الحمد لله المتوحد بصفاته وأسمائه، المنفرد بعلم ملكوت أرضه وسمائه، القديم قبل وجود عرشه على مائه، والعليم بجَهْر القول وإيمائه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم رسله وأنبيائه، الذي حكم له بالرسالة قبل تركيبه وإنشائه، وعلى آله أصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائه .
وبعد؛
"فقد تطابق قاضي العقل، وهو لا يُبدَّل ولا يُعزَل، وشاهدُ الشرع، وهو المزكِّي المُعدِّل، على أنّ أرجح المطالب وأربح المكاسب، وأعظم المواهب وأكرم الرغائب: هو العلمُ؛ لأنه عَملُ القلب الذي هو أشرف الأعضاء، وسَعْيُ العقل الذي هو أعز الأشياء" .
وقد شهدت بفضل العلم وشرفه نصوص من الكتاب والسنة لا تكاد تنحصر، فمنها قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ ﴾[آل عمران:18]، وناهيك بأمرٍ بدأ الله تعالى فيه بنفسه، وثنَّى بملائكة قُدسِه، وثلَّث بالعلماء من خَلْقه. وقال عز من قائل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾[محمد:19]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾[البقرة:296]، والحكمةُ هي العلم كما قال بعض المفسرين، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[فاطر:28] فجعل تعالى الخشية في العلماء. وقال جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة:11]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[الرعد:4]، وأمّا السنة النبوية المطهرة، فأحاديث مدح العلم تكاد لا تنحصر أيضا، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من يُرِد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين »
والعلوم منقسمة إلى دينية: وهي ما يُتقرَّب بتعلُّمها إلى الله تعالى ويُثاب عليها، كأصول الدين وأصول الفقه وعلم القراءات والتفسير والحديث وغيرها، وإلى دنيوية: كعلم الحساب والهندسة والطب وغيرها، والعلوم الدينية أشرف لأن "من عرف مطالبها وتحلّى بها فقد استحق ـ فضلا من الله تعالى ـ الثوابَ العظيم والتخلصَ من العقاب الأليم، وصار في زمرة الملائكة المقربين في جوار ربِّ العالمين، ومن جهلها صار محرومًا عن الثواب العظيم، وبقي في دركات الضلالات أبد الآباد ودهر الداهرين" .
والعلوم أنواع، بعضها أشرف من بعض، وهي متفاضلة بحسب شرف المطلوب عِلمُه منها، وقد أطبق العلماء على أنّ علم أصول الدين أشرف العلوم قطعا لكون معلومه أسمى وأشرف المعلومات، فإنّ معلومه ذاتُ الله تعالى التي لا تشبهها ذات، وصفاته تعالى المنزهة عن الحدوث والتغيرات، وأفعاله جل وعز التي لا يشاركه فيها الحادثات.
ثم إنّ من أشرف مباحث علم أصول الدين المباحثُ المتعلقة بأسمائه سبحانه تعالى وحظ الإنسان من كل اسم منها، تعلقا بها وتخلُّقا بمعانيها؛ وقد نوّه الله ـ جل ثناؤه وتقدّست أسماؤه ـ بشرف أسمائه في مُحكم كتابه بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾[الأعراف:180]، وقال جل من قائل: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾[الإسراء:110]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾[طه:8]، فأثبت تعالى لنفسه أسماء سامية وصفات مقدَّسة عالية.
ولأهمية ذلك المبحث وارتباطه بسائر مسائل علم أصول الدين، عقد له بعض العلماء فصلا خاصا ضمن كتب العقائد، ومنهم من أفرده بالتصنيف، ومن هؤلاء الإمامُ العالم العلامة العارف بالله تعالى الشيخ محمد بن يوسف السنوسي الحسني رحمه الله تعالى، فهو وإن تكلم في بعض كتبه على بعض أحكام أسماء الله تعالى، إلا أنه لم يشرح معانيها ولم يطوّل الكلام فيها، بل أفردها بمصنف مختصر اقتصر فيه على ذكر أهم معانيها وحظوظ العباد الصالحين منها، قاصدًا نَفْعَ نفسه وجَنْي ثمرة معرفته بربِّه تعالى، تعلُّقًا بأسمائه وتخلُّقًا بمعانيها، ثم نَفْع من شاء الله ـ جلَّ وعزَّ ـ من بعده من المسلمين الصالحين، وها نحن نحقق هذا الكتاب النفيس الذي لا غِنًى عنه لمن أراد التقرب إلى الله تعالى بمعرفة معاني أسمائه، قاصدين بذلك نيل رضا المولى العزيز تبارك وتعالى، ثم خدمة بعض تراث أهل السنة، سيما تراث الإمام العلامة الشيخ السنوسي الذي كرّس حياته لتعلم العلوم وتعليمها. وفيما يلي ترجمة مختصرة له.
تعليق