بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد فهذه جمل مختصرة يخرج المكلف بفهمها إن شاء الله من التقليد المختلف في إيمان صاحبه إلى النظر الصحيح المجمع على إيمان صاحبه.
وذلك أن تعلم أولا أن الحكم العقلي ينحصر في ثلاثة أقسام: الوجوب والجواز والاستحالة وعلى هذه الثلاهة مدار مباحت علم الكلام كلها.
فالواجب ما لا يتصور في العقل عدمه كالتحيز مثلا للجوهر،
والمستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده كعرو الجرم مثلا عن الحركة والسكون
والجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه كموت الواحد منا اليوم أو غدا
بــــــــــــــــاب في حدوث العالم وإقامة البرهان القاطع عليه
فإذا عرفت هذا فأول ما تبدأ به من النظر النظر في حدوث العالم وهو كل ما سوى الله تعالى. فإذا نظرت فيه تجد جميعه أجراما تقوم بها أعراض من حركة وسكون وغيرهما فتقول في برهان حدوثه لو كان جرم من أجرام العالم كالسماء والأرض مثلا موجودا في الأزل لم يخل إما أن يكون في الأزل متحركا أو ساكنا أو لا متحركا ولا ساكنا والأقسام الثلاثة مستحيلة على الجرم في الأزل فيكون وجود الجرم في الأزل مستحيلا لأنه لا يعقل وجوده عاريا عن تلك الأقسام الثلاثة.
أما بيان استحالة القسم الثالث فظاهر لأنه لا يعقل جرم في الأزل ولا في ما لا يزال ليس ثابتا في الحيز ولا منتقلا عنه
وأما بيان استحالة القسم الثاني وهو كون الجرم ساكنا في الأزل فوجهه أنه لو كان كذلك لما قبل أن بتحرك أبدا لأن سكونه على هذا الفرض قديم والقديم لا يقبل العدم إذ لو قبل العدم لاحتاج وجوده إلى مخصص لجوازه حينئذ فيكون محدثا، وقد فرض قديما فهذا تناقض لا يعقل، ودليل قبول السكون العدم مشاهدتنا الحركة في بعض الأجرام وذلك يقضي بجوازالحركة على جميع الأجرام لتماثلها.
وأما بيان استحالة القسم الأول وهو كون الجرم في الأزل متحركا فالوجه فيه ما عرفت الآن في استحالة القسم الثاني ويزيد هذا القسم بوجه آخر من الاستحالة وهو أن حقيقة الحركة لا تعقل قديمة إذ هي الانتقال من حيز إلى حيز فهي إذًا لا تكون إلا طارئة على الجرم ولا بد أن يتقدم على وجودها الكون في الحيز المنتقل عنه والقديم لا يتصور أن يكون طارئا ولا أن يتقدم على وجوده غيره.
فقد خرج لك بهذا البرهان القطعي كون العالم كله حادثا من عرشه إلى فرشه لا يتصور في العقل أن يكون شيء منه قديما.
بـــــــــــاب في إقامة البرهان القاطع على وجوده تعالى وبيان احتياج العالم إليه جل وعز.
وإذا كان العالم حادثا بعد ما تقرر عدمه فلا بد له من محدث إذ لا يتصور في العقل انتقاله من العدم الذي كان عليه إلى الوجود الطارئ بلا سبب ولو لا الفاعل المختار لوجوده في ما شاء من الأزمان على ما شاء من المقادير والصفات لكان يجب أن يبقى على ما كان عليه من العدم أبد الآباد لاستواء المقادير والصفات والأزمان بالنسبة إلى ذاته.
وأما الوجود والعدم فقيل هما بالنسبة إلى ذاته سواء، فيستحيل أن يترجح الوجود المساوي الطارئ بلا سبب.
وقيل العدم السابق أولى به لإصالته فيه وعدم افتقاره إلى سبب، وإذا كان ترجيح أحد المتساويين بلا سبب محال فاستحالة ترجيح الوجود المرجوح بالنسبة إلى العالم على هذا بلا سبب أحرى.
بــــــــاب الدليل على وجوب قدمه جل وعز ووجوب بقائه.
ثم يجب أن يكون محدث العالم قديما أي لا أولية لوجوده وإلا لافتقر إلى محدث ويلزم التسلسل فيؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له أو الدور فيؤدي إلى تقدم الشيء على نقسه وكلاهما مستحيل لا يعقل.
ويلزم أن نكون واجب البقاء أي لا آخرية لوجوده إذ لو قبل أن يلحقه العدم لكان وجوده جائزا لا واجبا لما عرفت أن حقيقه الواجب ما لا يتصور في العقل عدمه وهذا الوجود قد فرض أنه يقبل العدم فيكون جائزا إذ الجائز ما يصح فيه الوجود والعدم والجائز يستحيل أن يقع بلا سبب فيحتاج إذًا هذا الوجود الجائز إلى سبب فيكون محدثا، وقد قام البرهان على وجوب قدمه فإذًا فرضُ عدم وجوب البقاء في ما قام البرهان على وجوب قدمه تناقض لا يعقل.
بــــــــــاب الدليل على وجوب مخالفته تعالى للحوادث وعدم اتحاده بغيره وبيان الدليل على وجوب قيامه تعالى بنفسه
ويلزم أيضا أن يكون محدث العالم ليس بجرم ولا صفة للجرم لما عرفت من وجوب الحدوث للأجرام وصفاتها،
ولا متحدا بغيره أي يكون معه واحدا وإلا فإن بقيا موجودين فهما بعد اثنان لا واحد وإن لم يبقيا موجودين لم يتحدا أيضا لأنه إن عدم كل منهما ووجد ثالث فظاهر وإن عدم أحدهما وبقي الآخر فكذلك لأن المعدوم لا يتحد بالموجود
وإن يكون ليس في جهة من الجهات لأنه لا يعمرها إلا الأجرام
وإن لا تكون له هو أيضا جهة لأنها من عوارض الجسم، ففوق من عوارض عضو الرأس وتحت من عوارض عضو الرجل ويمين من عوارض العضو الأيسر وأمام من عوارض البطن وخلف من عوارض الظهر ومن استحال عليه أن يكون جرما استحال أن يتصف بهذه الأعضاء أو لوازمها على الضرورة
ويجب أيضا أن يكون تعالى قائما بنفسه أي ذاتا لا يفتقر إلى محل ويستحيل أن يكون صفة ومنهم من فسر قيامه تعالى بنفسه باستغنائه عن المحل والمخصص وهو أخص من التفسير الأول ويخرج مشاركة الجوهر له في هذه الصفة.
والدليل على استغنائه تعالى عن المخصص ما سبق من وجوب قدمه وبقائه.
وعلى استغنائه عن المحل أنه لو كان صفة لاستحال اتصافه بالصفات المعنوية والمعاني إذ الصفة لا تقوم بالصفة.
ولأنه أيضا لو كان صفة لافتقر إلى محل يقوم به، ثم إن كان المحل إلها مثل الصفة لزم تعدد الآلهة، وإن انفردت بالألوهية وأحكامها لزم قيام صفة بمحل ولا يتصف المحل بحكمها وهو محال.
وأيضا فليس كون الصفة إلها بأولى من كون محلها إلها.
بــــــــــاب الدليل على وجوب صفات المعاني ووجوب أحكامها له تعالى ووجوب القدم والبقاء لجميعها وما يتعلق بذلك
وفيه فصول
الفــــــــصـــــــل الأول في وجوب القدرة وأحكامها
ويلزم أيضا أن يكون محدث العالم قادرا وإلا لما أوجد شيئا من العالم،
بقدرة لأنه لا يعقل قادر لا قدرة له،
غير متحدة بذاته وإلا لزم كون الاثنين واحدا وهو محال لا يعقل،
قديمة وإلا كان ضدها وهو العجز قديما، فلا ينعدم أبدا لما عرفت أن القديم لا يقبل العدم فيلزم أن لا يقدر أبدا، ومصنوعاته تشهد باستحالة ذلك وأيضا لو كانت القدرة حادثة لاحتاجت في إحداثها إلى قدرة أخرى ولزم التسلسل.
ويلزم أن تكون هذه القدرة متعلقة بجميع الممكنات إذ لو تعلقت ببعضها دون بعض لاحتاجت إلى مخصص لاستوائها في حقيقة الأمكان فتكون حادثة وقد عرفت وجوب قدمها وإن قرض تخصيصها بغير مخصص لزم انقلاب الجائز مستحيلا.
الفــــــصـــــــــل الثاني في اثبات الإرادة وأحكامها
ويلزم أيضا أن يكون محدث العالم مريدا أي قاصدا لفعله إذ لو لا قصده لتخصيص الفعل بالوجود في زمن مخصوص على مقدار مخصوص وصفة مخصوصة للزم بقاؤه على ما كان عليه من عدم ذلك كله أبد الآباد.
وإن قدرت ذاته علة لوجود العالم أو موجدة له بالطبع حتى لا يحتاج في وجود العالم عنه إلى إرادته لزم حينئذ قدم العالم ووجوب اقتران العلة لمعلولها والطبيعة لمطبوعها وقد عرفت وجوب حدوثه.
والاعترض على هذا بأن صانع العالم طبيعة وإنما لم يوجد العالم معها في الأزل لوجود مانع أزلي منع من وجوده حينئذ فلما انتفى المانع في ما لا يزال أوجدت الطبيعة حينئذ العالم فاسد لأن هذا التقدير يستلزم أن لا يوجد العالم أبدا لأن مانعه على هذا الفرض أزلي فيستحيل عدمه لما عرفت أن ما ثبت قدمه استحال عدمه.
وكذا الاعتراض بأن الصانع طبيعة وتأخر العالم عنها في الأزل لتوقف وجوده على شرط لم يوجد في الأزل فلما وُجد الشرط في ما لا يزال وجد العالم عن الطبيعة حينئذ فاسد أيضا لأن الكلام في حدوث ذلك الشرط وتأخره عن الأزل كالكلام في العالم فيحتاج هو أيضا إلى تقدير مانع أزلي فيلزم أن لا يوجد شرط العالم أبدا فلا يوجد العلم مشروطه أبدا أو تقدير شرط آخر حادث فينقل الكلام إليه ويلزم التسلسل.
فثبت بهذا أن موجد العالم مريد مختار لا علة ولا طبيعة.
ويلزم أن يكون ذلك بإرادة قديمة عامة في جميع الممكنات خيرا كانت أو شرا لما عرفت قبل في القدرة.
وأن تكون إرادته لا لغرض له وإلا كان ناقصا في ذاته متكملا بفعله وذلك محال.
ولا لغرض لخلقه وإلا وجب عليه مراعاة الصلاح والأصلح لهم وهو محال لما سيأتي.
وكما استحال أن يريد سبحانه أو يفعل لغرض كذلك استحال أن يكون حكمه على فعل بوجوب أو تحريح أو غيرهما من الأحكام الشرعية لغرض من الأغراض لأن الافعال كلها مستوية في أنها خلقه واختراعه فتعيين بعضها للإيجاب وبعضها للتحريم أو غيره واقع بمحض الاختيار لا سبب له ولا مجال للعقل فيه أصلا وإنما يعرف بالشرع فقط.
وبالجملة فأفعاله تعالى وأحكامه لا علة لها وما يوجد من التعليل لذلك في كلام أهل الشرع فمؤوّل بالأمارات أو نحوها مما يصح.
الفـــصـــــــــل الثالث في وجوب علمه تعالى وما يتعلق به
ويلزم أن يكون محدث العالم عالما لما احتوى عليه العالم من حقائق الصنع وعجائب الأسرار،
وأن يكون ذلك بعلم قديم لما سبق في القدرة،
متنزه عن الضرورة والنظر وإلا قارنه الضرر أو كان حادثا،
ويتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي وإلا لزم الافتقار إلى المخصص كما سبق.
الفـــصـــــــل الرابع في إثبات السمع والبصر والكلام وما يتعلق بذلك
ويلزم أن يكون تعالى سميعا بصيرا متكلما،
بسمع و بصر قديمين متعلقين بكل موجود،
وبكلام قديم قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت ولا يتجدد ولا يطرأ عليه سكوت ولا يتصف بتقديم ولا تأخير ولا ابتداء ولا انتهاء ولا كل ولا بعض ويتعلق بكل ما يتعلق به العلم.
ويدل على اتصافه تعالى بهذه الثلاثة العقل لاستحالة اتصافه بأضدادها والنقل وهو أولى.
ومن ثم كان المختار في الإدراك الوقف لعدم ورود النقل فيه بلإثبات أو النفي.
أو في كون الاستواء واليد والعين والوجه أسماءً لصفات غير الثمانية أو مؤوّلة بالاستيلاء والقدرة والبصر والوجود أو يوفق عن تأويلها وتفوض معانيكها إلى الله تعالى بعد التنزيه عن ظواهرها المستحيلة إجماعا ثلاثة للشيخ الأشعري وإمام الحرمين والسلف.
الفــــصــــــــــــل الخامس في وجوب حياته تعالى وإقامة براهين قاطعة على وجوب القدم والبقاء لجميع ما تتصف به ذات مولانا جل وعز وأنه يتعالى عن الاتصاف بالحوادث
ويلزم أن يكون تعالى حيا وإلا ما يتصف بعلم ولا قدرة ولا إرادة ولا سمع ولا بصرولا كلام،
بحياة قدديمة لما سبق من وجوب قدم مشروطها والشرط يستحيل تأخره عن مشروطه،
واجبة البقاء وإلا لانتفى قدمها وقد عرفت الآن وجوبه.
وكذا يجب القدم والبقاء لسائر الصفات التي تقوم بذاته تعالى إذ لو قبلت العدم لكانت حادثة لما عرفت أن القديم لا يقبل العدم وهو تعالى يستحيل أن يتصف بصفة حادثة وإلا لكانت ذاته قابلة لها في الأزل لأن قبوله لها لو كان أيضا حادثا للذات لاحتاجت الذات إلى قبول آخر لذلك القبول ويتسلسل وإذا لزم أن يكون قبوله لتلك الصفة المفروضة الحدوث كائنا في الأزل صح أن يتصف بتلك الصفة الحادثة في الأزل إذ لا معنىللقبول إلا ذلك وذلك محال إذ الحادث لا يمكن أن يكون قديما لأن مِن لازم القديم أن لا يقبل العدم والحادت قد قبل العدم واتصف به فهما متنافيان.
فخرج بهذا أن كل ما قبلته الذات العلية من الصفات فهو أزلي واجب لها لا يتصور أن يكون حادثا وما لم تقبله الذات العلية في الأزم فلا تقبله أبدا لما عرفت من استحالة أن يطرأ القبول على الذات بعد أن لم يكن لها.
وأيضا لو اتصف تعالى بصفة حادثة لم يجز أن يعرى عنها أو عن ضدها أو مثلها وإلا لجاز عروه عن جميع الصفات لأن قبوله لها ذاتي لا يختلف وقد عرفت في ما سبق استحالة عروه عن العلم والقدرة والإرادة والحياة فثبت أن كل ما يقبله من الصفات لا يعرى عنه إلا للاتصاف بضده أو مثله لكن ضد تلك الصفة الحادثة أو مهلها لا يكون إلا حادثا بدليل طرآن عدمه إذ القديم لا يتعدم، وما لا يعرى عن الحوادث يكون حادثا ضرورة فلزم أنه لو اتصف تعالى بصفة حادثة لوجب حدوثه ضرورة وقد عرفت وجوب قدمه جل وعلا.
وأيضا فهو جل وعز لا يتصف إلا بالكمال إجماعا فيلزم في هذه الصفة الحادثة التي فرض اتصافه تعالى بها أن تكون من صفات الكمال وقد فات ذاته العلية في الأزل لفرض حدوثها وفوت الكمال نقص وهو تعالى منزه عنه بإجماع العقلاء.
ولا يعترض على هذا بأنه لا يلزم فوت الذات العلية كمال هذه الصفة الحادثة لاحتمال اتصافه بأمثالها على التوالي لا إلى أول لأنّا نقول لا يخفى أن هذا الاحتمال باطل لأنه تسلسل من باب حوادث لا أولية لها وهو ظاهر الاستحالة.
ويلزم أيضاأن تكون كل صفة من صفاته تعالى واحدة وإلا لزم اجتماع المثلين وتحصيل الحاصل وهو محال.
بــــــــا ب الدليل على وجوب الوحدانية له جل وعلا ووجوب استناد الكائنات كلها إليه ابتداء بلا واسطة آلة له منها ولا معين وأنه ليس في الوجود إلا الله سبحانه وأفعاله.
ويلزم أن يكون تعالى واحدا في ذاته بمعنى أنه غير مركب وإلا بزم أن يكون جسما.
وأيضا فلو تركب من جزئين فأكثر لم يخل إما أن يقوم بكل جزء صفات الألوهية أو يختص قيامها بالبعض والأول يلزم منه تعدد الآلهة والثاني يلزم منه الحدوث للاحتياج إلى المخصص بعضها بصفات الألوهية لاستواء جميعها في قبول تلك الصفات.
وليس معنى نفي التركيب في الذات العلية أنها جزء لا يتجزأ وإلا لزم أن تكون جوهرا فردا وقد سبق استحالة الجرمية عليه مطلقا وإنما المقصود أن الذات العلية لا تقبل صغرا ولا كبرا لأنهما من عوارض الأجرام وهو تعالى يستحيل أن يكون جرما.
ويلزم أيضا أن يكون تعالى واحدا في صفاته بمعنى أنه لا مثل له وإلا لزم الحدوث لاحتياج كل من المثلين إلى من نخصصه بالعارض الذي يمتاز به عن مثله.
وأيضا لو كان معه ثان في الألوهية للزم أن يكون ذلك الثاني عام القدرة والإرادة مثله وذلك يؤدي إلى اتصاف أحدهما بالعجز ضرورة سواء اختلفا على التضاد وهو ظاهر أو اتفقا لأن الفعل الواحد يستحيل انقسامه فلا يمكن أن يقع إلا من أحدهما فيلزم عجز الآخر الذي لم يقع منه، وإذا عجز أحدهما وجب عجز الآخر لتماثلهما وذلك يؤدي إلى أن لا يوجد شيء من العالم والعيان يكذبه.
وبهذا الدليل تعرف استحالة أن يكون لشيء من العالم تأثير البتة في أثر ما لما يلزم عليه من خروج ذلك الأثر عن قدرة مولانا جل وعز وإرادته وذلك يوجب أن يغلب الحادث القديم وهو محال فلا أثر إذًا لقدرة المخلوق في حركة ولا سكون ولا طاعة ولا معصية ولا في أثر ما على العموم لا مباشرا ولا تولدا.
والثواب والعقاب لا سبب لهما عقلا وإنما الطاعة والمعصية أمارتان مخلوقتان لله تعالى بلا واسطة معينة من العبد تدلان شرعا على ما اختار سبحانه من الثواب والعقاب ولو عكس سبحانه في دلالتهما أو أثاب وعاقب بدءًا بلا سبق أمارة لحسن ذلك منه جل وعز لا يُسأل عمّا يفعل.
وكسب العبد عبارة عن إيجاد الله تعالى المقدور فيه كالحركة والسكون مثلا مصاحبا لقدرة حادثة فيه تتعلق بذلك المقدور من غير تأثير لها فيه أصلا وهذا الكسب هو متعلق التكليف الشرعي وأمارة الثواب والعقاب شرعا لا عقلا.
والذي يدل على مصاحبة هذه القدرة الحادثة للفعل وإن لم يكن لها فيه تأثير البتة إدراكنا الفرق ضرورة بين حركة الارتعاش ونحوها من الحركات الاضطرارية وبين غيرها من الحركات الاختيارية ولا فرق بينهما بعد السبر التام إلا كون هذه الاختيارية مقترنة بقدرة حادثة في العبد يحس بها تيسر الفعل عليه بخلاف الأولى الاضطرارية.
فخرج لك من هذا أن بقولنا - إن مع الفعل الذي لم يحس صاحبه فيه الاضظرار قدرة حادثة في العبد هي عرض من الأعراض كالعلم ونحوه تتعلق بالفعل وإن لم نر لها تأثيرا فيه أصلا - انفصلنا عن مذهب الجبرية القائلين بنفي قدرة حادثة في العبد مطلقا،
وبقولنا - ليس لتلك القدرة الحادثة تأثير في الفعل أصلا وإنما هي تتعلق به وتصاحبه فقط - انفصلنا عن مذهب القدرية مجوس هذه الأمة القائلين بأن تلك القدرة الحادية في العبد بها يخترع العبد أفعاله على حسب إرادته، قالوا وبذلك أطاع وعصى وعليه أُثيب وعوقب وقد سبق لك أن الثواب والعقاب لا سبب لهما عقلا عند أهل الحق وأن الطاعات والمعاصي أمارات جعلية لا علل عقلية.
فتحقق بهذا تمييز المذهب الحق عن المذهبين الفاسدين وهما مذهب الجبرية والقدرية فإن تمييزه عنهما ممّا يلتبس على كثير.
وكذا لا أثر للطعام في الشبع ولا للماء في الري أو النبات أو النظافة ولا للنار في الإحراق أو التسخين أو نضج الطعام ولا للثوب والجدار في الستر أو دفع الحر والبرد ولا للشجرة في الظل ولا للشمس وسائر الكواكب في الضوء ولا للسكين في القطع ولا للماء البارد في كسر قوة حرارة ماء آخر كما لا أثر لذلك الآخر في كسر قوة برده، وقس على هذه كلما أجرى الله تعالى عادته أن يوجد عنده شيئا ولتعلم أنه من الله بدءًا بلا واسطة ولا أثر فيه لتلك الأشياء المقارنة له لا بطبعها ولا بقوة أو خاصية جعلها الله تعالى فيها كما يعتقد كثير من الجهلة.
وقد ذكر غير واحد من محققي الأئمة الاتفاق على كفر من اعتقد تأثير تلك الأشياء بطبعها والخلاف في كفر من اعتقد أن تأثيرها بقوة أو خاصية جعلها الله تعالى فيها وإن نزعها لم تؤثر.
فقد عرفت بهذه الجمل ما يجب في حقه تعالى وما يستحيل.
بــــا ـــــــــــــب ما يجوز في حقه تعالى وبيان الدليل على عدم وجوب مراعاته تعالى الصلاح والأصلح لخلقه وأن ما وقع من ذلك بمحض اختياره تعالى تفضلا منه جل وعز وبيان جواز رؤيته تعالى وما يتعلق بذلك
وأما الجائز فهو كل فعل من أفعاله تعالى لا يجب عليه منه شيء ولا مراعاة صلاح والأصلح وإلا لما وقعت محنة دنيا ولا أخرى ولا تكليف بأمر ولا نهي.
ومن الجائزات رؤية المخلوق له تعالى في غير جهة ولا مقابلة إذ كما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك لهم في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى على ما هو عليه من غير جهة ولا مقابلة كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعيونهم أو في غيرها يسمى ذلك الإدراك البصر يتعلق به تعالى على ما يليق به وقد أخبر بوقوع ذلك الشرع في حق المؤمنين في الآخرة فوجب الإيمان به.
والرؤية عند أهل الحق لا تستدعي بُنية ولا جهة ولا مقابلة وإنما تستدعي مطلق محل تقوم به فقط وليست بانبعاث أشعة من العين ولا يمنع ذلك منها قرب ولا بعد مفرطان ولا حجاب كثيف كما لا يمنع ذلك من العلم وما تقرر من الموانع في الشاهد فبمحض اختيار الله تعالى أن يحجب عندها لا بها وإنما الموانع عند أهل الحق أعراض مضادة للبصر تقوم بجوهر فرد من العين بحسب العادة وتتعدد بحسب ما فات من المرئيات كما أن البصر بالنسبة إلينا عرض يقوم بذلك الجوهر الفرد من العين عادة ويتعدد بحسب ما رُئي من المبصرات.
يتبع
تعليق