بسم الله الرحمن الرحيم
اقترح على الاخوة الأفاضل جمع ما تيسر من متون التوحيد على طريقة علماء أهل السنة المعتبرين في هذا الشأن الجليل، على أن نفردها بتأليف مستقل مع ترجمة لأصحابها وبيان فضلهم على الأمة الاسلامية، فهم العلماء العاملون، والأئمة الخاشعون، والمرابطون المجاهدون، والزهاد العابدون، نسأل الله تعالى التوفيق
يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَفِي تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، فَيُؤْمِنَ بِأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلاَ قَسِيمَ لَهُ فِي فِعْلِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلُهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَعَنْهُ صِدْقٌ. وَأَنَّ الإِيمَانَ هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ التَّابِعُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِمَنْ قَالَ هُوَ المَعْرِفَةُ فقط.
وَلاَ يَكْفِي التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ التَّابِعِ لِلْمَعْرِفَةِ عَنْ مُسْتَنَدٍ جُمْلِيٍّ بِثُبُوتِ الصَّانِعِ وَوُجُودِهِ، وَوُجُوبِ وُجُودِهِ، وَثُبُوتِ قِدَمِهِ، وَعَدَمِ تَرْكِيبِهِ، وَعَدَمِ تَجْزِئَتِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِي المُتَحَيِّزِ، وَعَدَمِ اتِّحَادِهِ بِغَيْرِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِيهِ، وَاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ فِي جِهةٍ، وَاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الحَوَادِثِ بِهِ، وَاسْتِحَالَةِ الآلاَمِ وَاللَّذَّاتِ عَلَيْهِ.
وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ المَقْدُورَاتِ بِقُدْرَةٍ قَدِيمَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، عَالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُومَاتِ بِعِلْمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الكَائِنَاتِ بِإِرَادَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِصِفَتَيْنِ زَائِدَتَيْنِ عَلَى العِلْمِ عَلَى الأَصَحِّ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ نَفْسِيٍّ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ وَاحِدٍ مُتَعَلِّقٍ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالخَبَرِ وَالاسْتِخْبَارِ وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ وَالنِّدَاءِ عَلَى الأَصَحِّ، بَاقٍ بِبَقَاءٍ يَقٌومُ بِهِ عِنْدَ الأَشْعَرِيِّ، وَبِذَاتِهِ عِنْدَ القَاضِي وَهُوَ الأَصَحُّ. وَلاَ تُعْرَفُ حَقِيقَةُ ذَاتِهِ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ. وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ صَحِيحَةٌ وَاقِعَةٌ.
وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالوَجْهِ وَاليَدَيْنِ وَالاِسْتِوَاءِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِصِفَةٍ تُوجِبُ الاسْتِغْنَاءَ عَنِ المَكَانِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِصِفَةِ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالقِدَمِ غَيْرِ البَقَاءِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالعَالِمِيَّةِ وَالقَادِرِيَّةِ وَالمُرِيدِيَّةِ والحَيِّيَّةِ عِنْدَ مُثْبِتِي الأَحْوَالِ. وَبِعُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالرَّحْمَةِ وَالرِّضَا وَالكَرَمِ غَيْرِ الإِرَادَةِ عَلَى رَأْيٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ دَلِيلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لاَ إِثْبَاتًا وَلاَ نَفْيًا.
وَأَنَّهُ وَاحِدٌ بِصِفَاتِهِ. وَأَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ فِي مَقْدُورِهِ عَلَى الأَصَحِّ. وَأَنَّ العَقْلَ لاَ يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ كَوْنِ الفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ مُتَعَلَّقَ المُؤَاخَذَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلاَ تَحْسِينَ وَلاَ تَقْبِيحَ عَقْلاً. وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَلاَ يَفْعَلُ شَيْئاً لِغَرَضٍ. وَأَنَّ الأَعْمَالَ لَيْسَتْ عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ.
وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، دَلَّتْ المُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ وَصِدْقِ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي مَعَ عَدَمِ المُعَارَضَةِ. وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبَائِرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَفِي تَبْلِيغِ الوَحْيِ وَالفَتَاوَى، وَمِنَ الصَّغَائِرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُطْلَقاً خِلاَفاً لِمَنْ جَوَّزَهَا عَلَيْهِمْ سَهْوًا، بِخِلاَفِ مَا قَبْلَهَا فِي السَّهْوِ لاَ مُطْلَقًا عَلَى الأَصَحِّ. وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ المَلاَئِكَةِ عَلَى الأَصَحِّ.
وَأَنَّ المَعَادَ البَدَنِيَّ حَقٌّ، بِمَعْنَى جَمْعِ الأَجْزَاءِ بَعْدَ تَفْرِيقِهَا، أَوْ بِمَعْنَى إِعَادَتِهَا بَعْدَ إِعْدَامِهَا. وَأَنَّ أَرْوَاحَ أَهْلِ السَّعَادَةِ بَاقِيَةٌ مُنَعَّمَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَرْوَاحَ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ بَاقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَنَّهَا حَادِثَةٌ، وَأَنَّهُ لاَ تَنَاسُخَ فِيهَا.
وَأَنَّ سَائِرَ السَّمْعِيَّاتِ مِنْ ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى، وَعَذَابِهِ، وَالصِّرَاطِ، وَالمِيزَانِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، وَوَزْنِ الأَعْمَالِ، وَنُطْقِ الجَوَارِحِ، وَالحَوْضِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَأَحْوَالِ الجَنَّةِ وَدَوَامِ نَعِيمِهَا، وَأَحْوَالِ النَّارِ وَدَوَامِ عَذَابِهَا حَقٌّ. وأَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ مُمْكِنَتَانِ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ حَقٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ بِخَبَرِ الصَّادِقِ.
وَأَنَّ وَعِيدَ أَهْلِ الكَبَائِرِ مُنْقَطِعٌ. وَأَنَّ وَعِيدَ الكَفَرَةِ دَائِمٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَانِدٍ. وَأَنَّ الإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ فِي كُلِّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُمْ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَأَنَّهُ لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ. وَيُقَالُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَأَنَّ الكُفْرَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْكَارِ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرُّسُلِ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ يُكَفَّرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ. وَأَنَّ نَصْبَ الإِمَامِ وَاجِبٌ عَلَى الخَلْقِ، لاَ عَلَى الخَالِقِ. وَلاَ يَجِبُ القِيَامُ بِدَفْعِ شُبَهِ أَهْلِ الضَّلاَلِ إِلاَّ عَلَى مَنْ تَمَكَّنَ فِي النَّظَرِ وفِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ تَمَكُّناً يَقْوَى بِهِ عَلَى دَفْعِهَا، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
[CENTER ]العقيدة النوريّة في اعتقاد الأئمة الأشعرية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيم
وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة الورع الزاهد الولي الصالح
سيدي أبو الحسن علي النوري (تـ 1118هـ) غفر الله له ونفعنا به آمين:
الحَمْدُ ِللهِ الذِي دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ مَخْلُوقَاتُهُ، وَتَقَدَّسَتْ عَنِ النَّقْصِ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنْ نَطَقَتْ بِصِدْقِهِ مُعْجِزَاتُهُ، وَعَلَى آلِهَ وَأَصْحَابِهِ نَصَرَةُ الدِّينِ وَحُمَاتُهُ.
وَبَعْدُ؛ فَأَقْسَامُ الحُكْمِ العَقْلِيِّ ثَلاَثَةٌ: وَاجِبٌ، وَمُسْتَحِيلٌ، وَجَائِزٌ.
- فَالوَاجِبُ: مَا لاَ يُمْكِنُ فِي العَقْلِ نَفْيُهُ.
- وَالمُسْتَحِيلُ: مَا لاَ يُمْكِنُ فِي العَقْلِ ثُبُوتُهُ.
- وَالجَائِزُ: مَا يَصُحُّ فِي العَقْلِ نَفْيُهُ وَثُبُوتُهُ.
وَيَجِِبُ ِللهِ جَلَّ وَعَزَّ كُلُّ كَمَالٍ لاَئِقٍ بِهِ. وَيَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَةُ مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِهِ، وَهْوَ عِشْرُونَ صِفَةً وَهْيَ:
الوُجُودُ.
وَبُرْهَانُ ثُبَوتِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّ العَالَمَ وَهُوَ كُلُّ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى حَادِثٌ؛ لِمُلاَزَمَتِهِ مَا شُوهِدَ حُدُوثُهُ كَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ.
وَأَيْضًا، فَإِنِّكَ تَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ وُجِدْتَ، وَكُلُّ حَادِثٍ لاَ بُدَّ لُهُ مِنْ مُحْدِثٍ مَوْجُودٍ؛ ِلاسْتِحَالَةِ الانْتِقَالِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ بِلاَ فَاعِلٍ. فَالعَالَمُ إِذًا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ مَوْجُودٍ، وَهْوَ اللهُ تَعَالَى.
وَالقِدَمُ: أَيْ لاَ أَوَّلِيَّةَ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى عَنْهُ القِدَمُ لَثَبَتَ لَهُ الحُدُوثُ، فيَفْتَقِرُ إِلَى مُحدِثٍ، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ فَيُؤَدِّي إِلَى فَرَاغِ مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ، أَوْ الدَّوْرُ فَيُؤَدِّي إِلَى تَقَدُّمِ الشَّيءِ عَلَى نَفْسِهَ. وَكِلاَهُمَا مُسْتَحِيلٌ.
وَالبَقَاءُ: أَيْ لاَ آخِرِيَّةَ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهُ البَقَاءُ لَكَانَ قَابِلاً لِلْوُجُودِ وَالعَدَمِ، فَيَحْتَاجُ فِي تَرْجِيحِ وُجُودِهِ إِلَى مُخَصِّصٍ، فَيَكُونُ حَادِثًا. وَقَدْ سَبَقَ بُرْهَانُ وُجُوبِ قِدَمِهِ.
وَالمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ: أَيْ نَفْيُ الجِِرْمِيَّةِ وَالعَرَضِيَّةِ وَلَوَازِمِهِمَا، كَالمَقَادِيرِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالجِهَاتِ وَالقُرْبِ وَالبُعْدِ بِالمَسَافَةِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهَا لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ مَاثَلَ الحَوَادِثَ لَكَانَ حَادِثًا، وَقَدْ مَرَّ بُرْهَانُ وُجُوبِ قِدَمِهِ.
وَالقِيَامُ بِالنَّفْسِ. أَيْ: ذَاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِالصِّفَاتِ العَلِيَّةِ، غَنِيّةٌ عَنِ الفَاعِلِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَاتًا لَكَانَ صِفَةً، فَيَسْتَحِيلُ اتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ المَعَانِي وَالمَعْنَوِيَّةِ، وَقَدْ قَامَ البُرْهَانُ عَلَى وُجُوبِ اتَّصَافِهِ تَعَالَى بِهِمَا. وَلَوْ احْتَاجَ لِلْفَاعِلِ لَكَانَ حَادِثًا، وَتَقَدَّمَ بُرْهَانُ نَفْيِهِ.
وَالوَحْدَاِنيَّةُ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ: أَيْ لَيْسَتْ ذَاتُهُ مُرَكَّبَةً؛ وَإِلاَّ لَكَانَ جِسْمًا. وَلاَ تَقْبَلُ صِغَرًا وَلاَ كِبَرًا؛ َلأَنَّهُمَا مِنْ عَوارِضِ الأَجْرَامِ. وَلاَ ذَاتَ كَذَاتِهِ، وَلاَ صِفَةً كَصِفَاتِهِ، وَلاَ تَأْثِيرَ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ البَتَّةَ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهَا لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعُهُ ثَانٍ لَمْ تُوجَدِ الحَوَادِثُ؛ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا عِنْدَ الاتِّفَاقِ، وَأَحْرَى عِنْدَ الاخْتِلاَفِ.
وَالحَيَاةُ وَهْيَ لاَ تَعَلُّقَ لَهَا.
وَالعِلْمُ المُنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهِ كُلُّ وَاجِبٍ وَمُسْتَحِيلٍ وَجَائِزٍ.
وَالإِرَادَةُ التِّي يُخَصِّصُ تَعَالَى بِهَا المُمْكِنَ بِمَا شَاءَ.
وَالقُدْرَةُ التِّي يُثْبِتُ تَعَالَى بِهَا أَوْ يُعْدِمُ مَا أَرَادَ مِنْ المَمْكِنَاتِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِهِذِهِ الصِّفَاتِ أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْهَا لَمْ تُوجَدِ الحَوَادِثُ.
وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ المُنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهِمَا جَمِيعُ المَوْجُودَاتِ.
وَالكَلاَمُ المُنَزَّهُ عَنِ الحَرْفِ، وَالصَّوْتِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، وَالسُّكُوتِ؛ لاِسْتِلْزَامِ جَمِيعِ ذَلِكَ الحُدُوثَ. وَيَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَعْلُومَاتِهِ.
وَدَلِيلُ وُجُوبِ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِهَا: الكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالإِجْمَاعُ.
وَكَوْنُهُ تَعَالَى حَيَّا، وَعَالِمًا، وَمُرِيدًا، وَقَادِرًا، وَسَمِيعًا، وَبَصِيرًا وَمُتَكَلِّمًا.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كُلُّ مَا يُنَافِي صِفَاتِ الجَلاَلِ وَالكَمَالِ. وَذَلِكَ المُنَافِي كَالعَدَمِ، وَالحُدُوثِ، وَالفَنَاءِ، وَالمُمَاثَلَةِ لِلْحَوَادَثِ، وَالافْتِقَارِ لِلذَّاتِ أَوْ الفَاعِلِ، وَالتَّعَدُّدِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، أَوْ وُجُودِ الشَّرِيكِ فِي الأَفْعَالِ، وَالمَوْتِ، وَالجَهْلِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَوُقُوعِ مُمْكِنٍ بِدُونِ إِرَادَتِهِ تَعَالَى، وَالعَجْزِ، وَالصَّمَمِ، وَالعَمَى، وَالْبَكَمِ. وَأَضْدَادُ الصِّفَاتِ المَعْنَوِيِّةِ مَعْلُومَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: الفِعْلُ وَالتَّرْكُ لِكُلِّ مَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِجَوَازِهِ وَإِمْكَانِهِ.
وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمَا كَانَ فَاعِلاً بِالاخْتِيَارِ.
وَمِنَ الجَائِزَاتِ بِعْثَةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وَيَجِبُ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: الصِّدْقُ.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ ضِدُّهُ، وَهْوَ الكَذِبُ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَصْدُقُوا لَلِزَمَ كَذِبُ مُصَدِّقِهِمْ بِالْمُعْجِزَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ بِالْكَلاَمِ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللهِ مُحَالٌ؛ ِلأَنَّ خَبَرَهُ مُوَافِقٌ لِعِلْمِهِ، وَعِلْمُهُ لاَ يَنْتَقِضُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وَالعِصْمَةُ مِنْ كُلِّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَلَوْ خِلاَفَ الأَوْلَى، أَوْ فِعْلِ المُبَاحِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ. وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا لَهُمْ: الإِجْمَاعُ.
وَأَيْضًا لَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ َلأُمِرَ أُمَمُهُمْ بِفِعْلِهِ؛ ِلأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى الجَمْعِ بَيْنَ الأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ.
وَتَبْلِيغُ كُلِّ مَا أَمَرَهُمُ اللهُ بِتَبْلِيغِهِ.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَنْ يَتْرُكُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا؛ أَمَّا عَمْدًا فِلِمَا تَقَدَّمَ فِي دَلِيلِ وُجُوبِ العِصْمَةِ، وَأَمَّا نِسْيَانًا فَللإِجْمَاعِ.
وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا هُوَ مِنَ الأَعْرَاضِ البَشَرِيَّةِ التِي لاَ تُنَافِي عَظِيمَ شَرَفِهِمْ وَعُلُوَّ قَدْرِهِمْ، كَالجُوعِ وَنَحْوِهِ.
وَبُرْهَانُ جَوَازِ ذَلِكَ مُشَاهَدَتُهُ فِيهِمْ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الكَرِيمِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
اقترح على الاخوة الأفاضل جمع ما تيسر من متون التوحيد على طريقة علماء أهل السنة المعتبرين في هذا الشأن الجليل، على أن نفردها بتأليف مستقل مع ترجمة لأصحابها وبيان فضلهم على الأمة الاسلامية، فهم العلماء العاملون، والأئمة الخاشعون، والمرابطون المجاهدون، والزهاد العابدون، نسأل الله تعالى التوفيق
عقيدة ابن الحاجب
(تـ646هـ)
(تـ646هـ)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَفِي تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، فَيُؤْمِنَ بِأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلاَ قَسِيمَ لَهُ فِي فِعْلِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلُهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَعَنْهُ صِدْقٌ. وَأَنَّ الإِيمَانَ هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ التَّابِعُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِمَنْ قَالَ هُوَ المَعْرِفَةُ فقط.
وَلاَ يَكْفِي التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ التَّابِعِ لِلْمَعْرِفَةِ عَنْ مُسْتَنَدٍ جُمْلِيٍّ بِثُبُوتِ الصَّانِعِ وَوُجُودِهِ، وَوُجُوبِ وُجُودِهِ، وَثُبُوتِ قِدَمِهِ، وَعَدَمِ تَرْكِيبِهِ، وَعَدَمِ تَجْزِئَتِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِي المُتَحَيِّزِ، وَعَدَمِ اتِّحَادِهِ بِغَيْرِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِيهِ، وَاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ فِي جِهةٍ، وَاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الحَوَادِثِ بِهِ، وَاسْتِحَالَةِ الآلاَمِ وَاللَّذَّاتِ عَلَيْهِ.
وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ المَقْدُورَاتِ بِقُدْرَةٍ قَدِيمَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، عَالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُومَاتِ بِعِلْمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الكَائِنَاتِ بِإِرَادَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِصِفَتَيْنِ زَائِدَتَيْنِ عَلَى العِلْمِ عَلَى الأَصَحِّ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ نَفْسِيٍّ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ وَاحِدٍ مُتَعَلِّقٍ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالخَبَرِ وَالاسْتِخْبَارِ وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ وَالنِّدَاءِ عَلَى الأَصَحِّ، بَاقٍ بِبَقَاءٍ يَقٌومُ بِهِ عِنْدَ الأَشْعَرِيِّ، وَبِذَاتِهِ عِنْدَ القَاضِي وَهُوَ الأَصَحُّ. وَلاَ تُعْرَفُ حَقِيقَةُ ذَاتِهِ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ. وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ صَحِيحَةٌ وَاقِعَةٌ.
وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالوَجْهِ وَاليَدَيْنِ وَالاِسْتِوَاءِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِصِفَةٍ تُوجِبُ الاسْتِغْنَاءَ عَنِ المَكَانِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِصِفَةِ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالقِدَمِ غَيْرِ البَقَاءِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالعَالِمِيَّةِ وَالقَادِرِيَّةِ وَالمُرِيدِيَّةِ والحَيِّيَّةِ عِنْدَ مُثْبِتِي الأَحْوَالِ. وَبِعُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالرَّحْمَةِ وَالرِّضَا وَالكَرَمِ غَيْرِ الإِرَادَةِ عَلَى رَأْيٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ دَلِيلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لاَ إِثْبَاتًا وَلاَ نَفْيًا.
وَأَنَّهُ وَاحِدٌ بِصِفَاتِهِ. وَأَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ فِي مَقْدُورِهِ عَلَى الأَصَحِّ. وَأَنَّ العَقْلَ لاَ يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ كَوْنِ الفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ مُتَعَلَّقَ المُؤَاخَذَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلاَ تَحْسِينَ وَلاَ تَقْبِيحَ عَقْلاً. وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَلاَ يَفْعَلُ شَيْئاً لِغَرَضٍ. وَأَنَّ الأَعْمَالَ لَيْسَتْ عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ.
وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، دَلَّتْ المُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ وَصِدْقِ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي مَعَ عَدَمِ المُعَارَضَةِ. وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبَائِرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَفِي تَبْلِيغِ الوَحْيِ وَالفَتَاوَى، وَمِنَ الصَّغَائِرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُطْلَقاً خِلاَفاً لِمَنْ جَوَّزَهَا عَلَيْهِمْ سَهْوًا، بِخِلاَفِ مَا قَبْلَهَا فِي السَّهْوِ لاَ مُطْلَقًا عَلَى الأَصَحِّ. وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ المَلاَئِكَةِ عَلَى الأَصَحِّ.
وَأَنَّ المَعَادَ البَدَنِيَّ حَقٌّ، بِمَعْنَى جَمْعِ الأَجْزَاءِ بَعْدَ تَفْرِيقِهَا، أَوْ بِمَعْنَى إِعَادَتِهَا بَعْدَ إِعْدَامِهَا. وَأَنَّ أَرْوَاحَ أَهْلِ السَّعَادَةِ بَاقِيَةٌ مُنَعَّمَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَرْوَاحَ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ بَاقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَنَّهَا حَادِثَةٌ، وَأَنَّهُ لاَ تَنَاسُخَ فِيهَا.
وَأَنَّ سَائِرَ السَّمْعِيَّاتِ مِنْ ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى، وَعَذَابِهِ، وَالصِّرَاطِ، وَالمِيزَانِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، وَوَزْنِ الأَعْمَالِ، وَنُطْقِ الجَوَارِحِ، وَالحَوْضِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَأَحْوَالِ الجَنَّةِ وَدَوَامِ نَعِيمِهَا، وَأَحْوَالِ النَّارِ وَدَوَامِ عَذَابِهَا حَقٌّ. وأَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ مُمْكِنَتَانِ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ حَقٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ بِخَبَرِ الصَّادِقِ.
وَأَنَّ وَعِيدَ أَهْلِ الكَبَائِرِ مُنْقَطِعٌ. وَأَنَّ وَعِيدَ الكَفَرَةِ دَائِمٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَانِدٍ. وَأَنَّ الإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ فِي كُلِّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُمْ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَأَنَّهُ لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ. وَيُقَالُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَأَنَّ الكُفْرَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْكَارِ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرُّسُلِ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ يُكَفَّرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ. وَأَنَّ نَصْبَ الإِمَامِ وَاجِبٌ عَلَى الخَلْقِ، لاَ عَلَى الخَالِقِ. وَلاَ يَجِبُ القِيَامُ بِدَفْعِ شُبَهِ أَهْلِ الضَّلاَلِ إِلاَّ عَلَى مَنْ تَمَكَّنَ فِي النَّظَرِ وفِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ تَمَكُّناً يَقْوَى بِهِ عَلَى دَفْعِهَا، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
[CENTER ]العقيدة النوريّة في اعتقاد الأئمة الأشعرية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيم
وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة الورع الزاهد الولي الصالح
سيدي أبو الحسن علي النوري (تـ 1118هـ) غفر الله له ونفعنا به آمين:
الحَمْدُ ِللهِ الذِي دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ مَخْلُوقَاتُهُ، وَتَقَدَّسَتْ عَنِ النَّقْصِ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنْ نَطَقَتْ بِصِدْقِهِ مُعْجِزَاتُهُ، وَعَلَى آلِهَ وَأَصْحَابِهِ نَصَرَةُ الدِّينِ وَحُمَاتُهُ.
وَبَعْدُ؛ فَأَقْسَامُ الحُكْمِ العَقْلِيِّ ثَلاَثَةٌ: وَاجِبٌ، وَمُسْتَحِيلٌ، وَجَائِزٌ.
- فَالوَاجِبُ: مَا لاَ يُمْكِنُ فِي العَقْلِ نَفْيُهُ.
- وَالمُسْتَحِيلُ: مَا لاَ يُمْكِنُ فِي العَقْلِ ثُبُوتُهُ.
- وَالجَائِزُ: مَا يَصُحُّ فِي العَقْلِ نَفْيُهُ وَثُبُوتُهُ.
وَيَجِِبُ ِللهِ جَلَّ وَعَزَّ كُلُّ كَمَالٍ لاَئِقٍ بِهِ. وَيَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَةُ مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِهِ، وَهْوَ عِشْرُونَ صِفَةً وَهْيَ:
الوُجُودُ.
وَبُرْهَانُ ثُبَوتِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّ العَالَمَ وَهُوَ كُلُّ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى حَادِثٌ؛ لِمُلاَزَمَتِهِ مَا شُوهِدَ حُدُوثُهُ كَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ.
وَأَيْضًا، فَإِنِّكَ تَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ وُجِدْتَ، وَكُلُّ حَادِثٍ لاَ بُدَّ لُهُ مِنْ مُحْدِثٍ مَوْجُودٍ؛ ِلاسْتِحَالَةِ الانْتِقَالِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ بِلاَ فَاعِلٍ. فَالعَالَمُ إِذًا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ مَوْجُودٍ، وَهْوَ اللهُ تَعَالَى.
وَالقِدَمُ: أَيْ لاَ أَوَّلِيَّةَ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى عَنْهُ القِدَمُ لَثَبَتَ لَهُ الحُدُوثُ، فيَفْتَقِرُ إِلَى مُحدِثٍ، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ فَيُؤَدِّي إِلَى فَرَاغِ مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ، أَوْ الدَّوْرُ فَيُؤَدِّي إِلَى تَقَدُّمِ الشَّيءِ عَلَى نَفْسِهَ. وَكِلاَهُمَا مُسْتَحِيلٌ.
وَالبَقَاءُ: أَيْ لاَ آخِرِيَّةَ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهُ البَقَاءُ لَكَانَ قَابِلاً لِلْوُجُودِ وَالعَدَمِ، فَيَحْتَاجُ فِي تَرْجِيحِ وُجُودِهِ إِلَى مُخَصِّصٍ، فَيَكُونُ حَادِثًا. وَقَدْ سَبَقَ بُرْهَانُ وُجُوبِ قِدَمِهِ.
وَالمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ: أَيْ نَفْيُ الجِِرْمِيَّةِ وَالعَرَضِيَّةِ وَلَوَازِمِهِمَا، كَالمَقَادِيرِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالجِهَاتِ وَالقُرْبِ وَالبُعْدِ بِالمَسَافَةِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهَا لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ مَاثَلَ الحَوَادِثَ لَكَانَ حَادِثًا، وَقَدْ مَرَّ بُرْهَانُ وُجُوبِ قِدَمِهِ.
وَالقِيَامُ بِالنَّفْسِ. أَيْ: ذَاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِالصِّفَاتِ العَلِيَّةِ، غَنِيّةٌ عَنِ الفَاعِلِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَاتًا لَكَانَ صِفَةً، فَيَسْتَحِيلُ اتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ المَعَانِي وَالمَعْنَوِيَّةِ، وَقَدْ قَامَ البُرْهَانُ عَلَى وُجُوبِ اتَّصَافِهِ تَعَالَى بِهِمَا. وَلَوْ احْتَاجَ لِلْفَاعِلِ لَكَانَ حَادِثًا، وَتَقَدَّمَ بُرْهَانُ نَفْيِهِ.
وَالوَحْدَاِنيَّةُ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ: أَيْ لَيْسَتْ ذَاتُهُ مُرَكَّبَةً؛ وَإِلاَّ لَكَانَ جِسْمًا. وَلاَ تَقْبَلُ صِغَرًا وَلاَ كِبَرًا؛ َلأَنَّهُمَا مِنْ عَوارِضِ الأَجْرَامِ. وَلاَ ذَاتَ كَذَاتِهِ، وَلاَ صِفَةً كَصِفَاتِهِ، وَلاَ تَأْثِيرَ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ البَتَّةَ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهَا لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعُهُ ثَانٍ لَمْ تُوجَدِ الحَوَادِثُ؛ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا عِنْدَ الاتِّفَاقِ، وَأَحْرَى عِنْدَ الاخْتِلاَفِ.
وَالحَيَاةُ وَهْيَ لاَ تَعَلُّقَ لَهَا.
وَالعِلْمُ المُنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهِ كُلُّ وَاجِبٍ وَمُسْتَحِيلٍ وَجَائِزٍ.
وَالإِرَادَةُ التِّي يُخَصِّصُ تَعَالَى بِهَا المُمْكِنَ بِمَا شَاءَ.
وَالقُدْرَةُ التِّي يُثْبِتُ تَعَالَى بِهَا أَوْ يُعْدِمُ مَا أَرَادَ مِنْ المَمْكِنَاتِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِهِذِهِ الصِّفَاتِ أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْهَا لَمْ تُوجَدِ الحَوَادِثُ.
وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ المُنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهِمَا جَمِيعُ المَوْجُودَاتِ.
وَالكَلاَمُ المُنَزَّهُ عَنِ الحَرْفِ، وَالصَّوْتِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، وَالسُّكُوتِ؛ لاِسْتِلْزَامِ جَمِيعِ ذَلِكَ الحُدُوثَ. وَيَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَعْلُومَاتِهِ.
وَدَلِيلُ وُجُوبِ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِهَا: الكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالإِجْمَاعُ.
وَكَوْنُهُ تَعَالَى حَيَّا، وَعَالِمًا، وَمُرِيدًا، وَقَادِرًا، وَسَمِيعًا، وَبَصِيرًا وَمُتَكَلِّمًا.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كُلُّ مَا يُنَافِي صِفَاتِ الجَلاَلِ وَالكَمَالِ. وَذَلِكَ المُنَافِي كَالعَدَمِ، وَالحُدُوثِ، وَالفَنَاءِ، وَالمُمَاثَلَةِ لِلْحَوَادَثِ، وَالافْتِقَارِ لِلذَّاتِ أَوْ الفَاعِلِ، وَالتَّعَدُّدِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، أَوْ وُجُودِ الشَّرِيكِ فِي الأَفْعَالِ، وَالمَوْتِ، وَالجَهْلِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَوُقُوعِ مُمْكِنٍ بِدُونِ إِرَادَتِهِ تَعَالَى، وَالعَجْزِ، وَالصَّمَمِ، وَالعَمَى، وَالْبَكَمِ. وَأَضْدَادُ الصِّفَاتِ المَعْنَوِيِّةِ مَعْلُومَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: الفِعْلُ وَالتَّرْكُ لِكُلِّ مَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِجَوَازِهِ وَإِمْكَانِهِ.
وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمَا كَانَ فَاعِلاً بِالاخْتِيَارِ.
وَمِنَ الجَائِزَاتِ بِعْثَةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وَيَجِبُ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: الصِّدْقُ.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ ضِدُّهُ، وَهْوَ الكَذِبُ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَصْدُقُوا لَلِزَمَ كَذِبُ مُصَدِّقِهِمْ بِالْمُعْجِزَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ بِالْكَلاَمِ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللهِ مُحَالٌ؛ ِلأَنَّ خَبَرَهُ مُوَافِقٌ لِعِلْمِهِ، وَعِلْمُهُ لاَ يَنْتَقِضُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وَالعِصْمَةُ مِنْ كُلِّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَلَوْ خِلاَفَ الأَوْلَى، أَوْ فِعْلِ المُبَاحِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ. وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا لَهُمْ: الإِجْمَاعُ.
وَأَيْضًا لَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ َلأُمِرَ أُمَمُهُمْ بِفِعْلِهِ؛ ِلأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى الجَمْعِ بَيْنَ الأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ.
وَتَبْلِيغُ كُلِّ مَا أَمَرَهُمُ اللهُ بِتَبْلِيغِهِ.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَنْ يَتْرُكُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا؛ أَمَّا عَمْدًا فِلِمَا تَقَدَّمَ فِي دَلِيلِ وُجُوبِ العِصْمَةِ، وَأَمَّا نِسْيَانًا فَللإِجْمَاعِ.
وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا هُوَ مِنَ الأَعْرَاضِ البَشَرِيَّةِ التِي لاَ تُنَافِي عَظِيمَ شَرَفِهِمْ وَعُلُوَّ قَدْرِهِمْ، كَالجُوعِ وَنَحْوِهِ.
وَبُرْهَانُ جَوَازِ ذَلِكَ مُشَاهَدَتُهُ فِيهِمْ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الكَرِيمِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
كان، وما لم يشأ لم يكن، فالكفر والمعاصي بخلقه وإرادته، ولا يرضاهُ.
تعليق