قد لاحظتُ من نفسي قبل وقتٍ يسير أني منذ سنين ألتفتُ إلى معاني الخلق في القرآن ، و أنجذب إليها انجذابًا يكاد يكون أكثر من أي معنى آخر .. و كنتُ أحلِّل لصاحبتي بعض هذه المعاني التي أجدها في بعض الآيات بلا رجوع إلى مصدر خلال شهور مضت .. و منها قول الله تعالى :
٥- {و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مكين ، ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ، ثم أنشأناه خلقًا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، ثم إنكم بعد ذلك لميتون ، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} و في هذه الآية إشارةٌ إلى مادة خلق الإنسان ، مع الإيماء إلى وجه التكوين ، و ذلك بقوله سبحانه "سلالة" فالسلالة هي الخلاصة مشتق من السَّلِّ ، و هو استخراج الشيء من الشيء .
و محلُّ تأملي لهذه الآية : هو تصدير موضوع الأطوار الأولى لتخلُّق الإنسان ، بذكر المادة التي خُلق منها ، و استعمال حرف "ثم" في العطف بينهما . و هذا التأمل ينسحب على آية هي أولى به من هذه ، و هو قوله تعالى :
٦- {و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} فهذا التفاتٌ غريبٌ عجيب مُفزعٍ إلى التأمل ! فالله تعالى بدأ بخطابنا بأنا خلقناكم و رتَّب بعد الخلق التصوير ، و بعده لفتنا إلى موقف بعيدٍ عن حسِّنا ، بصيغة الغائب ، و باستخدام حرف "ثم" !! ، و هو موقف منشأنا ، و أصل الخلاف بيننا و بين إبليس الرجيم .
و لهذه الآيات نظائر مثل قوله تعالى :
٧- {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}
٨- {الذي أحسن كلَّ شيء خلقه ، و بدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، ثم سوَّاه و نفخ فيه من روحه ، و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلكم تشكرون}
------------------------------
٩- {و الله أنبتكم من الأرض نباتًا ، ثم يعيدكم فيها و يخرجكم إخراجًا} . و في «صفوة التفاسير» نقلًا عن بعض المفسرين -وأظنه الشيخ أبو حيان في «البحر المحيط»- : [لما كان إخراجهم و إنشاؤهم إنما يتم بتناولهم عناصر الغذاء الحيوانية و النباتية المستمدة من الأرض ، كانوا من هذه الجهة مشابهين للنباتات التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض ، فلذا سمَّى خلقهم و إنشاءهم نباتًا ، أو يكون ذلك إشارة إلى خلق آدم حيث خلق من تراب الأرض ، ثم جاءت منه ذريته ، فصح نسبتهم إلى أنهم أنبتوا من الأرض .] اهـ من «الصفوة»
أقول -مشيرةً إلى بعض مواضع التأمل في الآية- : إن الله تعالى أكَّد فعل "الإنبات" بذكر المصدر "نباتًا" ، و كأن ذلك أخرج الفعل مخرج الحقيقة .
ثم إن الله سبحانه عقَّب هذا التشبيه بذكر عودهم إلى الأرض و خروجهم منها ، فناسب أن يبدأ ذلك "تشبيههم" بالنبات ناميًا من الأرض ، إكمالًا للصورة ، و زيادةً في ملاحتها .
و لي على هذه الآيات و غيرها التي تتضمن خلق الإنسان تعليقات و نظرات ، أرجو أن يوفقني الله تعالى يومًا أن أملك ناصية لغة العرب حتى يمكنني تفسيرها و تناولها على الوجه المرضي ، من جهة اللغة و من جهة معطيات العصر ، و لكم أتعشَّق اللغة و الطبيعيات و الطب !!
على كل ، قد درجتُ في تحليلي الضعيف -لمن تأمل- مدرج شيخي محمود شاكر رحمه الله تعالى ، و هو القائل في كتاب «نمط صعبٌ ، و نمط مخيف» في ثنايا شرحه البديع ! لقصيدة جاهلية : [أما الفاءات التي بدأت منذ البيت السادس عشر ، و تتابعت حتى آخر مقطع الغناء ، فهي التي أكسبت الغناء هذا التحدر و التدفق ، لأن الفاء تحرِّك الزمن في الفعل الماضي و تمدُّه و تمطِّله ، حتى تبلغ به أولَ الزمن في الفعل الذي يليه ، و هكذا دواليك حتى تنقطع الفاءات ، و أنت واجدٌ فرقًا لا يوصف في حركة الزمن بين قولك : "نام ، و أفاق ، و لبس ثيابه ، و خرج ، و لقي صديقه ، و انطلقا" ، و قولك : "نام ، فأفاق ، فلبس ثيابه ، فخرج ، فلقي صديقه ، فانطلقا" ، و هذا الذي وصفتُ ، زيادة على ما يقوله النحاة من أن "الفاء" تفيد مجرد الترتيب . و من تأمل الفاءات في كتاب الله سبحانه ، رأى عجبًا .]
و كأني رأيتَ شيخي و مولاي و معلِّمي سعيدًا يميل إلى ذلك .....
هذا ، و أستغفر الله مما زلَّت به القدم ، أو طغى به القلم ، و أدعو الله تعالى أن يكون فيه جهة منفعة للقارئ .
٥- {و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مكين ، ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ، ثم أنشأناه خلقًا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، ثم إنكم بعد ذلك لميتون ، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} و في هذه الآية إشارةٌ إلى مادة خلق الإنسان ، مع الإيماء إلى وجه التكوين ، و ذلك بقوله سبحانه "سلالة" فالسلالة هي الخلاصة مشتق من السَّلِّ ، و هو استخراج الشيء من الشيء .
و محلُّ تأملي لهذه الآية : هو تصدير موضوع الأطوار الأولى لتخلُّق الإنسان ، بذكر المادة التي خُلق منها ، و استعمال حرف "ثم" في العطف بينهما . و هذا التأمل ينسحب على آية هي أولى به من هذه ، و هو قوله تعالى :
٦- {و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} فهذا التفاتٌ غريبٌ عجيب مُفزعٍ إلى التأمل ! فالله تعالى بدأ بخطابنا بأنا خلقناكم و رتَّب بعد الخلق التصوير ، و بعده لفتنا إلى موقف بعيدٍ عن حسِّنا ، بصيغة الغائب ، و باستخدام حرف "ثم" !! ، و هو موقف منشأنا ، و أصل الخلاف بيننا و بين إبليس الرجيم .
و لهذه الآيات نظائر مثل قوله تعالى :
٧- {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}
٨- {الذي أحسن كلَّ شيء خلقه ، و بدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، ثم سوَّاه و نفخ فيه من روحه ، و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلكم تشكرون}
------------------------------
٩- {و الله أنبتكم من الأرض نباتًا ، ثم يعيدكم فيها و يخرجكم إخراجًا} . و في «صفوة التفاسير» نقلًا عن بعض المفسرين -وأظنه الشيخ أبو حيان في «البحر المحيط»- : [لما كان إخراجهم و إنشاؤهم إنما يتم بتناولهم عناصر الغذاء الحيوانية و النباتية المستمدة من الأرض ، كانوا من هذه الجهة مشابهين للنباتات التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض ، فلذا سمَّى خلقهم و إنشاءهم نباتًا ، أو يكون ذلك إشارة إلى خلق آدم حيث خلق من تراب الأرض ، ثم جاءت منه ذريته ، فصح نسبتهم إلى أنهم أنبتوا من الأرض .] اهـ من «الصفوة»
أقول -مشيرةً إلى بعض مواضع التأمل في الآية- : إن الله تعالى أكَّد فعل "الإنبات" بذكر المصدر "نباتًا" ، و كأن ذلك أخرج الفعل مخرج الحقيقة .
ثم إن الله سبحانه عقَّب هذا التشبيه بذكر عودهم إلى الأرض و خروجهم منها ، فناسب أن يبدأ ذلك "تشبيههم" بالنبات ناميًا من الأرض ، إكمالًا للصورة ، و زيادةً في ملاحتها .
و لي على هذه الآيات و غيرها التي تتضمن خلق الإنسان تعليقات و نظرات ، أرجو أن يوفقني الله تعالى يومًا أن أملك ناصية لغة العرب حتى يمكنني تفسيرها و تناولها على الوجه المرضي ، من جهة اللغة و من جهة معطيات العصر ، و لكم أتعشَّق اللغة و الطبيعيات و الطب !!
على كل ، قد درجتُ في تحليلي الضعيف -لمن تأمل- مدرج شيخي محمود شاكر رحمه الله تعالى ، و هو القائل في كتاب «نمط صعبٌ ، و نمط مخيف» في ثنايا شرحه البديع ! لقصيدة جاهلية : [أما الفاءات التي بدأت منذ البيت السادس عشر ، و تتابعت حتى آخر مقطع الغناء ، فهي التي أكسبت الغناء هذا التحدر و التدفق ، لأن الفاء تحرِّك الزمن في الفعل الماضي و تمدُّه و تمطِّله ، حتى تبلغ به أولَ الزمن في الفعل الذي يليه ، و هكذا دواليك حتى تنقطع الفاءات ، و أنت واجدٌ فرقًا لا يوصف في حركة الزمن بين قولك : "نام ، و أفاق ، و لبس ثيابه ، و خرج ، و لقي صديقه ، و انطلقا" ، و قولك : "نام ، فأفاق ، فلبس ثيابه ، فخرج ، فلقي صديقه ، فانطلقا" ، و هذا الذي وصفتُ ، زيادة على ما يقوله النحاة من أن "الفاء" تفيد مجرد الترتيب . و من تأمل الفاءات في كتاب الله سبحانه ، رأى عجبًا .]
و كأني رأيتَ شيخي و مولاي و معلِّمي سعيدًا يميل إلى ذلك .....
هذا ، و أستغفر الله مما زلَّت به القدم ، أو طغى به القلم ، و أدعو الله تعالى أن يكون فيه جهة منفعة للقارئ .
تعليق