[ALIGN=JUSTIFY]الاخوة الكرام، هذه دروس للعلامة المحقق الأستاذ
سعيد فودة في شرح الإمام الكبير أبي البركات سيدي أحمد الدردير لمنظومته في العقائد المسماة بـ الخريدة البهية . نفعنا الله بعلومهما.
وقد كتبت عبارة الإمام الدردير باللون الأزرق، وأدرجت أبيات المنظومة خلال الشرح. راجياً من المولى جلّ وعزّ أن يجعل هذا في ميزان حسناتنا جميعاً. وجزى الله الشيخ سعيد عنا خير الجزاء.
[ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم[/ALIGN] الحمد لله الذي نوّر قلوبنا بمعرفة عقائد التوحيد: ينبه الشيخ الدردير بهذه العبارة على أثر المعرفة بعقائد التوحيد على القلوب.
وحرر عقولنا من ربقة شوائب التقليد: إشارة إلى أن عقيدة التوحيد لا تجتمع مع التقليد، وإنما لا بد من الاعتقاد مع العلم والفهم، ولا يصح الاعتقاد من غير فهم الناتج عن التقليد.
والصلاة والسلام على سيدنا المؤيد بالمعجزات الباهرة وعلى آله وأصحابه أولي المناقب الفاخرة. (وبعد)، فهذا شرح لطيف على مقدمتي المسماة بالخريدة البهية التي نظمتها في العقائد التوحيدية يوضح معانيها ويشيد مبانيها، اجتنبتُ فيه الاختصارَ المخل وأعرضت فيه عن التطويل الممل، واقتصرت فيه على تحرير البراهين مع الفوائد التي يزداد بها اليقين: واقتصر فيه على تجلية الأدلة على عقائد التوحيد مع زيادة بعض الفوائد.
واللهَ أسأل أن ينفع به كل من تلقاه بقلب سليم وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه المولى الرؤوف الرحيم، فأقول ـ وما توفيقي إلا بالله لعلي العظيم ـ :
بسم الله الرحمن الرحيم، أي أؤلف، وإنما قدرنا المتعلَّقَ فعلاً؛ لأن الأصل في العمل للأفعال: لم يقدر العامل اسماً، فلم يقل: بسم الله تأليفي، لأن الأصل أن الأفعال هي التي تعمل.
ومتأخراً؛ لأن تقديم المعمول يفيد الاختصاص: أي قدّر الفعل متأخراً، وقدم عليه المعمول وهو الجار والمجرور؛ لما يفيده تقديم الجار والمجرور من معنى الاختصاص، أي: أخص اسم الله بالتأليف.
وخاصاً؛ لأن كل شارع في شيء ينبغي له أن يُقدّر ما جُعلت البسملة مبدأ له، ولإفادة حصول البركة لجميع أجزاء الفعل: أي ذكر الفعل خاصاً ولم يجعله عاماً، كأن يقول: بسم الله أبدأ؛ لأن الذي يبدأ في شيء عليه أن يحدد الأمر الذي يعلق عليه البسملة، وجعل الفعل خاصاً يفيد أيضاً أن تحصل البركة في جميع أجزائه ولا تتعلق بالبداية فقط على تقدير فعل عام كـ(أبدأ).
والباء للاستعانة أو للمصاحبة على وجه التبرك: الباء للاستعانة، أي أؤلف مستعيناً باسم الله، أو للمصاحبة، أي: أؤلف مصطحباً اسمَ الله، وهذه المصاحبة مجازية وليست حقيقية، والمقصود منها التبرك.
والاسم لغةً ما دلّ على مسمى: معنى (اسم) في اللغة هو كل ما دلّ على مسمى. وعند النحاة ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان وضعاً: هذا معنى اصطلاحي. أما عند النحاة فقد اصطلحوا على أن يطلقوا كلمة (اسم) على ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان، وقولهم: (في نفسه) لإخراج (الحرف)؛ إذ إن الحرف هو ما دلّ على معنى في غيره؛ لأنه لا يعطي معنى إلا إذا تعلق بغيره.
وقولهم: (غير مقترن بزمان) لإخراج الفعل؛ لأن الفعل ما دلّ على معنى في نفسه واقترن بزمان. (وضعاً): ما تواضع عليه أهل اللغة بأن يجعلوا كل اسم موضوعاً ليدل على معنى معين.
وهو مشتق عند البصري من السمو وهو العلو: مشتق عند المذهب البصري من السمو. لأنه يعلو به مسماه من الخفاء أي يظهر: سبب اشتقاقه من (السمو)؛ أن مسماه يعلو بسببه من الخفاء، ولو أن هذا الشيء لم يكن له اسم لبقي خفياً.
فأصله (سِمْوٌ) بكسر فسكون، فخفف بحذف لامه: أي بحذف الواو. وعوض عنها همزة الوصل: وليست همزة قطع؛ وذلك حتى تحذف مع الكلام إنْ وُصل، ووضعت في البداية ولم توضع مكان الواو لأنها زائدة، ولو جعلت في النهاية لم تكن زائدة. بعد تسكين فائه: أي السين.
وعند الكوفي من السمة وهي العلامة؛ لأنه علامة على مسماه: مشتق عند المذهب الكوفي من السمة وليس من السمو.
وأصله وسم، فخفف بحذف فائه: وهي حرف الواو. ثم عوض عنها همزة الوصل.
والمراد به هنا المسمى، أي مستعيناً بمسمى الله: أي المقصود من (اسم) المسمى، أي مستعيناً بذات الله. والإضافة للبيان: أضاف (اسم) إلى لفظ الجلالة (الله)؛ لبيان باسم مَن يستعين.
والله علم على الذات الواجب الوجود الخالق للعالم.
والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رَحِم بالكسر: الصفة المشبهة تُنقل من فعل لازم، وجاءت الصفتان هنا على أمثلة المبالغة: فعلان وفعيل. ـ إما بتنزيله منزلة اللازم بأن يقصد إثباته للفاعل فقط من غير اعتبار تعلقه بمفعول: أي بأن يعامل الفعل (رَحِم) معاملة اللازم فيُهمل مفعوله.
وإما بجعله لازماً بأن ينقل إلى (فَعُل) بالضم: أي وإما أن يكون متعدياً من (رحِم) ولكن يعامل معاملة اللازم، أو يكون لازماً أصلاً من (رحُم).
وإنما احتيج لذلك؛ لأن الصفة المشبهة إنما تصاغ من اللازم: أي احتيج إلى أن نعامل (رحِم) معاملة اللازم أو إلى أن تُبنى صيغة المبالغة من (رحُم) الذي هو أصلاً لازم، لأن الصفة المشبهة تنقل من فعل لازم.
والرحمة رقة القلب أي رأفته: ورقة القلب أمر نفساني. وهي تستلزم التفضل والإحسان فهو غايتها وهي مبدؤه، فيراد منها هنا الغاية لاستحالتها عليه تعالى: أصل معنى رقة القلب يلزم عنه التفضل والإحسان. للكلمة دلالتان: دلالة تطابقية حقيقية، ودلالة تلازم، أي:مجاز. وفهم المعنى المجازي بملاحظة قرائنه الحقيقية وضع جديد.
والتفضل والإحسان فعل خارجي ناتج عن رقة القلب، فرقة القلب سبب لهما، والضمير في قوله: (منها) يعود على الرحمة، ويقصد بقوله: (هنا) البسملة. واستحالة نسب رقة القلب لله تعالى؛ لأنها انفعال، والانفعالات تأثر أو حصول كيفية في النفس غير ثابتة، وهذه الكيفية إما أن يكون حصل بها الكمال أو النقص، فإن كان النقص فهذا يستحيل على الله تعالى، وإن كان الكمال فهذا يستلزم أن يكون قد سبق الكمالَ نقصٌ، فإذا قيل: حصل الكمال في هذه اللحظة، يجاب عليه: إذن توقف كماله على غيره فهو محتاج للمخلوق الذي أعطاه الكمال.
ولاستحالة المعنى الحقيقي على الله تعالى يصبح المراد من الرحمة: الثابت له الفضل والإحسان كثيراً .
وكذا كل اسم من أسمائه تعالى يوهم ظاهرُه خلافَ المراد وذلك لأن ظاهره يحمل المعنى اللغوي، ومثال على هذا اسم (المنتقم)، فظاهره الذي يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذا الاسم حقيقة عرفية، أي شيوع العرف، ولا عرف بيننا وبين الله تعالى، فإذن لا بد من اللجوء إلى أن يراد منه غايته، فلا يذهب الذهن إلى أن المنتقم بمعنى الحاقد كما هو المتبادر من هذا الاسم، بل لا بد من أن تُقصد الغاية وهي إنزال العقاب، وكذلك (الرحمن، الرحيم)، هنا يراد غاية المعنى المتبادر (رقة القلب)، فيكون المقصود التفضل والإحسان.
ثم إن أريد مريد ذلك: الإشارة تعود إلى (الغاية)، أي: إن أريد مريد الغاية، كمريد الإنعام فصفة ذات وهي المعنى القائم بالذات، وإن أريد الفاعل كالمنعم فصفة فعل أي إن أريد فاعل الإنعام وهو الذي يُنعم فصفة فعل وهي اسم صفة مشتق من فعل صدر عن الذات.
وقدم الرحمن؛ لأنه خاص به تعالى؛ إذ لا يطلق على غيره تعالى ولأنه أبلغ؛ إذ معناه المنعم بجلائل النعم كمّاً وكيفاً، بخلاف الرحيم فإن معناه المنعم بدقائقها كذلك. وجلائل النعم أصولها كالوجود والإيمان والعافية والرزق والعقل والسمع والبصر وغير ذلك.
ودقائقها فروعها كالجمال وكثرة زيادة الإيمان ووفور العافية وسعة الرزق ودقة العقل وحدّة السمع والبصر وغير ذلك.
والمعنى أنه تعالى من حيث إنه منعم بجلائل النعم يسمى الرحمن ومن حيث إنه منعم بدقائقها يسمى الرحيم.
قوله: (وزيادة الإيمان) هذا خاص بالمؤمنين، لذلك اقترن اسم الرحيم بالمؤمنين في القرآن.[/ALIGN][poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
يقول راجي رحمة القدير= أي أحمد المشهور بالدردير
[/poet]
[ALIGN=JUSTIFY](يقول) هو من باب نَصَرَ فأصله يَقْوُل بسكون فائه وضمّ عينه فخفف بنقل حركة العين إلى الفاء: أي من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ. (راجي رحمةَ) بإضافة الوصف إلى معموله: أي بإضافة الوصف الذي هو اسم الفاعل (راجي) إلى مفعوله (رحمة). أي المؤمل المنتظر إنعام (القدير) دائم القدرة، فهو صفة مشبهة. أو الكثير القدرة بمعنى الاقتدار فيكون صيغة مبالغة: قال الشيخ الصاوي في حاشيته: "الكثرة باعتبار الاقتدار وهو عموم تعلق القدرة بسائر الممكنات، وقوله: صيغة مبالغة باعتبار التعلقات".
(أي أحمد) بن محمد بن أحمد أي حرف تفسير وبيان لـ(راجي) فما بعد، أي عطف بيان وقيل عطف نسق بناء على أنها من حروف العطف وهو قول ضعيف: (أي) تفسيرية تبين (راجي) وما أضيفت إليه، وعطف البيان هو تابع موضح أو مخصص.
وعطف النسق هو تابع متوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف، وهو العطف بالواو والفاء وأخواتهما.
ولما كان هذا القول ضعيفاً صرح بقوله: وهو قول ضعيف وصدّره بصيغة التمريض (قيل).
(المشهور) أي الذي اشتهر (بلقب) جده (الدردير) بفتح الدال الأولى وكسر الثانية، بينهما راء ساكنة وكذا اشتهر أولاد الجد كلهم بهذا اللقب.[/ALIGN]
سعيد فودة في شرح الإمام الكبير أبي البركات سيدي أحمد الدردير لمنظومته في العقائد المسماة بـ الخريدة البهية . نفعنا الله بعلومهما.وقد كتبت عبارة الإمام الدردير باللون الأزرق، وأدرجت أبيات المنظومة خلال الشرح. راجياً من المولى جلّ وعزّ أن يجعل هذا في ميزان حسناتنا جميعاً. وجزى الله الشيخ سعيد عنا خير الجزاء.
[ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم[/ALIGN] الحمد لله الذي نوّر قلوبنا بمعرفة عقائد التوحيد: ينبه الشيخ الدردير بهذه العبارة على أثر المعرفة بعقائد التوحيد على القلوب.
وحرر عقولنا من ربقة شوائب التقليد: إشارة إلى أن عقيدة التوحيد لا تجتمع مع التقليد، وإنما لا بد من الاعتقاد مع العلم والفهم، ولا يصح الاعتقاد من غير فهم الناتج عن التقليد.
والصلاة والسلام على سيدنا المؤيد بالمعجزات الباهرة وعلى آله وأصحابه أولي المناقب الفاخرة. (وبعد)، فهذا شرح لطيف على مقدمتي المسماة بالخريدة البهية التي نظمتها في العقائد التوحيدية يوضح معانيها ويشيد مبانيها، اجتنبتُ فيه الاختصارَ المخل وأعرضت فيه عن التطويل الممل، واقتصرت فيه على تحرير البراهين مع الفوائد التي يزداد بها اليقين: واقتصر فيه على تجلية الأدلة على عقائد التوحيد مع زيادة بعض الفوائد.
واللهَ أسأل أن ينفع به كل من تلقاه بقلب سليم وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه المولى الرؤوف الرحيم، فأقول ـ وما توفيقي إلا بالله لعلي العظيم ـ :
بسم الله الرحمن الرحيم، أي أؤلف، وإنما قدرنا المتعلَّقَ فعلاً؛ لأن الأصل في العمل للأفعال: لم يقدر العامل اسماً، فلم يقل: بسم الله تأليفي، لأن الأصل أن الأفعال هي التي تعمل.
ومتأخراً؛ لأن تقديم المعمول يفيد الاختصاص: أي قدّر الفعل متأخراً، وقدم عليه المعمول وهو الجار والمجرور؛ لما يفيده تقديم الجار والمجرور من معنى الاختصاص، أي: أخص اسم الله بالتأليف.
وخاصاً؛ لأن كل شارع في شيء ينبغي له أن يُقدّر ما جُعلت البسملة مبدأ له، ولإفادة حصول البركة لجميع أجزاء الفعل: أي ذكر الفعل خاصاً ولم يجعله عاماً، كأن يقول: بسم الله أبدأ؛ لأن الذي يبدأ في شيء عليه أن يحدد الأمر الذي يعلق عليه البسملة، وجعل الفعل خاصاً يفيد أيضاً أن تحصل البركة في جميع أجزائه ولا تتعلق بالبداية فقط على تقدير فعل عام كـ(أبدأ).
والباء للاستعانة أو للمصاحبة على وجه التبرك: الباء للاستعانة، أي أؤلف مستعيناً باسم الله، أو للمصاحبة، أي: أؤلف مصطحباً اسمَ الله، وهذه المصاحبة مجازية وليست حقيقية، والمقصود منها التبرك.
والاسم لغةً ما دلّ على مسمى: معنى (اسم) في اللغة هو كل ما دلّ على مسمى. وعند النحاة ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان وضعاً: هذا معنى اصطلاحي. أما عند النحاة فقد اصطلحوا على أن يطلقوا كلمة (اسم) على ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان، وقولهم: (في نفسه) لإخراج (الحرف)؛ إذ إن الحرف هو ما دلّ على معنى في غيره؛ لأنه لا يعطي معنى إلا إذا تعلق بغيره.
وقولهم: (غير مقترن بزمان) لإخراج الفعل؛ لأن الفعل ما دلّ على معنى في نفسه واقترن بزمان. (وضعاً): ما تواضع عليه أهل اللغة بأن يجعلوا كل اسم موضوعاً ليدل على معنى معين.
وهو مشتق عند البصري من السمو وهو العلو: مشتق عند المذهب البصري من السمو. لأنه يعلو به مسماه من الخفاء أي يظهر: سبب اشتقاقه من (السمو)؛ أن مسماه يعلو بسببه من الخفاء، ولو أن هذا الشيء لم يكن له اسم لبقي خفياً.
فأصله (سِمْوٌ) بكسر فسكون، فخفف بحذف لامه: أي بحذف الواو. وعوض عنها همزة الوصل: وليست همزة قطع؛ وذلك حتى تحذف مع الكلام إنْ وُصل، ووضعت في البداية ولم توضع مكان الواو لأنها زائدة، ولو جعلت في النهاية لم تكن زائدة. بعد تسكين فائه: أي السين.
وعند الكوفي من السمة وهي العلامة؛ لأنه علامة على مسماه: مشتق عند المذهب الكوفي من السمة وليس من السمو.
وأصله وسم، فخفف بحذف فائه: وهي حرف الواو. ثم عوض عنها همزة الوصل.
والمراد به هنا المسمى، أي مستعيناً بمسمى الله: أي المقصود من (اسم) المسمى، أي مستعيناً بذات الله. والإضافة للبيان: أضاف (اسم) إلى لفظ الجلالة (الله)؛ لبيان باسم مَن يستعين.
والله علم على الذات الواجب الوجود الخالق للعالم.
والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رَحِم بالكسر: الصفة المشبهة تُنقل من فعل لازم، وجاءت الصفتان هنا على أمثلة المبالغة: فعلان وفعيل. ـ إما بتنزيله منزلة اللازم بأن يقصد إثباته للفاعل فقط من غير اعتبار تعلقه بمفعول: أي بأن يعامل الفعل (رَحِم) معاملة اللازم فيُهمل مفعوله.
وإما بجعله لازماً بأن ينقل إلى (فَعُل) بالضم: أي وإما أن يكون متعدياً من (رحِم) ولكن يعامل معاملة اللازم، أو يكون لازماً أصلاً من (رحُم).
وإنما احتيج لذلك؛ لأن الصفة المشبهة إنما تصاغ من اللازم: أي احتيج إلى أن نعامل (رحِم) معاملة اللازم أو إلى أن تُبنى صيغة المبالغة من (رحُم) الذي هو أصلاً لازم، لأن الصفة المشبهة تنقل من فعل لازم.
والرحمة رقة القلب أي رأفته: ورقة القلب أمر نفساني. وهي تستلزم التفضل والإحسان فهو غايتها وهي مبدؤه، فيراد منها هنا الغاية لاستحالتها عليه تعالى: أصل معنى رقة القلب يلزم عنه التفضل والإحسان. للكلمة دلالتان: دلالة تطابقية حقيقية، ودلالة تلازم، أي:مجاز. وفهم المعنى المجازي بملاحظة قرائنه الحقيقية وضع جديد.
والتفضل والإحسان فعل خارجي ناتج عن رقة القلب، فرقة القلب سبب لهما، والضمير في قوله: (منها) يعود على الرحمة، ويقصد بقوله: (هنا) البسملة. واستحالة نسب رقة القلب لله تعالى؛ لأنها انفعال، والانفعالات تأثر أو حصول كيفية في النفس غير ثابتة، وهذه الكيفية إما أن يكون حصل بها الكمال أو النقص، فإن كان النقص فهذا يستحيل على الله تعالى، وإن كان الكمال فهذا يستلزم أن يكون قد سبق الكمالَ نقصٌ، فإذا قيل: حصل الكمال في هذه اللحظة، يجاب عليه: إذن توقف كماله على غيره فهو محتاج للمخلوق الذي أعطاه الكمال.
ولاستحالة المعنى الحقيقي على الله تعالى يصبح المراد من الرحمة: الثابت له الفضل والإحسان كثيراً .
وكذا كل اسم من أسمائه تعالى يوهم ظاهرُه خلافَ المراد وذلك لأن ظاهره يحمل المعنى اللغوي، ومثال على هذا اسم (المنتقم)، فظاهره الذي يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذا الاسم حقيقة عرفية، أي شيوع العرف، ولا عرف بيننا وبين الله تعالى، فإذن لا بد من اللجوء إلى أن يراد منه غايته، فلا يذهب الذهن إلى أن المنتقم بمعنى الحاقد كما هو المتبادر من هذا الاسم، بل لا بد من أن تُقصد الغاية وهي إنزال العقاب، وكذلك (الرحمن، الرحيم)، هنا يراد غاية المعنى المتبادر (رقة القلب)، فيكون المقصود التفضل والإحسان.
ثم إن أريد مريد ذلك: الإشارة تعود إلى (الغاية)، أي: إن أريد مريد الغاية، كمريد الإنعام فصفة ذات وهي المعنى القائم بالذات، وإن أريد الفاعل كالمنعم فصفة فعل أي إن أريد فاعل الإنعام وهو الذي يُنعم فصفة فعل وهي اسم صفة مشتق من فعل صدر عن الذات.
وقدم الرحمن؛ لأنه خاص به تعالى؛ إذ لا يطلق على غيره تعالى ولأنه أبلغ؛ إذ معناه المنعم بجلائل النعم كمّاً وكيفاً، بخلاف الرحيم فإن معناه المنعم بدقائقها كذلك. وجلائل النعم أصولها كالوجود والإيمان والعافية والرزق والعقل والسمع والبصر وغير ذلك.
ودقائقها فروعها كالجمال وكثرة زيادة الإيمان ووفور العافية وسعة الرزق ودقة العقل وحدّة السمع والبصر وغير ذلك.
والمعنى أنه تعالى من حيث إنه منعم بجلائل النعم يسمى الرحمن ومن حيث إنه منعم بدقائقها يسمى الرحيم.
قوله: (وزيادة الإيمان) هذا خاص بالمؤمنين، لذلك اقترن اسم الرحيم بالمؤمنين في القرآن.[/ALIGN][poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
يقول راجي رحمة القدير= أي أحمد المشهور بالدردير
[/poet]
[ALIGN=JUSTIFY](يقول) هو من باب نَصَرَ فأصله يَقْوُل بسكون فائه وضمّ عينه فخفف بنقل حركة العين إلى الفاء: أي من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ. (راجي رحمةَ) بإضافة الوصف إلى معموله: أي بإضافة الوصف الذي هو اسم الفاعل (راجي) إلى مفعوله (رحمة). أي المؤمل المنتظر إنعام (القدير) دائم القدرة، فهو صفة مشبهة. أو الكثير القدرة بمعنى الاقتدار فيكون صيغة مبالغة: قال الشيخ الصاوي في حاشيته: "الكثرة باعتبار الاقتدار وهو عموم تعلق القدرة بسائر الممكنات، وقوله: صيغة مبالغة باعتبار التعلقات".
(أي أحمد) بن محمد بن أحمد أي حرف تفسير وبيان لـ(راجي) فما بعد، أي عطف بيان وقيل عطف نسق بناء على أنها من حروف العطف وهو قول ضعيف: (أي) تفسيرية تبين (راجي) وما أضيفت إليه، وعطف البيان هو تابع موضح أو مخصص.
وعطف النسق هو تابع متوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف، وهو العطف بالواو والفاء وأخواتهما.
ولما كان هذا القول ضعيفاً صرح بقوله: وهو قول ضعيف وصدّره بصيغة التمريض (قيل).
(المشهور) أي الذي اشتهر (بلقب) جده (الدردير) بفتح الدال الأولى وكسر الثانية، بينهما راء ساكنة وكذا اشتهر أولاد الجد كلهم بهذا اللقب.[/ALIGN]
تعليق