[align=justify]لكثرة اللَّغط في هذا الشَّأن، أحببت نقل هذا النَّص لينتفع به من يُريد الانتفاع، علَّ الله يُكرمنا بشفاعة مِنَ الإمام الغزالي يوم نلقى الله، مع التَّحفُّظ من بعض ما ورد فيه.
وقد وضعت عناوين بين المعكوفتين لتسهيل البحث..
قال العلامة البوطي حفظه الله في كتابه "شخصيات استوقفتني" ص(101) طبعة دار الفكر ضِمنَ وقفته مع حجّة الإسلام الإمام أبوحامد الغزالي :
[align=center]الأوهام التي أُلصقت بالغزالي فانتقصوه بسببها[/align]
مما لا ريب فيه أن الغزالي لم يكن معصومًا عن الزلل والخطأ، شأنه في ذلك شأن الناس جميعًا حاشا الرُّسل والأنبياء. ولكنَّ تعرُّضه للخطأ بحكم كونه غير معصوم ما ينبغي أن يكون ثغرة تُسرِّبُ إليه من خلالها الاتِّهامات الباطلة، أو مظهرَ ضعف يُنْسَبُ إليه بسببه ماليس فيه.
غير أن في الناس من فعلوا ذلك، أي نسبوا إليه أوهامًا باطلة. منهم من كانوا معاصرين له، ومنهم من جاؤوا بعده.
وفي الناس من وقفوا له على مآخذ وأفكار في بعض كتبه قد نؤيدهم في أنها غير صحيحة أو غير دقيقة أو خاضعة للنقاش والبحث، ولكنهم بدلاً من أن يلتقطوها فينبِّهوا إليها ويحذِّروا منها، أخذوا الجار بظلم الجار، وحكموا على كل الكتاب الذي هي فيه بالحرق أو الإتلاف !!..
وأنا أتتبع تلك الأوهام التي أُلصقت به ظلمًا، وهذه المآخذ التي اُتُّخِذَت ذريعة لنسف غيرها، لأتسائل بعد ذلك في عجب: أهو جهل ساق أصحابه إلى ما قد تورّطوا فيه، أم هي حفيظة جرّت أصحابها عمدًا إلى دسيعة ظلم ؟
[align=center][ الغزالي يُقدِّم كتابه (المستصفى) بمسائل من المنطق اليوناني ! ][/align]
فمن قبيل الأوهام التي ألصقت به وهو منها بريء، ما قاله بعضهم، من أنه -أي الغزالي- صدَّر كتابه (المستصفى) بطائفة من مسائل المنطق اليوناني، ثم زعم أن العالم لا ثقة بعلمه إن لم يخضع علمه لمعايير هذا المنطق وأحكامه، ومن ثم ألزم الناس بأن يجعلوا من تلك المعايير سلّمًا إلى بلوغ علومهم ومعارفهم(1) .
وأقول: أغلب الظن أن هؤلاء لم يقرؤوا شيئًا من هذه المقدمة التي افتتح بها الغزالي كتابه (المستصفى) ، ولم يزيدوا على أن استعرضوا عناوينها، فشمّوا منها رائحة المنطق اليوناني حسب ما خيل إليهم، أو رأوا فيها بعض اصطلاحاته الشائعة، فضاقت بها صدورهم، وأعرضوا عنها، بعد أن حكموا عليها حكمًا غيابيًّا دون قراءة متبصِّرة.
ولو أنهم تمهَّلوا فقرؤوا، لرأوا أن الغزالي صاغ في تلك المقدمة منهجًا علميًا للمعرفة، متحرِّرًا وبعيدًا عن المنطق اليوناني، وهو ذلك المنهج الإسلامي الذي تعتزُّ به حضارتنا العربية والإسلامية أيما اعتزاز(2) ، من ذلك تنوُّع المقارنة العلمية بين متعددين وانقسامها إلى ما يسمى بالترادف والتخالف والتضاد والتناقض .. وانقسام المقارنة بين عامين متفاوتين في درجة العموم، إلى عموم وخصوص مطلق، وإلى عموم وخصوص من وجه .. ومن ذلك الدلالة المنبثقة عن الاقتضاء، والدلالة المنبثقة عن اللزوم بأنواعه الوضعي والطبيعي والعرفي واللغوي .. ومن ذلك التنبيه إلى انقسام المعنى الذي في الذهن إلى كلٍّ ذي أجزاء، وإلى كلِّي ذي جزئيات، ... إلخ، فمن هو هذا الذي يجهل أن هذه ليست إلا جملة قواعد تنظيمية، يفرزها العقل الإنساني للانضباط بها والسير بمقتضاها، لدى السير في مجال البحث واكتشاف المعلومات والوصول إلى مستوى اليقين بشأنها ؟ والعقل لا يكون عقلاً إلا إن هدى صاحبه إلى هذا النظام في طريق المعرفة والاستنباط.
نعم، قد تجد في مقدمة الغزالي هذه كلمات وعبارات تنتسب إلى مصطلح المنطق اليوناني، ولكنها كلمات مفككة ومقطعة الأوصال، ومحوَّلة إلى ما يشبه أنقاضًا، أُدخِلَت في قِوام بنيان مستقل، لمنطق عقلي منهجي إسلامي سديد .. فلئن كان هذا أيضًا غير مقبول، وكانت غاية هذا المنتقد أن يتبرَّأ اللّسان العربي والفكر الإسلامي، من كل ما في المنطق اليوناني من ألفاظ وعبارات ومصطلحات، فإنه لمطلب عسير، بل متعذر على العقل الإنساني وعلى اللسان العربي أيًّا كان صاحبه، وهيهات للناقد ذاته أن يتحقق بهذا الذي يدعو إليه.
على أنه ما من باحث يستطيع أن يبرهن على أن بنيان المنطق الأرسطاطاليسي، بكل جزئياته وكلِّياته وتصوُّراته وقواعده وألفاظه الاصطلاحيّة لغوٌ وباطلٌ من القول !..
بل الثابت يقينًا، أن الباطل الكثير والكبير الذي فيه، لا يتماسك إلا اعتمادًا على موازين وأحكام صحيحة ودقيقة قلَّت أو كَثُرت .. وإنما يتمثَّل الإبداع العلمي والتحرر العقلي في أن يتمتع الباحث بشخصيته المستقلة، ثم يتحصَّن بطاقة علمية ممتازة، ثم يقتحم ميادين الأفكار والعلوم والفلسفات كلها، فيلتقط منها الحق ويتجنَّب الباطل ويحذر منه.
وتلك هي حقيقة المقدمة المنهجية التي أقام منها الغزالي مدخلاً إلى كتابه (المستصفى) .
[align=center]* * * * *
[ الغزالي عَكَف على قراءة (رسائل إخوان الصفا) ! ][/align]
ومن الأوهام التي ألصقت بالغزالي وهو منها بريء، ما قاله الإمام أبو عبد الله المازَريُّ المالكي في مجال النقد والطعن عليه، من أنه كان يعكف على قراءة (رسائل إخوان الصفا) !.. وهي رسائل مُزِجَ فيها القليل من الحق بالكثير من الباطل(3) .
وأقول: ما هو محطُّ الإنكار في هذا على الغزالي ؟ أهو قراءة هذه الرسائل والاطِّلاع على ما فيها، أم هو تأثُّر الغزالي بها وقبوله للباطل الذي فيها ؟
إن كان مجرّد القراءة هو محطُّ الإنكار، فقد علمنا أنه ليس في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله ولا في شيء من قواعد الشرع ما يدلُّ على أن قراءة كلام المبطلين أو الإصغاء إليه، لمن يريد أن يكشف عن عواره، ويعلن عن بطلانه وزيغه، من الانحراف الذي يستوجب الطعن. بل قرأنا في كتاب الله تعالى ما يدلُّ على أنه واجب كفائي يثاب عليه. وهو قول الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 16/125] ، وهل تكون مجادلة المبطل إلا بعد الإصغاء إلى الباطل الذي يتمسك به ويدعو إليه ؟ وهل يكون الإصغاء إلا بقراءة ما هو مكتوب، أو بسماع ما هو منطوق ؟
وقد نقل الغزالي في (المنقذ من الضلال) إنكار من سمَّاهم بعض أهل الحق، في تقريره لشبه المبطلين وإبرازها وتجليتها بين يدي إبطالها والرَّد عليها، إذ يُؤدي ذلك -من وجهة نظرهم- إلى الترويج لها والتعريف بها. ثم قال ما نصّه :
(( وهذا الإنكار من وجه حق، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما الله تصنيفه في الرَّد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدع فرض. فقال أحمد: نعم، ولكنك حكيت شبهتهم أولاً ثم أجبت عنها، فبِمَ تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظر في الجواب، ولا يفهم كنهه ؟ )) . ثم قال الغزالي:
((وما ذكره أحمد بن حنبل حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر. فأما إذا انتشرت، فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية. نعم ينبغي أن لا يتكلَّف لهم شبهة لم يتكلَّفوها، ولم أتكلَّف أنا ذلك )) (4) .
وإن كان محطّ الإنكار هو دعوى تأثُّر الغزالي بالفلسفات الباطلة التي حشيت بها (رسائل إخوان الصفا) ، وقبوله لها، فأين هو مصداق هذه الدعوى، وما وجدنا لدى الغزالي إلاّ نقيضها ؟.. وما هي المسائل التي جرى وراءها، فاقتنع بها وتقبّلها، ولم نجد في جملة ما عاد به الغزالي من قراءته لتلك الرسائل إلاَّ كشفًا لزيفها، وتدليلاً على بطلانها، ؟ ثم زاد فحذَّر من الإقبال على (رسائل إخوان الصفا) وأمثالها، ومن الركون إليها، بالنسبة إلى من لم يبلغ درجة القدرة على تعريتها، وفضح الدَّجل المعشَّش فيها. يقول:
(( .. إن من نظر في كتبهم (كإخوان الصفا) وغيره، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النَّبوية والكلمات الصوفية، ربما استحسنها وقبلها، وحسَّن اعتقاده فيها. فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به، لحسن ظنِّه بما رآه واستحسنه. وذلك نوع استدراج إلى الباطل . ولأجل هذه الآفة يجب الزَّجر عن مطالعة كتبهم، لما فيها من الغدر والخطر. وكما يجب صون من لا يحسن السباحة عن مزالق الشطوط، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب. وكما يجب صون الصبيان عن مسِّ الحيات، يجب صون الأسماع عن مختلِط الكلمات )) (5) .
فيا عجبًا لحال من يأخذ الغزالي بما يجب أن يشكره عليه، ويطعن فيه بما هو مناط مثوبة وأجر !..
ويتبع هذا الطعن ذاته، إنكارُ المازَري عليه قراءته لابن سينا، فقد رأى في ذلك نقيصة كبرى تلحق به !!..
وأقول: لقد كان من نتيجة قراءة الغزالي آراء ابن سينا وأفكاره أن أثبت موجبات كفره، ودلائل زيغه عن المحجة، وشروده إلى أودية التيه، وتوغُّله في الأوهام الباطلة، وتحذيره الناس من الانخداع ببهرج زيفه. فهل يفسَّرُ إنكار المازَري على الغزالي فعله هذا إلا غيرة على ابن سينا، وإشفاقًا عليه من فضح الغزالي له ؟..
أما إن كان المازَريُّ يعني أن مجرد قراءة الغزالي لابن سينا وأمثاله يعدُّ انخراطًا في مذهبهم وقبولاً لباطلهم، فلعله ينكر على رسول الله ^ص^ أيضًا يوم كان يُصغي إلى أوهام أبي جهل وأضرابه ليبطلها ويردّها عليهم، أنه قد انخرط بذلك في سلكهم وانضمَّ إلى ضفِّهم !.. ولكن أفيعقل هذا، أو يقبله منصف ؟!..[/align]
[align=justify][align=center]* * * * *
[ قول ابن العربي: الغزالي بلع الفلاسفة، وما استطاع أن يتقيَّأهم! ][/align]
ومن هذه الأوهام التي نسجت فألصقت بالغزالي، وهو منها بريء، بل هو قائم ومعتزّ بنقيضها، ما نقله الذهبي عن أبي بكر بن العربي أنه قال: ((شيخنا الغزالي بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيّأهم فما استطاع )) (6) !!..
ألا ليت ابن العربي وضعنا أمام مدلولٍ لكلامه البليغ هذا: (( .. بلع الفلاسفة)) حتى نلاحق الغزالي بعد ذلك ونهيب به أن يتقيّأهم .. متى وكيف بلعهم، حتى يتقيّأهم ؟
لو أن ابن العربي لفت أنظارنا إلى لوثة واحدة من أخيلة الفلاسفة وسماديرهم، خُدِعَ بها الغزالي فركن إليها وأخذ بها، لردَّدنا معه كلمته البليغة: (( بلع الفلاسفة )) .
ولقد قلت لنفسي ذات يوم، لعلَّ ابن العربي رأى من تأثُّر الغزالي بأوهام الفلاسفة مالم نره، ولم يشأ أن يتبع الادّعاء بالبيّنة فاكتفى بجملته البليغة الأدبية هذه. فقمت أتتبع مظانّ ذلك في سائر ما خلفه الغزالي لنا من حربه العلمية للفلاسفة وأفكارهم الزائغة، بدءًا بتهافت الفلاسفة، فلم أجد أنه قد خُدِعَ بشيء من أوهامهم أو تحيَّز أو انزلق إلى باطل من أفكارهم. وإنما رأيته يتتبع ضلالاتهم ويذيبها بحججه العلمية القاصمة، مستعملاً كلما اقتضى الأمر أساليبهم وأسلحتهم.
قالوا بالقدم النوعي للعالم وألبسوا دعواهم هذه كسوة العلم، التي اغترَّ بها أمثال الفارابي وابن سينا .. فكان أن مزَّق الغزالي عن هذه الدعوى ثوبها الزائف، وخنقها بحبال من البراهين العلمية، التي لا يتأتى للمتعاملين بأساليب الفلسفة جحود أيّ منها، والتي تسجد لقرار الله القائل: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [الرَّعد: 13/16 ، الزُّمر: 39/62 ] .
أنكروا النّشأة الثانية بعد الموت، واصطنعوا لإثبات إنكارهم أغلوطات وألوانًا من المخرقة، طالما خدعت كثيرًا من ذوي الألباب، فقيَّض الله من الغزالي لسانًا لم يتمتّع به غيره، وأنطقه بحجج علمية دقيقة لم يتبيّنها غيره، ودفعه اللُّطف الإلهي، مجهزًا بالحجة القاصمة ولسانها المبين، إلى ساحة الانتصار للحق الأبلج الذي أكده كتاب الله القائل: { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } [ القيامة: 75/3 - 4] ، فقام وحيدًا في تلك الساحة، يستنطق العلم منضبطًا بمنهجه وموازينه، شاهدًا لبيان الله، بل ساجدًا لقراره ووعده. ورأى العالم أجمع مشهد الباطل كيف تتبدّد أخيلته، وكيف ينهزم الكلام الضبابي أمام المنطق العلمي السديد، المحبوك نسيجه من سدى العقل ولحمة النقل.
زعموا أن للأسباب تأثيرًا ذاتيًا فيما يسمونه المسببات، ونسوا أو تناسوا أن الذي قدّم الأول فجعله سببًا، وأخَّر الثاني فسمِّي مسبّبًا، إنما هو الله، وأن الذي خلق التأثير في هذا الثاني، إنما هو الله ذاته، الذي أعطى الأول دور الفاعل المسبّب، وحمَّل الثاني آثار المنفعل المتسبّب .. فجاءهم الغزالي بحقائق علمية ساطعة، لم يُسبق إليها من قبل، ولا نسج على منواله فيها أحد من بعد، واستنطق العقل، مستندًا إلى دليل التجربة والمشاهدة، بأن علاقة ما بين السبب والمسبب فيما يؤكده العلم وتؤيّده التجربة، ليست إلا علاقة اقتران استقر فاستمرّ، فخيل إلى الناظر أن الاقتران الدائم نتيجة تأثير. ثم برهن على أن هذا الخيال عريٌّ عن أي مستند علمي، مذكِّرًا بأن العلم لا يسمّى علمًا، إلا إن كان تابعًا للمعلوم، وأن الافتراض الذهني أبعد ما يكون عن العلم عندما يفرض على المعلوم، أي الواقع الخارجي، أن يكون هو التابع له ..
وانتصر الغزالي في نهاية جولة علمية رائعة، يشهد له بها اليوم العالم كله، للبيان الرَّباني الذي يحصر الفاعليّات كلها في الذات العليّة الذي بيده الخلق والأمر، القائل: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا } [ فاطر: 35/41 ] ، والقائل: { وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ } [ الرّوم: 30/25 ] ، والقائل عن سفينة نوح: { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر: 54/13 - 14 ] .
فإذا كان الانتصار لدين الله وعقائد الإسلام، وتبديد الشُّبهات التي قد تتكاثر بفعل الزنادقة أو الفلاسفة التائهين، بين عقول الناس ونصوص الكتاب المبين، يسمى ابتلاعًا لهؤلاء الفلاسفة أو الزنادقة، إذن فرسول الله ^ص^ كان أول مبتلع للمشركين، الذين طهَّر الله الجزيرة العربية به منهم !.. ولكن لماذا يتمنى ابن العربي رحمه الله لو عاد فتقيّأهم ؟
ألا ليت أن أبا بكر بن العربي كان حيًّا لأسأله فيجيبني: ماذا يعني بهذه الكلمة الإنشائية التي لا يستبين لها معنى ؟ أهي مدح تعبر عن ذوبان الفلاسفة وفلسفتهم في ضرام حججه الدامغة الخادمة لكتاب الله والمؤيدة لما جاء به من الحق ؟ إذن فلماذا يريد منه أن يعود فيتقيّأهم، ليعودوا إلى سابق لغوهم ؟ أم هي كلمة قدح تعبر عن النقيض، أي عن ابتلاعهم له، وهيمنتهم عليه، وتبديدهم لبراهينه وحججه ؟ فأين هو مصداق ما يقول ؟ وها نحن لا نرى على صعيد الواقع المشاهد إلاَّ نقيض هذا النقيض. وما أظن إلا أن ابن العربي سمع بكتاب ( تهافت الفلاسفة ) ولم يتوفر على قراءة شيء منه !!..
[align=center]* * * * *
[ الغزالي انحرف عن طريق العلماء إلى التصوف والوساوس !! ][/align]
ومن الأوهام التي ألصقت بالغزالي ما رواه الذهبي عن محمد بن الوليد الطَّرطوشي في رسالة له إلى ابن المظفر، أنه قال عنه: (( أما أبوحامد فقد رأيته وكلمته، فرأيته جليلاً من أهل العلم واجتمع فيه العقل والفهم)) إلى أن قال: ((ثم بدا له البعد عن طريق العلماء، ودخل في غمار العمّال، ثم تصوَّف وهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلِّمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين ..)) (7) .
أقول: وهذا الذي ذكره الطرطوشي عن الغزالي، سلك فيه مسلك المازَريّ وابن العربي من اتّهام الغزالي بعموميات، لا تنحطُّ على أي جزئيات وتفاصيل يمكن استبانة الحق فيها من صدق هذا الاتِّهام أو عدم صدقه .. فاتِّهامه مثلاً بأنه دخل في غُمار العمّال، وبأنّه تَصوَّفَ .. وهجر العلوم وأهلها .. ودخل في علوم الخواطر .. ووساوس الشيطان، وشابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج .. إلخ. كل هذا تعميم لا يستبين من ورائه أي مثال تفصيلي ينهض شاهدًا على صدق هذا الاتّهام أو عدم صدقه.
فما التَّصوف المذموم الذي اتّهم به ؟ وما الدليل على ذلك من قوله ؟ وما هي علوم الخواطر التي دخل فيها ؟ وما هي أمثلتها التفصيلية التي بوسعنا أن نضعها في ميزان الكتاب والسُّنة لنتبيَّن أهي من الخواطر السَّيئة المبتدعة، أم من العلوم والمعارف المستحسنة ؟ وما هو المقصود بوساوس الشياطين ؟ وما السبيل الذي تبين له من خلالها أنها وساوس الشياطين وليست إلهامات من الله عزّ وجلّ ؟ وما هي آراؤه التي استقاها من ضلالات الفلاسفة ؟ وما هي الرموز التي نقلها فتبنّاها ودعا إليها من الحلاّج ؟ وقد علمنا كما علم الذهبي ونقله، أن الغزالي كفَّر الحلاج بعباراته التي فاه بها مخالفًا للشرع، وأيَّد قتله(8) !..
إن هذه الادِّعاءات تظلُّ حجة على مدَّعيها إلى أن يدعمها بتفاصيل الأقوال والاعتقادات المؤيّدة، فكيف .. وإن مؤلَّفات الغزالي تنطق في تفاصيلها بنقيض هذه الادِّعاءات ؟
والعجيب أن الطرطوشي انتقد هجر الغزالي للتّعليم في النِّظامية معبِّرًا بهذا التّعميم العجيب: ((هجر العلوم وأهلها)) دون أن يشير إلى أنه قد عاد إليها بعد ذلك متجاهلاً السبب الذي من أجله ترك التعليم والوظيفة إلى حين ..
بل الأعجب من هذا أن الطرطوشي ينتقد الغزالي بهذه العموميات التي ينسبها إليه، دون دليل، ولم ينتقده للعيوب الكبرى التي كان يعاني منها الغزالي أيام تدريسه في النِّظامية وإقباله على مجد الأستاذيّة والتَّعليم، من التَّباهي على الآخرين بعلومه واستخفافه بهم، وقصده من أعمال التَّأليف والتدريس بلوغ المجد الدنيوي ومنافسة الأقران. وهو ما اعترف به الغزالي وعرف من نفسه. ولو أن الطرطوشي وقف عند هذا العيب الكبير وانتقده بسببه لكان الغزالي أوّل مؤيدٍ ومصدقٍ له.. ولما انتقده عندئذٍ بسبب ما عبَّر عنه بهجره التعليم وأهله.. فمنذا الذي ينتقد المقبل على الصلاة، إذا انصرف عنها ليغتسل ويتطهَّر أولاً ؟..
إن الذي ميَّز الإمام الغزالي عن الطرطوشي وأمثاله أن هؤلاء إنما كانوا يبحثون في أنفسهم وفي الآخرين عن كمال المظهر وصياغة العبارات وموازين الأعمال الظاهرة .. أما الغزالي، فقد ساقته العناية الإلهية في الشطر الثاني من عمره، إلى اختراق صور الأعمال إلى بواعثها الكامنة وراء الصدر، وإلى أن يسبر غور نفسه، فيقف على ما يعانيه من باطن الإثم ليعالجه ..
وهذه المزية هي محور انتقادات الطرطوشي، وهي العيب الذي عبَّر عنه بقوله: (( .. ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب .. )) ، وهل هذا في مضمونه البعيد إلا انتقاد لمعنى كلام رسول الله ^ص^ : ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) . فاعجب لمزية تتحول عند هذا الرجل والقلّة من أمثاله، نقيصة وعيبًا، وللنقيصة الكبرى التي تتمثَّل في الآفات القلبيّة التي عالج الغزالي نفسه منها، تذوب في ناظره وناظر أمثاله، فلا يقيم لها وزنًا، ولا يلقي لها بالاً، ولا يرى أنها مرض خفي وخطير يحتاج إلى مقاومة وعلاج !!.. بل يرى في معالجة الغزالي نفسه منها نقيصة كبرى جعلته يسقط -على حد تعبير الطرطوشي- على أمّ رأسه !..
[align=center]* * * * *
[ الغزالي يقول: ليس في الإمكان أبدع ممّا كان !! ][/align]
ومن هذه الأوهام التي ألصقت بالغزالي، انتقاد أبي بكر بن العربي، كلمته المشهورة التي سطَّرها في بعض مؤلّفاته: (( ليس في الإمكان أبدع ممّا كان )) .
أقول: لقد أُتي ابن العربي من سوء فهمه للمعنى الذي عناه الغزالي بها.
وقد ذكر الغزالي هذا الكلام، في معرض تأكيده لما هو مقرر في مذهب أهل السُّنة والجماعة، من أنه لا يوجد في الأشيء أو الأفعال حسن أو قبح ذاتي كامن في جوهره، بحيث تكون أحكام الله تعالى بشأنها تابعة لما يقتضيه ذلك الحسن أو القبح، بل إن الحسن والقبح الذي فيها ليس إلا وصفًا أضفاه الله عليها. ولسنا هنا بصددد عرض الأدلة الكثيرة على هذا الكلام(9) .
ينتج عن هذا أن الله عزّ وجلّ عندما تعلَّقت إرادته بإيجاد هذه الخليقة على الشكل الذي أوجدها عليه، وعلى النظام الذي أقامها فيه، فإن هذا الشكل مع نظامه هذا هو منتهى الحسن الذي يمكن أن تتمتع به هذه الخليقة، وذلك لدليل نقلي هو قول الله تعالى: { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } [السَّجدة: 32/7 ] . ولدليل عقلي يتلخص في أنّا لو اعتقدنا أن هذه الخليقة لم تستكمل سائر صفات الحسن، على الشكل والنظام اللذين أقامهما الله عليهما، ومن ثم فإن بالإمكان تجاوز ذلك إلى ما هو أحسن وأكمل، لكان ذلك نتيجة اعتقادٍ منا، بأن أفعال الله وخَلْقه تابعان لمقاييس الحسن الثابتة بحدِّ ذاتها، فقد يصل خلقه للأشياء إلى منتهى مقاييس الحسن وقد لا يصل، ومن ثم يصلح أن يقال: إن هذه المخلوقات بنظامها الحالي الذي شاءه الله تعالى، يمكن أن ترقى إلى درجة أتمّ وأعلى في مراتب الكمال والحسن.
وهذا هو التَّصور الخاطئ الذي ضلَّ فيه المعتزلة، وردَّ عليهم جمهور المسلمين، وفي مقدمتهم الإمام الغزالي بالأدلة العلمية الحاسمة.[/align]
وقد وضعت عناوين بين المعكوفتين لتسهيل البحث..
قال العلامة البوطي حفظه الله في كتابه "شخصيات استوقفتني" ص(101) طبعة دار الفكر ضِمنَ وقفته مع حجّة الإسلام الإمام أبوحامد الغزالي :
[align=center]الأوهام التي أُلصقت بالغزالي فانتقصوه بسببها[/align]
مما لا ريب فيه أن الغزالي لم يكن معصومًا عن الزلل والخطأ، شأنه في ذلك شأن الناس جميعًا حاشا الرُّسل والأنبياء. ولكنَّ تعرُّضه للخطأ بحكم كونه غير معصوم ما ينبغي أن يكون ثغرة تُسرِّبُ إليه من خلالها الاتِّهامات الباطلة، أو مظهرَ ضعف يُنْسَبُ إليه بسببه ماليس فيه.
غير أن في الناس من فعلوا ذلك، أي نسبوا إليه أوهامًا باطلة. منهم من كانوا معاصرين له، ومنهم من جاؤوا بعده.
وفي الناس من وقفوا له على مآخذ وأفكار في بعض كتبه قد نؤيدهم في أنها غير صحيحة أو غير دقيقة أو خاضعة للنقاش والبحث، ولكنهم بدلاً من أن يلتقطوها فينبِّهوا إليها ويحذِّروا منها، أخذوا الجار بظلم الجار، وحكموا على كل الكتاب الذي هي فيه بالحرق أو الإتلاف !!..
وأنا أتتبع تلك الأوهام التي أُلصقت به ظلمًا، وهذه المآخذ التي اُتُّخِذَت ذريعة لنسف غيرها، لأتسائل بعد ذلك في عجب: أهو جهل ساق أصحابه إلى ما قد تورّطوا فيه، أم هي حفيظة جرّت أصحابها عمدًا إلى دسيعة ظلم ؟
[align=center][ الغزالي يُقدِّم كتابه (المستصفى) بمسائل من المنطق اليوناني ! ][/align]
فمن قبيل الأوهام التي ألصقت به وهو منها بريء، ما قاله بعضهم، من أنه -أي الغزالي- صدَّر كتابه (المستصفى) بطائفة من مسائل المنطق اليوناني، ثم زعم أن العالم لا ثقة بعلمه إن لم يخضع علمه لمعايير هذا المنطق وأحكامه، ومن ثم ألزم الناس بأن يجعلوا من تلك المعايير سلّمًا إلى بلوغ علومهم ومعارفهم(1) .
وأقول: أغلب الظن أن هؤلاء لم يقرؤوا شيئًا من هذه المقدمة التي افتتح بها الغزالي كتابه (المستصفى) ، ولم يزيدوا على أن استعرضوا عناوينها، فشمّوا منها رائحة المنطق اليوناني حسب ما خيل إليهم، أو رأوا فيها بعض اصطلاحاته الشائعة، فضاقت بها صدورهم، وأعرضوا عنها، بعد أن حكموا عليها حكمًا غيابيًّا دون قراءة متبصِّرة.
ولو أنهم تمهَّلوا فقرؤوا، لرأوا أن الغزالي صاغ في تلك المقدمة منهجًا علميًا للمعرفة، متحرِّرًا وبعيدًا عن المنطق اليوناني، وهو ذلك المنهج الإسلامي الذي تعتزُّ به حضارتنا العربية والإسلامية أيما اعتزاز(2) ، من ذلك تنوُّع المقارنة العلمية بين متعددين وانقسامها إلى ما يسمى بالترادف والتخالف والتضاد والتناقض .. وانقسام المقارنة بين عامين متفاوتين في درجة العموم، إلى عموم وخصوص مطلق، وإلى عموم وخصوص من وجه .. ومن ذلك الدلالة المنبثقة عن الاقتضاء، والدلالة المنبثقة عن اللزوم بأنواعه الوضعي والطبيعي والعرفي واللغوي .. ومن ذلك التنبيه إلى انقسام المعنى الذي في الذهن إلى كلٍّ ذي أجزاء، وإلى كلِّي ذي جزئيات، ... إلخ، فمن هو هذا الذي يجهل أن هذه ليست إلا جملة قواعد تنظيمية، يفرزها العقل الإنساني للانضباط بها والسير بمقتضاها، لدى السير في مجال البحث واكتشاف المعلومات والوصول إلى مستوى اليقين بشأنها ؟ والعقل لا يكون عقلاً إلا إن هدى صاحبه إلى هذا النظام في طريق المعرفة والاستنباط.
نعم، قد تجد في مقدمة الغزالي هذه كلمات وعبارات تنتسب إلى مصطلح المنطق اليوناني، ولكنها كلمات مفككة ومقطعة الأوصال، ومحوَّلة إلى ما يشبه أنقاضًا، أُدخِلَت في قِوام بنيان مستقل، لمنطق عقلي منهجي إسلامي سديد .. فلئن كان هذا أيضًا غير مقبول، وكانت غاية هذا المنتقد أن يتبرَّأ اللّسان العربي والفكر الإسلامي، من كل ما في المنطق اليوناني من ألفاظ وعبارات ومصطلحات، فإنه لمطلب عسير، بل متعذر على العقل الإنساني وعلى اللسان العربي أيًّا كان صاحبه، وهيهات للناقد ذاته أن يتحقق بهذا الذي يدعو إليه.
على أنه ما من باحث يستطيع أن يبرهن على أن بنيان المنطق الأرسطاطاليسي، بكل جزئياته وكلِّياته وتصوُّراته وقواعده وألفاظه الاصطلاحيّة لغوٌ وباطلٌ من القول !..
بل الثابت يقينًا، أن الباطل الكثير والكبير الذي فيه، لا يتماسك إلا اعتمادًا على موازين وأحكام صحيحة ودقيقة قلَّت أو كَثُرت .. وإنما يتمثَّل الإبداع العلمي والتحرر العقلي في أن يتمتع الباحث بشخصيته المستقلة، ثم يتحصَّن بطاقة علمية ممتازة، ثم يقتحم ميادين الأفكار والعلوم والفلسفات كلها، فيلتقط منها الحق ويتجنَّب الباطل ويحذر منه.
وتلك هي حقيقة المقدمة المنهجية التي أقام منها الغزالي مدخلاً إلى كتابه (المستصفى) .
[align=center]* * * * *
[ الغزالي عَكَف على قراءة (رسائل إخوان الصفا) ! ][/align]
ومن الأوهام التي ألصقت بالغزالي وهو منها بريء، ما قاله الإمام أبو عبد الله المازَريُّ المالكي في مجال النقد والطعن عليه، من أنه كان يعكف على قراءة (رسائل إخوان الصفا) !.. وهي رسائل مُزِجَ فيها القليل من الحق بالكثير من الباطل(3) .
وأقول: ما هو محطُّ الإنكار في هذا على الغزالي ؟ أهو قراءة هذه الرسائل والاطِّلاع على ما فيها، أم هو تأثُّر الغزالي بها وقبوله للباطل الذي فيها ؟
إن كان مجرّد القراءة هو محطُّ الإنكار، فقد علمنا أنه ليس في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله ولا في شيء من قواعد الشرع ما يدلُّ على أن قراءة كلام المبطلين أو الإصغاء إليه، لمن يريد أن يكشف عن عواره، ويعلن عن بطلانه وزيغه، من الانحراف الذي يستوجب الطعن. بل قرأنا في كتاب الله تعالى ما يدلُّ على أنه واجب كفائي يثاب عليه. وهو قول الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 16/125] ، وهل تكون مجادلة المبطل إلا بعد الإصغاء إلى الباطل الذي يتمسك به ويدعو إليه ؟ وهل يكون الإصغاء إلا بقراءة ما هو مكتوب، أو بسماع ما هو منطوق ؟
وقد نقل الغزالي في (المنقذ من الضلال) إنكار من سمَّاهم بعض أهل الحق، في تقريره لشبه المبطلين وإبرازها وتجليتها بين يدي إبطالها والرَّد عليها، إذ يُؤدي ذلك -من وجهة نظرهم- إلى الترويج لها والتعريف بها. ثم قال ما نصّه :
(( وهذا الإنكار من وجه حق، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما الله تصنيفه في الرَّد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدع فرض. فقال أحمد: نعم، ولكنك حكيت شبهتهم أولاً ثم أجبت عنها، فبِمَ تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظر في الجواب، ولا يفهم كنهه ؟ )) . ثم قال الغزالي:
((وما ذكره أحمد بن حنبل حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر. فأما إذا انتشرت، فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية. نعم ينبغي أن لا يتكلَّف لهم شبهة لم يتكلَّفوها، ولم أتكلَّف أنا ذلك )) (4) .
وإن كان محطّ الإنكار هو دعوى تأثُّر الغزالي بالفلسفات الباطلة التي حشيت بها (رسائل إخوان الصفا) ، وقبوله لها، فأين هو مصداق هذه الدعوى، وما وجدنا لدى الغزالي إلاّ نقيضها ؟.. وما هي المسائل التي جرى وراءها، فاقتنع بها وتقبّلها، ولم نجد في جملة ما عاد به الغزالي من قراءته لتلك الرسائل إلاَّ كشفًا لزيفها، وتدليلاً على بطلانها، ؟ ثم زاد فحذَّر من الإقبال على (رسائل إخوان الصفا) وأمثالها، ومن الركون إليها، بالنسبة إلى من لم يبلغ درجة القدرة على تعريتها، وفضح الدَّجل المعشَّش فيها. يقول:
(( .. إن من نظر في كتبهم (كإخوان الصفا) وغيره، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النَّبوية والكلمات الصوفية، ربما استحسنها وقبلها، وحسَّن اعتقاده فيها. فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به، لحسن ظنِّه بما رآه واستحسنه. وذلك نوع استدراج إلى الباطل . ولأجل هذه الآفة يجب الزَّجر عن مطالعة كتبهم، لما فيها من الغدر والخطر. وكما يجب صون من لا يحسن السباحة عن مزالق الشطوط، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب. وكما يجب صون الصبيان عن مسِّ الحيات، يجب صون الأسماع عن مختلِط الكلمات )) (5) .
فيا عجبًا لحال من يأخذ الغزالي بما يجب أن يشكره عليه، ويطعن فيه بما هو مناط مثوبة وأجر !..
ويتبع هذا الطعن ذاته، إنكارُ المازَري عليه قراءته لابن سينا، فقد رأى في ذلك نقيصة كبرى تلحق به !!..
وأقول: لقد كان من نتيجة قراءة الغزالي آراء ابن سينا وأفكاره أن أثبت موجبات كفره، ودلائل زيغه عن المحجة، وشروده إلى أودية التيه، وتوغُّله في الأوهام الباطلة، وتحذيره الناس من الانخداع ببهرج زيفه. فهل يفسَّرُ إنكار المازَري على الغزالي فعله هذا إلا غيرة على ابن سينا، وإشفاقًا عليه من فضح الغزالي له ؟..
أما إن كان المازَريُّ يعني أن مجرد قراءة الغزالي لابن سينا وأمثاله يعدُّ انخراطًا في مذهبهم وقبولاً لباطلهم، فلعله ينكر على رسول الله ^ص^ أيضًا يوم كان يُصغي إلى أوهام أبي جهل وأضرابه ليبطلها ويردّها عليهم، أنه قد انخرط بذلك في سلكهم وانضمَّ إلى ضفِّهم !.. ولكن أفيعقل هذا، أو يقبله منصف ؟!..[/align]
[align=justify][align=center]* * * * *
[ قول ابن العربي: الغزالي بلع الفلاسفة، وما استطاع أن يتقيَّأهم! ][/align]
ومن هذه الأوهام التي نسجت فألصقت بالغزالي، وهو منها بريء، بل هو قائم ومعتزّ بنقيضها، ما نقله الذهبي عن أبي بكر بن العربي أنه قال: ((شيخنا الغزالي بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيّأهم فما استطاع )) (6) !!..
ألا ليت ابن العربي وضعنا أمام مدلولٍ لكلامه البليغ هذا: (( .. بلع الفلاسفة)) حتى نلاحق الغزالي بعد ذلك ونهيب به أن يتقيّأهم .. متى وكيف بلعهم، حتى يتقيّأهم ؟
لو أن ابن العربي لفت أنظارنا إلى لوثة واحدة من أخيلة الفلاسفة وسماديرهم، خُدِعَ بها الغزالي فركن إليها وأخذ بها، لردَّدنا معه كلمته البليغة: (( بلع الفلاسفة )) .
ولقد قلت لنفسي ذات يوم، لعلَّ ابن العربي رأى من تأثُّر الغزالي بأوهام الفلاسفة مالم نره، ولم يشأ أن يتبع الادّعاء بالبيّنة فاكتفى بجملته البليغة الأدبية هذه. فقمت أتتبع مظانّ ذلك في سائر ما خلفه الغزالي لنا من حربه العلمية للفلاسفة وأفكارهم الزائغة، بدءًا بتهافت الفلاسفة، فلم أجد أنه قد خُدِعَ بشيء من أوهامهم أو تحيَّز أو انزلق إلى باطل من أفكارهم. وإنما رأيته يتتبع ضلالاتهم ويذيبها بحججه العلمية القاصمة، مستعملاً كلما اقتضى الأمر أساليبهم وأسلحتهم.
قالوا بالقدم النوعي للعالم وألبسوا دعواهم هذه كسوة العلم، التي اغترَّ بها أمثال الفارابي وابن سينا .. فكان أن مزَّق الغزالي عن هذه الدعوى ثوبها الزائف، وخنقها بحبال من البراهين العلمية، التي لا يتأتى للمتعاملين بأساليب الفلسفة جحود أيّ منها، والتي تسجد لقرار الله القائل: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [الرَّعد: 13/16 ، الزُّمر: 39/62 ] .
أنكروا النّشأة الثانية بعد الموت، واصطنعوا لإثبات إنكارهم أغلوطات وألوانًا من المخرقة، طالما خدعت كثيرًا من ذوي الألباب، فقيَّض الله من الغزالي لسانًا لم يتمتّع به غيره، وأنطقه بحجج علمية دقيقة لم يتبيّنها غيره، ودفعه اللُّطف الإلهي، مجهزًا بالحجة القاصمة ولسانها المبين، إلى ساحة الانتصار للحق الأبلج الذي أكده كتاب الله القائل: { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } [ القيامة: 75/3 - 4] ، فقام وحيدًا في تلك الساحة، يستنطق العلم منضبطًا بمنهجه وموازينه، شاهدًا لبيان الله، بل ساجدًا لقراره ووعده. ورأى العالم أجمع مشهد الباطل كيف تتبدّد أخيلته، وكيف ينهزم الكلام الضبابي أمام المنطق العلمي السديد، المحبوك نسيجه من سدى العقل ولحمة النقل.
زعموا أن للأسباب تأثيرًا ذاتيًا فيما يسمونه المسببات، ونسوا أو تناسوا أن الذي قدّم الأول فجعله سببًا، وأخَّر الثاني فسمِّي مسبّبًا، إنما هو الله، وأن الذي خلق التأثير في هذا الثاني، إنما هو الله ذاته، الذي أعطى الأول دور الفاعل المسبّب، وحمَّل الثاني آثار المنفعل المتسبّب .. فجاءهم الغزالي بحقائق علمية ساطعة، لم يُسبق إليها من قبل، ولا نسج على منواله فيها أحد من بعد، واستنطق العقل، مستندًا إلى دليل التجربة والمشاهدة، بأن علاقة ما بين السبب والمسبب فيما يؤكده العلم وتؤيّده التجربة، ليست إلا علاقة اقتران استقر فاستمرّ، فخيل إلى الناظر أن الاقتران الدائم نتيجة تأثير. ثم برهن على أن هذا الخيال عريٌّ عن أي مستند علمي، مذكِّرًا بأن العلم لا يسمّى علمًا، إلا إن كان تابعًا للمعلوم، وأن الافتراض الذهني أبعد ما يكون عن العلم عندما يفرض على المعلوم، أي الواقع الخارجي، أن يكون هو التابع له ..
وانتصر الغزالي في نهاية جولة علمية رائعة، يشهد له بها اليوم العالم كله، للبيان الرَّباني الذي يحصر الفاعليّات كلها في الذات العليّة الذي بيده الخلق والأمر، القائل: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا } [ فاطر: 35/41 ] ، والقائل: { وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ } [ الرّوم: 30/25 ] ، والقائل عن سفينة نوح: { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر: 54/13 - 14 ] .
فإذا كان الانتصار لدين الله وعقائد الإسلام، وتبديد الشُّبهات التي قد تتكاثر بفعل الزنادقة أو الفلاسفة التائهين، بين عقول الناس ونصوص الكتاب المبين، يسمى ابتلاعًا لهؤلاء الفلاسفة أو الزنادقة، إذن فرسول الله ^ص^ كان أول مبتلع للمشركين، الذين طهَّر الله الجزيرة العربية به منهم !.. ولكن لماذا يتمنى ابن العربي رحمه الله لو عاد فتقيّأهم ؟
ألا ليت أن أبا بكر بن العربي كان حيًّا لأسأله فيجيبني: ماذا يعني بهذه الكلمة الإنشائية التي لا يستبين لها معنى ؟ أهي مدح تعبر عن ذوبان الفلاسفة وفلسفتهم في ضرام حججه الدامغة الخادمة لكتاب الله والمؤيدة لما جاء به من الحق ؟ إذن فلماذا يريد منه أن يعود فيتقيّأهم، ليعودوا إلى سابق لغوهم ؟ أم هي كلمة قدح تعبر عن النقيض، أي عن ابتلاعهم له، وهيمنتهم عليه، وتبديدهم لبراهينه وحججه ؟ فأين هو مصداق ما يقول ؟ وها نحن لا نرى على صعيد الواقع المشاهد إلاَّ نقيض هذا النقيض. وما أظن إلا أن ابن العربي سمع بكتاب ( تهافت الفلاسفة ) ولم يتوفر على قراءة شيء منه !!..
[align=center]* * * * *
[ الغزالي انحرف عن طريق العلماء إلى التصوف والوساوس !! ][/align]
ومن الأوهام التي ألصقت بالغزالي ما رواه الذهبي عن محمد بن الوليد الطَّرطوشي في رسالة له إلى ابن المظفر، أنه قال عنه: (( أما أبوحامد فقد رأيته وكلمته، فرأيته جليلاً من أهل العلم واجتمع فيه العقل والفهم)) إلى أن قال: ((ثم بدا له البعد عن طريق العلماء، ودخل في غمار العمّال، ثم تصوَّف وهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلِّمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين ..)) (7) .
أقول: وهذا الذي ذكره الطرطوشي عن الغزالي، سلك فيه مسلك المازَريّ وابن العربي من اتّهام الغزالي بعموميات، لا تنحطُّ على أي جزئيات وتفاصيل يمكن استبانة الحق فيها من صدق هذا الاتِّهام أو عدم صدقه .. فاتِّهامه مثلاً بأنه دخل في غُمار العمّال، وبأنّه تَصوَّفَ .. وهجر العلوم وأهلها .. ودخل في علوم الخواطر .. ووساوس الشيطان، وشابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج .. إلخ. كل هذا تعميم لا يستبين من ورائه أي مثال تفصيلي ينهض شاهدًا على صدق هذا الاتّهام أو عدم صدقه.
فما التَّصوف المذموم الذي اتّهم به ؟ وما الدليل على ذلك من قوله ؟ وما هي علوم الخواطر التي دخل فيها ؟ وما هي أمثلتها التفصيلية التي بوسعنا أن نضعها في ميزان الكتاب والسُّنة لنتبيَّن أهي من الخواطر السَّيئة المبتدعة، أم من العلوم والمعارف المستحسنة ؟ وما هو المقصود بوساوس الشياطين ؟ وما السبيل الذي تبين له من خلالها أنها وساوس الشياطين وليست إلهامات من الله عزّ وجلّ ؟ وما هي آراؤه التي استقاها من ضلالات الفلاسفة ؟ وما هي الرموز التي نقلها فتبنّاها ودعا إليها من الحلاّج ؟ وقد علمنا كما علم الذهبي ونقله، أن الغزالي كفَّر الحلاج بعباراته التي فاه بها مخالفًا للشرع، وأيَّد قتله(8) !..
إن هذه الادِّعاءات تظلُّ حجة على مدَّعيها إلى أن يدعمها بتفاصيل الأقوال والاعتقادات المؤيّدة، فكيف .. وإن مؤلَّفات الغزالي تنطق في تفاصيلها بنقيض هذه الادِّعاءات ؟
والعجيب أن الطرطوشي انتقد هجر الغزالي للتّعليم في النِّظامية معبِّرًا بهذا التّعميم العجيب: ((هجر العلوم وأهلها)) دون أن يشير إلى أنه قد عاد إليها بعد ذلك متجاهلاً السبب الذي من أجله ترك التعليم والوظيفة إلى حين ..
بل الأعجب من هذا أن الطرطوشي ينتقد الغزالي بهذه العموميات التي ينسبها إليه، دون دليل، ولم ينتقده للعيوب الكبرى التي كان يعاني منها الغزالي أيام تدريسه في النِّظامية وإقباله على مجد الأستاذيّة والتَّعليم، من التَّباهي على الآخرين بعلومه واستخفافه بهم، وقصده من أعمال التَّأليف والتدريس بلوغ المجد الدنيوي ومنافسة الأقران. وهو ما اعترف به الغزالي وعرف من نفسه. ولو أن الطرطوشي وقف عند هذا العيب الكبير وانتقده بسببه لكان الغزالي أوّل مؤيدٍ ومصدقٍ له.. ولما انتقده عندئذٍ بسبب ما عبَّر عنه بهجره التعليم وأهله.. فمنذا الذي ينتقد المقبل على الصلاة، إذا انصرف عنها ليغتسل ويتطهَّر أولاً ؟..
إن الذي ميَّز الإمام الغزالي عن الطرطوشي وأمثاله أن هؤلاء إنما كانوا يبحثون في أنفسهم وفي الآخرين عن كمال المظهر وصياغة العبارات وموازين الأعمال الظاهرة .. أما الغزالي، فقد ساقته العناية الإلهية في الشطر الثاني من عمره، إلى اختراق صور الأعمال إلى بواعثها الكامنة وراء الصدر، وإلى أن يسبر غور نفسه، فيقف على ما يعانيه من باطن الإثم ليعالجه ..
وهذه المزية هي محور انتقادات الطرطوشي، وهي العيب الذي عبَّر عنه بقوله: (( .. ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب .. )) ، وهل هذا في مضمونه البعيد إلا انتقاد لمعنى كلام رسول الله ^ص^ : ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) . فاعجب لمزية تتحول عند هذا الرجل والقلّة من أمثاله، نقيصة وعيبًا، وللنقيصة الكبرى التي تتمثَّل في الآفات القلبيّة التي عالج الغزالي نفسه منها، تذوب في ناظره وناظر أمثاله، فلا يقيم لها وزنًا، ولا يلقي لها بالاً، ولا يرى أنها مرض خفي وخطير يحتاج إلى مقاومة وعلاج !!.. بل يرى في معالجة الغزالي نفسه منها نقيصة كبرى جعلته يسقط -على حد تعبير الطرطوشي- على أمّ رأسه !..
[align=center]* * * * *
[ الغزالي يقول: ليس في الإمكان أبدع ممّا كان !! ][/align]
ومن هذه الأوهام التي ألصقت بالغزالي، انتقاد أبي بكر بن العربي، كلمته المشهورة التي سطَّرها في بعض مؤلّفاته: (( ليس في الإمكان أبدع ممّا كان )) .
أقول: لقد أُتي ابن العربي من سوء فهمه للمعنى الذي عناه الغزالي بها.
وقد ذكر الغزالي هذا الكلام، في معرض تأكيده لما هو مقرر في مذهب أهل السُّنة والجماعة، من أنه لا يوجد في الأشيء أو الأفعال حسن أو قبح ذاتي كامن في جوهره، بحيث تكون أحكام الله تعالى بشأنها تابعة لما يقتضيه ذلك الحسن أو القبح، بل إن الحسن والقبح الذي فيها ليس إلا وصفًا أضفاه الله عليها. ولسنا هنا بصددد عرض الأدلة الكثيرة على هذا الكلام(9) .
ينتج عن هذا أن الله عزّ وجلّ عندما تعلَّقت إرادته بإيجاد هذه الخليقة على الشكل الذي أوجدها عليه، وعلى النظام الذي أقامها فيه، فإن هذا الشكل مع نظامه هذا هو منتهى الحسن الذي يمكن أن تتمتع به هذه الخليقة، وذلك لدليل نقلي هو قول الله تعالى: { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } [السَّجدة: 32/7 ] . ولدليل عقلي يتلخص في أنّا لو اعتقدنا أن هذه الخليقة لم تستكمل سائر صفات الحسن، على الشكل والنظام اللذين أقامهما الله عليهما، ومن ثم فإن بالإمكان تجاوز ذلك إلى ما هو أحسن وأكمل، لكان ذلك نتيجة اعتقادٍ منا، بأن أفعال الله وخَلْقه تابعان لمقاييس الحسن الثابتة بحدِّ ذاتها، فقد يصل خلقه للأشياء إلى منتهى مقاييس الحسن وقد لا يصل، ومن ثم يصلح أن يقال: إن هذه المخلوقات بنظامها الحالي الذي شاءه الله تعالى، يمكن أن ترقى إلى درجة أتمّ وأعلى في مراتب الكمال والحسن.
وهذا هو التَّصور الخاطئ الذي ضلَّ فيه المعتزلة، وردَّ عليهم جمهور المسلمين، وفي مقدمتهم الإمام الغزالي بالأدلة العلمية الحاسمة.[/align]
تعليق