛ حدثنا حمدون بن أحمد القصار؛ حدثنا إبراهيم الزراد؛ حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله، عن أبي برزة الأسلمي؛ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وأين وضعه، وعن علمه ما عمل فيه»[23].
وترجم له الحافظ شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، فذكر أنه قدوة الملامتية التي تعني «تخريب الظاهر وعمارة الباطن مع التزام الشريعة»، ثم قال: «وكان سفيانيا. سمع محمد بن بكار بن الريان، وابن راهويه، وأبا معمر الهذلي. وصحب أبا تراب، وأبا حفص النيسابوري. وكان من الأبدال. روى عنه ابنه الحافظ أبو حامد الأعمشي، ومكي بن عبدان، وأبو جعفر بن حمدان وآخرون» ثم نقل عن طبقات السلمي بعض أقواله المعبرة عن مذهبه في الملامة المرضية[24].
ومن أقوال حمدون القصار: «لا يجزع من المصيبة إلا من اتهم ربه». وقال: «من ضيع عهود الله عنده؛ فهو لآداب الشريعة أضيع». وقال: «استعانة المخلوق بالمخلوق، كاستعانة السجين بالسجين». وقال له تلميذه عبد الله بن مُنازل مرة: أوصني. فقال: «إن استطعت ألا تغضب لشيء من الدنيا فافعل». وقال: «من شغله طلب الدنيا عن الآخرة؛ ذلَّ إما في الدنيا وإما في الآخرة». وقال: «كفايتك تساق إليك باليُسر من غير تعب، وإنما التعب في طلب الفضول». وقال: «من نظر في سير السلف؛ عرف تقصيره وتَخَلُّفَه عن درجات الرجال».وقال: «من استطاع منكم ألا يعمى عن نقصان نفسه؛ فليفعل». وقال: «لا تفش على أحد ما تحب أن يكون مستورا منك» وقال: «قعود المؤمن عن الكسب إلحاف في المسألة». وقال: «الزهد عندي: ألا تكونَ بما في يدك أسكنَ قلبا منك بضمان سيدك». وقال: «لا أحد أدون ممن يتزين لدار فانية، ويتجمل لمن لا يملك ضره ولا نفعه». وقال: «تهاون بالدنيا؛ حتى لا يعظم في عينك أهلها ومن يملكها».
وقيل له: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ فقال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن. ونحن نتكلم لعز النفس، وطلب الدنيا، وقبول الخلق.
وسئل حمدون القصار: متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس؟ فقال: إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله ـ تعالى ـ في علمه، أو خاف هلاك إنسان في بدعة يرجو أن ينجيه الله منها بعلمه[25].
وروى الهجويري أنه لما عظم شأن حمدون القصار في العلم، جاءه شيوخ نيسابور فقالوا له: ينبغي اعتلاء المنبر وعظة الخلق؛ ليكون كلامك فائدة للقلوب. فقال: لا يجوز لي الكلام. قالوا: لماذا؟ قال: لأن قلبي متعلق بالدنيا وجاهها؛ فلا يفيد كلامي ولا يؤثر في القلوب، والكلام الذي لا يؤثر في القلوب يكون استخفافا بالعلم، أو استهزاء بالشريعة. والكلام مُسَلَّمٌ لمن يكون في صمته خلل الدين، فإذا تكلم ارتفع الخلل. ثم علق الهجويري على ذلك قائلا: «وأنا أعرف أن ذلك العظيم قد دفعهم عن نفسه؛ تركا للجاه والشهرة»[26].
وذكر أبو عبد الرحمن السلمي أن حمدون القصار سئل عن طريق الملامة فقال: «خوف القدرية، ورجاء المرجئة»[27]. والذي يظهر لي في معنى هذه العبارة أن الملامي يستشعر مسئوليته التامة عن أعماله، ويحاسب نفسه عليها حذر التقصير، وهو في ذلك مشبه بخوف القدرية؛ على حين أنه في الوقت نفسه لا يقطع طمعه في عفو الله، ولا أمله في مغفرته، ويعتمد على رحمته وعنايته، وهو في ذلك الرجاء مشبه بالمرجئة. لكن الشيخ الهجويري ـ رحمة الله عليه ـ رأى أن وراء العبارة رمزا ومعنى خفيا، حاول شرحه وتجليته بأن الإشكال في أن قدر ميل الإنسان إلى الجاه بين الخلق، هو نفسه قدر بعده عن حضرة الله ـ تعالى. وبقدر ما يميل الإنسان إلى رضا الخلق والقبول عندهم يكون تخلفه عن الله ـ تعالى. والسالك هنا بين خطرين: أولهما الخوف من حجاب الخلق، والآخر منع الفعل الذي يلومونه عليه ..قال: «فلا هو يركن إلى جاههم، ولا هو بقادر على أن يجعلهم مذنبين بملامته. فينبغي للملامتي أولا أن يقطع الخصومة الدنيوية والأخروية عن الخلق بما يقولونه، وأن يعمل لنجاة قلبه عملا لا هو بالكبيرة ولا الصغيرة في الشرع ليردَّهُ الخلقُ؛ حتى يكون خوفه في المعاملة كخوف القدرية، ورجاؤه في معاملة اللائمين كرجاء القدرية»[28].
وأنا أحسب أن تفسير الشيخ الهجويري ـ رحمة الله عليه ـ أدخل في ملامة القصد منه إلى ملامة الاستقامة. وملامة القصد هذه هي موضع النقد وموطن الخلاف في الحكم، وطالبها إما أن يحظى بهداية الله وتوفيقه فيكون من أهل ملامة الاستقامة، وإما أن يصيبه الخلل ويغلب عليه الهوى فيكون من أهل ملامة الترك. وقد مثل لها الشيخ الهجويري بما حكي عن أبي يزيد طيفور بن عيسى البسطامي (تـ261هـ)، من أنه كان عائدا من سفرة إلى الحجاز، فنودي في المدينة أن أبا يزيد قد جاء؛ فخرج الناس جميعا لاستقباله وأدخلوه المدينة بإكرام، ولما انشغل بمجاملتهم تخلف عن الحق وتشتت، فلما دخل السوق أخرج من كمه رغيفا وأخذ في أكله، وكان هذا في شهر رمضان؛ فرجع الناس جميعا وتركوه وحده[29].
وهذه الحكاية ليس فيها ما يذم به البسطامي شريعة؛ لأن الشيخ كان قادما من سفر له أن يأخذ بالرخصة وله أن يأخذ بالعزيمة، وربما عمل على إيهام القوم أنه يأكل بما لاكه في فمه من الرغيف. وهنا يأتي موضع كلام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (تـ505هـ) عن الملامية في كتاب «إحياء علوم الدين»، في بيانه لعلاج حب الجاه الذي يعده من المهلكات؛ لأن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتودد إليهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد المؤدي إلى التساهل في العبادات والرياء بما يظهر منها للتوصل إلى اقتناص القلوب.
وإذا كان المرض على هذه الدرجة من الخطورة؛ فلا بد من علاج. والعلاج عند أبي حامد مركب من علم وعمل، وإجمالا يكون البدء بالعلم المظهر لأسباب حب الجاه، والكاشف لدواعي ميل النفس إليه؛ ليكون العمل على قطع الأسباب ونفي الدواعي على هدى وبصيرة .. قال أبو حامد: «وأما من حيث العمل؛ فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتى يسقط من أعين الخلق، وتفارقه لذة القبول ويأنس بالخمول، ويرد الخلق ويقنع بالقبول من الخالق. وهذا هو مذهب الملامتية؛ إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس، فيسلموا من آفة الجاه. وهذا غير جائز لمن يقتدى به؛ فإنه يوهن الدين في قلوب المسلمين، وأما الذي لا يقتدى به فلا يجوز له أن يقدم على محظور لأجل ذلك؛ بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس، كما روي أن بعض الملوك قصد بعض الزهاد، فلما علم بقربه منه استدعى طعاما وبقلا وأخذ يأكل بشره ويعظم اللقمة، فلما نظر إليه الملك سقط من عينه وانصرف، فقال الزاهد: الحمد لله الذي صرفك عني. ومنهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتى يظن به أنه يشرب الخمر فيسقط من أعين الناس. وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه؛ إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقه مهما رأوا إصلاح قلوبهم فيه، ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير ...
وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول؛ فإن المعتزل في بيته في البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته، فإنه ربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور، وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرت بمقصودها، ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إلى أمر غير لائق به؛ جزعت نفسه وتألمت، وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم، وربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به، ويتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة. ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال؛ بل هو شر منه فإن فتنة الجاه أعظم، ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس، فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى، وقطع طمعه عن الناس رأسا؛ أصبح الناس كلهم عنده كالأرذال، فلا يبالي أكان له منزلة في قلوبهم أم لم يكن، كما لا يبالي بما في قلوب الذين هم منه في أقصى المشرق لأنه لا يراهم ولا يطمع فيهم ...»[30].
وهذا الكلام في جملته يعني أن أعمال ملامة القصد مثل الأدوية لمن ألمَّ به مرض أو استحكم منه داء، وإنما يكون التداوي بعلم، ويكون الدواء على قدر الداء بلا زيادة ولا نقصان، ولهذا لا يلزم أن تكون له صورة واحدة؛ بل تتبدل صورته بحسب تغير أحوال الناس، وقد يكون المسقط للجاه عندهم إظهار لزوم التقوى والطهارة، وقد ذكر الهجويري أنه كان يلزم للملامة في زمان الخير فعل مستنكر ديانة، والظهور بشيء مخالف للشريعة؛ على حين أنه إذا أراد رجل أن يلام في زمان الهجويري؛ فليؤد ركعتين طويلتين، أو فليقم بأداء ما عليه من عبادات . وعندئذ سرعان ما يلقبه كل شخص بأنه مدع كذاب[31].
ويعني في جملته أيضا أن ملامة القصد ليست بدار قرار ونهاية لسالكي الطريق، ولهذا لم يكن انتقاد الشيخ الهجويري لمن يركن إليها بأقل مما سبق بيانه في كلام الشيخ السهروردي؛ فتراه يقول: «أما عندي؛ فطلب الملامة عين الرياء، والرياء عين النفاق؛ لأن المرائي يسلك الطريق الذي يقبله الخلق، والملامتي يسلك بالتكلف الطريق الذي يرده الخلق. وهذان الفريقان ظلوا في الخلق ولا مخرج لهم ...، ولا يخطر على قلب الفقير غير حديث الحق، وحين يقطع قلبه عن الخلق يكون فارغا من هذين المعنيين، ولا يقيده شيء.
وقد اتفق لي ذات مرة صحبة أحد الملامتية في ما وراء النهر، وعندما تملكني في الصحبة حال من البسط قلت له: يا أخي، ما مرادك من هذه الأفعال المشوشة؟ قال: خلو الخلق مني. فقلت له: هؤلاء الخلق كثيرون، ولن تجد العمر والزمان والمكانة لإخلاء الخلق منك؛ فأخل أنت نفسك من الخلق لتخلص من هذه المشاغل ...
إنه لا يراك أحد؛ فلا تر أنت نفسك، وآفة حالك من عينك. ثم ما شأنك بالغير؟ من يلزمه طلب الشفاء من الاحتماء (يعني تقليل الطعام)، ويطلبه من الغذاء؛ فليس من الناس»[32].
وإني لأرجو أن يكون فيما قدمت توضيح لمفهوم الملامة عند صوفية الإسلام، وبيان لما هو محمود منها، وما هو جائز، وما هو مرذول مذموم .. نسأل الله السلامة في الدارين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.
--------------------------------------------
الإحالات والتعليقات
[1] ـ انظر الخليل بن أحمد: العين. وانظر ابن منظور: لسان العرب ـ مادة (ل و م).
[2] ـ راجع ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 976. من النسخة المشورة في موقع الوراق:
[3] ـ راجع الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 259، 2/ 412. ترجمة الدكتورة إسعاد عبد الهادي قنديل، ومراجعة الدكتور أمين عبد المجيد بدوي. ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر1974م.
[4] ـ هو محمد بن الحسين بن محمد، أبو عبد الرحمن الأزدي من أزد شنوءة أبًا؛ غير أنه اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أمِّهِ السُّلَمِيَّة؛ لأنه نشأ بعد وفاة والده في حضن جده لأمه إسماعيل بن نجيد السلمي الذي لم يكن له ولد؛ فنسب أبو عبد الرحمن إليه. وقد كان للسُّلَمِيين شأن في نيسابور ـ موطن ميلاده ـ فتحا وحكما، وثروة وجاها. انظر تصدير الدكتور نور الدين شريبة لكتاب طبقات الصوفية للسلمي ـ ص 16: 18. ط المكتبة الأثرية، باكستان (ب ـ ت).
[5] ـ نشرة الدكتور أبو العلا عفيفي: الملامتية والصوفية وأهل الفتوة ـ ص 98. ط دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة، مصر 1945م.
[6] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 1982.
[7] ـ علي بن محمد بن علي الجرجاني (تـ816هـ): التعريفات ـ ص 295. تحقيق إبراهيم الأبياري. ط1، دار الكتاب العربي ـ بيروت، لبنان 1405هـ.
[8] ـ أبو حفص السهروردي: عوارف المعارف ـ ص 89، 90. المطبوع بذيل كتاب «إحياء علوم الدين». ط1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1406هـ ـ 1986م.
[9] ـ السابق نفسه.
[10] ـ السابق ـ ص 90.
[11] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 259، 260.
[12] ـ راجع السابق نفسه؛ حيث تجد أشارة الهجويري إلى أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قدوة المحبين وإمام أهل الحقائق، كان قبل بعثته طيب الاسم عظيما، وعندما اتصل بالوحي وألبس خلعة المحبة أطلق الخلق فيه لسانهم؛ فقيل: كاهن، وساحر، وكاذب، ومجنون.
[13] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 976.
[14] ـ السابق ـ ص 1980.
[15] ـ راجع السابق ـ ص 1231، 1236، 1241، 1304، 1308، 1309، 1313، 1334، 1341.
[16] ـ راجع السابق ـ ص 268، 1981.
[17] ـ السابق ـ ص 1981.
[18] ـ السابق ـ ص 1982.
[19] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 265.
[20] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 1982، 1983.
[21] ـ راجع الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 261.
[22] ـ السابق ـ ص 263.
[23] ـ أبو عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية ـ ص 124. والحديث أخرجه الترمذي في سننه ـ 4/ 613. كتاب صفة القيامة ـ باب في القيامة في شأن الحساب والقصاص. بإسناد آخر عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله، عن أبي برزة مرفوعا بلفظ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟». وقال: حسن صحيح.
[24] ـ الحافظ الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ 13/ 50، 51. تحقيق شعيب الأرناؤوط بالاشتراك. ط9، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، لبنان 1413هـ.
[25] ـ عن أبي عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية ـ ص 125: 129.
[26] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 338.
[27] ـ السلمي: طبقات ـ ص 129.
[28] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 264.
[29] ـ السابق ـ ص 262.
[30] ـ الغزالي: إحياء علوم الدين ـ 3/ 304، 305. ط1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1406هـ ـ 1986م.
[31] ـ انظر الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 263. وهذا في زمان الهجويري الذي عاش في القرن الخامس الهجري؛ فما بال زماننا؟!!
[32] ـ السابق ـ ص 265.
ومن هذا ما فعله الشيخ الهجويري حينما أجرى الكلام في الملامة على أنها ثلاثة أنواع: ملامة استقامة السير، وملامة القصد، وملامة الترك.
أما ملامة استقامة السير؛ فأهلها المحافظون على الدين، المراعون لله ـ تعالى ـ في المعاملات، ولا يفرطون في شيء مما فرضه الله عليهم؛ فيلومهم الخلق وهم فارغون منهم لاشتغال قلوبهم بالحق. وأحسب أن هؤلاء من عناهم الشيخ محيي الدين الحاتمي بكلامه، ورفع منزلتهم على سائر الصوفية.
وأما ملامة القصد؛ فأهلها الفارون من حصول الجاه لهم بين الخلق، المريدون لنفي اشتغال قلوبهم إلا بالحق، ومنهم من يتكلف إظهار ما ينفر الناس منه لينفي ما علق بنفسه من إقبالهم عليه، بما لا يخالف الشريعة وإن أوهم أنه مخالف، وقد يكون هو المشتغلَ بالناس لينفضوا أيديهم عنه والناس فارغون منه. وأحسب أن هؤلاء من عناهم الشيخ السهروردي بكلامه، وجعل منزلتهم دون منزلة الصوفي المتحقق وأعلى من منزلة المتصوف.
أما ملامة الترك؛ فالضلال متمكن من أصحابها الذين عجزت نفوسهم عن اتباع الشريعة؛ فزعموا أنهم يسيرون في طريق الملامة، وهم في الحقيقة مبطلون في الادعاء لا يقومون إلا بما تمليه عليه أهواؤهم[21].
ولا إشكال في ذم أهل الدعوى الباطلة، ولا مماراة في نفيهم من جملة أهل الحق، ولذلك قال الشيخ الهجويري: « وأما من كان طريقه الترك، ويختار ما يخالف الشريعة، ويقول: إنني أسلك طريق الملامة. فتلك ضلالة واضحة، وآفة ظاهرة، وجنون صادق، على نحو ما يوجد عليه كثيرون هذه الأيام، وَمَقْصُودُهُمْ منْ رَدِّ الخَلْقِ قَبُولُ الخَلْقِ؛ لأنه يجبُ أن يكونَ الشَّخصُ أوَّلا مقبولا من الخلقِ حتَّى يَطلُبَ ردَّهم، ويَظْهَرَ بفِعْلٍ يَردُّونه به؛ إذ إنَّ تَكَلُّفَ الردِّ لقَبولٍ لم يحصُلْ يكونُ حيلةً.
واتفق لي ذات مرة أن أصحب أحد هؤلاء الأدعياء المبطلين، فظهر يوما بمعاملة باطلة، وجعل الملامة عذرا لها؛ فقال له رجل: هذا ليس بشيء. فرأيته يزفر؛ فقلت له: يا هذا، إذا كنت تسلك طريق المعاملة وأنت صادق في هذا؛ فإنكار هذا الرجل لفعلك تأكيد لمذهبك، وما دام هو يوافقك في طريقك؛ فلم الخصومة والغضب؟! وقصتك هذه أقرب إلى الدعوى منها إلى الملامة، وكل من يدعو الخلق يجب أن يدعوهم بأمر له برهان من الحق، وبرهانه حفظ السنة. ولما كنت أرى منك ترك الفريضة ظاهرا وأنت تدعو الخلق؛ فإن هذا الأمر يخرج عن دائرة الإسلام»[22].
ولا إشكال أيضا في مدح أهل ملامة الاستقامة، ولا عيب في طلب التأدب بآدابهم في إقامة الدين، والتخلق بأخلاقهم في حفظ الحال وستر ما لا يلزم إظهاره من الأعمال، مع الانشغال بالحق وترك العناية بآراء الخلق. وإنَّ أول من اشتهر به مذهب الملامة من الصوفية المسلمين هو أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار (تـ271هـ)، وقد عده الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقة الأولى من طبقات الصوفية ـ كان من كبار رجالات العلم يذهب في الفقه مذهب سفيان الثوري أحد أمراء المؤمنين في علم الحديث، وكان هو نفسه من رواة الحديث المسندين، واختار السلمي من مروياته المسندة في الترجمة له حديثا يمثل أصلا من أصول طريقته؛ فروى عن والده، عن عبد الله بن مُنازل؛ حدثنا حمدون بن أحمد القصار؛ حدثنا إبراهيم الزراد؛ حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله، عن أبي برزة الأسلمي؛ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وأين وضعه، وعن علمه ما عمل فيه»[23].
وترجم له الحافظ شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، فذكر أنه قدوة الملامتية التي تعني «تخريب الظاهر وعمارة الباطن مع التزام الشريعة»، ثم قال: «وكان سفيانيا. سمع محمد بن بكار بن الريان، وابن راهويه، وأبا معمر الهذلي. وصحب أبا تراب، وأبا حفص النيسابوري. وكان من الأبدال. روى عنه ابنه الحافظ أبو حامد الأعمشي، ومكي بن عبدان، وأبو جعفر بن حمدان وآخرون» ثم نقل عن طبقات السلمي بعض أقواله المعبرة عن مذهبه في الملامة المرضية[24].
ومن أقوال حمدون القصار: «لا يجزع من المصيبة إلا من اتهم ربه». وقال: «من ضيع عهود الله عنده؛ فهو لآداب الشريعة أضيع». وقال: «استعانة المخلوق بالمخلوق، كاستعانة السجين بالسجين». وقال له تلميذه عبد الله بن مُنازل مرة: أوصني. فقال: «إن استطعت ألا تغضب لشيء من الدنيا فافعل». وقال: «من شغله طلب الدنيا عن الآخرة؛ ذلَّ إما في الدنيا وإما في الآخرة». وقال: «كفايتك تساق إليك باليُسر من غير تعب، وإنما التعب في طلب الفضول». وقال: «من نظر في سير السلف؛ عرف تقصيره وتَخَلُّفَه عن درجات الرجال».وقال: «من استطاع منكم ألا يعمى عن نقصان نفسه؛ فليفعل». وقال: «لا تفش على أحد ما تحب أن يكون مستورا منك» وقال: «قعود المؤمن عن الكسب إلحاف في المسألة». وقال: «الزهد عندي: ألا تكونَ بما في يدك أسكنَ قلبا منك بضمان سيدك». وقال: «لا أحد أدون ممن يتزين لدار فانية، ويتجمل لمن لا يملك ضره ولا نفعه». وقال: «تهاون بالدنيا؛ حتى لا يعظم في عينك أهلها ومن يملكها».
وقيل له: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ فقال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن. ونحن نتكلم لعز النفس، وطلب الدنيا، وقبول الخلق.
وسئل حمدون القصار: متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس؟ فقال: إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله ـ تعالى ـ في علمه، أو خاف هلاك إنسان في بدعة يرجو أن ينجيه الله منها بعلمه[25].
وروى الهجويري أنه لما عظم شأن حمدون القصار في العلم، جاءه شيوخ نيسابور فقالوا له: ينبغي اعتلاء المنبر وعظة الخلق؛ ليكون كلامك فائدة للقلوب. فقال: لا يجوز لي الكلام. قالوا: لماذا؟ قال: لأن قلبي متعلق بالدنيا وجاهها؛ فلا يفيد كلامي ولا يؤثر في القلوب، والكلام الذي لا يؤثر في القلوب يكون استخفافا بالعلم، أو استهزاء بالشريعة. والكلام مُسَلَّمٌ لمن يكون في صمته خلل الدين، فإذا تكلم ارتفع الخلل. ثم علق الهجويري على ذلك قائلا: «وأنا أعرف أن ذلك العظيم قد دفعهم عن نفسه؛ تركا للجاه والشهرة»[26].
وذكر أبو عبد الرحمن السلمي أن حمدون القصار سئل عن طريق الملامة فقال: «خوف القدرية، ورجاء المرجئة»[27]. والذي يظهر لي في معنى هذه العبارة أن الملامي يستشعر مسئوليته التامة عن أعماله، ويحاسب نفسه عليها حذر التقصير، وهو في ذلك مشبه بخوف القدرية؛ على حين أنه في الوقت نفسه لا يقطع طمعه في عفو الله، ولا أمله في مغفرته، ويعتمد على رحمته وعنايته، وهو في ذلك الرجاء مشبه بالمرجئة. لكن الشيخ الهجويري ـ رحمة الله عليه ـ رأى أن وراء العبارة رمزا ومعنى خفيا، حاول شرحه وتجليته بأن الإشكال في أن قدر ميل الإنسان إلى الجاه بين الخلق، هو نفسه قدر بعده عن حضرة الله ـ تعالى. وبقدر ما يميل الإنسان إلى رضا الخلق والقبول عندهم يكون تخلفه عن الله ـ تعالى. والسالك هنا بين خطرين: أولهما الخوف من حجاب الخلق، والآخر منع الفعل الذي يلومونه عليه ..قال: «فلا هو يركن إلى جاههم، ولا هو بقادر على أن يجعلهم مذنبين بملامته. فينبغي للملامتي أولا أن يقطع الخصومة الدنيوية والأخروية عن الخلق بما يقولونه، وأن يعمل لنجاة قلبه عملا لا هو بالكبيرة ولا الصغيرة في الشرع ليردَّهُ الخلقُ؛ حتى يكون خوفه في المعاملة كخوف القدرية، ورجاؤه في معاملة اللائمين كرجاء القدرية»[28].
وأنا أحسب أن تفسير الشيخ الهجويري ـ رحمة الله عليه ـ أدخل في ملامة القصد منه إلى ملامة الاستقامة. وملامة القصد هذه هي موضع النقد وموطن الخلاف في الحكم، وطالبها إما أن يحظى بهداية الله وتوفيقه فيكون من أهل ملامة الاستقامة، وإما أن يصيبه الخلل ويغلب عليه الهوى فيكون من أهل ملامة الترك. وقد مثل لها الشيخ الهجويري بما حكي عن أبي يزيد طيفور بن عيسى البسطامي (تـ261هـ)، من أنه كان عائدا من سفرة إلى الحجاز، فنودي في المدينة أن أبا يزيد قد جاء؛ فخرج الناس جميعا لاستقباله وأدخلوه المدينة بإكرام، ولما انشغل بمجاملتهم تخلف عن الحق وتشتت، فلما دخل السوق أخرج من كمه رغيفا وأخذ في أكله، وكان هذا في شهر رمضان؛ فرجع الناس جميعا وتركوه وحده[29].
وهذه الحكاية ليس فيها ما يذم به البسطامي شريعة؛ لأن الشيخ كان قادما من سفر له أن يأخذ بالرخصة وله أن يأخذ بالعزيمة، وربما عمل على إيهام القوم أنه يأكل بما لاكه في فمه من الرغيف. وهنا يأتي موضع كلام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (تـ505هـ) عن الملامية في كتاب «إحياء علوم الدين»، في بيانه لعلاج حب الجاه الذي يعده من المهلكات؛ لأن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتودد إليهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد المؤدي إلى التساهل في العبادات والرياء بما يظهر منها للتوصل إلى اقتناص القلوب.
وإذا كان المرض على هذه الدرجة من الخطورة؛ فلا بد من علاج. والعلاج عند أبي حامد مركب من علم وعمل، وإجمالا يكون البدء بالعلم المظهر لأسباب حب الجاه، والكاشف لدواعي ميل النفس إليه؛ ليكون العمل على قطع الأسباب ونفي الدواعي على هدى وبصيرة .. قال أبو حامد: «وأما من حيث العمل؛ فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتى يسقط من أعين الخلق، وتفارقه لذة القبول ويأنس بالخمول، ويرد الخلق ويقنع بالقبول من الخالق. وهذا هو مذهب الملامتية؛ إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس، فيسلموا من آفة الجاه. وهذا غير جائز لمن يقتدى به؛ فإنه يوهن الدين في قلوب المسلمين، وأما الذي لا يقتدى به فلا يجوز له أن يقدم على محظور لأجل ذلك؛ بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس، كما روي أن بعض الملوك قصد بعض الزهاد، فلما علم بقربه منه استدعى طعاما وبقلا وأخذ يأكل بشره ويعظم اللقمة، فلما نظر إليه الملك سقط من عينه وانصرف، فقال الزاهد: الحمد لله الذي صرفك عني. ومنهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتى يظن به أنه يشرب الخمر فيسقط من أعين الناس. وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه؛ إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقه مهما رأوا إصلاح قلوبهم فيه، ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير ...
وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول؛ فإن المعتزل في بيته في البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته، فإنه ربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور، وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرت بمقصودها، ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إلى أمر غير لائق به؛ جزعت نفسه وتألمت، وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم، وربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به، ويتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة. ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال؛ بل هو شر منه فإن فتنة الجاه أعظم، ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس، فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى، وقطع طمعه عن الناس رأسا؛ أصبح الناس كلهم عنده كالأرذال، فلا يبالي أكان له منزلة في قلوبهم أم لم يكن، كما لا يبالي بما في قلوب الذين هم منه في أقصى المشرق لأنه لا يراهم ولا يطمع فيهم ...»[30].
وهذا الكلام في جملته يعني أن أعمال ملامة القصد مثل الأدوية لمن ألمَّ به مرض أو استحكم منه داء، وإنما يكون التداوي بعلم، ويكون الدواء على قدر الداء بلا زيادة ولا نقصان، ولهذا لا يلزم أن تكون له صورة واحدة؛ بل تتبدل صورته بحسب تغير أحوال الناس، وقد يكون المسقط للجاه عندهم إظهار لزوم التقوى والطهارة، وقد ذكر الهجويري أنه كان يلزم للملامة في زمان الخير فعل مستنكر ديانة، والظهور بشيء مخالف للشريعة؛ على حين أنه إذا أراد رجل أن يلام في زمان الهجويري؛ فليؤد ركعتين طويلتين، أو فليقم بأداء ما عليه من عبادات . وعندئذ سرعان ما يلقبه كل شخص بأنه مدع كذاب[31].
ويعني في جملته أيضا أن ملامة القصد ليست بدار قرار ونهاية لسالكي الطريق، ولهذا لم يكن انتقاد الشيخ الهجويري لمن يركن إليها بأقل مما سبق بيانه في كلام الشيخ السهروردي؛ فتراه يقول: «أما عندي؛ فطلب الملامة عين الرياء، والرياء عين النفاق؛ لأن المرائي يسلك الطريق الذي يقبله الخلق، والملامتي يسلك بالتكلف الطريق الذي يرده الخلق. وهذان الفريقان ظلوا في الخلق ولا مخرج لهم ...، ولا يخطر على قلب الفقير غير حديث الحق، وحين يقطع قلبه عن الخلق يكون فارغا من هذين المعنيين، ولا يقيده شيء.
وقد اتفق لي ذات مرة صحبة أحد الملامتية في ما وراء النهر، وعندما تملكني في الصحبة حال من البسط قلت له: يا أخي، ما مرادك من هذه الأفعال المشوشة؟ قال: خلو الخلق مني. فقلت له: هؤلاء الخلق كثيرون، ولن تجد العمر والزمان والمكانة لإخلاء الخلق منك؛ فأخل أنت نفسك من الخلق لتخلص من هذه المشاغل ...
إنه لا يراك أحد؛ فلا تر أنت نفسك، وآفة حالك من عينك. ثم ما شأنك بالغير؟ من يلزمه طلب الشفاء من الاحتماء (يعني تقليل الطعام)، ويطلبه من الغذاء؛ فليس من الناس»[32].
وإني لأرجو أن يكون فيما قدمت توضيح لمفهوم الملامة عند صوفية الإسلام، وبيان لما هو محمود منها، وما هو جائز، وما هو مرذول مذموم .. نسأل الله السلامة في الدارين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.
--------------------------------------------
الإحالات والتعليقات
[1] ـ انظر الخليل بن أحمد: العين. وانظر ابن منظور: لسان العرب ـ مادة (ل و م).
[2] ـ راجع ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 976. من النسخة المشورة في موقع الوراق:
[3] ـ راجع الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 259، 2/ 412. ترجمة الدكتورة إسعاد عبد الهادي قنديل، ومراجعة الدكتور أمين عبد المجيد بدوي. ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر1974م.
[4] ـ هو محمد بن الحسين بن محمد، أبو عبد الرحمن الأزدي من أزد شنوءة أبًا؛ غير أنه اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أمِّهِ السُّلَمِيَّة؛ لأنه نشأ بعد وفاة والده في حضن جده لأمه إسماعيل بن نجيد السلمي الذي لم يكن له ولد؛ فنسب أبو عبد الرحمن إليه. وقد كان للسُّلَمِيين شأن في نيسابور ـ موطن ميلاده ـ فتحا وحكما، وثروة وجاها. انظر تصدير الدكتور نور الدين شريبة لكتاب طبقات الصوفية للسلمي ـ ص 16: 18. ط المكتبة الأثرية، باكستان (ب ـ ت).
[5] ـ نشرة الدكتور أبو العلا عفيفي: الملامتية والصوفية وأهل الفتوة ـ ص 98. ط دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة، مصر 1945م.
[6] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 1982.
[7] ـ علي بن محمد بن علي الجرجاني (تـ816هـ): التعريفات ـ ص 295. تحقيق إبراهيم الأبياري. ط1، دار الكتاب العربي ـ بيروت، لبنان 1405هـ.
[8] ـ أبو حفص السهروردي: عوارف المعارف ـ ص 89، 90. المطبوع بذيل كتاب «إحياء علوم الدين». ط1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1406هـ ـ 1986م.
[9] ـ السابق نفسه.
[10] ـ السابق ـ ص 90.
[11] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 259، 260.
[12] ـ راجع السابق نفسه؛ حيث تجد أشارة الهجويري إلى أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قدوة المحبين وإمام أهل الحقائق، كان قبل بعثته طيب الاسم عظيما، وعندما اتصل بالوحي وألبس خلعة المحبة أطلق الخلق فيه لسانهم؛ فقيل: كاهن، وساحر، وكاذب، ومجنون.
[13] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 976.
[14] ـ السابق ـ ص 1980.
[15] ـ راجع السابق ـ ص 1231، 1236، 1241، 1304، 1308، 1309، 1313، 1334، 1341.
[16] ـ راجع السابق ـ ص 268، 1981.
[17] ـ السابق ـ ص 1981.
[18] ـ السابق ـ ص 1982.
[19] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 265.
[20] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 1982، 1983.
[21] ـ راجع الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 261.
[22] ـ السابق ـ ص 263.
[23] ـ أبو عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية ـ ص 124. والحديث أخرجه الترمذي في سننه ـ 4/ 613. كتاب صفة القيامة ـ باب في القيامة في شأن الحساب والقصاص. بإسناد آخر عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله، عن أبي برزة مرفوعا بلفظ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟». وقال: حسن صحيح.
[24] ـ الحافظ الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ 13/ 50، 51. تحقيق شعيب الأرناؤوط بالاشتراك. ط9، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، لبنان 1413هـ.
[25] ـ عن أبي عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية ـ ص 125: 129.
[26] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 338.
[27] ـ السلمي: طبقات ـ ص 129.
[28] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 264.
[29] ـ السابق ـ ص 262.
[30] ـ الغزالي: إحياء علوم الدين ـ 3/ 304، 305. ط1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1406هـ ـ 1986م.
[31] ـ انظر الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 263. وهذا في زمان الهجويري الذي عاش في القرن الخامس الهجري؛ فما بال زماننا؟!!
[32] ـ السابق ـ ص 265.
تعليق