[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم[/align]
[mark=ccff33][align=center]دفع السهام الطائشة
عن كتاب (أسانيد المصريين)[/align][/mark]
[align=center]بقلم
الفقير شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن المقدي باعلوي الحضرمي الأزهري[/align]
[align=justify]الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين ، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله البررة الكرام ، وصحابته الأعلام ، مصابيح الظلام ، وسلم تسليما كثيرا[/align]
[align=justify]أما بعد :
فقد اطلعت على خبر نشر في موقع من مواقع الإنترنت، يتهم فيه صاحبه فضيلةَ الشيخ أسامة السيد الأزهري حفظه الله، بالقيام في كتابه (أسانيد المصريين، جمهرة في المتأخرين من علماء مصر ومناهجهم وبيان سلاسل أسانيدهم وذكر أسانيدنا إليهم) بسرقة تراجمه من كتاب (معجم المعاجم والمشيخات، والفهارس والبرامج والأثبات) لفضيلة الشيخ الدكتور يوسف بن عبد الرحمن المرعشلي حفظه الله تعالى، فتعجت من هذا الاتهام الظالم، واستغربت شدة الهجوم على كتاب (الأسانيد)، وعلى مؤلفه ، قبل أن يطلع هذا الأخ المنتقد على الكتاب فيما أحسب، فضلاً عن أن يخبره حق المخبرة، وإنما هو الرجم بالغيب، والاستعجال، والاستعجال عيب الرجال، كما يقول أهل الاعتدال، ولله درّ القطامي حيث يقول : [/align]
[align=justify]فأحببت أن أرد هذا الطيش، وأن أدفع هذه السهام الطائشة، عن كتاب: (أسانيد المصريين)، إحقاقا للحق، ودفعا للظلم عن رجل اجتهد وحرر وألف، وأتى بالفوائد النادرة، فحسده وحقد عليه بعضهم[/align]
[align=justify]فهذا المنتقد بغير حق ذهب يكيل التهم جزافا، ويرمي بالسرقة دون نظر، في حين أن الحديث عن السرقات، من أخطر الموبقات، وليته تثبت وتروى ، بل ليته سكت ، ولو سكت من لا يعلم لقلّ الخلاف ، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه فوق عنده، والإنصاف عزيز كما يقول الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى.
ولو أننا سلّمنا لمثل هذه التهم ، لما سلم لنا إمام ولا عالم ولا كتاب ، ولصارت الناس كلها سرقة في سرقة ... وما هكذا ياسعد تورد الإبل .
ولقد أحسن العلاّمة الجهبذ الشوكاني رحمه الله تعالى ، الدفاع عن الإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى لمّا ادّعى عليه بعضهم السَرَق فقال : ( وكذا قوله ـ قلت : أي المتهِم ـ أنه مسخ كذا وأخذ كذا ليس بعيب ، فإن هذا ما زال دأب المصنفين يأتي الآخر فيأخذ من كتب من قبله ، فيختصر أو يوضّح أو يعترض أو نحو ذلك من الأغراض التي هي الباعثة على التصنيف ، ومَنْ ذاك الذي يعمد إلى فن قد صنف فيه مَنْ قبله فلا يأخذ من كلامه ؟ ) أهـ ينظر البدر الطالع ، قلت : بل لم يسلم الشوكاني نفسه، بل ولم يسلم قبلهما الإمام البرهان الزركشي رحمه الله تعالى ، وغيرهم في القديم والحديث ، والداء قديم ، والعيب عتيق ، والقائمة تطول ، والإنصاف عزيز ، ولا حول و لاقوة الا بالله العلي العظيم .
وليتنبه أخي المنتقد لهذه القضية ـ وهي التفرقة بين السرقة وتوارد الكتب والمؤلفات ـ وليتأملها غاية التأمل فإنما تدرك الدقائق بالتأمل ، ولذا قيل : ( تأمل تدرك ) ، خصوصا قبل الكلام ، فإن الكلام كالسهم ، فلا بد من تقويمه بالتأمل أولا . والمنقولات تستلزم الإشتراك في العبارات ، مع اختلاف المقاصد والإشارات كما يقول بعضهم .
قال العلامة الفقيه ، الأديب النحرير ، حسنة جرجان وفرد الزمان ، القاضي الشافعي ، علي بن عبد العزيز الجرجاني (تـ 366هـ) في كتابه العجاب ( الوساطة بين المتنبي وخصومه ) بعد كلام ساقه : (( ... ولستَ تُعَد من جهابذة الكلام ، ونقّاد الشعر ، حتى تميّز بين أصنافه وأقسامه ، وتحيط علما برتبه ومنازله ، وتفصل بين السَّرَق والغصب ، وبين الإغارة والإختلاس ، وتعرف الإلمام من الملاحظة ، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرق فيه ، والمبتذل الذي ليس أحد أولى به ، وبين المختص الذي حازه المبتدئ فملكه ، وأحياه السابق فاقتطعه ، وصار المعتدي مختلساً سارقاً ، والمشارك له محتدياً تابعاً ، وتعرف اللفظ الذي يجوز أن يقال فيه : أُخذ ونقل ، والكلمة التي يصح أن يقال فيها هي لفلان دون فلان )) وحسبنا هذا الكلام من هذا الإمام الحُجّة القاضي الحَكَم .[/align]
[align=justify]ويقول القاضي الجرجاني رحمه الله تعالى ، أيضا : وقد أحسن أحمد بن أبي طاهر في محاجّة البحتري لما ادعى عليه السَّرَق قوله :[/align]
[align=justify] وأنا كما ذكرت، أجزم أن أخي المنتقد لم يطلع على ما في الكتابين من تراجم للمصريين، ولم يستقري ما اتفقا في الترجمة له، وما افترقا فيه، ولم يطلع أيضا على نمط الترجمة في (أسانيد المصريين)، ولم يتأمل منهج مؤلفه في كتابه، وطبيعة عمله فيه، وكيفية معالجته للأخبار وتوثيقه لها، وما لاقاه وكابده من تعب ولأواء، في سنوات طوال، ورحيل إلى الأمصار، ومكابدة للأسفار، من أقصى الصعيد إلى أدناه، ومشافهة للقوم من العلماء ، أو من بقي من ذريتهم ، بغية التحقق والتثبت، الذي هو مزية أهل الحديث الشريف، وسمة أرباب الإسناد المنيف، وإنما فاه المنتقد بما فاه به على سبيل التعجل والتخمين، والكيل بمكيالين .
لا سيما وأن الترجمة في أسانيد المصريين لم تكن جافة حافة ، بل مزجت فيها الأسانيد بالعناقيد ، وبحوث الرواية بشذرات من أخبار القوم ومناهجهم، مع استطرادات ماتعة، وفرائد رائعة ، ونكات وتحريرات، تتميما للفائدة، وتحبيبا للقارئ، ودفعا للسآمة عنه.
قال الشيخ العلامة المحدث الجليل الشيخ عبد الفتاح أبوغدة رحمه الله، في مقدمة كتابه النفيس الماتع (صفحات من صبر العلماء): (فقد نقلت فيه محاسن ما رأيت، وخيار ما جنيت، مترسماً خطة الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى، التي سلكها في تأليف كتابه (( صفة الصفوة )) الذي اختصر به كتاب (( حلية الأولياء )) لأبي نعيم الأصبهاني عليه الرحمة والرضوان، فقد قال ابن الجوزي في آخر مقدمته لكتابه المذكور 1: 38 : (( وإنما أنقل عن القوم محاسن ما نُقل، ولا أنقل كل ما نُقل، إذ لكل شئ صناعة، وصناعة العقل حسن الاختيار )) . أهـ
وقال العلامة الأديب أبو إسحق الحصري في كتابه (زهر الآداب): (( واختيار المرء قطعة من عقله، تدل على تخلفه أو فضله ))
وأحب في هذا المقام أن أنقل لأخي الناقد المتعجل ، ما قاله الإمام القاضي أبو الحسن الجرجاني ، في كتابه : (( الوساطة بين المتنبي وخصومه )) قال مانصه : (التفاضل ـ أطال الله بقاءك ـ داعية التنافس، والتنافس سبب التحاسد، وأهل النقص رجلان : رجل أتاه التقصير من قبله، وقعد به عن الكمال اختياره، فهو يساهم الفضلاء بطبعه، ويحنو على الفضل بقدر سهمه ، وآخر رأى النقص ممتزجا بخلقته ، ومؤثّلاً في تركيب فطرته ، فاستشعر اليأس من زواله ، وقصُرت به الهمة عن انتقاله ،فلجأ الى حسد الأفاضل ، واستغاث بانتقاص الأماثل ، يرى أن أبلغ الأمور في جبر نقيصته ، وستر ما كشفه العجز عن عورته، اجتذابهم إلى مشاركته ، ووسمهم بثلب سمته ، وقد قيل : [/align]
[align=justify]صدق والله وأحسن ! كم من فضيلة لو لم تسترها المحاسد لم تبرح في الصدور كامنه ، ومنقبة لو لم تزعجها المنافسة، لبقيت على حالها ساكنة ، لكنها برزت، فتناولتها ألسن الحسّد تجلوها، وهي تظن أنها تمحوها ، وتشهرها، وهي تحاول أن تسترها ، حتى عثر بها من يعرف حقها ، واهتدى اليها من هو أولى بها ، فظهرت على لسانه في أحسن معرض ، واكتست من فضله أزين ملبس ، فعادت بعد الخمول نابهة ، وبعد الذبول ناضرة ، وتمكنت من بر والدها فنوهت بذكره ، وقدرت على قضاء حق صاحبها فرفعت من قدره ، ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ).
ولم تزل العلوم ـ أيدك الله ـ لأهلها أنسابا تتناصر بها ، والآداب لأبنائها أرحاما تتواصل عليها ، وأدنى الشِّرك في نسب الجوار ، وأول حقوق الجوار الامتعاض له ، والمحاماة دونه ، وما مَنْ حفظ دمه أن يسفك ، بأولى ممن رعى حريمه أن يهتك ، ولاحرمة أولى بالعناية ، وأحق بالحماية ، وأجدر أن يبذُل الكريم دونها عِرضه ، ويمتهن في إعزازها ماله ونفسه، من حرمة العلم، الذي هو رونق وجهه ، ووقاية قدره ، ومنار اسمه ، ومطية ذكره).
الإسراف ، بل تتصرف على حكم العدل كيف صرفك ، وتقف على رسمه كيف وقفك ، فتنتصف تارة وتعتذر أخرى ، وتجعل الإقرار بالحق عليك شاهدا لك اذا أنكرت ، وتقيم الاستسلام للحجة ـ إذا قامت ـ محتجا عنك اذا خالفت ، فإنه لاحال أشد للقلوب المنحرفة ، وأكثر استمالة للنفوس المشمئزة ، من توقفك عند الشبهة اذا عرضت ، واسترسالك للحجة اذا قهرت ، والحكم على نفسك اذا تحققت الدعوى عليها ، وتنبيه خصمك على مكامن حيلك اذا ذهب عنها ، ومتى عرفت بذلك صار قولك برهانا مسلما ، ورأيك دليلا قاطعا .. إلخ).
قال الشهاب المقدي الحضرمي -محرره-: وإنما نقلت هذا الكلام بطوله لنفاسته وتشابك بعضه ببعض، وفي هذا الكلام من هذا الإمام غنية وكفاية لذوي الإنصاف
ولله در القائل حيث يقول : [/align]
[align=center]يتبع...[/align]
[mark=ccff33][align=center]دفع السهام الطائشة
عن كتاب (أسانيد المصريين)[/align][/mark]
[align=center]بقلم
الفقير شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن المقدي باعلوي الحضرمي الأزهري[/align]
[align=justify]الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين ، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله البررة الكرام ، وصحابته الأعلام ، مصابيح الظلام ، وسلم تسليما كثيرا[/align]
[align=justify]أما بعد :
فقد اطلعت على خبر نشر في موقع من مواقع الإنترنت، يتهم فيه صاحبه فضيلةَ الشيخ أسامة السيد الأزهري حفظه الله، بالقيام في كتابه (أسانيد المصريين، جمهرة في المتأخرين من علماء مصر ومناهجهم وبيان سلاسل أسانيدهم وذكر أسانيدنا إليهم) بسرقة تراجمه من كتاب (معجم المعاجم والمشيخات، والفهارس والبرامج والأثبات) لفضيلة الشيخ الدكتور يوسف بن عبد الرحمن المرعشلي حفظه الله تعالى، فتعجت من هذا الاتهام الظالم، واستغربت شدة الهجوم على كتاب (الأسانيد)، وعلى مؤلفه ، قبل أن يطلع هذا الأخ المنتقد على الكتاب فيما أحسب، فضلاً عن أن يخبره حق المخبرة، وإنما هو الرجم بالغيب، والاستعجال، والاستعجال عيب الرجال، كما يقول أهل الاعتدال، ولله درّ القطامي حيث يقول : [/align]
قد يدرك المتأني بعض حاجته===وقد يكون مع المستعجل الزلل
[align=justify]فأحببت أن أرد هذا الطيش، وأن أدفع هذه السهام الطائشة، عن كتاب: (أسانيد المصريين)، إحقاقا للحق، ودفعا للظلم عن رجل اجتهد وحرر وألف، وأتى بالفوائد النادرة، فحسده وحقد عليه بعضهم[/align]
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه===فالناس أعداء له وخصوم
[align=justify]فهذا المنتقد بغير حق ذهب يكيل التهم جزافا، ويرمي بالسرقة دون نظر، في حين أن الحديث عن السرقات، من أخطر الموبقات، وليته تثبت وتروى ، بل ليته سكت ، ولو سكت من لا يعلم لقلّ الخلاف ، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه فوق عنده، والإنصاف عزيز كما يقول الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى.
ولو أننا سلّمنا لمثل هذه التهم ، لما سلم لنا إمام ولا عالم ولا كتاب ، ولصارت الناس كلها سرقة في سرقة ... وما هكذا ياسعد تورد الإبل .
ولقد أحسن العلاّمة الجهبذ الشوكاني رحمه الله تعالى ، الدفاع عن الإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى لمّا ادّعى عليه بعضهم السَرَق فقال : ( وكذا قوله ـ قلت : أي المتهِم ـ أنه مسخ كذا وأخذ كذا ليس بعيب ، فإن هذا ما زال دأب المصنفين يأتي الآخر فيأخذ من كتب من قبله ، فيختصر أو يوضّح أو يعترض أو نحو ذلك من الأغراض التي هي الباعثة على التصنيف ، ومَنْ ذاك الذي يعمد إلى فن قد صنف فيه مَنْ قبله فلا يأخذ من كلامه ؟ ) أهـ ينظر البدر الطالع ، قلت : بل لم يسلم الشوكاني نفسه، بل ولم يسلم قبلهما الإمام البرهان الزركشي رحمه الله تعالى ، وغيرهم في القديم والحديث ، والداء قديم ، والعيب عتيق ، والقائمة تطول ، والإنصاف عزيز ، ولا حول و لاقوة الا بالله العلي العظيم .
وليتنبه أخي المنتقد لهذه القضية ـ وهي التفرقة بين السرقة وتوارد الكتب والمؤلفات ـ وليتأملها غاية التأمل فإنما تدرك الدقائق بالتأمل ، ولذا قيل : ( تأمل تدرك ) ، خصوصا قبل الكلام ، فإن الكلام كالسهم ، فلا بد من تقويمه بالتأمل أولا . والمنقولات تستلزم الإشتراك في العبارات ، مع اختلاف المقاصد والإشارات كما يقول بعضهم .
قال العلامة الفقيه ، الأديب النحرير ، حسنة جرجان وفرد الزمان ، القاضي الشافعي ، علي بن عبد العزيز الجرجاني (تـ 366هـ) في كتابه العجاب ( الوساطة بين المتنبي وخصومه ) بعد كلام ساقه : (( ... ولستَ تُعَد من جهابذة الكلام ، ونقّاد الشعر ، حتى تميّز بين أصنافه وأقسامه ، وتحيط علما برتبه ومنازله ، وتفصل بين السَّرَق والغصب ، وبين الإغارة والإختلاس ، وتعرف الإلمام من الملاحظة ، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرق فيه ، والمبتذل الذي ليس أحد أولى به ، وبين المختص الذي حازه المبتدئ فملكه ، وأحياه السابق فاقتطعه ، وصار المعتدي مختلساً سارقاً ، والمشارك له محتدياً تابعاً ، وتعرف اللفظ الذي يجوز أن يقال فيه : أُخذ ونقل ، والكلمة التي يصح أن يقال فيها هي لفلان دون فلان )) وحسبنا هذا الكلام من هذا الإمام الحُجّة القاضي الحَكَم .[/align]
خلق الله للعلوم رجالا===وللدواوين كتاب وحساب
[align=justify]ويقول القاضي الجرجاني رحمه الله تعالى ، أيضا : وقد أحسن أحمد بن أبي طاهر في محاجّة البحتري لما ادعى عليه السَّرَق قوله :[/align]
(والشّعر ظَهْر طريق أنتَ راكبُه=فمنه منشـعب أو غير منشـعب
وربما ضمّ بين الركب منهجُـه=وألصق الطُّنُبَ العالي على الطُّنُب) اهـ.
وربما ضمّ بين الركب منهجُـه=وألصق الطُّنُبَ العالي على الطُّنُب) اهـ.
[align=justify] وأنا كما ذكرت، أجزم أن أخي المنتقد لم يطلع على ما في الكتابين من تراجم للمصريين، ولم يستقري ما اتفقا في الترجمة له، وما افترقا فيه، ولم يطلع أيضا على نمط الترجمة في (أسانيد المصريين)، ولم يتأمل منهج مؤلفه في كتابه، وطبيعة عمله فيه، وكيفية معالجته للأخبار وتوثيقه لها، وما لاقاه وكابده من تعب ولأواء، في سنوات طوال، ورحيل إلى الأمصار، ومكابدة للأسفار، من أقصى الصعيد إلى أدناه، ومشافهة للقوم من العلماء ، أو من بقي من ذريتهم ، بغية التحقق والتثبت، الذي هو مزية أهل الحديث الشريف، وسمة أرباب الإسناد المنيف، وإنما فاه المنتقد بما فاه به على سبيل التعجل والتخمين، والكيل بمكيالين .
لا سيما وأن الترجمة في أسانيد المصريين لم تكن جافة حافة ، بل مزجت فيها الأسانيد بالعناقيد ، وبحوث الرواية بشذرات من أخبار القوم ومناهجهم، مع استطرادات ماتعة، وفرائد رائعة ، ونكات وتحريرات، تتميما للفائدة، وتحبيبا للقارئ، ودفعا للسآمة عنه.
قال الشيخ العلامة المحدث الجليل الشيخ عبد الفتاح أبوغدة رحمه الله، في مقدمة كتابه النفيس الماتع (صفحات من صبر العلماء): (فقد نقلت فيه محاسن ما رأيت، وخيار ما جنيت، مترسماً خطة الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى، التي سلكها في تأليف كتابه (( صفة الصفوة )) الذي اختصر به كتاب (( حلية الأولياء )) لأبي نعيم الأصبهاني عليه الرحمة والرضوان، فقد قال ابن الجوزي في آخر مقدمته لكتابه المذكور 1: 38 : (( وإنما أنقل عن القوم محاسن ما نُقل، ولا أنقل كل ما نُقل، إذ لكل شئ صناعة، وصناعة العقل حسن الاختيار )) . أهـ
وقال العلامة الأديب أبو إسحق الحصري في كتابه (زهر الآداب): (( واختيار المرء قطعة من عقله، تدل على تخلفه أو فضله ))
وأحب في هذا المقام أن أنقل لأخي الناقد المتعجل ، ما قاله الإمام القاضي أبو الحسن الجرجاني ، في كتابه : (( الوساطة بين المتنبي وخصومه )) قال مانصه : (التفاضل ـ أطال الله بقاءك ـ داعية التنافس، والتنافس سبب التحاسد، وأهل النقص رجلان : رجل أتاه التقصير من قبله، وقعد به عن الكمال اختياره، فهو يساهم الفضلاء بطبعه، ويحنو على الفضل بقدر سهمه ، وآخر رأى النقص ممتزجا بخلقته ، ومؤثّلاً في تركيب فطرته ، فاستشعر اليأس من زواله ، وقصُرت به الهمة عن انتقاله ،فلجأ الى حسد الأفاضل ، واستغاث بانتقاص الأماثل ، يرى أن أبلغ الأمور في جبر نقيصته ، وستر ما كشفه العجز عن عورته، اجتذابهم إلى مشاركته ، ووسمهم بثلب سمته ، وقد قيل : [/align]
وإذا أراد الله نشر فضيلة=طويت أتاح لها لسان حسود
[align=justify]صدق والله وأحسن ! كم من فضيلة لو لم تسترها المحاسد لم تبرح في الصدور كامنه ، ومنقبة لو لم تزعجها المنافسة، لبقيت على حالها ساكنة ، لكنها برزت، فتناولتها ألسن الحسّد تجلوها، وهي تظن أنها تمحوها ، وتشهرها، وهي تحاول أن تسترها ، حتى عثر بها من يعرف حقها ، واهتدى اليها من هو أولى بها ، فظهرت على لسانه في أحسن معرض ، واكتست من فضله أزين ملبس ، فعادت بعد الخمول نابهة ، وبعد الذبول ناضرة ، وتمكنت من بر والدها فنوهت بذكره ، وقدرت على قضاء حق صاحبها فرفعت من قدره ، ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ).
ولم تزل العلوم ـ أيدك الله ـ لأهلها أنسابا تتناصر بها ، والآداب لأبنائها أرحاما تتواصل عليها ، وأدنى الشِّرك في نسب الجوار ، وأول حقوق الجوار الامتعاض له ، والمحاماة دونه ، وما مَنْ حفظ دمه أن يسفك ، بأولى ممن رعى حريمه أن يهتك ، ولاحرمة أولى بالعناية ، وأحق بالحماية ، وأجدر أن يبذُل الكريم دونها عِرضه ، ويمتهن في إعزازها ماله ونفسه، من حرمة العلم، الذي هو رونق وجهه ، ووقاية قدره ، ومنار اسمه ، ومطية ذكره).
الإسراف ، بل تتصرف على حكم العدل كيف صرفك ، وتقف على رسمه كيف وقفك ، فتنتصف تارة وتعتذر أخرى ، وتجعل الإقرار بالحق عليك شاهدا لك اذا أنكرت ، وتقيم الاستسلام للحجة ـ إذا قامت ـ محتجا عنك اذا خالفت ، فإنه لاحال أشد للقلوب المنحرفة ، وأكثر استمالة للنفوس المشمئزة ، من توقفك عند الشبهة اذا عرضت ، واسترسالك للحجة اذا قهرت ، والحكم على نفسك اذا تحققت الدعوى عليها ، وتنبيه خصمك على مكامن حيلك اذا ذهب عنها ، ومتى عرفت بذلك صار قولك برهانا مسلما ، ورأيك دليلا قاطعا .. إلخ).
قال الشهاب المقدي الحضرمي -محرره-: وإنما نقلت هذا الكلام بطوله لنفاسته وتشابك بعضه ببعض، وفي هذا الكلام من هذا الإمام غنية وكفاية لذوي الإنصاف
ولله در القائل حيث يقول : [/align]
قصدت مساتي فاجتلبت مسرتي=وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري
[align=center]يتبع...[/align]
تعليق