مقال للإمام الكوثري قدّس الله روحه قمت بنسخه من (مقالات الكوثري) ط التوقيفية من ص307 إلى ص312 أسأل الله أن يتمّ به النفع .
_______________
حول كلمة
تعزى إلى السيوطي غلطًا
الإمام المحدث الفقيه الحجة الشيخ
محمد زاهد الكوثري
وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية ورئيس العلماء فيها
ولد 1296- وتوفي 1371هـ رحمه الله تعالى
*************************
حول كلمة
تعزى إلى السيوطي غلطًا
قرأت في عدد من مجلة الإسلام الغراء رسالة بعث بها الوجيه المثري محمد نصيف المشهور إلى فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد الرحمن خليفة صاحب تلك المقالات القيمة والأجوبة الحكيمة المنشورة في المجلة المذكورة ، فوجدت مرسل الرسالة يتشكك في نسبة كتاب (( قمع المعارض في الذب عن ابن الفارض )) إلى الجلال السيوطي .
وليس ذلك موضع شك وقد امتلأت به خزانات العالم . وله كتاب آخر في الذب عن ابن عربي سماه (( تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي )) وهما من مشهورات كتبه .
وكان النزاع اشتد بين اهل العلم بشأن ابن الفارض وابن عربي في القرن التاسع الهجري بمصر ، وكان حامل راية الفتنة البرهان البقاعي حتى ألف في ذلك كتابا . وكان قصد السيوطي الرد عليه ، والحادثة مشروحة في (( أحسن المساعي في إيصاح حوادث البقاعي )) للسخاوي ، وفي كتب الأنباء المؤلفة في ذلك العصر ، وحادثة مباهلة ابن حجر معروفة ، وكان رأي السخاوي في النزاع القائم في حق ابن الفارض قوله : (( لم يصل إلى ما نسب إليه من الشعر عنه بسند صحيح ، ونحن لا نكفر بأمر محتمل سيما ولا فائدة من تكفيره وإنما الفائدة في التنفير من المقالة )) .
وألف السخاوي كتابا في ابن عربي في مجلد ذكر فيه ماله وما عليه وسماه (( القول المنبي عن ترجمة ابن عربي )) ثم لخصه في كراسة سماها (( الكفاية في طريق الهداية )) بل ألف فيه كتابا آخر وسماه (( تجريد أسماء الآخذين عن ابن عربي )) ؛ ورأيه فيه كرأيه في ابن الفارض تقريبًا ، وكان العلاء البخاري شديد الرد على ابن عربي ، كما كان شديدًا في حق ابن تيمية ، وقد ألف بشأن الأول (( فاضحة الملحدين )) وهي مطبوعة مع رسالة علي القاري في حق فرعون في الآستانة باسم السعد التفتازاني ، إما سهوا أو قصدا ، كما ألف في حق الثاني (( الملجمة للمجسمة )) .
وقد رد على (( تنبيه الغبي للسيوطي )) بقسوة وعنف إبراهيم الحلبي الفقيه صاحب ملتقى الأبحر ، في كتاب سماه (( تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي )) كما ألف (( النصوص في نقض الفصوص )) ، و (( الذريعة إلى نصرة الشريعة )) في هذا الشأن ، ومن الرادين على ابن عربي من المتصوفة عبد الحق بن سبعين الإشبيلي في كتابه (( بدء العارف )) ومنهم الإمام الرباني في مكتوباته ، ولا يحصى ما ألف في الرد عليه والذب عنه ، والقول الفصل في ذلك رأي السخاوي الذي أشرنا إليه ، وفي خلاصة الأثر نقلا عن النجم الغزي ذكرت رؤيا طريفة في ترجمة أبي بكر الكوراني في هذا الصدد أكتفي بالإشارة إليها ، وأرى من المصلحة إبعاد مثل هذه الأبحاث المتشعبة عن المجلة التي تصدر لنفع الجمهور .
وأما الكلمة التي يقال عنها إنها للسيوطي حيث يقول مرسل الرسالة : فكيف يقول : (( ما رمقت عيني .. )) فخطأ محض ، وناقل تلك الكلمة عن ((قمع المعارض)) غالط ، وإنما تلك الكلمة للذهبي حيث يقول في (( زغل العلم )) له (ص17) : (( .. فوالله ما رمقت عيني أوسع علما ، ولا أقوى ذكاء من رجل يقال له ابن تيمية ... وقد تعبت في وزنه وتفتيشه حتى مللت في سنين متطاولة ، فما وجدت الذي أخره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم ، وازدروا به وكذبوه وكفروه إلا الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة ، والازدراء بالكبار . فانظر كيف وبال الدعاوى ومحبة الظهور نسأل الله المسامحة .. وما دفع الله عنه وعن أتباعه أكثر وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون )) اهـ . ثم يقول أيضًا : ((ص23)) : (( .. وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل ، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئًا على محياه سيما السلف ، ثم صار مظلما مكسوفا عليه قتمة عند خلائق من الناس ، ودجالا أفاكا كافرًا عند أعدائه ، ومبتدعا فاضلا محققًا بارعًا عند طوائف من عقلاء الفضلاء ، وحامل راية الإسلام وحامي حوزة الدين ومحيي السنة عند عموم عوام أصحابه )) اهـ . ومما يقول الذهبي في رسالة بعث بها إليه ((في ص134)) : ((فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفيق المحب الواد ، فكيف يكون حالك عند أعدائك ، وأعداؤك والله فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء ، كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر)) اهـ . وهذا رأي الذهبي فيه وهو الذي يعد من المفتتنين به . وماذا يكون رأي العلماء الآخرين .
و (زغل العلم) للذهبي طبع مع تلك الرسالة قبل سنوات ، وأستبعد ألا يكون ذلك الوجيه الكريم اطلع عليه . وقد نقل السخاوي في ((الإعلان بالتوبيخ)) ، ما نقلناه آنفا ، وأشار إلى تلك الرسالة في أثناء الكلام ، و (الزغل) من المخطوطات المحفوظة في التيمورية ، والرسالة من محفوظات دار الكتب المصرية بخط التقي ابن قاضي شهبة .. وقد أشار صاحب ((القول الجلي)) في ص126 من الطبعة الفزجية إلى ((زغل العلم)) حيث قال : ويعارضه ما ذكر هو نفسه في ((زغل العلم)) اهـ وإن تصحف على الطابع وقال بدله ((رجل العلم)) ووضع الرقم في غير موضعه .
وليس لمعرفة الرجل أحسن من النظر في مؤلفاته وهو الدليل الإني في حقه ، وقد رأى أهل العلم في مؤلفات ابن تيمية القول بالقدم النوعي في العالم ، وقيام الحوادث بالله سبحانه ونفي الخلود في النار في حق الكفار ، وإثبات الحركة والجهة لله تعالى وتجويز استقرار معبوده على ظهر بعوضة ، إلى غير ذلك من مسائل طامة في الأصول والفروع ، فلا يعقل أن يكون الذين درسوا أصول الدين على الطريقة الأزهرية يعدون حاله كما ذكرناه في مقام القدوة في الدين والعلم بعد تأكدهم من وجود تلك المسائل في مؤلفاته .
وصاحب القول الجلي كان نزلا عند النابلسيين غريبا فواسوه فكافأهم بتأليف ذلك الكتاب ، وأما ابن الوردي فيقول في أواخر تاريخه عن أحد المقبورين من الصالحين ما معناه : (( هذا أحد الأولياء الأربعة الذين يتصرفون في قبورهم وهم يحرسون أرض الشام من الآفات والبلايا )) . فبالله عليك هل يكون من هذا قوله يعرف ابن تيمية حتى يقام لشعره ميزان .
وأما أمثال ابن كثير والصلاح بن شاكر الكتبي والشمس بن عبد الهادي من الذين اتصلوا به وهم شباب حتى افتتنوا به وعزروا على ذلك فلا يوثق بهم في ترجمة الرجل .
فإذا راجعت كتبه نفسه بتبصر و ((نجم المهتدي لابن المعلم المحدث)) و ((دفع الشبه للتقي الحصني)) و ((الدرر الكامنة لابن حجر)) ونحوها من الكتب ، تتأكد من أن من شذ عن الجماعة لا يكون إلا موضع ريبة بالمعنى الصحيح . وإن كان ذلك الوجيه الفاضل يعول على البقاعي فيلزمه أن يسقط ابن ناصر الدين ، فإن قول البقاعي فيه شديد مسقط . راجع العنوان للبقاعي .
وكان ((جلاء العينين في محاكمة الأحمدين)) للنعمان الآلوسي - الذي تربطه بالقنوجي صلة مادية متينة - مرحلة من مراحل الدعاية ، مشى في تلك المرحلة بتكذيب ثبوت أمثال تلك المسائل عنه ، لكن كتب ابن تيمية المطبوعة فيما بعد كشفت النقاب عن سر المهنة وكذبت المكذب فانجلى ((الجلاء)) من الميدان وأبو المعالي الشافعي ((محمود شكري الآلوسي)) طراز آخر وقد عرفه الناس .
وإني جد معجب بنشاط ذلك الوجيه السلفي المحتمى صاحب الكرم الحاتمي ، في الاتصال بأصحاب المجلات ، والسعي في إملاء ما يشاء عليهم ، وفي إهدائه الكتب يمينا وشمالا ، وهو الذي استنسخ قبل سنوات ترجمة أبى حنيفة من المجلد المحفوظ تحت رقم 60 بدار الكتب المصرية من تاريخ الخطيب - وفيه زيادات مع سقم النسخة - وسعى في ترجمتها إلى لغة الهند حتى تم نشرها مع الأصل العربي في الهند بهمته قبل طبع تاريخ الخطيب بمصر بمدة بعيدة .
وأود جدًّا أن يكون هذا النشاط وهذا السعي من ذلك الجواد المثرى في نشر أمثال علل أحمد بن حنبل ، ومسائل إسحق بن منصور ، ومصنف ابن أبي شيبة - لا الباب الخاص بأبي حنيفة وحده - وعلل الدارقطني ، وتمهيد ابن عبد البر ، والأحكام الكبرى لعبد الحق، ومحرر المجد بن تيمية .. كما سبق له نشر علل ابن أبي حاتم ، مع الاجتهاد في نشر كتب تحبب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الأمة كما يجب ، بدل السعي في تحبيب ابن تيمية إليهم بدون جدوى . فلو فعل هذا لكان هذا العمل ذخرًا له في الآخرة وخدمة مشكورة عند جميع المسلمين ، وكان لهذا العمل عاقبة حميدة جدًا .
وأما إن كان اختلط لنفسه المضي على ما رسمه في سبيل ما هو فيه ، فإني أصارحه وأقترح عليه ما يقصر المسافة جدًا وهو أن ينقل عن كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد المطبوع تحت إشرافه سنة 1349 من الصفحات (رقم 35 و 49 و 63 و 68 و 70 و 71 و 142 و 143 و 145 و 149 و 163 و 165 ) تلك الروايات المسجلة فيها ، ويستفتي الأزهر الشريف الحارس لدين الله في هذا العصر عن حكم تلك الآراء ومبلغ انطباقها لدين الله . ولم أنقل هنا نصا واحدًا من تلك النصوص حرصًا على معتقد العامة وفي هذا القدر كفاية.
منقول من الرياحين من مشاركة الهاشمي
_______________
حول كلمة
تعزى إلى السيوطي غلطًا
الإمام المحدث الفقيه الحجة الشيخ
محمد زاهد الكوثري
وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية ورئيس العلماء فيها
ولد 1296- وتوفي 1371هـ رحمه الله تعالى
*************************
حول كلمة
تعزى إلى السيوطي غلطًا
قرأت في عدد من مجلة الإسلام الغراء رسالة بعث بها الوجيه المثري محمد نصيف المشهور إلى فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد الرحمن خليفة صاحب تلك المقالات القيمة والأجوبة الحكيمة المنشورة في المجلة المذكورة ، فوجدت مرسل الرسالة يتشكك في نسبة كتاب (( قمع المعارض في الذب عن ابن الفارض )) إلى الجلال السيوطي .
وليس ذلك موضع شك وقد امتلأت به خزانات العالم . وله كتاب آخر في الذب عن ابن عربي سماه (( تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي )) وهما من مشهورات كتبه .
وكان النزاع اشتد بين اهل العلم بشأن ابن الفارض وابن عربي في القرن التاسع الهجري بمصر ، وكان حامل راية الفتنة البرهان البقاعي حتى ألف في ذلك كتابا . وكان قصد السيوطي الرد عليه ، والحادثة مشروحة في (( أحسن المساعي في إيصاح حوادث البقاعي )) للسخاوي ، وفي كتب الأنباء المؤلفة في ذلك العصر ، وحادثة مباهلة ابن حجر معروفة ، وكان رأي السخاوي في النزاع القائم في حق ابن الفارض قوله : (( لم يصل إلى ما نسب إليه من الشعر عنه بسند صحيح ، ونحن لا نكفر بأمر محتمل سيما ولا فائدة من تكفيره وإنما الفائدة في التنفير من المقالة )) .
وألف السخاوي كتابا في ابن عربي في مجلد ذكر فيه ماله وما عليه وسماه (( القول المنبي عن ترجمة ابن عربي )) ثم لخصه في كراسة سماها (( الكفاية في طريق الهداية )) بل ألف فيه كتابا آخر وسماه (( تجريد أسماء الآخذين عن ابن عربي )) ؛ ورأيه فيه كرأيه في ابن الفارض تقريبًا ، وكان العلاء البخاري شديد الرد على ابن عربي ، كما كان شديدًا في حق ابن تيمية ، وقد ألف بشأن الأول (( فاضحة الملحدين )) وهي مطبوعة مع رسالة علي القاري في حق فرعون في الآستانة باسم السعد التفتازاني ، إما سهوا أو قصدا ، كما ألف في حق الثاني (( الملجمة للمجسمة )) .
وقد رد على (( تنبيه الغبي للسيوطي )) بقسوة وعنف إبراهيم الحلبي الفقيه صاحب ملتقى الأبحر ، في كتاب سماه (( تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي )) كما ألف (( النصوص في نقض الفصوص )) ، و (( الذريعة إلى نصرة الشريعة )) في هذا الشأن ، ومن الرادين على ابن عربي من المتصوفة عبد الحق بن سبعين الإشبيلي في كتابه (( بدء العارف )) ومنهم الإمام الرباني في مكتوباته ، ولا يحصى ما ألف في الرد عليه والذب عنه ، والقول الفصل في ذلك رأي السخاوي الذي أشرنا إليه ، وفي خلاصة الأثر نقلا عن النجم الغزي ذكرت رؤيا طريفة في ترجمة أبي بكر الكوراني في هذا الصدد أكتفي بالإشارة إليها ، وأرى من المصلحة إبعاد مثل هذه الأبحاث المتشعبة عن المجلة التي تصدر لنفع الجمهور .
وأما الكلمة التي يقال عنها إنها للسيوطي حيث يقول مرسل الرسالة : فكيف يقول : (( ما رمقت عيني .. )) فخطأ محض ، وناقل تلك الكلمة عن ((قمع المعارض)) غالط ، وإنما تلك الكلمة للذهبي حيث يقول في (( زغل العلم )) له (ص17) : (( .. فوالله ما رمقت عيني أوسع علما ، ولا أقوى ذكاء من رجل يقال له ابن تيمية ... وقد تعبت في وزنه وتفتيشه حتى مللت في سنين متطاولة ، فما وجدت الذي أخره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم ، وازدروا به وكذبوه وكفروه إلا الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة ، والازدراء بالكبار . فانظر كيف وبال الدعاوى ومحبة الظهور نسأل الله المسامحة .. وما دفع الله عنه وعن أتباعه أكثر وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون )) اهـ . ثم يقول أيضًا : ((ص23)) : (( .. وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل ، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئًا على محياه سيما السلف ، ثم صار مظلما مكسوفا عليه قتمة عند خلائق من الناس ، ودجالا أفاكا كافرًا عند أعدائه ، ومبتدعا فاضلا محققًا بارعًا عند طوائف من عقلاء الفضلاء ، وحامل راية الإسلام وحامي حوزة الدين ومحيي السنة عند عموم عوام أصحابه )) اهـ . ومما يقول الذهبي في رسالة بعث بها إليه ((في ص134)) : ((فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفيق المحب الواد ، فكيف يكون حالك عند أعدائك ، وأعداؤك والله فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء ، كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر)) اهـ . وهذا رأي الذهبي فيه وهو الذي يعد من المفتتنين به . وماذا يكون رأي العلماء الآخرين .
و (زغل العلم) للذهبي طبع مع تلك الرسالة قبل سنوات ، وأستبعد ألا يكون ذلك الوجيه الكريم اطلع عليه . وقد نقل السخاوي في ((الإعلان بالتوبيخ)) ، ما نقلناه آنفا ، وأشار إلى تلك الرسالة في أثناء الكلام ، و (الزغل) من المخطوطات المحفوظة في التيمورية ، والرسالة من محفوظات دار الكتب المصرية بخط التقي ابن قاضي شهبة .. وقد أشار صاحب ((القول الجلي)) في ص126 من الطبعة الفزجية إلى ((زغل العلم)) حيث قال : ويعارضه ما ذكر هو نفسه في ((زغل العلم)) اهـ وإن تصحف على الطابع وقال بدله ((رجل العلم)) ووضع الرقم في غير موضعه .
وليس لمعرفة الرجل أحسن من النظر في مؤلفاته وهو الدليل الإني في حقه ، وقد رأى أهل العلم في مؤلفات ابن تيمية القول بالقدم النوعي في العالم ، وقيام الحوادث بالله سبحانه ونفي الخلود في النار في حق الكفار ، وإثبات الحركة والجهة لله تعالى وتجويز استقرار معبوده على ظهر بعوضة ، إلى غير ذلك من مسائل طامة في الأصول والفروع ، فلا يعقل أن يكون الذين درسوا أصول الدين على الطريقة الأزهرية يعدون حاله كما ذكرناه في مقام القدوة في الدين والعلم بعد تأكدهم من وجود تلك المسائل في مؤلفاته .
وصاحب القول الجلي كان نزلا عند النابلسيين غريبا فواسوه فكافأهم بتأليف ذلك الكتاب ، وأما ابن الوردي فيقول في أواخر تاريخه عن أحد المقبورين من الصالحين ما معناه : (( هذا أحد الأولياء الأربعة الذين يتصرفون في قبورهم وهم يحرسون أرض الشام من الآفات والبلايا )) . فبالله عليك هل يكون من هذا قوله يعرف ابن تيمية حتى يقام لشعره ميزان .
وأما أمثال ابن كثير والصلاح بن شاكر الكتبي والشمس بن عبد الهادي من الذين اتصلوا به وهم شباب حتى افتتنوا به وعزروا على ذلك فلا يوثق بهم في ترجمة الرجل .
فإذا راجعت كتبه نفسه بتبصر و ((نجم المهتدي لابن المعلم المحدث)) و ((دفع الشبه للتقي الحصني)) و ((الدرر الكامنة لابن حجر)) ونحوها من الكتب ، تتأكد من أن من شذ عن الجماعة لا يكون إلا موضع ريبة بالمعنى الصحيح . وإن كان ذلك الوجيه الفاضل يعول على البقاعي فيلزمه أن يسقط ابن ناصر الدين ، فإن قول البقاعي فيه شديد مسقط . راجع العنوان للبقاعي .
وكان ((جلاء العينين في محاكمة الأحمدين)) للنعمان الآلوسي - الذي تربطه بالقنوجي صلة مادية متينة - مرحلة من مراحل الدعاية ، مشى في تلك المرحلة بتكذيب ثبوت أمثال تلك المسائل عنه ، لكن كتب ابن تيمية المطبوعة فيما بعد كشفت النقاب عن سر المهنة وكذبت المكذب فانجلى ((الجلاء)) من الميدان وأبو المعالي الشافعي ((محمود شكري الآلوسي)) طراز آخر وقد عرفه الناس .
وإني جد معجب بنشاط ذلك الوجيه السلفي المحتمى صاحب الكرم الحاتمي ، في الاتصال بأصحاب المجلات ، والسعي في إملاء ما يشاء عليهم ، وفي إهدائه الكتب يمينا وشمالا ، وهو الذي استنسخ قبل سنوات ترجمة أبى حنيفة من المجلد المحفوظ تحت رقم 60 بدار الكتب المصرية من تاريخ الخطيب - وفيه زيادات مع سقم النسخة - وسعى في ترجمتها إلى لغة الهند حتى تم نشرها مع الأصل العربي في الهند بهمته قبل طبع تاريخ الخطيب بمصر بمدة بعيدة .
وأود جدًّا أن يكون هذا النشاط وهذا السعي من ذلك الجواد المثرى في نشر أمثال علل أحمد بن حنبل ، ومسائل إسحق بن منصور ، ومصنف ابن أبي شيبة - لا الباب الخاص بأبي حنيفة وحده - وعلل الدارقطني ، وتمهيد ابن عبد البر ، والأحكام الكبرى لعبد الحق، ومحرر المجد بن تيمية .. كما سبق له نشر علل ابن أبي حاتم ، مع الاجتهاد في نشر كتب تحبب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الأمة كما يجب ، بدل السعي في تحبيب ابن تيمية إليهم بدون جدوى . فلو فعل هذا لكان هذا العمل ذخرًا له في الآخرة وخدمة مشكورة عند جميع المسلمين ، وكان لهذا العمل عاقبة حميدة جدًا .
وأما إن كان اختلط لنفسه المضي على ما رسمه في سبيل ما هو فيه ، فإني أصارحه وأقترح عليه ما يقصر المسافة جدًا وهو أن ينقل عن كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد المطبوع تحت إشرافه سنة 1349 من الصفحات (رقم 35 و 49 و 63 و 68 و 70 و 71 و 142 و 143 و 145 و 149 و 163 و 165 ) تلك الروايات المسجلة فيها ، ويستفتي الأزهر الشريف الحارس لدين الله في هذا العصر عن حكم تلك الآراء ومبلغ انطباقها لدين الله . ولم أنقل هنا نصا واحدًا من تلك النصوص حرصًا على معتقد العامة وفي هذا القدر كفاية.
منقول من الرياحين من مشاركة الهاشمي
تعليق