الإمام أبو حنيفة والقول بالإرجاء

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد النصير أحمد المليباري
    طالب علم
    • Jul 2010
    • 302

    #1

    الإمام أبو حنيفة والقول بالإرجاء

    الله محمد، ومحمد الله مصل عليه ومسلم على الأبد، وبعد،،،،

    فهذا بيان مختصر يتعلق بما في كتاب «الغنية» للشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني الشافعي الحنبلي
    [الشافعيَّ فَصِرْتَ الْحَنْبَلِيَّ بِلَا .... حَجْرٍ لِتَحْتَاطَ بِالْخَيْرَيْنِ مُعْتَدِلًا]
    حيث نسبَ القولَ بالإرجاء إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه،
    [لَقَدْ زَانَ الْبِلَادَ وَمَنْ عَلَيْهَا .... إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ أَبُو حَنِيفَة]


    ثم تعرض الشاه ولي الله الدهلوي للجواب على هذا الاستشكال، ثم يأتي بعد ذلك استفسار للفقير عن نسخة لكتاب «الغنية».
    فها أنا أقول: قال إمام أهل السنة في الهند الشاه ولي الله العمري الفاروقي الدهلوي الهندي الأشعري رحمه الله في موضع من كتابه «رسائل التفهيمات الإلهية» ما نصه:


    «سألني سائل عن قول إمام الطريقة وقطب الحقيقة الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عند ذكر الفرق الغير الناجية في «الغُنْيَة»، حيث قسم المرجئة إلى اثني عشر فرقة، منهم الحنفية، ثم قال بعد التفصيل: وأما الحنفية فهم أصحاب أبي حنيفة النعمان، زعم أن الإيمان هو الإقرار والمعرفة.... فقال: قوله هذا يرد عليه وجهان من الاعتراض، أحدهما أن الحنفية من أهل السنة باتفاق من يُعْتَدُّ به، فلا يصح عدها من الفرق المرجئة وتضليلها، والحكم بأنها غير ناجية، وثانيهما أنه بين العقائد التي سميت لأجلها المرجئةُ مرجئةً، وجعل الحنفية منهم، فكان مقتضى كلامه أن الحنفية قائلون بها معتقدون إياها، وليس الأمر كذلك، قال: وإنما سموا المرجئة لأنها زعمت أن الواحد من المكلفين إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفعل بعد ذلك سائر المعاصي لم يدخل النار أصلا، ومما لا شك فيه أن الحنفية براء من هذا الاعتقاد.


    فقلت: الإرجاء إرجاءان، إرجاء يخرج القائل به عن السنة، وإرجاء لا يخرج، أما الأول فهو أن يعتقد أن من أقر باللسان وصدق بالجنان لا يضره معصية أصلا. وأما الثاني فهو أن يعتقد أن العمل ليس من الإيمان، ولكن الثواب والعقاب مترتب عليه، وسبب الفرق بينهما أن الصحابة والتابعين أجمعوا على تخطئة المرجئة، فقالوا: إن العمل يترتب عليه الثواب والعذاب، فكان مخالفهم ضالا مبتدعا.
    وأما المسألة الثانية فليست مما ظهر فيها إجماع من السلف، بل الدلائل متعارضة، فكم من حديث وآية وأثر يدل على أن الإيمان غير العمل، وكم من دليل يدل على إطلاق الإيمان على مجموع القول والعمل، وليس النزاع إلا راجعا إلى اللفظ؛ لاتفاقهم جميعا على أن العاصي لا يخرج عن الإيمان، وأنه يستحق العقاب، ثم الدلائل الدالة على أنه المجموع يمكن صرفها عن ظواهرها بأدنى عناية.
    والإمام أبو حنيفة من القائلين بهذه الثانية، وهو من كبار أهل السنة وأئمتهم. نعم؛ نشأ في أهل مذهبه والتابعين له في الفروع آراء مختلفة، فمنهم المعتزلة كالجبائي وأبي هاشم والزمخشري، ومنهم المرجئة، ومنهم غير ذلك. فهؤلاء كانوا يتبعون أبا حنيفة في الفروع الفقهية، ولا يتبعونه في الأصول الاعتقادية، وكانوا ينسبون عقائدهم الباطلة إلى أبي حنيفة رضي الله عنه؛ ترويجا لمذهبهم، ويتعلقون ببعض أقوال أبي حنيفة رضي الله عنه، فانتهض لذلك أهل الحق من الحنفية كالطحاوي وغيره، فبينوا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، وذبوا عنه....


    إذا علمت هذا فاعلم أن الشيخ رضي الله عنه ذكر في الفرق الضالة المرجئة أهل الإرجاء الخارج عن السنة، ولذلك قال: إنما سموا مرجئة إلخ، وذكر منهم الحنفية، يعني قوما يتبعون في الفروع الإمام أبا حنيفة، ويدعون أنه رضي الله عنه كان موافقا لهم في هذا المذهب، ثم ذكر ما تعلقوا به من أقواله، فقال: زعم أن الإيمان هو الإقرار إلخ. فلما قررنا هكذا اضمحل الاعتراضان معا، وظهر أن الشيخ ما اتهم الإمام أبا حنيفة ولا الماتريدية من الحنفية، أعاذه الله من ذلك، وإنما نسب ما نسب إلى قوم من المرجئة، منتسبين إلى الإمام أبي حنيفة في الفروع».


    هكذا قال الشاه ولي الله، وواضح أن المرجئة القائلين بأن «الإيمان بالله هو المعرفة بالله فقط، وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ورسوله والتعظيم لهما، والخوف منهما، والعمل بالجوارح فليس بإيمان»، والقائلون «بأن الإيمان أقوى من الكفر، فكما لم ينفع مع الكفر طاعة لم تضر مع الإيمان معصية» لا محالة خارجة عن دائرة أهل السنة، وأما الذين خالفوا جمهور السلف والمحدثين القائلين بأن «الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص»، وقالوا: إن العمل ليس ركنا من الإيمان، وبالتالي فهو لا يزيد ولا ينقص، ولكن الذي أَخَلَّ بالعمل وارتكب المعاصيَ يستحق العقاب، إلا أن هذا ليس أمرا مقطوعا به في كل فرد فرد، بل الأمر فيه يُرْجَأُ إلى الله؛ لجواز العفو وإمكانه، ومن هنا صح إطلاق «المرجئة» عليهم كما فعل ذلك كثير من العلماء ومؤرخي الفرق - فهؤلاء أبدا ليسوا خارجين من أهل السنة، بل هم طائفة معدودة من أهل السنة، وكيف لا، وأبو حنيفة القائل بهذا القول من خيار أهل السنة.

    ولا شك أن إطلاق مصطلح «المرجئة» على الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وأتباعه أمر مشكل، وإن كان له وجه كما أشرتُ إليه، وذلك لأن هذا المصطلح في ظاهره ينصرف إلى المرجئة الخارجة عن أهل السنة. ومنزلة الإمام الأشعري وكذا الشيخ عبد القادر الجيلاني وأمثالهما تجل عن أن يصدر منهم مثل هذا الصنيع تجاه الإمام أبي حنيفة، ومن هنا نجد بعض الغيورين على مقام هؤلاء الأجلة ينفون نسبة هذه الكلمات إليهم، ويقولون إن كتب الإمام الأشعري عامة أصابها دس وتحريف وتدليس، فلا يعتمد عليها إلا بتحرٍّ دقيق، كما فعل ذلك العلامة الكوثري في مواضع من كتبه، وكذا الأمر بالنسبة إلى كتاب «الغنية» للشيخ عبد القادر، قال عنه الإمام ابن حجر الهيتمي إن فيه عبارات مدسوسة عليه.

    ويوجد في نسخ «الغنية» المنتشرة الآن مخطوطة ومطبوعة مواضع أخرى مدسوسة، نبه عليها العلماء المحققون. وهذا هو العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد كويا الشالياتي المليباري يقول في صدد الحديث عما يوجد في «الغنية» من نسبة الجهة إلى الله تعالى ما نصه: «وقد افترى بعض الحنابلة القول بالجهة على الإمام الأنبل، الصديق الثاني، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني. وكذا دسه في كتاب «الغنية» للإمام الشيخ الرباني والغوث الصمداني، القطب السيد محيي الدين، عبد القادر الجيلاني، رضي الله عنهما وأفاض علينا فيضهما. كما يدل عليه النسخ القلمية العتيقة المنقولة من النسخ الصحيحة المكتوبة في مدرسة الغوث القطب، المتصلة إلى حضرته راية بالسند المتصل والإسناد المسلسل».
    ثم يواصل العلامة الشالياتي قائلا: «ومن أعدل شاهد على أن القول بالجهة مدسوس في كتاب «الغنية» عقيدة الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي المسماة «عقيدة الخواص»؛ فإنه ساق فيها لفظ «الغنية» حرفا حرفا، وليس فيها لفظ الجهة. وقد رأيت عدة نسخ منها صحيحة، بخط قديم عليها كتابة أجلة العلماء المتقدمين بالتصحيح وضبط الكلمات. وقد صرح أكابر العلماء الأعلام كالشيخ نجم الدين البكري والإمام القطب عبد الله اليافعي والشعراني والهيتمي وأضرابهم بتنزيه القطب الأعظم سيدي الشيخ السيد محيي الدين عبد القادر الجيلاني عن ذلك، وأن لفظ الجهة مدسوس في كتابه «الغنية»، فتنبه».


    هكذا فعل فريق من العلماء، وهو أمر مقبول بلا شك، درج عليه أئمة التحقيق في كثير من المواضع المشكلة، وليس فيه أي استغراب، وقد ابتلي بهذا النوع من التزوير كلام صاحب الشرع نفسه، وكلنا يعرف أن هناك صنفا من الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم يُدْرَج في قائمة الموضوعات؛ لعلمليات نقدية مختلفة، منها عدم تناسقه للقطعيات العقلية والأصولية، فيرى النُّقاد البُصَراء من المحدثين عدم إمكان صدور مثل هذا الكلام عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.

    إلا أن الإمام الدهلوي هنا كما رأينا لم يسلك في تبرئة الإمام أبي حنيفة هذا المسلك، بل اختار طريقة التحليل العلمي لمعنى الإرجاء المستعمل في تراثنا الفكري الكلامي، فوجد أنه قسمان: قسم يضر، وقسم لا يضر، واعترف بصحة نسبة الإمام الأعظم إلى القسم الثاني، طالما هو لا يضر، بالإضافة إلى إلصاق بعض المرجئة المبتدعة قولهم هذا بالإمام أبي حنيفة زورا وبهتانا. وهذا النوع من البيان أيضا شيئ مقبول لا غضاضة فيه، وقد درج عليه أيضا أهل التحقيق من العلماء، فيقول صاحب «المواقف» وشرحه: «..(وغسان كان يحكيه) أي القول بالإرجاء بالمعنى المرفوض عند أهل السنة (عن أبي حنيفة)، ويَعُده من المرجئة، (وهو افتراء) عليه، قصد به غسان ترويج مذهبه بموافقة رجل كبير مشهور. قال الآمدي: ومع هذا فأصحاب المقالات قد عدوا أبا جنيفة وأصحابه من مرجئة أهل السنة، ولعل ذلك لأن المعتزلة في الصدر الأول كانوا يلقبون من خالفهم في القدر مرجئا، أو لأنه لما قال: الإيمان هو التصديق، ولا يزيد ولا ينقص ظُن به الإرجاءُ بتأخير العمل عن الإيمان، وليس كذلك؛ إذ عرف منه المبالغة في العمل والاجتهاد فيه».
    ولا شك أن هذا الذي فعله الإمام الدهلوي يدل على بصيرته العلمية في مضايق المسائل الكلامية، ودقائق الفرق الإسلامية، ولو لا تنبيهه وتنبيه أمثاله لبقيت هذه القضية الخطيرة مشتبهة عند كثير من أهل العلم، فضلا عن غيرهم، وسينخدعون بما يجدونه في بعض كتب الفرق والكلام، من نسبة مثل أبي حنيفة، إمام المسلمين شرقا وغربا، وهو بعيد عن الحق والتحقيق بمراحل بلا أدنى شك عند أهل التوفيق والبصيرة. ومن هنا فإن موقف الدهلوي هذا موقف علمي جريئ ينبغي أن يذكر ويشكر، ويكتب ضمن إنجازاته العظيمة، وخدماته الجليلة لفكر أهل السنة.


    وبعد هذا أسأل أهل العلم في هذا المنتدى: هل منكم من اطلع على «الغنية» الذي فيه نسبة الإمام الأعظم إلى الإرجاء؛ فإن النسخة المطبوعة التي اطلعت عليها وهي لدار الكتب العلمية، بيروت (1997م) - ليس فيها هذا الكلام في حدود ما تتبعت في مظان البحث، فهل من كريم مطلع يسعفني فأكون له شاكرا ؟.
  • عبد النصير أحمد المليباري
    طالب علم
    • Jul 2010
    • 302

    #2
    قلت فيما سبق: ".....وبعد هذا أسأل أهل العلم في هذا المنتدى: هل منكم من اطلع على «الغنية» الذي فيه نسبة الإمام الأعظم إلى الإرجاء؛ فإن النسخة المطبوعة التي اطلعت عليها وهي لدار الكتب العلمية، بيروت (1997م) - ليس فيها هذا الكلام في حدود ما تتبعت في مظان البحث، فهل من كريم مطلع يسعفني فأكون له شاكرا ؟"

    ولله الحمد والمنة، تيسر لي مؤخرا الاطلاع على طبعة أخرى لكتاب "الغنية" - وهي لدار الجيل البيروتية - ولم أجد فيها أيضا اتهام الإمام الأعظم
    أبي حنيفة رضي الله عنه بالإرجاء، وهذا مما يقوي احتمال الدس الذي صرح به إمام أهل السنة في مليبار العلامة الشالياتي
    ويفضح شياطين الوهابية والملاحدة والزنادقة الذين جيشوا الجيوش وكرسوا الجهود لتحريف كتب أئمة أهل السنة الكرام،
    سيما السادة الصوفية العظام،
    وإلا فكيف يتهور رجل شهد بفضله وولايته أهل الشرق والغرب وكيف يتجاسر على مثل هذه العظائم،
    ومن هنا فإن المنهج العلمي السليم عدم نسبة أي كلام مخالف لأهل السنة إلى أعلام شهد لهم أهل العلم بالفضل والصلاح، هذا هو الأصل.

    وهذا الأمر ليس خاصا بالشيخ عبد القادر الجيلاني فقط،
    وإنما ينطبق على إمام الأئمة أبي الحسن الأشعري نفسه، وعلى غيره من عظماء أهل السنة،
    سيما الصوفية والمتكلمين، سيما إذا كانوا شخصيات ذات أثر في التاريخ، وخاصة إذا كان لكتبهم شهرة وذيوع وقبول،
    وأهل البدعة والزندقة لا يملكون سلاحا أمضى من سلاح التحريف والتدليس، وهم في ذلك سماسرة الصهاينة اليهود.

    وأنا مستمر في البحث عن نسخ الغنية المختلفة، للتوصل إلى النتيجة النهائية في هذه القضية
    وأكرر الطلب أمام الإخوة: إن وجدتم شيئا يفيدني في هذا الموضوع فالرجاء منكم التكرم به، وأنا لكم شاكر.

    تعليق

    يعمل...