الصحابة الكرام

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عمار عبد الله
    طالب علم
    • Oct 2005
    • 1010

    #1

    الصحابة الكرام

    الصحابة الكرام

    الصحابة هم الذين نقلوا السنة النبوية بل حتى القرآن الكريم. فالأمانة الكبرى التي أرسلها الله المؤمن والمهيمن بوساطة جبريل الأمين إلى أفضل الخلق قاطبة وأكثرهم أمناً.. إلى الأمين محمد صلى الله عليه وسلم.. ثم كان الصحابة هم الذين نقلوا إلينا هذه الأمانة الكبرى كما هي تماماً.
    لذا، نرى القرآن الكريم والسنة النبوية تتحدثان عنهم بكل ثناء، [1] بل مدحهم وأثنى عليهم بالإنجيل والتوراة كذلك. [2]
    عاشوا حياة مستقيمة، لم يكونوا مثال البطولة في بدر ومؤتة واليرموك فقط، بل كانوا في كل صفحة من صفحات حياتهم مثالاً يحتذى، إذ نظموا حياتهم وعيروها لحساب الدار الآخرة، وكانت كل خطوة من خطواتهم في سبيل نيل الرضا الإلهي.
    وعن طريق هؤلاء الذين ضربوا المثل الأعلى في الطهر والاستقامة وصلت إلينا السنة النبوية، لذا كان علينا أن نتطرق إلى الصحابة قليلاً، ثم إلى التابعين العظام الذين تبعوهم بأحسان.
    1- الصحابة وطبقات الصحابة:
    يُعد الحافظ ابن حجر أفضل من قدم تعريفاً للصحابة ولمن نستطيع إطلاق كلمة الصحابة. فالصحابي حسب تعريفه هو الشخص المؤمن الذي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونال صحبته ولو قليلاً واستمع إليه ومات على الإيمان وعلى العهد.[3]
    ومع أن هناك من اشترط للصحابي صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم مدة عام أو عامين، إلا أن جمهور العلماء متفقون على أن من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسنى له صحبته ولو قليلاً، واستفاد من ذلك الجو الروحاني ومات على الإيمان وعلى العهد فهو صحابي.
    أما الكافر فلو رأى الرسول صلى الله عليه وسلم، ألف مرة فلا يُعد صحابياً.
    لا شك أن الصحابة ليسوا سواء، فهناك طبقات لهم، إذ لا يمكن أن يوضع في الكفة نفسها من آمن به وصحبه منذ البداية وجاهد معه، ومن آمن به بعد الهجرة ثم من بعد الفتح، وقد تناول القرآن والسنة هذا الموضوع من هذا المنطق أيضاً.
    فالقرآن يتكلم عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} (التوبة: 100).
    ثم يتكلم عن الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا والذين أنفقوا بعده وقاتلوا وأنهما لا يستويان:{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} (الحديد: 10).
    ويمكن ملاحظة فرق الدرجات هذا في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
    فمثلاً عندما قام خالد بن الوليد بمضايقة عمّار بن ياسر غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «لا تؤذوا أصحابي». [4]
    وعندما آذى عمر أبا بكر قطب الرسول صلى الله عليه وسلم حاجبيه وقال لعمر: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعاً فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صدقتَ». [5]
    وأفضل من صنف الصحابة هو الحاكم النيسابوري صاحب كتاب المستدرك، فهو يرى أن الصحابة ينقسمون إلى اثنتي عشرة درجة:
    1. ... قوم تقدم إسلامهم بمكة كالخلفاء الأربعة.
    2. ... الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور أهل مكة في دار الندوة.
    3. ... مهاجرة الحبشة.
    4. ... أصحاب العَقَبة الأولى.
    5. ... أصحاب العَقَبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.
    6. ... أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقباء قبل أن يدخل المدينة.
    7. ... أهل بدر.
    8. ... الذين هاجروا بين بدر والحُديبية.
    9. ... أهل بيعة الرضوان في الحُديبية.
    10. ... من هاجر بين الحُديبية وفتح مكة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
    11. ... مسلمة الفتح الذين أسلموا بعد فتح مكة.
    12. ... صبيان وأطفال رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرهما.[6]


    2- المنزلة الرفيعة للصحابة:
    هناك اتفاق أو إجماع بأن الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء. فالأنبياء هم أصحاب الفضائل الكبرى، وليس في وسع أحد الوصول إلى مرتبتهم.
    ثم يأتي بعدهم الصحابة، ومع ذلك يمكن القول أن هناك صحابة يصلون في بعض الفضائل إلى مرتبة أنبياء بني إسرائيل وليس في جميع الفضائل.
    أكرر القول بأن بعض الصحابة قد يصلون في بعض الفضائل -وليس في كلها- إلى مرتبة بعض الأنبياء.
    وقد يقترب بعض الأولياء والأصفياء أمثال الشيخ الكيلاني والإمام الرباني ومحمد بهاء الدين النقشبندي في بعض الفضائل من بعض الصحابة على قاعدة "رجحان المرجوح على الراجح"، ولكن علماء الجمهور العظام أمثال أبي حنيفة والإمام الشافعي من الذين تنورت عقولهم وقلوبهم وأصبح كلامهم حجة في الدين يرون أن الفضيلة المطلقة تعود بعد الأنبياء إلى الصحابة الكرام[7] يقول الإمام الرباني السرهندي "فإنما حصل للأصحاب في أول صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصلاة والسلام بطريق اندراج النهاية في البداية قلما يحصل لكُمَّل الأولياء في النهاية، ولهذا كان الوحشي قاتل حمزة رضي الله عنه أفضل من أويس القرني الذي هو خير التابعين لنيله صحبة النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة.
    سئل عبد الله بن المبارك: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله لَلغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز كذا مرة.
    فينبغي أن يتأمل في أنه إذا كان بداية جماعة بحيث اندرجت فيها نهاية غيرهم ماذا تكون نهايتهم، وكيف يسعها إدراك الآخرين؟
    "[8]

    3- العوامل التي علت بمنزلة الصحابة:
    ما سبب المنزلة السامية للصحابة الكرام؟
    أ- العلاقة بالرسالة:
    السبب الأول يعود إلى وجود علاقة بين الصحابة وبين نبوة ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم انسد باب النبوة، لذا لم يبق هناك سوى علاقة الولاية بين الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء الذين جاءوا من بعده.
    وبدرجة سمو النبوة على الولاية سمت مرتبة الصحابة على مرتبة الأولياء.
    ب- موضوع الانصباغ:
    والثاني هو موضوع الانصباغ. فتواجد شخص في حضور شخص عظيم بضعة دقائق قد يفيده أكثر من قراءة مؤلفات ذلك الشخص العظيم لعدة ساعات.
    فالتواجد في المجلس شخصياً والاستفادة من الصحبة بشكل مباشر وقريب لاسيما إن كان هذا مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم.. مثل هذه الصحبة لا تغني أي قراءة في كتاب ذلك، لأن الإنسان المحظوظ بتلك الصحبة يسمع الرسول صلى الله عليه وسلم ويرى حركات يده ونظرات عينيه ويحس بالجو الروحي المشع في مجلسه.
    ولن يستطيع أحد أن يصل إلى هذا الجو من قراءة الكتاب.
    صحيح أن كل شخص يستطيع أن يقرأ حول صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف كان يقف للصلاة وكيف كان يركع ويسجد، ولكن لا يوجد كتاب يستطيع أن ينقل الجو الحقيقي لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزفرات صدره في أثنائها والخشوع الذي كان يأخذ بالباب مشاهديه.
    لن يستطيع أي كتاب أن ينقل هذا الجو أبداً، لذا فالذي لا يفهم معنى الانصباغ في جو هذه الصحبة لن يستطيع فهم الصحابة ولن يستطيع إدراك عظمتهم.
    فلبلوغ مرتبة الصحابة يجب تجاوز المكان والرجوع في الزمن 1400 سنة إلى الوراء والحضور في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً له: فديتك يا رسول الله بأبي وأمي.
    ج- ديمومة اتباع الحق:
    والثالث أن حياتهم خلت من الكذب حتى في المزاح. ويصعب فهم هذا في يومنا الذي يختلط بعض الكذب بكلام أصدق الناس.
    كانوا آنذاك حديثي العهد بالإسلام..
    أسلموا فانتقلوا من الكذب إلى الصدق، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن الظلام إلى النور، ولكي يصلوا إلى الجمال الذي وُعدوا به فقد ضحوا بأموالهم وأنفسهم عن طيب خاطر، وما كانوا على استعداد أن يفرطوا بهذه المنزلة التي حصلوا عليها بسعر غالٍ جداً.
    وهؤلاء الذين تحلقوا حول مقام الصدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا بعيدين عن مقام الكذب الذي كان مقام مسليمة الكذاب، وما كانوا يرضون لأنفسهم أبداً السقوط إلى تلك الهوة السحيقة.
    أجل، لقد قطع الصحابة علاقتهم بدنيا الكذب وابتعدوا عنها وعن جميع المظاهر اللاأخلاقيه بسرعة على عزم أكيد بألا يرجعوا إليها مرة أخرى مهما كان الثمن.
    وأظن أنه يصعب في أيامنا الحالية -التي راج فيها الكذب وسرى إلى السياسة واختلطت الأخلاق السيئة بالأخلاق الحميدة- فهم وإحساس هذا على الوجه الصحيح، لذا فمن الصعب فهم الصحابة وفهم عظمتهم الفهم الصحيح، وهذا قد يؤدي إلى خطأ كبير وهو خطأ حسبان الصحابة رجالاً مثلنا، أي عدم التمييز بين النجوم المتلألئة في السماء واليراع في الأرض.
    د- الحيوية التي أوجدها الوحي:
    والعامل الرابع هو نزول موائد الوحي في عهد النبوة أمام الصحابة تترى، ففي كل يوم كانت هناك رسائل جديدة من مالك السموات والأرض ومن مليكهما، وكان الصحابة يتطهرون كل يوم بهذه الرسائل ويغتسلون بها.
    ففي يوم يشرع الأذان وفي يوم آخر تشرع إقامة الصلاة، وفي يوم آخر يشرع النكاح ويحدد بأربع نساء ويعلق بشرط، وفي يوم آخر يحرم الخمر وتلقى الأقداح على الأرض.
    هذه بعض الرسائل السماوية، فقد كانت هناك إشارات مبهمة أو صريحة يرونها في هذه الرسائل تتعلق بهم فمثلاً عندما يذكر الوحي: {محمد رسول الله} (الفتح: 29) ثم يذكر {والذين معه} كانت العيون تتجه إلى أبي بكر، وعندما ينزل الوحي {أشداء على الكفار} تتجه العيون إلى عمر بن الخطاب، وعندما يذكر الوحي {رحماء بينهم} تتجه الأنظار إلى عثمان بن عفان، وعند ذكر {من المؤمنين رجال صدَقوا ما عاهدوا الله عليه} (الأحزاب: 23) خطرت على القلوب بطولة أنس بن النضر واتجه نظر أنس بن مالك إلى قبر عمه أنس بن النضر.
    ويستدعي الرسول صلى الله عليه وسلم أُبيّ بن كعب ليقول له إن الله تعالى أمره أن يقرأ عليه سورة البينة التي تبدأ بالأية: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} (البينة: 1) فسأله أُبيّ بن كعب مذهولاً: وهل ذكر أسمي يا رسول الله؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم.»[9] وعندما تنزل الآية {فلما قضى زيد منها وَطَراً} (الأحزاب: 37) كان يرد اسم زيد في الوحي وهو من أوائل المسلمين.
    أجل، كان الله تعالى يذكرهم، وكانوا يذكرون الله تعالى.. كانوا على اتصال دائم بالله تعالى اتصالاً يليق بجلاله وعظمته بوساطة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لو رأينا ظله في أحلامنا طرنا من السعادة أياماً.
    هكذا انسابت أيام حياتهم وفي ظل مثل هذه العلاقة والفهم والوعي والإدراك والبصيرة، وكان هذا هو مستوى الذين نقلوا إلينا السنة، فقد كان من المحال أن يمر الكذب على خاطر أحد منهم. وقد توثق القرآن والسنة وتم إرساؤهما على أساس متين وقوي من قبل مثل هؤلاء الصحابة بحيث استحال إجراء أي تغيير أو تبديل فيهما.
    هـ- أخوتهم في المحن والشدائد:
    أسلم الصحابة ووقفوا بجانب الدعوة الإسلامية في أيامها الصعبة والحالكة.
    صحيح أن الوقوف اليوم أيضاً بجانب الإسلام يعد صعباً إلا أن تلك الأيام كانت أصعب وأحلك، وكان الإسلام آنذاك وحيداً وغريباً، ولكن الصحابة الكرام وقفوا بجانب دين الله وبجانب رسوله في تلك الأيام الحالكات، وينقل ابن عربي في كتابه "محاضرة الأبرار" كلام أبي بكر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه لينقله إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي كان يصور حالهم في تلك الأيام إذ يقول معناه: "يا علي! عندما كنتَ أنت صغيراً لا تعقل بعدُ لم نكن نحن نجرؤ على الخروج إلا بعد أن نأخذ الموت بنظر اعتبارنا عدة مرات، وكنا عندما نخرج نتوقع على الدوام سيفاً يمرق فوق رؤوسنا، وما كان أحد ليجرأ على قول لا إله إلا الله إلا وقد أخذ في حسبانه أن خنجراً حاداً سيخترق جسده".[10]
    هذه هي الدرجة العالية التي بلغها هؤلاء الصحابة في الإسلام، لذا انفتحت أعين قلوبهم لعالم الحقائق في هبة واحدة.
    فعن أنس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد والحارث بن مالك نائم فحركه برجله، قال: «ارفع رأسك»، فرفع رأسه فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف أصبحت يا حارث بن مالك؟» قال: أصبحت يا رسول الله مؤمناً حقاً. قال: «إن لكل حقٍ حقيقة، فما حقيقة ما تقول؟» قال: عزفت عن الدنيا، وأظمأت نهاري وأسهرت ليلي وكأني أنظر إلى عرش ربي فكأني أنظر إلى أهل الجنة فيها يتزاورون وإلى أهل النار يتعاوون. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت امرؤ نوّر الله قلبَهُ، عرفتَ فالزم».[11]
    كان هذا هو مقدار قربهم من الله تعالى، لذا أصبح الله تعالى -كما ورد في حديث قدسي- بصرهم الذي يبصرون به وسمعهم الذي يسمعون به وألسنتهم التي ينطقون بها، وأيديهم التي يبطشون بها.[12]
    كُلُ ما تَرتقي إليهِ بوهمٍ * من جلالٍ وقدرةٍ وسناءِ
    فالذي أبدعَ البريةَ أعلى * منهُ سبحانَ مُبدعَ الأشياءِ
  • عمار عبد الله
    طالب علم
    • Oct 2005
    • 1010

    #2
    4- الصحابة في القرآن:
    يقول الإمام ابن حزم مثل كثير من الأئمة والمجتهدين إن جميع الصحابة من أهل الجنة.[13] ووجود العشرة المبشرين بالجنة بينهم وهم على قيد الحياة يدل على حيازتهم على نسبة وعلى حصة معينة من الجنة، وهناك أدلة عديدة تؤيد هذا الرأي في القرآن وفي السنة.
    ففي القرآن مثلاً نجد هذه الآيات في أواخر سورة الفتح {محمد رسول الله}، فأكبر حقيقة بعد الإيمان بالله هي حقيقة أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي أرسله للناس كافة، {والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعجب الزراعَ ليغيظ بهم الكفّار وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحاتِ منهم مغفرةً وأجراً عظيماً} (الفتح: 29).
    فما هو هذا الأجر العظيم الذي وعدهم الله تعالى؟ لا يصرح القرآن بماهية هذا الأجر لأنه يريد أن يكون لهم مفاجأة في فردوس فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.[14]
    عن أنس رضي الله عنه: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! قد عرفتَ منزلة حارثة مني، فإن يكُ في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع. فقال: «ويحكِ أَوَ هبلتِ؟ أَوَ جنةٌ واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة وإنه لفي جنة الفردوس».[15]
    كان هذا صحابياًّ شاباًّ من عامة الصحابة آمن فيما بعد، فإذا كان يحوز الفردوس -وهو أرفع درجات الجنة- فما بالك بكبار الصحابة الذين نقلوا إلينا السنة النبوية والحقيقة الأحمدية، وما بالك بمن يسند إليهم الكذب أو يراهم من أهل النار! ترى إلام يقود هذا الرأى؟
    يقول القرآن الكريم أيضاً: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} (التوبة: 100). وسيقول الله تعالى لكل نفس منهم: {يا أيتها النفس المطمئنة ` اِرجعي إلى ربك راضية مرضية ` فادخلي في عبادي ` وادخلي جنتي} (الفجر: 27-30). أجل، إن الله تعالى راضٍ عنهم ولو لم يرض عنهم البعض، وهم وإن استكثروا عليهم الجنة إلا أن الله {وأَعَدّ لهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم} (التوبة: 100).
    ترك المهاجرون ديارهم وبيوتهم وأوطانهم وهاجروا.. وقبل ذلك تركوا رغباتهم النفسية وهجروها.. هاجروا من المعصية إلى الطاعة، ومن رغبات النفس إلى صفاء الروح ومن مكة إلى المدينة. أما الأنصار فهم الأبرار الذين فتحوا لهم قلوبهم وصدورهم وبيوتهم، ولكي ندرك مدى احتضانهم لإخوانهم المهاجرين يكفي قراءة هذه الحادثة:
    آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، فأخذ سعد أخاه عبد الرحمن إلى بيته وكانت له امرأتان فعرض عليه أن يناصفه أهلَهُ ومالَه فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلَّوني على السوق. فأتى السوقَ فربح شيئاً من أقِطٍ وشيئاً من سَمْنٍ.[16] أجل، كان هذا هو نوع ونمط احتضانهم لإخوانهم.
    ومثال آخر نراه في قصة الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه الذي جاء من دَوْس وأسلم ولازم الرسول صلى الله عليه وسلم يستمع إليه لكي ينقل لنا السنة فيما بعد، كان يصوم نهاره ويقوم ليله،[17] وكان جائعاً أكثر أوقاته، وقد يبلغ به الجوع درجة كبيرة، فيبدأ يتلوى من الألم ومن ينظر إليه يحسبه مجنوناً، إذ يقول رضي الله عنه: "لقد رأيتني أُصرَع بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين حجرة عائشة فيقول الناس: إنه لَمجنون، وما بي جنون، وما بي إلا الجوع".[18] ولم يكن أبو هريرة وحده يقاسي الفقر والجوع، بل كان هناك آخرون، ففي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسلَ إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا رجل يُضيّف هذه الليلة يرحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله، لا تدّخريه شيئاً. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصِّبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالَيْ فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلتْ ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لقد عجب الله عز و جل -أو- ضحك من فلان وفلانة فأنزل الله عز و جل: {ويُؤْثرون على أنفسهم ولو كان بهم خَصاصة} (الحشر: 9) ».[19]
    أجل، لقد أحرزوا مستوى سامياً لا يخطر على خيال إنسان هذا العصر. كانت قلوبهم نقية طاهرة، ونفوسهم خالية من العوج، لذا أعلن الله تعالى عن رضاه عنهم وهم لا يزالون على قيد الحياة. فقد كانوا مؤمنين بحق، والله يحب المؤمنين ويرضى عنهم لذا، قال عنهم: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً} (الفتح: 18).
    لم يتراجع الصحابة الكرام عن عهدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن بيعتهم التي بايعوه ولا عن عهدهم مع الله تعالى، بل صدقوا ما عاهدوا الله عليه وبرهنوا على صدقهم هذا في كل حادثة وأمر، والقرآن الكريم يمدحهم ويخلد صدقهم هذا فيقول: {من المؤمنين رجال صدَقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} (الأحزاب: 23).
    أجل، لقد عاهدوا على أن يبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل الحصول على جنته وعلى رضوانه، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه فاستشهد قسم منهم في المعارك ولم يتراجعوا ولم يهربوا في القتال.
    فها هو حمزة يستشهد في معركة أُحد ويرقى إلى مرتبة سيد الشهداء.
    وها هو أنس بن النضر يستشهد في أحد أيضاً ويلقى ربه. وها هو عبد الله بن جحش ومصعب بن عمير وعشرات غيرهم استشهدوا في بدر وفي أُحد.
    استشهد هؤلاء وبقي وراءهم آخرون ينتظرون دورهم في الشهادة ويبحثون عنها، منهم أبو عقيل..
    انتظر الشهادة في أُحد ثم انتظرها في فتح مكة، ثم انتظرها في معركة مؤتة، وأخيراً لقيها في معركة اليمامة.
    لم يغيروا عهدهم الذي قطعوها على أنفسهم مع الله تعالى، ولم يتغيروا..
    كانوا في اليوم الأخير من حياتهم مثل أول يوم عهدهم..
    لم تغيرهم الدنيا ولم تفتنهم، ولم تلههم الشهوات، بل بقوا رجالاً صناديد حتى تمزقت أستار الظلام من قبل قافلة النور.

    5- الصحابة في الأحاديث الشريفة:
    لقد خلد القرآن الكريم ذكرى الصحابة -الذين كانوا القنوات الطاهرة التي نقلت إلينا السنة- بثنائه عليهم. والآن لنطلع على الأحاديث الشريفة في حق الصحابة الكرام وكيف أثنت عليهم:
    أ- جاء في رواية وردت في صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما من كتب الأحاديث الصحيحة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -وهو من شباب الصحابة الذين وقفوا أنفسهم لحفظ الحديث مثل أبي هريرة رضي الله عنه- جاء في هذه الرواية: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً، ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه».[20]
    ذلك لأنهم دافعوا عن الإسلام في أحلك وفي أصعب أيامه، لذا فأي قدح في حقهم لا يليق بأي مسلم، لذا فلا نستطيع نحن صرف أي كلام غير مناسب في حق الصحابة مثلما فعل منتسبوا بعض المذاهب الباطلة بالأمس أو مثلما يفعل الآن بعض المستشرقين الذين أصبحت عداوة الإسلام دينهم، وبعض مقلديهم من المسلمين المساكين الذين أذهلهم التقدم المادي للغرب فأصبح هؤلاء المستشرفين قبلتهم ومحرابهم.
    ب- يروي الترمذي عن عبد الله بن مغفَّل رضي الله عنه: «اللهَ اللهَ في أصحابي، اللهَ اللهَ في أصحابي. لا تتخذوهم غَرَضاً بعدي، فمن أحبهم فَبحبي أحَبّهُمْ ومن أبْغَضَهم فببغضي أبْغضَهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه».[21]
    ج- وعن الإمام مسلم أيضاً:
    «النجومُ أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجومُ أتى السماءَ ما تُوعَدُ. وأنا أمنةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعَدون، وأصحابي أمَنةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يُوعدون».[22]
    فكما تنتثر النجوم عند قيام الساعة كحبات المسبحة، كذلك يعد الرسول صلى الله عليه وسلم رأس المسبحة بالنسبة لأصحابه، وأصحابه رأس المسبحة بالنسبة لأمته، لذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورياً لانتظام صحابته، وصحابته يشكلون ضرورة لنظام أمته بأوليائها وأصفيائها وأبرارها.
    د- يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري ومسلم وأصحاب الكتب الصحاح للحديث: «خير الناس قَرْني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم ثم يتخلف من بعدهم خلف تسبق شهادة أحدهم يمينهُ، ويمينُهُ شهادته».[23]
    ثم جاء عصر الكذب، عصر خلف الوعد حيث تسبق الشهادة اليمينَ ويسبقُ اليمين الشهادة.
    أما عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فقد كان عصراً بعيداً عن الكذب ومبرأ منه، وبعد عصر تابعي التابعين ظهر الكذب فظهرت فرق المعتزلة والمرجئة والمشبّهة ثم انتشر الكذب، واليوم ساد الكذب بين المستشرقين الذين أسندوا الكذب إلى الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وتابعهم في هذا بعض المنذهلين بالغرب من المسلمين.
    هـ- يقول ابن مسعود رضي الله عنه -الذي قال في حقه عمر بن الخطاب لأهل الكوفة بأنه آثرهم على نفسه عندما أرسل لهم هذا الصحابي[24]-: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه".[25]
    اختار له أصحاباً أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجرّاح وغيرهم.
    و- كما ينقل أبو نعيم في كتابه الحلية عن عبد الله بن عمر: "من كان مُستناًّ فليستَنّ بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة، أبرّها قلوباً، أعمقها علماً وأقلها تكلّفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبةِ نبيه صلى الله عليه وسلم ونقلِ دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهُدى المستقيم والله رب الكعبة".[26]
    ز- ويروي صاحب الحلية أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "أنتم أكثر صياماً وأكثر صلاةً وأكثر اجتهاداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيراً منكم." قالوا: لِمَ يا أبا عبد الرحمن؟ قال: "هم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة".[27]

    [1] انظر هذه الآيات: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} (الفتح: 18)؛ {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير} (الأنفال: 72)؛ {للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ` والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويُؤْثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ` والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (الحشر: 8-10)؛ وانظر أيضاً: البخاري، فضائل الصحابة، 5؛ مسلم، فضائل الصحابة، 214؛ الترمذي، المناقب، 56-57
    [2] انظر هذه الآية: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً} (الفتح: 29).
    [3] «الإصابة» لابن حجر 1/7
    [4] «المسند» للإمام أحمد، 4/89-90 ؛ «أسد الغابة» لابن الأثير 4/132
    [5] البخاري، تفسير سورة (7) 3؛ « السنن الكبرى» للبيهقي 10/236
    [6] «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص22-24؛ «الباعث الحثيث» لأحمد محمد شاكر ص137
    [7] «شرح كتاب الفقه الأكبر» لعلي القاري ص206؛ «شرح العقيدة الطحاوية» لابن العز 3/689 ؛ «علوم الحديث» لابن الصلاح ص294؛ «الكفاية» للخطيب البغدادي ص46
    [8] «المكتوبات» للإمام الرباني 1/70 (المكتوب رقم 58)
    [9] البخاري، تفسير سورة (98) 1-3؛ مسلم، فضائل الصحابة، 121-122؛ الترمذي، المناقب، 320؛ «المسند» للإمام أحمد 3/130، 137، 185
    [10] «محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار» لابن عربي 2/179
    [11] «كنز العمال» للهندي 13/ 353؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 1/57
    [12] البخاري، الرقاق، 38
    [13] «الإصابة» لابن حجر 1/10؛ «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم 3/119
    [14] انظر: البخاري، التوحيد، 35؛ مسلم، الإيمان، 312؛ الترمذي، الجنة، 15؛ ابن ماجة، الزهد، 39؛ الدارمي، الرقائق، 98، 105؛ «المسند» للإمام أحمد 2/313، 370
    [15] البخاري، الرقاق، 51؛ الترمذي، تفسير سورة (23) 3
    [16] البخاري، النكاح، 7، البيوع، 1، 49؛ الترمذي، البر، 22
    [17] «البداية والنهاية» لابن كثير 8/118-120؛ «سير أعلام النبلاء» للذهبي 2/609
    [18] «صفة الصفوة» للجوزي 1/292-293؛ «حلية الأولياء» لأبي نعيم 1/378
    [19] البخاري، تفسير سورة (59) 6؛ مسلم، الأشربة، 172-174
    [20] البخاري، فضائل أصحاب النبي، 5؛ مسلم، فضائل الصحابة، 221؛ الترمذي، المناقب، 58
    [21] الترمذي، المناقب، 58؛ «المسند» للإمام أحمد 5/57
    [22] مسلم، فضائل الصحابة، 207؛ «المسند» للإمام أحمد 4/399
    [23] البخاري، فضائل أصحاب النبي، 1؛ مسلم، فضائل الصحابة، 212
    [24] «أسد الغابة» لابن الأثير 3/388؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/291
    [25] «المسند» للإمام أحمد 1/379؛ «حلية الأولياء» لأبي نعيم 1/375
    [26] «حلية الأولياء» لأبي نعيم 1/305
    [27] «حلية الأولياء» لأبي نعيم 1/136


    منقول....
    كُلُ ما تَرتقي إليهِ بوهمٍ * من جلالٍ وقدرةٍ وسناءِ
    فالذي أبدعَ البريةَ أعلى * منهُ سبحانَ مُبدعَ الأشياءِ

    تعليق

    • علي عبدالله الهاشمي
      طالب علم
      • Feb 2008
      • 555

      #3
      كتاب حياة الصحابة للعلامة محمد يوسف الكاندهلوي عليه رحمة الله تعالى :

      Start using this domain right away. Straightforward domain shopping experience. Quick access to your domain.


      ***

      تعليق

      يعمل...