رسالة ** آداب سلوك المريد ***
تأليف
الإمام شيخ الإسلام قطب الدعوة والإرشاد
الحبيب عبدالله بن علوي الحداد
الحضرمي الشافعي
رحمه الله تعالى
الناشر دار الحاوي للطباعة والنشرو التوزيع
الطبعة الأولى سنة 1414هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الحمدُ لله الذي يَقِذفُ إذا شاء في قلوب المُريدين لَوْعَة الإرادة، فيُزعِجُهُم إلى سُلوك سَبيل السّعادة، التي هي الإيمانُ والعِبادة، وَمَحْوُ كلّ رَسمٍ وعَادة، و صلَّى الله و سلَّم على سيِّدنا مُحمَّدٍ سَيِّد أهلِ السِّيادة، وعلى آله و صحبهِ السَّادة القَادة، أمّا بعدُ:
فَقد قال الله تعالى وهُو أصدقُ القائلين: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَة عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُريدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهنَّمَ يَصْلاها مَذمُوماً مَدْحوراً وَمَنْ أرادَ الآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعيَها وَهُوَ مُؤمنٌ فَأولئكَ كانَ سَعْيُهُم مَشْكوراً).
والعاجِلة هي الدنيا، فإذا كانَ المُريدُ لها
(1/3)
________________________________________
فضلاً عن السّاعي لِطلبها مَصيرُهُ إلى النار مَعَ الَّلوم و الصّغار، فما أجدَرَ العاقِلَ بالإعراضِ عنها، والاِحتراسِ مِنها، و الآخرةُ هي الجنة. ولا يَكفي في حُصُولِ الفوزِ بها الإرادَة فقط بَل هي معَ الإيمان والعَملِ الصّالح المُشار إليه بِقوله تعالى: (وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤمِنٌ)، والسَّعي المَشكور هو العملُ المَقبول المُستوجِبُ صاحبُه المدحَ و الثناء و الثّواب العظيم الذي لا ينقَضي ولا يفنى بِفضل الله ورَحمته، و الخاسِرُ مِن كلِّ وجهٍ مِن المُريدين للدنيا الذي يتحقَّقُ في حقِّه الوعيدُ المَذكور في الآية هو الذّي يُريد الدنيا إرادةً ينسى في جَنبِها الآخرة فلا يُؤمن بها، أو يُؤمن و لا يعملُ لها. فالأوَّل كافرٌ خالدٌ في النار، و الثاني فاسقٌ موسومٌ بِالخَسار.
وقال رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم "إنّما الأعمالُ بِالنِّياتِ وإنِّما لِكُلِّ اِمرِئٍ ما نَوى فَمَن كانَت هِجرَتُهُ
(1/4)
________________________________________
إلى الله ورَسُولِه فَهجرتُه إلى الله ورَسولِه وَمَن كانت هِجرَتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يَنكِحُها فَهجرتَه إلى ما هاجَرَ إليه".
أَخبَر صلّى الله عليه و سلَّم أنَّه لا عملَ إلا عن نيّة، وأنَّ الإنسان بحسبِ ما نوى يُثاب ويُجزى إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر، فمن حسنت نيّتهُ حسن عمله لا محالة، ومن خَبُثت نِيّته خَبُثَ عمله لا محالة، وإن كان في الصورة طيّباً كالذي يعمل الصّالحات تصنّعاً للمخلوقين.
وأخبرَ عليه الصَّلاة والسلام أنّ من عمل لله على وِفقِ المُتابعة لِرسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم كان ثوابُه على الله وكان مُنقلبه إِلى رِضوانِ الله وَجنّته، في جِوارِ الله وخيرته، وأنَّ مَن قَصدَ غير الله وعمل لِغيرِ الله كان ثوابُه وجزاؤُه عند من تصنَّعَ له و راءى له مِمَّن لا يملك له ولا لِنفسه ضرّاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نُشوراً.
(1/5)
________________________________________
وخَصَّ الهِجرةَ عليه الصّلاةُ والسَّلام مِن بينِ سَائِرِ الأَعمال تَنبِيهاً على الكُلِّ بِالبعضِ لأنَّ مِن المعلومِ عند أُولي الأَفهام أنَّ الإِخبارَ ليسَ خاصّاً بالهجرَةِ بل هو عامٌّ في جميعِ شرائِعِ الإِسلام.
ثمّ أًقولُ : اِعلَم أَيُّها المُريدُ الطالِبُ، والمتوجه الرَّاغبُ أنَّك حين سأَلتَني أَن أَبْعثَ إِليكَ بِشيءٍ مِنَ الكلامِ المنسوبِ إليَّ لم يَحضُرني منه ما أَراهُ مُناسباً لما أنتَ بِسبيلهِ. وَقَد رأيْتُ أَنْ أُقَيِّدَ فُصُولاً وَجِيزةً تَشتملُ على شيءٍ مِن آدابِ الإِرادةِ بِعبارةٍ سَلِسةٍ، والله أسألُ أن ينفعني و إيَّاك وسائِر الإِخوانِ بما يُوردُهُ عليَّ مِنْ ذَلِك ويُوصِلُهُ إِليَّ مِمَّا هُنالِك، فهو حَسبي ونِعمَ الوَكيلُ.
* * * * *
(1/6)
________________________________________
فصلٌ
اِعلم أنّ أوّل الطريق باعثٌ قويّ يُقذف في قلب العبد يُزعجه ويُقْلقه ويَحثُّه على الإقبال على الله والدّارِ الآخرة، وعلى الإعراض عن الدُّنيا وعمّا الخَلْقُ مشغولون به مِن عَمارَتِها وجَمعِها والتَّمَتُّع بشهواتِها والاغتِرارِ بِزخَارِفها.
وهذا الباعِثُ مِن جنود الله الباطِنة، وهو مِن نَفحاتِ العِناية وأعلامِ الهِدايَة، وكثيراً ما يُفتَح بهِ على العبْدِ عِند التَخْويف والتّرغيب والتّشويق، وعِند النّظَرِ إلى أهل الله تعالى والنّظَرِ منهم، وقد يقعُ بِدون سببٍ.
والتّعرُّضُ للنَّفحات مأمورٌ به ومُرغَّبٌ فيه والانتِظار والاِرتِقاب بدون التَّعرُّض ولزوم الباب حُمقٌ وغَباوةٌ.
(1/7)
________________________________________
كيف و قد قالَ عليه الصّلاةُ والسّلام: " إنَّ لِرَبّكم في أيّام دهركُم نفحاتٍ ألاَ فتَعرّضوا لها".
ومَن أكرَمه الله بهذا الباعِث الشَّريف فَليَعرِف قَدرَهُ المُنيف، وَلْيَعلَم أنّهُ مِن أعظَم نِعَم الله تعَالى عليه التي لا يُقدّرُ قَدرُها ولا يُبْلَغُ شُكرُها فَلْيُبالِغ في شُكر الله تعالى على ما منَحه وأوْلاهُ، وخصّه به مِن بين أشكالِه وأقرانِه فَكم مِن مُسلمٍ بلَغَ عُمرُه ثمانين سنَةً وأكثر لم يجد هذا الباعِث ولم يطْرُقْهُ يوماً مِن الدّهر.
وعلى المُريد أن يجتهد في تَقْويَته وحِفظِه وإجابَته-أعني هذا الباعِث-فَتقوِيَته بالذّكر لله، والفِكر فيما عِند الله، والمُجالسة لأهل الله، وحِفظِه بالبُعد عَن مُجالسة المحجوبين والإعراضِ عَن وَسوَسة الشياطين، وإجابَتهِ بأن يُبادر بالإنابة إلى الله تعالى، ويَصْدُقَ في الإقبالِ على الله،
(1/8)
________________________________________
ولا يَتَوَانى ولا يُسوِّف ولا يَتَباطَأ ولا يُؤَخِّر وقد أمكنَتْه الفُرصةُ فلْيَنتهِزها، وفُتِح له الباب فلْيَدخُل، ودَعاه الدّاعي فليُسرع وَلْيحذَر مِن غدٍ بعد غدٍ فإنّ ذلك مِن عمَل الشّيطان، ولْيُقبل ولا يَتَثبّط ولا يتَعلَّل بِعَدم الفَراغ وعدم الصّلاحِيّة.
قال أبو الرّبيع رحِمه الله: سِيروا إلى الله عُرْجاً وَمَكَاسِير ولا تَنتَظروا الصِّحة فإنّ انتظار الصِّحة بَطالَةٌ.
وقال ابنُ عطاءِ الله في الحِكم: إحالَتُك العَمَل على وُجود الفراغِ مِن رُعوناتِ النّفوس.
* * * * *
(1/9)
________________________________________
فصلٌ
وَأوَّلُ شيءٍ يَبْدَأ به المُريدُ في طريق الله تصحيحُ التَّوبة إلى الله تعالى مِن جميع الذنوب وإنْ كان عَليه شيءٌ مِن المَظالِم لأحدٍ مِن الخَلق فَليُبادر بِأدائها إلى أربابها إن أمكن وإلا فيَطلُب الإحلال منهم، فإنّ الذي تكون ذمّته مُرتَهنة بِحقوق الخَلق لا يُمكنه السّيرُ إلى الحقّ.
وشَرط صِحّة التّوبة صِدق النّدم على الذنوب معَ صِحّة العَزم على تَرْك العَوْد إليها مُدّة العُمر، ومَن تابَ عَن شيءٍ مِن الذنوب وهو مُصرٌّ عليه أو عازمٌ على العَوْد إليه فلا توبة له.
وَليكُن المُريد على الدوام في غايةٍ مِن الاِعتراف بالتَقصير عن القيامِ بما يجبُ عليه مِن حقِّ ربِّه، ومتى حزِنَ على تقْصيره وانكَسر قَلبه مِن أجله فليَعلم أنَّ الله عندَهُ إذ يقول سُبحانه: أنا عِندَ المُنكَسِرةِ قُلُوبهم مِن أجلي.
(1/10)
________________________________________
وعلى المُريد أن يَحتَرِز مِن أصغَر الذنوب فضلاً عن أكبرها أشدّ مِن اِحترازِهِ مِن تَناولِ السُّم القاتِل، ويكون خوفُه لو ارْتكبَ شيئاً منها أعظم من خَوفه لو أكلَ السُّم، وذلكَ لأنّ المعاصي تعمل في القلوب عمَل السُّم في الأجسام، والقلبُ أعزُّ على المُؤمن مِن جِسمه بل رأس مالِ المُريد حِفظُ قلبه وعمارَتهُ. والجِسمُ غرضٌ للآفاتِ وعمّا قريبٍ يُتلَفُ بِالموتِ، وليس في ذهابِه إلا مُفارقةُ الدُّنيا النَّكِدة النَّغِصة وأمّا القلبُ إن تلِف فقد تلِفت الآخِرة فإنه لا ينجو مِن سخطِ الله ويفوزُ بِرِضوانه وثَوابه إلا مَن أتى الله بقلبٍ سليمٍ.
(1/11)
________________________________________
فصلٌ
وعلى المُريد أن يَجتهِد في حفظِ قَلبه مِن الوَساوِس والآفات والخواطِر الرَّدِيَّة، وليُقِم على بابِ قَلبه حاجِباً مِن المُراقبة يمنعُها مِن الدخولِ إليه فإنها إن دَخَلته أفسَدتهُ، ويَعسُر بعد ذلك إخراجها مِنه.
وَليُبالِغ في تَنقِية قَلبه الذي هو مَوضِعُ نَظَر ربِّه مِن المَيل إلى شَهوات الدنيا، ومِن الحِقد والغِلِّ والغِشِّ لأحدٍ مِن المسلمين، ومِن الظّنّ السوء بأحدٍ منهم، وليكُن ناصحاً لهم رحيماً بهم مُشفقاً عليهم، مُعتقداً الخيرَ فيهم، يُحبُّ لهم ما يُحبُّ لنفسه مِن الخير، ويكرهُ لهم ما يكرهُ لِنفسه من الشر.
وَلتَعْلم أيُّها المُريد أنّ لِلقلبِ مَعاصي هِيَ أفحشُ وأقبحُ وأخبثُ مِن معَاصي الجوارِح ولا يَصلُح القلب لِنزول معرفَة الله ومحبَّته تعالى إلا بعد التّخلي عنها و التّخلُّص منها.
(1/12)
________________________________________
فمِن أفحشِها الكِبر و الرّياء والحسد.
فالكِبر يدُلُّ مِن صاحِبِه على غايةِ الحماقَة، ونهاية الجهالة والغباوةِ، وكيف يليقُ التكَبُّر مِمّن يعلم أنّه مخلوقٌ مِن نُطفةٍ مَذِرةٍ وعلى القُرب يصِير جِيفةً قذِرةً. وإن كان عِنده شيءٌ مِن الفضَائِل والمحاسِن فذلك مِن فَضل الله وصُنعه، ليس له فيه قُدرةٌ ولا في تحصيله حَولٌ ولا قوةٌ، أوَلا يخشى إذا تكبّر على عبادِ الله بما آتاه الله مِن فَضله أن يَسلُبَه ما أعطاهُ بِسوء أدبِه ومُنازعتِه لِربِّه في وَصفِه؟ لأن الكِبر مِن صِفات الله الجبّار المُتَكبّر.
وأمّا الرِّياء فيَدُل على خُلُوِّ قلبِ المُرائي مِن عظمةِ الله وإجلاله لأنّه يتصَنَّع و يتزيَّن للمخلوقين ولا يقنع بِعلمِ الله ربِّ العالمين.
(1/13)
________________________________________
تأليف
الإمام شيخ الإسلام قطب الدعوة والإرشاد
الحبيب عبدالله بن علوي الحداد
الحضرمي الشافعي
رحمه الله تعالى
الناشر دار الحاوي للطباعة والنشرو التوزيع
الطبعة الأولى سنة 1414هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الحمدُ لله الذي يَقِذفُ إذا شاء في قلوب المُريدين لَوْعَة الإرادة، فيُزعِجُهُم إلى سُلوك سَبيل السّعادة، التي هي الإيمانُ والعِبادة، وَمَحْوُ كلّ رَسمٍ وعَادة، و صلَّى الله و سلَّم على سيِّدنا مُحمَّدٍ سَيِّد أهلِ السِّيادة، وعلى آله و صحبهِ السَّادة القَادة، أمّا بعدُ:
فَقد قال الله تعالى وهُو أصدقُ القائلين: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَة عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُريدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهنَّمَ يَصْلاها مَذمُوماً مَدْحوراً وَمَنْ أرادَ الآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعيَها وَهُوَ مُؤمنٌ فَأولئكَ كانَ سَعْيُهُم مَشْكوراً).
والعاجِلة هي الدنيا، فإذا كانَ المُريدُ لها
(1/3)
________________________________________
فضلاً عن السّاعي لِطلبها مَصيرُهُ إلى النار مَعَ الَّلوم و الصّغار، فما أجدَرَ العاقِلَ بالإعراضِ عنها، والاِحتراسِ مِنها، و الآخرةُ هي الجنة. ولا يَكفي في حُصُولِ الفوزِ بها الإرادَة فقط بَل هي معَ الإيمان والعَملِ الصّالح المُشار إليه بِقوله تعالى: (وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤمِنٌ)، والسَّعي المَشكور هو العملُ المَقبول المُستوجِبُ صاحبُه المدحَ و الثناء و الثّواب العظيم الذي لا ينقَضي ولا يفنى بِفضل الله ورَحمته، و الخاسِرُ مِن كلِّ وجهٍ مِن المُريدين للدنيا الذي يتحقَّقُ في حقِّه الوعيدُ المَذكور في الآية هو الذّي يُريد الدنيا إرادةً ينسى في جَنبِها الآخرة فلا يُؤمن بها، أو يُؤمن و لا يعملُ لها. فالأوَّل كافرٌ خالدٌ في النار، و الثاني فاسقٌ موسومٌ بِالخَسار.
وقال رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم "إنّما الأعمالُ بِالنِّياتِ وإنِّما لِكُلِّ اِمرِئٍ ما نَوى فَمَن كانَت هِجرَتُهُ
(1/4)
________________________________________
إلى الله ورَسُولِه فَهجرتُه إلى الله ورَسولِه وَمَن كانت هِجرَتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يَنكِحُها فَهجرتَه إلى ما هاجَرَ إليه".
أَخبَر صلّى الله عليه و سلَّم أنَّه لا عملَ إلا عن نيّة، وأنَّ الإنسان بحسبِ ما نوى يُثاب ويُجزى إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر، فمن حسنت نيّتهُ حسن عمله لا محالة، ومن خَبُثت نِيّته خَبُثَ عمله لا محالة، وإن كان في الصورة طيّباً كالذي يعمل الصّالحات تصنّعاً للمخلوقين.
وأخبرَ عليه الصَّلاة والسلام أنّ من عمل لله على وِفقِ المُتابعة لِرسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم كان ثوابُه على الله وكان مُنقلبه إِلى رِضوانِ الله وَجنّته، في جِوارِ الله وخيرته، وأنَّ مَن قَصدَ غير الله وعمل لِغيرِ الله كان ثوابُه وجزاؤُه عند من تصنَّعَ له و راءى له مِمَّن لا يملك له ولا لِنفسه ضرّاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نُشوراً.
(1/5)
________________________________________
وخَصَّ الهِجرةَ عليه الصّلاةُ والسَّلام مِن بينِ سَائِرِ الأَعمال تَنبِيهاً على الكُلِّ بِالبعضِ لأنَّ مِن المعلومِ عند أُولي الأَفهام أنَّ الإِخبارَ ليسَ خاصّاً بالهجرَةِ بل هو عامٌّ في جميعِ شرائِعِ الإِسلام.
ثمّ أًقولُ : اِعلَم أَيُّها المُريدُ الطالِبُ، والمتوجه الرَّاغبُ أنَّك حين سأَلتَني أَن أَبْعثَ إِليكَ بِشيءٍ مِنَ الكلامِ المنسوبِ إليَّ لم يَحضُرني منه ما أَراهُ مُناسباً لما أنتَ بِسبيلهِ. وَقَد رأيْتُ أَنْ أُقَيِّدَ فُصُولاً وَجِيزةً تَشتملُ على شيءٍ مِن آدابِ الإِرادةِ بِعبارةٍ سَلِسةٍ، والله أسألُ أن ينفعني و إيَّاك وسائِر الإِخوانِ بما يُوردُهُ عليَّ مِنْ ذَلِك ويُوصِلُهُ إِليَّ مِمَّا هُنالِك، فهو حَسبي ونِعمَ الوَكيلُ.
* * * * *
(1/6)
________________________________________
فصلٌ
اِعلم أنّ أوّل الطريق باعثٌ قويّ يُقذف في قلب العبد يُزعجه ويُقْلقه ويَحثُّه على الإقبال على الله والدّارِ الآخرة، وعلى الإعراض عن الدُّنيا وعمّا الخَلْقُ مشغولون به مِن عَمارَتِها وجَمعِها والتَّمَتُّع بشهواتِها والاغتِرارِ بِزخَارِفها.
وهذا الباعِثُ مِن جنود الله الباطِنة، وهو مِن نَفحاتِ العِناية وأعلامِ الهِدايَة، وكثيراً ما يُفتَح بهِ على العبْدِ عِند التَخْويف والتّرغيب والتّشويق، وعِند النّظَرِ إلى أهل الله تعالى والنّظَرِ منهم، وقد يقعُ بِدون سببٍ.
والتّعرُّضُ للنَّفحات مأمورٌ به ومُرغَّبٌ فيه والانتِظار والاِرتِقاب بدون التَّعرُّض ولزوم الباب حُمقٌ وغَباوةٌ.
(1/7)
________________________________________
كيف و قد قالَ عليه الصّلاةُ والسّلام: " إنَّ لِرَبّكم في أيّام دهركُم نفحاتٍ ألاَ فتَعرّضوا لها".
ومَن أكرَمه الله بهذا الباعِث الشَّريف فَليَعرِف قَدرَهُ المُنيف، وَلْيَعلَم أنّهُ مِن أعظَم نِعَم الله تعَالى عليه التي لا يُقدّرُ قَدرُها ولا يُبْلَغُ شُكرُها فَلْيُبالِغ في شُكر الله تعالى على ما منَحه وأوْلاهُ، وخصّه به مِن بين أشكالِه وأقرانِه فَكم مِن مُسلمٍ بلَغَ عُمرُه ثمانين سنَةً وأكثر لم يجد هذا الباعِث ولم يطْرُقْهُ يوماً مِن الدّهر.
وعلى المُريد أن يجتهد في تَقْويَته وحِفظِه وإجابَته-أعني هذا الباعِث-فَتقوِيَته بالذّكر لله، والفِكر فيما عِند الله، والمُجالسة لأهل الله، وحِفظِه بالبُعد عَن مُجالسة المحجوبين والإعراضِ عَن وَسوَسة الشياطين، وإجابَتهِ بأن يُبادر بالإنابة إلى الله تعالى، ويَصْدُقَ في الإقبالِ على الله،
(1/8)
________________________________________
ولا يَتَوَانى ولا يُسوِّف ولا يَتَباطَأ ولا يُؤَخِّر وقد أمكنَتْه الفُرصةُ فلْيَنتهِزها، وفُتِح له الباب فلْيَدخُل، ودَعاه الدّاعي فليُسرع وَلْيحذَر مِن غدٍ بعد غدٍ فإنّ ذلك مِن عمَل الشّيطان، ولْيُقبل ولا يَتَثبّط ولا يتَعلَّل بِعَدم الفَراغ وعدم الصّلاحِيّة.
قال أبو الرّبيع رحِمه الله: سِيروا إلى الله عُرْجاً وَمَكَاسِير ولا تَنتَظروا الصِّحة فإنّ انتظار الصِّحة بَطالَةٌ.
وقال ابنُ عطاءِ الله في الحِكم: إحالَتُك العَمَل على وُجود الفراغِ مِن رُعوناتِ النّفوس.
* * * * *
(1/9)
________________________________________
فصلٌ
وَأوَّلُ شيءٍ يَبْدَأ به المُريدُ في طريق الله تصحيحُ التَّوبة إلى الله تعالى مِن جميع الذنوب وإنْ كان عَليه شيءٌ مِن المَظالِم لأحدٍ مِن الخَلق فَليُبادر بِأدائها إلى أربابها إن أمكن وإلا فيَطلُب الإحلال منهم، فإنّ الذي تكون ذمّته مُرتَهنة بِحقوق الخَلق لا يُمكنه السّيرُ إلى الحقّ.
وشَرط صِحّة التّوبة صِدق النّدم على الذنوب معَ صِحّة العَزم على تَرْك العَوْد إليها مُدّة العُمر، ومَن تابَ عَن شيءٍ مِن الذنوب وهو مُصرٌّ عليه أو عازمٌ على العَوْد إليه فلا توبة له.
وَليكُن المُريد على الدوام في غايةٍ مِن الاِعتراف بالتَقصير عن القيامِ بما يجبُ عليه مِن حقِّ ربِّه، ومتى حزِنَ على تقْصيره وانكَسر قَلبه مِن أجله فليَعلم أنَّ الله عندَهُ إذ يقول سُبحانه: أنا عِندَ المُنكَسِرةِ قُلُوبهم مِن أجلي.
(1/10)
________________________________________
وعلى المُريد أن يَحتَرِز مِن أصغَر الذنوب فضلاً عن أكبرها أشدّ مِن اِحترازِهِ مِن تَناولِ السُّم القاتِل، ويكون خوفُه لو ارْتكبَ شيئاً منها أعظم من خَوفه لو أكلَ السُّم، وذلكَ لأنّ المعاصي تعمل في القلوب عمَل السُّم في الأجسام، والقلبُ أعزُّ على المُؤمن مِن جِسمه بل رأس مالِ المُريد حِفظُ قلبه وعمارَتهُ. والجِسمُ غرضٌ للآفاتِ وعمّا قريبٍ يُتلَفُ بِالموتِ، وليس في ذهابِه إلا مُفارقةُ الدُّنيا النَّكِدة النَّغِصة وأمّا القلبُ إن تلِف فقد تلِفت الآخِرة فإنه لا ينجو مِن سخطِ الله ويفوزُ بِرِضوانه وثَوابه إلا مَن أتى الله بقلبٍ سليمٍ.
(1/11)
________________________________________
فصلٌ
وعلى المُريد أن يَجتهِد في حفظِ قَلبه مِن الوَساوِس والآفات والخواطِر الرَّدِيَّة، وليُقِم على بابِ قَلبه حاجِباً مِن المُراقبة يمنعُها مِن الدخولِ إليه فإنها إن دَخَلته أفسَدتهُ، ويَعسُر بعد ذلك إخراجها مِنه.
وَليُبالِغ في تَنقِية قَلبه الذي هو مَوضِعُ نَظَر ربِّه مِن المَيل إلى شَهوات الدنيا، ومِن الحِقد والغِلِّ والغِشِّ لأحدٍ مِن المسلمين، ومِن الظّنّ السوء بأحدٍ منهم، وليكُن ناصحاً لهم رحيماً بهم مُشفقاً عليهم، مُعتقداً الخيرَ فيهم، يُحبُّ لهم ما يُحبُّ لنفسه مِن الخير، ويكرهُ لهم ما يكرهُ لِنفسه من الشر.
وَلتَعْلم أيُّها المُريد أنّ لِلقلبِ مَعاصي هِيَ أفحشُ وأقبحُ وأخبثُ مِن معَاصي الجوارِح ولا يَصلُح القلب لِنزول معرفَة الله ومحبَّته تعالى إلا بعد التّخلي عنها و التّخلُّص منها.
(1/12)
________________________________________
فمِن أفحشِها الكِبر و الرّياء والحسد.
فالكِبر يدُلُّ مِن صاحِبِه على غايةِ الحماقَة، ونهاية الجهالة والغباوةِ، وكيف يليقُ التكَبُّر مِمّن يعلم أنّه مخلوقٌ مِن نُطفةٍ مَذِرةٍ وعلى القُرب يصِير جِيفةً قذِرةً. وإن كان عِنده شيءٌ مِن الفضَائِل والمحاسِن فذلك مِن فَضل الله وصُنعه، ليس له فيه قُدرةٌ ولا في تحصيله حَولٌ ولا قوةٌ، أوَلا يخشى إذا تكبّر على عبادِ الله بما آتاه الله مِن فَضله أن يَسلُبَه ما أعطاهُ بِسوء أدبِه ومُنازعتِه لِربِّه في وَصفِه؟ لأن الكِبر مِن صِفات الله الجبّار المُتَكبّر.
وأمّا الرِّياء فيَدُل على خُلُوِّ قلبِ المُرائي مِن عظمةِ الله وإجلاله لأنّه يتصَنَّع و يتزيَّن للمخلوقين ولا يقنع بِعلمِ الله ربِّ العالمين.
(1/13)
________________________________________
تعليق