العقيدة الصغرى (أم البراهين) للإمام السنوسي رضي الله عنه

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    العقيدة الصغرى (أم البراهين) للإمام السنوسي رضي الله عنه

    العَقِيدَةُ الصُّغْرَى
    (أُمُّ البَرَاهِين)

    الحَمْدُ لِلَّـهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الـلَّهِ
    اِعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ العَقْلِيَّ يَنْحَصِرُ فِـي ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الوُجُوبُ، وَالاسْتِحَالَةُ، وَالجَوَازُ. فَالوَاجِبُ: مَا لَا يَتَصَوَّرُ في العَقْلِ عَدَمُهُ. وَالـمُسْتَحِيلُ: مَا لاَ يَتَصَوَّرُ فِي العَقْلُ وُجُودُهُ. وَالجَائِزُ: مَا يَصِحُّ فِي العَقْلِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ.
    وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ شَرْعًا أَنْ يَعْرِفَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ وَمَا يَسْتَحِيلُ وَمَا يَجُوزُ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
    فَمِمَّا يَجِبُ لِـمَوْلَانَا جَلَّ وعَزَّ عِشْرُونَ صِفَةً وَهْيِ: الوُجُودُ، وَالقِدَمُ، وَالبَقَاءُ، وَمُخَالَفَتُهُ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ، وَقِيَامُهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ أَيْ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى مَحَلٍّ وَلَا مُخَصِّصٍ، وَالوَحْدَانِيَّةُ أَيْ لَا ثَانِيَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ.
    فَهَذِهِ سِتُّ صِفَاتٍ، الأُولَى نَفْسِيَّةٌ وَهْيَ الوُجُودُ، وَالخَمْسَةُ بَعْدَهَا سَلْبِيَّةٌ.
    ثُمَّ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى سَبْعُ صِفَاتٍ تُسَمَّى صِفَاتُ الـمَعَانِي، وَهْيِ: القُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ الـمُتَعَلِّقَتَانِ بِجَمِيعِ الـمُمْكِنَاتِ، وَالعِلْمُ الـمُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ الوَاجِبَاتِ وَالجَائِزَاتِ وَالـمُسْتَحِيلَاتِ، وَالـحَيَاةُ وَهْيَ لَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ، وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ الـمُتَعَلِّقَانِ بِجَمِيعِ الـمَوْجُودَاتِ، وَالكَلَامُ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ وَيَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ مِنَ الـمُتَعَلَّقَاتِ.
    ثُمَّ سَبْعُ صِفَاتٍ تُسَمَّى صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةً، وَهْيَ مُلَازِمَةٌ لِلسَّبْعِ الأُولَى، وَهْيَ كَوْنُهُ تَعَالَى قَادِراً، وَمُرِيداً، وَعَالِـماً، وَحَيّاً، وَسَمِيعاً، وَبَصِيراً، وَمُتَكَلِّماً.
    وَمِـمَّا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى عِشْرُونَ صِفَةً، وَهْيَ أَضْدَادُ العِشْرِينَ الأُولَى وَهْيَ: العَدَمُ، وَالحُدُوثُ، وَطُرُوُّ العَدَمِ، وَالـمُمَاثَلَةُ لِلْحَوَادِثِ بِأَنْ يَكُونَ جِرْماً أَيْ تَأْخُذَ ذَاتُهُ العَلِيَّةُ قَدْراً مِنَ الفَرَاغِ، أَوْ يَكُونَ عَرَضاً يَقُومُ بِالجِرْمِ، أَوْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ لِلْجِرْمِ، أَوْ لَهُ هُوَ جِهَةٌ، أَوْ يَتَقَيَّدَ بِمَكَانِ أَوْ زَمَانٍ، أَوْ تَتَّصِفَ ذَاتُهُ العَلِيَّةُ بِالحَوَادِثِ، أَوْ يَتَّصِفَ بِالصِّغَرِ أَوْ الكِبَرِ، أَوْ يَتَّصِفَ بِالأَغْرَاضِ فِي الأَفْعَالِ أَوِ الأَحْكَامِ.
    وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَكُونَ قَائِماً بِنَفْسِهِ بِأَنْ يَكُونَ صِفَةً يَقُومُ بِمَحَلٍّ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصِّصٍ.
    وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَكُونَ وَاحِداً بِأَنْ يَكُونَ مُرَكَّباً فِي ذَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ لَهُ مُـمَاثِلٌ فِي ذَاتِهِ أَوْ فِي صِفَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الوُجُودِ مُؤَثِّرٌ.
    وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى العَجْزُ عَنْ مُـمْكِنٍ مَا، وَإِيجَادُ شَيْءٍ مِنَ العَالَـمِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِوُجُودِهِ أَيْ عَدَمِ إِرَادَتِهِ لَهُ تَعَالَى، أَوْ مَعَ الذُّهُولِ أَوِ الغَفْلَةِ، أَوْ بِالتَّعْلِيلِ أَوْ بِالطَّبْعِ.
    وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى الجَهْلُ ـ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ـ بِمَعْلُومٍ مَا، وَالـمَوْتُ وَالصَّمَمُ، وَالعَمَى، وَالبَكَمُ.
    وَأَضْدَادُ الصِّفَاتِ الـمَعْنَوِيَّةِ وَاضِحَةٌ مِنْ هَذِهِ.
    وَأَمَّا الجَائِزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَفِعْلُ كُلِّ مُـمْكِنٍ أَوْ تَرْكُهُ.
    أَمَّا بُرْهَانُ وُجُودِهِ تَعَالَى فَحُدُوثُ العَالَـمِ لأنَّه لَوْ لَـمْ يَكُنْ لَهُ مُـحْدِثٌ بَلْ حَدَثَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الأَمْرَيْنِ الـمُتَسَاوِيَيْنِ مُسَاوِياً لِصَاحِبِهِ رَاجِحاً عَلَيْهِ بِلَا سَبَبٍ، وَهُوَ مُـحَالٌ.
    وَدَلِيلُ حُدُوثِ العَالَـمِ مُلَازَمَتُهُ لِلْأَعْرَاضِ الحَادِثَةِ مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ وَغْيْرِهِمَا، وَمُلَازِمُ الحَادِثِ حَادِثٌ.
    وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ القِدَمِ لَهُ تَعَالَى فَلِأَنَّهُ لَوْ لَـمْ يَكُنْ قَدِيماً لَكَانَ حَادِثاً، فَيَفْتَقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ أَوِ التَّسَلْسُلُ.
    وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ البَقَاءِ لَهُ تَعَالَى فَلِأنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَهُ العَدَمُ لَانْتَفَى عَنْهُ القِدَمُ لِكَوْنِ وُجُودِهِ حِينَئِذٍ جَائِزاً لَا وَاجِباً، وَالجَائِزُ لَا يَكُونُ وُجُودُهُ إِلَّا حَادِثاً، كَيْفَ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيباً وُجُوبُ قِدَمِهِ تَعَالَى؟!
    وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ فَلِأنَّهُ لَوْ مَاثَلَ شَيْئاً مِنْهَا لَكَانَ حَادِثاً مِثْلَهَا، وَذَلِكَ مُـحَالٌ لِـمَا عَرَفْتَ قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبَقَائِهِ.
    وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ قِيَامِهِ تَعَالَى بِنَفْسِهِ فَلِأنَّهُ تَعَالَى لَوِ احْتَاجَ إِلَى مَـحَلٍّ لَكَانَ صِفَةً، وَالصِّفَةُ لَا تَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الـمَعَانِي وَلَا الـمَعْنَوِيَّةِ، وَمَوْلَانَا جَلَّ وَعَزَّ يَجِبُ اتِّصَافُهُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِصِفَةٍ،وَلَوْ احْتَاجَ إِلَى مُخَصِّصٍ لَكَانَ حَادِثاً، كَيْفَ وَقَدْ قَامَ البُرْهَانُ عَلَى وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبَقَائِهِ؟!
    وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى فَلِأنَّهُ لَوْ لَـمْ يَكُنْ وَاحِداً لَزِمَ أَنْ لَا يُوجَدَ شَيءٌ مِنَ العَالَـمِ لِلُزُومِ عَجْزِهِ حِينَئِذٍ.
    وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِالقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَالعِلْمِ وَالحَيَاةِ فَلِأنَّهُ لَوْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْهَا لَـمَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ.
    وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ السَّمْعِ لَهُ تَعَالَى وَالبَصَرِ وَالكَلَامِ فَالكِتَابُ وَالسُّنةُ وَالإِجْمَاعُ، وَأَيْضاً لَوْ لَـمْ يَتَّصِفْ بِهَا لَزِمَ أَنْ يَتَّصِفَ بِأَضْدَادِهَا وَهْيِ نَقَائِصُ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
    وَأَمَّا بُرْهَانُ كَوْنِ فِعْلِ الـمُمْكِنَاتِ أَوْ تَرْكِهَا جَائِزاً فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلًا أَوِ اسْتَحَالَ عَقْلاً لَانْقَلَبَ الـمُمْكِنُ وَاجِباً أَوْ مُسْتَحِيلاً وَذَلِكَ لَا يُعْقَلُ.
    وَأَمَّا الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصلاة السَّلَامُ فَيَجِبُ فِي حَقِّهِمُ الصِّدْقُ، وَالأَمَانَةُ، وَتَبْلِيغُ مَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ.
    وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ ـ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ أَضْدَادُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَهْيَ الكَذِبُ، وَالخِيَانَةُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا نُهُوا عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ، وَكِتْمَانُ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ.
    وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ ـ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ مَا هُوَ مِنَ الأَعْرَاضِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي لَا تُؤَدِّي إِلَى نَقْصٍ فِي مَرَاتِبِهِمُ العَلِيَّةِ كَالـمَرَضِ وَنَحْوِهِ.
    أَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ صِدْقِهِمْ ـ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ فَلِأَنَّهُمْ لَوْ لَـمْ يَصْدُقُوا لَلَزِمَ الكَذِبُ فِي خَبَرِهِ تَعَالَى لِتَصْدِيقِهِ تَعَالَى لَـهُمْ بِالـمُعْجِزَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى «صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي».
    وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الأَمَانَةِ لَـهُمْ ـ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ فَلِأَنَّهُمْ لَوْ خَانُوا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ لَانْقَلَبَ الـمُحَرَّمُ أَوِ الـمَكْرُوهُ طَاعَةً فِي حَقِّهِمْ لِأَنَّ اللَّـهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي أَقْوَالِـهِمْ وَأَفْعَالِـهِمْ، وَلَا يَأْمُرُ تَعَالَى بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ بُرْهَانُ وُجُوبِ الثَّالِثِ.
    وَأَمَّا دَلِيلُ جَوَازِ الأَعْرَاضِ البَشَرِيَّةِ عَلَيْهِمْ فَمُشَاهَدَةُ وُقُوعِهَا بِهِمْ، إِمَّا لِتَعْظِيمِ أُجُورِهِمْ، أَوْ لِلتَّشْرِيعِ، أَوْ لِلتَّسَلِّي عَنِ الدُّنْيَا، أَوْ لِلتَّنْبِيهِ لِـخِسَّةِ قَدْرِهَا عِنْدَ اللَّـهِ تَعَالَى وَعَدَمِ رِضَاهُ بِهَا دَارَ جَزَاءٍ لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِـهِمْ فِيهَا عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
    وَيَجْمَعُ مَعَانِيَ هَذِهِ العَقِيدَةِ كُلّهَا قَوْلُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللَّـهِ» إِذْ مَعْنَى الأُلُوهيَّةِ اسْتِغْنَاءُ الإِلَهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَافْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ، فَمَعْنَى «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لَا مُسْتَغْنِياً عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَمُفْتَقِراً إِلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى.
    أَمَّا اسْتِغْنَاؤُهُ جَلَّ وعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ فَهْوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالَى الوُجُودَ وَالقِدَمَ وَالبَقَاءَ وَالـمُخَالَفَةَ لِلْحَوَادِثِ وَالقِيَامَ بِالنَّفْسِ وَالتَّنَزُّهَ عَنِ النَّقَائِصِ.
    وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وُجُوبُ السَّمْعِ لَهُ تَعَالَى وَالبَصَرِ وَالكَلَامِ، إِذْ لَوْ لَـمْ تَجِبْ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ لَكَانَ مُحْتَاجاً إِلَى الـمُحْدِثِ أَوِ الـمَحَلِّ أَوْ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ النَّقَائِصَ.
    وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَنَزُّهُهُ تَعَالَى عَنِ الأَغْرَاضِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ وَإِلَّا لَزِمَ افْتِقَارُهُ إِلَى مَا يُحَصِّلُ غَرَضَه، كَيْفَ وَهْوَ جَلَّ وعَزَّ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ؟!.
    وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضاً أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ مِنَ الـمُمْكِنَاتِ عَقْلًا وَلَا تَرْكُهُ، إِذْ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلًا، كَالثَّوَابِ مَثَلًا لَكَانَ جَلَّ وعَزَّ مُفْتَقِرَاً إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ لِيَتَكَمَّلَ بِهِ غَرَضُهُ، إِذْ لَا يَجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى إِلَّا مَا هُوَ كَمَالٌ لَهُ، كَيْفَ وَهْوَ جَلَّ وعَزَّ الغنيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ؟!.
    وَأَمَّا افْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ جَلَّ وعَزَّ فَهْوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالَى الحَيَاةَ وَعُمُومَ القُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَالعِلْمِ، إِذْ لَوْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْهَا لَـمَا أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، كَيْفَ وَهْوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ؟!.
    وَيُوجِبُ لَهُ تَعَالَى أَيْضاً الوَحْدَانِيَّةَ، إِذْ لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَانٍ فِي الأُلُوهِيَّةِ لَـمَا افْتَقَرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا حِينَئِذٍ، كَيْفَ وَهْوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ؟!.
    وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضاً: حُدُوثُ العَالَـمِ بِأَسْرِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْهُ قَدِيماً لَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُسْتَغْنِياً عَنْهُ تَعَالَى، كَيْفَ وَهْوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَفْتَقِرَ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ؟!
    وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضاً أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِنَ الكَائِنَاتِ فِي أَثَرٍ مَا وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ ذَلِكَ الأَثَرُ عَنْ مَوْلَانَا جَلَّ وَعَزَّ، كَيْفَ وَهْوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ عُمُوماً وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؟!
    هَذَا إِنْ قَدَّرْتَ أَنَّ شَيْئاً مِنَ الكَائِنَاتِ يُؤَثِّرُ بِطَبْعِهِ، وَأَمَّا إِنْ قَدَّرْتَهُ مُؤَثِّراً بِقُوَّةٍ جَعَلَهَا اللهُ فِيهِ كَمَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ فَذَلِكَ مُحَالٌ أَيْضاً لِأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مَوْلَانَا جَلَّ وَعَزَّ مُفْتَقِراً فِي إِيجَادِ بَعْضِ الأَفْعَالِ إِلَى وَاسِطَةٍ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِـمَا عَرَفْتَ مِنْ وُجُوبِ اسْتِغْنَائِهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
    فقَدْ بَانَ لك تضَمُّنُ قَوْلِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لِلْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الـمُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهَا فِي حَقِّ مَوْلَانَا جَلَّ وعَزَّ، وَهْيَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيلُ وَمَا يَجُوزُ.
    وَأَمَّا قَوْلُنَا «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّـهِ» ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهِ الإِيمَانُ بِسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالـمَلَائِكَةِ وَالكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَاءَ بِتَصْدِيقِ جَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
    وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وُجُوبُ صِدْقِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَاسْتِحَالَةُ الكَذِبِ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا لَـمْ يَكُونُوا رُسُلًا أُمَنَاءَ لِـمَوْلَانَا العَالِـمِ بِالخَفِيَّاتِ جَلَّ وَعَزَّ، وَاسْتِحَالَةُ فِعْلِ الـمَنْهِيَّاتِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ بِأَقْوَالِـهِمْ وَأَفْعَالِـهِمْ وَسُكُوتِهِمْ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي جَمِيعِهَا مُخَالَفَةٌ لِأَمْرِ مَوْلَانَا جَلَّ وَعَزَّ الَّذِي اخْتَارَهُمْ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَأَمِنَهُمْ عَلَى سِرِّ وَحْيِهِ.
    وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الأَعْرَاضِ البَشَرِيَّةِ عَلَيْهِمْ، إِذْ ذَاِكَ لَا يَقْدَحُ فِي رِسَالَتِهِمْ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّـهِ تَعَالَى، بَلْ ذَاكَ مِمَّا يَزِيدُ فِيهَا.
    فَقَدْ بَانَ لَكَ تَضَمُّنُ كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا لِـجَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى الـمُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ مِنْ عَقَائِدِ الإِيمَانِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَفِي حَقِّ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
    وَلَعَلَّهَا لِاخْتِصَارِهَا مَعَ اشْتِمَالِـهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ جَعَلَهَا الشَّرْعُ تَرْجَمَةً عَلَى مَا فِي القَلْبِ مِنَ الإِسْلَامِ، وَلَـمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ الإِيمَانَ إِلَّا بِهَا.
    فَعَلَى العَاقِلِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِهَا مُسْتَحْضِراً لِـمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَقَائِدِ الإِيمَانِ حَتَّى تَمْتَزِجَ مَعَ مَعْنَاهَا بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، فَإِنَّهُ يَرَى لَـهَا مِنَ الأَسْرَارِ وَالعَجَائِبِ إِنْ شَاءَ اللَّـهُ تَعَالَى مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ، وَبِاللَّـهِ التَّوْفِيقُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَلَا مَعْبُودَ سِوَاهُ.
    نَسْأَلُهُ سُبْحَانَه وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا وَأَحِبَّتَنَا عِنْدَ الـمَوْتِ نَاطِقِينَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ عَالِـمِينَ بِهَا. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الغَافِلُونَ، وَرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّـهِ أجْمَعينَ وَالتَّابِعِينَ لَـهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَامٌ عَلَى الـمُرْسَلِينَ، وَالـحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ العَالَـمِينَ.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • نصير السيد احمد المشهداني
    طالب علم
    • Mar 2011
    • 86

    #2
    نفع الله بك يا شيخ نزار

    تعليق

    • محمد علي السوفي
      طالب علم
      • Aug 2011
      • 84

      #3
      يارك الله فيك سيدي

      تعليق

      يعمل...