[ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم
شرح (جوهرة التوحيد للعالم العلامة الشيخ إبراهيم اللقاني)[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]هذا الشرح عبارة عن مجموعة من الدروس ألقاها الأستاذ المحقق سيدي سعيد فودة حفظه الله تعالى ونفع به وبعلمه، ورزقنا دوام صحبته، وأسأل الله أن ينفع بهذه الدروس.
قال الشيخ سعيد:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا؛ إنك أنت العليم الحكيم، آمين.
سنبدأ اليوم في دراسة وشرح متن شرج جوهرة التوحيد، للعلامة اللقاني، وهو من المتون المشهورة عند أهل السنة، يحتوي على مقاصد علم التوحيد ومعظم قواعده النافعة، ويحتوي أيضاً على ملحقات لهذا العلم كشيء من علم التصوف، وبعض الملحقات في علم التوحيد، وهو علم أصول الدين.
هذا النظم مكتوب على بحر الرجز لتسهيل حفظه واستظهاره، مؤلِّف هذا النظم هو العلامة اللقاني من علماء القرن الحادي عشر، توفي سنة 1041 هـ، وهو من العلماء الأفذاذ، مالكي المذهب، كان من العلماء المقتدى بهم في علم التوحيد، وهو بحر في العلوم.
سوف نستعين أيضاً بقراءة بعض العبارات من حاشية العلامةِ البيجوري، والإمامُ البيجوري من علماء الشافعية المتأخرين، وهو عالم مشهور، له كثير من الكتب في الفقه والمنطق وعلم المعاني والنحو، وغيرها من العلوم.
استفاد كثيرٌ من أهل العلم من كتبه المختصرة والمطوَّلة، وعبارتُه غالباً رائعة لطيفة، ليست صعبةً، سلسة بخلاف كثير من العلماء غيره.
سنبدأ الآن بقراءة بعض الأبيات من المتن، ثم شرحها.
بدأ الناظم بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
طبعاً الكلام في البسملة معروف عند الشرّاح وعند أهل العلم، ولكن نتكلم على بعض ما يدور حولها بما يناسب هذا العلم بإذن الله سبحانه وتعالى.
الباء في قوله: (بسم) إما أن تكون للاستعانة، أو للاستصحاب، أو غير ذلك، ولكن الذي يهمنا هو أن حرف الباء لا بد له من متعلَّق، أي لا بد له من أمر يتعلق به، والأمر الذي يتعلق به لا بد أن يكون كلمة، إما أن تكون مصدراً أو فعلاً، أو مشتقاً فيه معنى الفعلية.
لا يصح أن يكون في هذا المحل اسم جامد، لا بد أن تكون الباء متعلقة بكلمة فيها حركة، والكلمة التي فيها حركة إما أن تكون فعلاً أو مصدراً، وإما أن تقدّر هذه الكلمة قبل الباء أو بعدها.
غالباً تقدّر هذه الكلمة بحسب ما يليق من الأفعال التي تريد أن تشرع بها حين قولك: بسم الله الرحمن الرحيم، بمعنى أنك إذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم عند الأكل، يكون قصدك: باسم الله الرحمن الرحيم آكُل، أي أستصحب وأستعين باسم الله الرحمن الرحيم في أكلي، أو أن تقول: آكل بسم الله الرحمن الرحيم، وعندما تقرأ تقول: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، وكذلك عندما تكتب، وهكذا .... فيقدر من الاسم ما يليق بالأمر الذي أنت مقدِم عليه.
فالاستعانة لا إشكال في أن يستعين الإنسان باسم الله تعالى، كما أنه لا إشكال في أن يستعين بالله؛ لأن الاسم دالّ على المسمى، فلا إشكال ولا كراهة بأن تقدّر أيّاً من المعنيين.
(الله): عَلَم على الذات الواجب الوجود.
ما معنى العَلَم؟
الأسماء في اللغة منها أعلام ومنها غير أعلام، والعَلَم: كلمة وُضعت للدلالة على الذات، كما يسمي بعض الناس ابنه محمداً، أو زيداً، أو عمراً، هذا يعني أنهم جعلوا هذا الاسم دالاً على هذه الذات.
فلفظ الجلالة (الله) عَلَم على الذات، أي وضع للدلالة على الذات، والعلماء يقولون: (وُضع) أدباً، فالذات (الحضرة الإلهية) يجب أن نحترمها عندما نتكلم في حقها سواء من حيث الأحكام، أو من حيثية أخرى، فيجب أن نكون في غاية الأدب عندما نتكلم في هذا المعنى.
(الرحمن الرحيم): سنتكلم على معنى الرحمة في محله إن شاء الله تعالى، ولكن (الرحمن الرحيم) هما صفتان مشبهتان من رَحِمَ يَرْحَمُ.
رحمن، رحيم: على وزن فعلان وفعيل، إحداهما أبلغ من الأخرى. والعلماء يذكرون كلاماً يمكن أن ترجعوا إليه، ما نريده هنا هو أن (الرحمن) اسم مشتق من الرحمة، يصدق على الذات الإلهية حال ملاحظتنا صدور فعل منها، أو قبل ملاحظتنا ذلك بملاحظة مبدأ ومنشأ هذا الصدور.
كيف؟
يعني أنت تقول: إن الله رحمن رحيم، إما حال ملاحظتك بأن الله سبحانه قادر على أن يرحمك، هذا مقصودنا عندما قلنا: إنك تطلق هذه الصفة على الله سبحانه وتعالى حال ملاحظتك منشأ ومصدر الرحمة.
الرحمة هي عبارة عن فعل من الأفعال، وهي نعمة من النعم التي ينعم الله سبحانه بها على عباده، أيُّ نعمة يُنشئها الله سبحانه ويبتدئُها تكون معتمدة على قدرة الله، أي أن منشأها هو القدرة الإلهية، فأنت عندما تستحضر في ذهنك أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق لا عذاباً بل نعمة، فإذا لاحظت الذات الإلهية من حيث ما هي قادرة على التعذيب يكون الاسم (المنتقم)، او (الجبار)، وإذا لا حظت الذات الإلهية من حيث ما هي قادرة على الإنعام تقول: (رحمن)، (رحيم)، (منعِم).
فاشتقاق الأسماء يكون بحسب ملاحظتك للذات، هي ذات واحدة، المنشأ هو القدرة، لكن متعلقات هذه القدرة هي أفعال تختلف من ذات إلى ذات بحسب الاعتبار، فبعض الأفعال يكون رحمة، وبعضها يكون نِقمة، ومنها يُشتق الاسم.
نحن نقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) قبل أن نشرع في أي فعل أو كلام، يكون هذا إشارة إلى اعتقاد بأنه لا يوجد أي فعل من الأفعال إلا وهو من متعلَّقات رحمة الله سبحانه وتعالى، حتى دراستنا لهذا العلم .. حتى تنفُّسنا .. وحتى وجودنا، فخو من متعلَّقات هذه الرحمة، فهو من متعلقات القدرة الإلهية.
فـ(بسم الله الرحمن الرحيم) نبدأ، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا بأن يعلّمنا، فإن العلم يزيدنا خشية وتقوى، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين.
سؤال (من أحد الحضور): هل إطلاق اسم (الرحمن) على الله حقيقة أم مجاز؟
الجواب: بحَسَب منشأ الاشتقاق، إذا قلتَ: (الرحمن) بمعنى فاعل الرحمة، فإطلاقه على الله سبحانه وتعالى قبل الخلق يكون مجازاً وبعد الخلق يكون حقيقة.
وإذا قلتَ: إن الرحمن هو القادر على الرحمة والإنعام فيكون إطلاقه على الله سبحانه وتعالى دائماً (قبل الخلق وبعد الخلق) حقيقة.
وهكذا كل الصفات التي هي صفات أفعال (صفات دالّة على الأفعال) (أو هي صفات لأفعال الله سبحانه وتعالى) .. كل الصفات التي تكون صفات لأفعال الله إما أن تطلقها من باب الحقيقة بملاحظة استناد هذه الصفات الفعلية إلى صفة حقيقية، وهي القدرة والعلم، أو غير ذلك، أو تطلقها على الله سبحانه وتعالى من باب المجاز قبل الخلق أو بعد الخلق بحسب الاعتبار الذي ذكرته.
قال الناظم رحمه الله:
[poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
الحمدُ للهِ على صِلاتِهِ = ثمَّ سلامُ اللهِ مع صَلاتِهِ
[/poet]الحمدُ للهِ على صِلاته ثمّ سلامُ الله مع صَلاتِهِ الحمدُ (لغةً): هو الثناء: أن تثني على أحد، (الحمد) مصدر فيه معنى الحركة التي ذكرناها سابقاً، (الحمد) هنا بمعنى الفعل، كما لو قلت: أَحْمَدُ.
(الحمدُ) هو في الحقيقة اسم، ولكن فيه معنى الحركة كما قلنا، والحمد منسوب لله سبحانه وتعالى، متوجِّه لله سبحانه وتعالى، أنسِبُه وأُضيفُه لله سبحانه، هذا معنى الكلام.
(الحمد) كما تقول في سورة الفاتحة: [الحمد لله رب العالمين]، معنى (الحمد لله) أن كل ما يُسْتَحَقُّ عليه الثناء والتعظيم والعلو والرفعة فهو منسوب إلى الله سبحانه وتعالى، فهو له سبحانه.
متى يستطيع الإنسان أن يحمد ربَّه؟ متى يستطيع الإنسان أن يثني على ربِّه؟ هل يستطيع الإنسان أن يثني على الله إلا بعد أن يعلم بعض الصفات التي يتصف بها الله سبحانه وتعالى؟
أنت لا تثني على أحد إلا بعد أن تعرف بعض الصفات الحسنة الجميلة في هذا الذي تثني عليه، فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالله ازداد تمكُّن الإنسان وقَوِيَت قدرته على حمد الله، لأن الحمد هو تعريفٌ بالمحامد، وتعريف بالصفات الجميلة، فكلما ازددتَ معرفةً بالله سبحانه وتعالى وبصفاته فإنك تصبح أقدر على حمده، وأقدر على الثناء عليه جلَّ شأنه.
فإذن القائل: [الحمد لله رب العالمين] كلما كان علمه بالله أعلى يكون معنى قوله: [الحمد لله رب العالمين] أقوى؛ لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقرأ الفاتحة، وكان يقول: [الحمد لله رب العالمين]، ونحن كذلك، ولكن هل المعاني التي يريدها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهل الثناء الذي يريده عند قوله: [الحمد لله رب العاليمن] هي المعاني نفسها التي نستحضرها نحن؟
هل المحامد التي تستحضرها أنت هي نفس المحامد التي يستحضرها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما يقول: [الحمد لله رب العالمين]؟
بلا شك، لا.
إذن كلما ازدادت معرفة الإنسان بالله سبحانه وتعالى قويت قدرته على أن يحمد الله، وكلما قويت قدرته على أن يحمد الله استطاع أن يلتزم بالأمر الشرعي، وهو أنه يجب عليه أن يحمد الله، فإذن هنا العلم هو شرط للقدرة على الحمد.
أول شيء ذكر في القرآن بعد البسملة: [الحمد لله رب العالمين]، لم تُقَلْ هكذا، بل المقصود منها أنه يجب عليك أن تحمد الله رب العالمين، وأن تعتقد بنسبة الحمد لله رب العالمين.
فكلما ازداد علمك بالصفات العالية الجليلة تزداد قدرة على تلبية الأمر الشرعي، فإذن العلم هو الذي يعطيك القدرة على أن تحمد الله سبحانه وتعالى.
لا شكّ أن أيَّ إنسان مؤمن عنده تصوّر معين، وعنده معلومات معينة في ذهنه عن الله سبحانه وتعالى، وهدفنا في هذا العلم أن تتقوى معلوماتنا عن الله سبحانه، وأن تزداد معرفتنا لله، لكي نستطيع أن نحمده جلَّ شأنه، فيكون العلم سبباً للعمل، وأول العمل بعد الاعتقاد هو الكلام، ثم بعد ذلك بناء الأفعال الحسية عليه.
إذا خرجنا من هذا الكتاب بعد أن ننتهي منه كما دخلنا لا نكون استفدنا شيئاً. الآن ليستحضر كل واحد مقدار علمه بالله تعالى، ومقدار قدرته على أن يحمد الله جلَّ شأنه، وليستحضر قدرته بعد أن ننتهي من هذا الكتاب، إذا كانت هي نفسها نكون قد أضعنا وقتنا بلا فائدة، وإذا استطعنا عندما نقول: (الحمد لله) بعد انتهائنا من هذا الكتاب أن نستحضر معاني جليلية وعميقة وقوية ومفيدة تشعرنا بمعنى الحمد وقيمته أكثر مما نعرفه الآن، فنحن بتوفيق الله سبحانه وتعالى نكون قد استفدنا شيئاً من هذا الدرس.
لا أريد أن أتكلم على بعض التفريعات مثل معنى اللام التي في (الحمد)، وغير ذلك، بل نريد أن نقول: إن الإنسان عندما يريد أن يحمد الله يجب أن يستحضر كل ما يقدر عليه من الحمد إما تفصيلاً أو إجمالاً .. كل ما يستطيع أن يستحضره من معانٍ جميلة وصفاتٍ عالية يجب أن يستحضره عندما يقول: (الحمد لله).
بهذا المعنى نحن ندمج معنى (الاستغراق) و(الجنس) معاً، عندما نقول: (الحمد لله) يجب أن تستحضر ما تعلمه عن الله تعالى، ثم تنسبه له، وكذلك عندما تقرأ الفاتحة، وكلما استحضرت معاني الكلمات وتأملت في معانيها تشعر بلذة الصلاة.
(الصِّلة): هي فعل من الأفعال الحسنة التي تفيد القرب من الله سبحانه وتعالى.
أنا أَصِلُ فلاناً: أي أفعلُ له فعلاً يقربني إليه، فالله سبحانه وتعالى فعل لنا أفعالاً كثيرة تقربنا منه، فنحن نحمد الله سبحانه وتعالى على هذه الأفعال التي تقربنا منه جلَّ شأنه، فهذه هي الصلات: هي أمور تقربنا منه سبحانه وتعالى، ونحن نحمد الله على هذه الأفعال.
قال العلامة البيجوري رحمه الله تعالى: "والحمد (لغةً): الثناء بالكلام على الجميل الاختياري، على جهة التبجيل والتعظيم، سواء أكان في مقابل نعمة أم لا".
هذا تعريف الحمد لغة، "الثناء بالكلام على جميل اختياري"، أي على فعل قدّمه لك الفاعل باختياره، ليس واجباً عليه، إذا كان الفاعل يجب عليه هذا الفعل فهو لا يستحق الحمد، ولكن إذا فعل ما ليس بواجب عليه، بل فعله على سبيل التفضّل والإنعام وكان هذا الفعل خير لك فإنك تقول: سأحمده، أي أثني عليه على الجميل الذي فعله، وهذا الجميل صدر منه اختياراً لا جبراً.
"على جهة التبجيل والتعظيم": تذكرُ هذا الثناء لا على وجه الاستخفاف أو اللمز، وإنما على جهة التعظيم، فيجب أن تكون الصيغة عندما تحمد الله صيغة تعظيم، وأن تستحضر جميع الأفعال التي هي خير لك وتنسبها إلى الله تعالى مثنياً عليه جلَّ شأنه بها، على جهة التعظيم والتبجيل، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، حتى لو أنعم على غيرك فأنت تحمده على ذلك أيضاً.
قال العلامة البيجوري: "وأما الحمد اصطلاحاً فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم من حيث كونه منعِماً على الحامد أو غيره، سواء كان ذلك قولاً باللسان أو اعتقاداً بالجنان أو عملاً بالأركان".
هذا التعريف هو نفس التعريف اللغوي، ولكنه مخصَّص أكثر؛ لأن ـ كما تعلمون ـ كل المعاني الاصطلاحية التي استعملها العلماء في علومهم لا بد أن يكون لها أصل في اللغة، لا يوجد اصطلاح من المصطلحات التي استخدمها العلماء من دون أن يكون له أصل في اللغة.
كثير من الناس يعتقدون أن العلماء استحدثوا هذه الألفاظ ولم يكن لها سابقة تستعمل فيها باللغة، ولكن هذا اعتقاد غير صحيح.
العلماء لم يستعملوا لفظاً إلا إذا كان هناك بينه وبين الأصل اللغوي المأخوذ منه مناسبة، فيخصصونه أو يعممونه، أو غير ذلك، والأمر عموماً كذلك إلا في بعض الألفاظ والمصطلحات المستحدثة استحداثاً، وهذه منصوص عليها وهي قليلة، ولكن الأصل أن كل معنى في أيّ علم من العلوم استعمله العلماء كمصطلح في هذا العلم لا بد أن يكون بين هذا المصطلح وبين الكلمة الأصل في اللغة مناسبة في المعنى.
قوله: "سواء كان ذلك قولاً باللسان ... ": الحمد في الحقيقة يشمل كل شيء، ما تحسّ به وتقوله في نفسك، ويشمل ما تتلفظ به بلسانك وعمل الجوارح، فعبادتك لله وصلاتك وزكاتك وجهادك ... إلخ عبارة عن طريقة من طرق الحمد.
الكلام: مثل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وتعليم الناس، كلامك مع إخوتك كلاماً حسناً، الفصل بين المختلفين بكلام جيد .. إلخ، هذا كله عبارة عن طرق من طرق الحمد، كذلك الاعتقاد الصحيح هو حمد لله سبحانه وتعالى.
سؤال (من أحد الحضور): لم ألاحظ فرقاً بين المعنى اللغوي والاصطلاحي؟
الجواب: الفرق الأكبر أنه قال في المعنى اللغوي: "الثناء بالكلام"، وهنا قال في المعنى الاصطلاحي: "فعل"، فالحمد في الشريعة صار فعلاً، من ضمن الكلام، فصار من هذه الناحية عموم وخصوص.
اعتاد العلماء على أنهم حين يتكلمون على الحمد يتكلمون على الشكر أيضاً، ومن هذا الباب قال: "الشكر (لغة) هو الحمد اصطلاحاً، لكن بإبدال الحامد بالشاكر، و(اصطلاحاً): صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله"، هذا قريب جداً من معنى الحمد اصطلاحاً.
إذن بعد هذا الكلام، فإن معنى الحمد في قول الناظم: "الحمد لله على صِلاته": أن تثني على الله سبحانه من أجل ما أنعم الله به عليك.
كل شيء تتصوره عندما تعرف مقدار النعم التي خلقها الله لأجلك، من أجل هذا تثني على الله سبحانه وتعالى، معنى هذا أنه كلما استطاع الإنسان أن يتعمق في معرفة الخلق وفي معرفة المخلوقات تزداد قدرته على الثناء على الله سبحانه وتعالى، وتزداد قدرته على حمده.
إذن لو استطعنا الآن أن نفهم كيف أن العالم خُلق من عدم .. إذا استطعنا أن نتصور أن العالم لم يكن شيئاً ثم كان .. إذا استطعنا أن تتصور أنت أيها الإنسان أنه لم يكن هناك شيء يوجب على الله أن يخلقك على هذا الشكل، ولكنه خلقك .. إذا استطعنا أن نتصور أن الأرض كان من الممكن أن تكون على هيئة أخرى، لكنها وجدت على هذه الهيئة وهذه الصورة كي تكون في مصلحتك .. إذا استطعنا استحضار كثير من المعاني مما عظُم أو صغُر فإنك بعد ذلك تستطيع أن تقول: الحمد لله رب العالمين .. الحمد لله على صِلاته؛ لأن كل هذه الأمور عبارة عن نِعم أنعم الله تعالى بها علينا، وهي صلة بينك وبين الله سبحانه وتعالى. مَن أدرك حقيقة هذه الأمور على أنها تفضّل من الله سبحانه وتعالى فإنه يحمده بملء قلبه.
عادةً العلمُ يُبدأ به من ناحية إجمالية ثم بالتفصيل، الآن نحن نعرّف المفهوم الإجمالي للحمد، بعد ذلك سوف نذكر أن الله سبحانه وتعالى قادر، هذه بعض الأمور التي يُحمد الله سبحانه عليها، ونذكر أن الله سبحانه وتعالى خلقنا من العدم كما ذكرنا قبل قليل، هذه سوف تكون من مسائل هذا الكتاب، فكل ما نذكره ونشرحه في ضمن هذا الكتاب فالله سبحانه وتعالى يستحق الحمد لأجله.
فنحن إذن نذكر المعنى الإجمالي للحمد في البداية، المعنى الإجمالي لأن الله خلق لك أشياء في منفعتك، هذا معنى إجمالي وليس تفصيلياً، وبعد ذلك نحن نعدّ أعظم هذه الأشياء، نفصّل في شيء شيء منها، وبعد ذلك نجد أن المصنف في نهاية الأرجوزة يحمد الله على إتمام هذا النظم على هذه الصورة.
فهو يبتدئ بالحمد وينتهي بالحمد، لكننا الآن نتصور بعض المعاني، مثل أن الله خلقنا ونفعنا، ولكن ما معنى الخلق ولماذا خلقنا؟ هل هناك شيء أوجب عليه أن يخلقنا؟ ما وظيفتنا في هذه الحياة؟ كل ذلك نحن لا نتصوره الآن تصوراً تفصيلياً، بل نتصوره تصوراً إجمالياً، فبقدر هذا الإجمال نحمد الله، ولكن عند معرفة حقائق هذه القواعد الدينية يصبح الحمد تفصيلياً، والتفصيل أكمل، لذلك فالعلماء نازعوا الفلاسفة في إنكارهم العلم التفصيلي.
الفلاسفة أثبتوا العلم الإجمالي لله تعالى، ولكن العلماء قالوا لهم: لا يكفي أن تثبتوا العلم الإجمالي؛ لأن العلم الإجمالي يمكن أن يثبت لأيٍّ كان، لكن الكمال في العلم التفصيلي.
وهذه حقيقة العلم .. حقيقة العلم ليس معرفة التعريف، بل معرفة المسائل التفصيلية، فكلما ازداد الإنسان معرفة بالمسائل التفصيلية يزداد علمه.
قال: "ثم سلام الله مع صَلاته": السلام هو ـ كما تقول ـ: السلام عليكم، المقصود بالسلام هنا التحية والتعظيم، بعض العلماء قالوا: التأمين، أي أن الإنسان يؤمِّن الله سبحانه وتعالى للمسلَّم عليه، فحين تقول: السلام، يعني: الأمان، ولكن هي في الحقيقة تحية يراد منها التعظيم، وقد يراد الأمان، ولكن هنا لما علق سلام الله وصلاته مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ آمِنٌ مؤمَّن، فلا داعي أن نقول: إن السلام هنا معناه الأمان لإمكان أن يتبادر إلى الذهن أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير آمِن ثم نحن نطلب له الأمان، ولكن هذا لا إشكال فيه.
فحين يقول الإنسان: الحمد لله، لا يتبادر إلى الذهن أن الحمد لغير الله وأنت تثبته لله، بل الحمد مقصود أصالة لله، وثابت أصالة لله، وأنت تثبته لله، فالسلام ثابت للرسول وأنت تثبته للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من دون شكّ يسبقه. ولكن حتى هذا الكلام تنبّه له العلماء ودققوا في مثل هذه التفريعات.
عندما تقول لشخص: السلام عليك، فهذا يعني أنك أمّنته، بعد هذا لا يصح منك عرفاً أن تقاتله، فهذا يبطل أيّ عداوة مسبقة.
فحين تقول: ثم سلام الله مع صَلاته، قال بعض الناس: إنه قد يتبادر إلى الذهن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير مؤمَّن وأنتَ تطلب الأمان له، فلهذا الوهم قالوا: لا يجوز للإنسان أن يقول إن السلام هنا بمعنى الأمان، بل هو تحية يراد منها التعظيم.
ولكن لا إشكال كبيراً في هذا.
(الصلاة): في أصل الاشتقاق اللغوي من الصِّلة أو الوصل، عادة يقول العلماء: الصلاة من الله لها معنى، ومن الملائكة لها معنى، ومن الناس لها معنى، فالصلاة من الله هي الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس الدعاء.
حين تقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فهذا دعاء منك للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن الملائكة هو استغقار، والاستغفار جزء من الدعاء. أما الله سبحانه وتعالى فلا يدعو أحداً؛ لأن الدعاء طلبٌ من أدنى إلى أعلى، أما الطلب من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر يستلزم الإيجاب، فلا يقال إن الله تعالى يدعو، فتُفهم الصلاة حين نقرأ: [إن الله وملائكته يصلون على النبي] صلاة الله على النبي ليست دعاءً، وإنما هي رحمة، والرحمة هي فعل فيه منفعة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإعلاء رتبة. والصلاة من الملائكة بمعنى أنهم يستغفرون للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويطلبون رفع مقامه، وكذلك من المؤمنين.
لكل ما ذكرنا قال العلامة البيجوري: "وإنْ شئت قلتَ ـ وهو الأخصر - : هي من الله الرحمة، ومن غيره الدعاء" مطلقاً. قال: "واختار ابن هشام في مغنيه أنها العَطْفُ بفتح العين، وهو بالنسبة لله الرحمة .. إلخ".
معروف مَن هو ابن هشام، هو من كبار النحويين المتأخرين، وهو من العلماء الذين أفادوا هذا العلم بنوع من التجديد، فله طريقة خاصة، وكتبه مشهورة مع سلاستها ووضوحها.
و(مغنيه) هو مغني اللبيب، وهو من كتب النحو العظيمة، كل قسم منه له فوائد عظيمة جداً، وما قام به ابن هشام في هذا الكتاب عمل عظيم جداً.
(أنها العَطْفُ): معنى العَطْف المَيْلُ، انعطفتُ نحو فلان: مِلْتُ، مُنْعَطَفٌ يعني ميلان. . . العطف هو الميل.
لاحظ كيف الاشتقاق: الصلاة هي صلة وعطف وميل، أنت تصلي لله، أي تميل نحو الله سبحانه وتعالى، أو تنعطف نحو الله، فيجب في صلاتك أن تكون في صلة، بمعنى العطف والميل والانحناء والتوجه نحو الله.
التوجه والعطف والانحناء هو الأصل اللغوي لكلمة (صلاة)، فكما تعلمون فإن كل كلمة ترجع غالباً إلى معنى واحد وإنْ استعملت في مصاديق مختلفة، وهذا هو الأصل: أن ترجع إلى معنى واحد، وهناك من يقول: يمكن أن ترجع إلى معنيين أو ثلاثة. والأصل أن ترجع الكلمة إلى معنى واحد؛ لأن الأصل عدم الاشتراك، يعني أن الأصل أن لا يكون للفظ إلا معنى واحد، ولكن يوجد اشتراك، ولكن هذا نادر.
الأصل في الكلمة أن يكون لها معنى واحد، وهذا أصل عظيم جداً، وهذه قاعدة مهمة جداً، ومَن ادّعى أن كلمة لها معنيان فعليه أن يأتي بالدليل، ولكن لا يخلو أن تُستعمل الكلمة في مصاديق مختلفة، وفي جهات مختلفة، فتعدُّد المصاديق غير مستَنْكَر، ولكن تعدد المعنى خلاف الأصل، والفرق بين المصداق والمعنى سيأتي فيما بعد. وبناء على هذا تنحلّ كثير من الإشكالات حول كثير من المسائل في النصوص.
فمثلاً هنا نقول: الأصل في الصلاة الميل، ميل الله نحو فلان، استُعمل في مصداق معين، وهو أن يرحم الله فلاناً، أي أن يخلق له فعلاً فيه منفعة لهذا الشخص.
فالله يرحم فلاناً أو يصلي على فلانٍ إذا أكرمه ونعّمه ورفع من درجته، فحين تقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فهذا معناه: اللهم مِلْ عليه واحنُ عليه واعطف عليه، ما معنى: مِلْ إليه؟ معناه: أنعِم عليه نعماً عظيمة تليق بمقامه. إذن أصل الميل والعطف أُطلق على المصداق وهو خلق النعمة.
الصلاة من الملائكة تعني الاستغفار، فالملائكة يصلون على الناس أو على سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمعنى يميلون إليهم، أي يستغفرون.
فأُطلقت الصلاة وأُريد الميل على مصداق الاستغفار، والمؤمنون يصلون لله، وهذه الصلاة ميل نحو الله عبادةً له ودعاءً، فكلٌّ له انعطاف يناسبه، ولاختلاف هذه المصاديق تتعدى كلمة الصلاة بحروف جرّ مختلفة.
(صليتُ على فلان) تختلف عن (صليت لله)، فالميلُ (على) فلان دعاءٌ، والميلٌ (لـ) الله عبادةٌ، فتتعدى بأحرف جرّ مختلفة بناء على المعنى الذي تريده. ويزداد هذا رسوخاً بدراسة علم النحو والمعاني.
يتبع في الدرس القادم.[/ALIGN]
شرح (جوهرة التوحيد للعالم العلامة الشيخ إبراهيم اللقاني)[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]هذا الشرح عبارة عن مجموعة من الدروس ألقاها الأستاذ المحقق سيدي سعيد فودة حفظه الله تعالى ونفع به وبعلمه، ورزقنا دوام صحبته، وأسأل الله أن ينفع بهذه الدروس.
قال الشيخ سعيد:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا؛ إنك أنت العليم الحكيم، آمين.
سنبدأ اليوم في دراسة وشرح متن شرج جوهرة التوحيد، للعلامة اللقاني، وهو من المتون المشهورة عند أهل السنة، يحتوي على مقاصد علم التوحيد ومعظم قواعده النافعة، ويحتوي أيضاً على ملحقات لهذا العلم كشيء من علم التصوف، وبعض الملحقات في علم التوحيد، وهو علم أصول الدين.
هذا النظم مكتوب على بحر الرجز لتسهيل حفظه واستظهاره، مؤلِّف هذا النظم هو العلامة اللقاني من علماء القرن الحادي عشر، توفي سنة 1041 هـ، وهو من العلماء الأفذاذ، مالكي المذهب، كان من العلماء المقتدى بهم في علم التوحيد، وهو بحر في العلوم.
سوف نستعين أيضاً بقراءة بعض العبارات من حاشية العلامةِ البيجوري، والإمامُ البيجوري من علماء الشافعية المتأخرين، وهو عالم مشهور، له كثير من الكتب في الفقه والمنطق وعلم المعاني والنحو، وغيرها من العلوم.
استفاد كثيرٌ من أهل العلم من كتبه المختصرة والمطوَّلة، وعبارتُه غالباً رائعة لطيفة، ليست صعبةً، سلسة بخلاف كثير من العلماء غيره.
سنبدأ الآن بقراءة بعض الأبيات من المتن، ثم شرحها.
بدأ الناظم بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
طبعاً الكلام في البسملة معروف عند الشرّاح وعند أهل العلم، ولكن نتكلم على بعض ما يدور حولها بما يناسب هذا العلم بإذن الله سبحانه وتعالى.
الباء في قوله: (بسم) إما أن تكون للاستعانة، أو للاستصحاب، أو غير ذلك، ولكن الذي يهمنا هو أن حرف الباء لا بد له من متعلَّق، أي لا بد له من أمر يتعلق به، والأمر الذي يتعلق به لا بد أن يكون كلمة، إما أن تكون مصدراً أو فعلاً، أو مشتقاً فيه معنى الفعلية.
لا يصح أن يكون في هذا المحل اسم جامد، لا بد أن تكون الباء متعلقة بكلمة فيها حركة، والكلمة التي فيها حركة إما أن تكون فعلاً أو مصدراً، وإما أن تقدّر هذه الكلمة قبل الباء أو بعدها.
غالباً تقدّر هذه الكلمة بحسب ما يليق من الأفعال التي تريد أن تشرع بها حين قولك: بسم الله الرحمن الرحيم، بمعنى أنك إذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم عند الأكل، يكون قصدك: باسم الله الرحمن الرحيم آكُل، أي أستصحب وأستعين باسم الله الرحمن الرحيم في أكلي، أو أن تقول: آكل بسم الله الرحمن الرحيم، وعندما تقرأ تقول: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، وكذلك عندما تكتب، وهكذا .... فيقدر من الاسم ما يليق بالأمر الذي أنت مقدِم عليه.
فالاستعانة لا إشكال في أن يستعين الإنسان باسم الله تعالى، كما أنه لا إشكال في أن يستعين بالله؛ لأن الاسم دالّ على المسمى، فلا إشكال ولا كراهة بأن تقدّر أيّاً من المعنيين.
(الله): عَلَم على الذات الواجب الوجود.
ما معنى العَلَم؟
الأسماء في اللغة منها أعلام ومنها غير أعلام، والعَلَم: كلمة وُضعت للدلالة على الذات، كما يسمي بعض الناس ابنه محمداً، أو زيداً، أو عمراً، هذا يعني أنهم جعلوا هذا الاسم دالاً على هذه الذات.
فلفظ الجلالة (الله) عَلَم على الذات، أي وضع للدلالة على الذات، والعلماء يقولون: (وُضع) أدباً، فالذات (الحضرة الإلهية) يجب أن نحترمها عندما نتكلم في حقها سواء من حيث الأحكام، أو من حيثية أخرى، فيجب أن نكون في غاية الأدب عندما نتكلم في هذا المعنى.
(الرحمن الرحيم): سنتكلم على معنى الرحمة في محله إن شاء الله تعالى، ولكن (الرحمن الرحيم) هما صفتان مشبهتان من رَحِمَ يَرْحَمُ.
رحمن، رحيم: على وزن فعلان وفعيل، إحداهما أبلغ من الأخرى. والعلماء يذكرون كلاماً يمكن أن ترجعوا إليه، ما نريده هنا هو أن (الرحمن) اسم مشتق من الرحمة، يصدق على الذات الإلهية حال ملاحظتنا صدور فعل منها، أو قبل ملاحظتنا ذلك بملاحظة مبدأ ومنشأ هذا الصدور.
كيف؟
يعني أنت تقول: إن الله رحمن رحيم، إما حال ملاحظتك بأن الله سبحانه قادر على أن يرحمك، هذا مقصودنا عندما قلنا: إنك تطلق هذه الصفة على الله سبحانه وتعالى حال ملاحظتك منشأ ومصدر الرحمة.
الرحمة هي عبارة عن فعل من الأفعال، وهي نعمة من النعم التي ينعم الله سبحانه بها على عباده، أيُّ نعمة يُنشئها الله سبحانه ويبتدئُها تكون معتمدة على قدرة الله، أي أن منشأها هو القدرة الإلهية، فأنت عندما تستحضر في ذهنك أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق لا عذاباً بل نعمة، فإذا لاحظت الذات الإلهية من حيث ما هي قادرة على التعذيب يكون الاسم (المنتقم)، او (الجبار)، وإذا لا حظت الذات الإلهية من حيث ما هي قادرة على الإنعام تقول: (رحمن)، (رحيم)، (منعِم).
فاشتقاق الأسماء يكون بحسب ملاحظتك للذات، هي ذات واحدة، المنشأ هو القدرة، لكن متعلقات هذه القدرة هي أفعال تختلف من ذات إلى ذات بحسب الاعتبار، فبعض الأفعال يكون رحمة، وبعضها يكون نِقمة، ومنها يُشتق الاسم.
نحن نقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) قبل أن نشرع في أي فعل أو كلام، يكون هذا إشارة إلى اعتقاد بأنه لا يوجد أي فعل من الأفعال إلا وهو من متعلَّقات رحمة الله سبحانه وتعالى، حتى دراستنا لهذا العلم .. حتى تنفُّسنا .. وحتى وجودنا، فخو من متعلَّقات هذه الرحمة، فهو من متعلقات القدرة الإلهية.
فـ(بسم الله الرحمن الرحيم) نبدأ، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا بأن يعلّمنا، فإن العلم يزيدنا خشية وتقوى، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين.
سؤال (من أحد الحضور): هل إطلاق اسم (الرحمن) على الله حقيقة أم مجاز؟
الجواب: بحَسَب منشأ الاشتقاق، إذا قلتَ: (الرحمن) بمعنى فاعل الرحمة، فإطلاقه على الله سبحانه وتعالى قبل الخلق يكون مجازاً وبعد الخلق يكون حقيقة.
وإذا قلتَ: إن الرحمن هو القادر على الرحمة والإنعام فيكون إطلاقه على الله سبحانه وتعالى دائماً (قبل الخلق وبعد الخلق) حقيقة.
وهكذا كل الصفات التي هي صفات أفعال (صفات دالّة على الأفعال) (أو هي صفات لأفعال الله سبحانه وتعالى) .. كل الصفات التي تكون صفات لأفعال الله إما أن تطلقها من باب الحقيقة بملاحظة استناد هذه الصفات الفعلية إلى صفة حقيقية، وهي القدرة والعلم، أو غير ذلك، أو تطلقها على الله سبحانه وتعالى من باب المجاز قبل الخلق أو بعد الخلق بحسب الاعتبار الذي ذكرته.
قال الناظم رحمه الله:
[poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
الحمدُ للهِ على صِلاتِهِ = ثمَّ سلامُ اللهِ مع صَلاتِهِ
[/poet]الحمدُ للهِ على صِلاته ثمّ سلامُ الله مع صَلاتِهِ الحمدُ (لغةً): هو الثناء: أن تثني على أحد، (الحمد) مصدر فيه معنى الحركة التي ذكرناها سابقاً، (الحمد) هنا بمعنى الفعل، كما لو قلت: أَحْمَدُ.
(الحمدُ) هو في الحقيقة اسم، ولكن فيه معنى الحركة كما قلنا، والحمد منسوب لله سبحانه وتعالى، متوجِّه لله سبحانه وتعالى، أنسِبُه وأُضيفُه لله سبحانه، هذا معنى الكلام.
(الحمد) كما تقول في سورة الفاتحة: [الحمد لله رب العالمين]، معنى (الحمد لله) أن كل ما يُسْتَحَقُّ عليه الثناء والتعظيم والعلو والرفعة فهو منسوب إلى الله سبحانه وتعالى، فهو له سبحانه.
متى يستطيع الإنسان أن يحمد ربَّه؟ متى يستطيع الإنسان أن يثني على ربِّه؟ هل يستطيع الإنسان أن يثني على الله إلا بعد أن يعلم بعض الصفات التي يتصف بها الله سبحانه وتعالى؟
أنت لا تثني على أحد إلا بعد أن تعرف بعض الصفات الحسنة الجميلة في هذا الذي تثني عليه، فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالله ازداد تمكُّن الإنسان وقَوِيَت قدرته على حمد الله، لأن الحمد هو تعريفٌ بالمحامد، وتعريف بالصفات الجميلة، فكلما ازددتَ معرفةً بالله سبحانه وتعالى وبصفاته فإنك تصبح أقدر على حمده، وأقدر على الثناء عليه جلَّ شأنه.
فإذن القائل: [الحمد لله رب العالمين] كلما كان علمه بالله أعلى يكون معنى قوله: [الحمد لله رب العالمين] أقوى؛ لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقرأ الفاتحة، وكان يقول: [الحمد لله رب العالمين]، ونحن كذلك، ولكن هل المعاني التي يريدها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهل الثناء الذي يريده عند قوله: [الحمد لله رب العاليمن] هي المعاني نفسها التي نستحضرها نحن؟
هل المحامد التي تستحضرها أنت هي نفس المحامد التي يستحضرها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما يقول: [الحمد لله رب العالمين]؟
بلا شك، لا.
إذن كلما ازدادت معرفة الإنسان بالله سبحانه وتعالى قويت قدرته على أن يحمد الله، وكلما قويت قدرته على أن يحمد الله استطاع أن يلتزم بالأمر الشرعي، وهو أنه يجب عليه أن يحمد الله، فإذن هنا العلم هو شرط للقدرة على الحمد.
أول شيء ذكر في القرآن بعد البسملة: [الحمد لله رب العالمين]، لم تُقَلْ هكذا، بل المقصود منها أنه يجب عليك أن تحمد الله رب العالمين، وأن تعتقد بنسبة الحمد لله رب العالمين.
فكلما ازداد علمك بالصفات العالية الجليلة تزداد قدرة على تلبية الأمر الشرعي، فإذن العلم هو الذي يعطيك القدرة على أن تحمد الله سبحانه وتعالى.
لا شكّ أن أيَّ إنسان مؤمن عنده تصوّر معين، وعنده معلومات معينة في ذهنه عن الله سبحانه وتعالى، وهدفنا في هذا العلم أن تتقوى معلوماتنا عن الله سبحانه، وأن تزداد معرفتنا لله، لكي نستطيع أن نحمده جلَّ شأنه، فيكون العلم سبباً للعمل، وأول العمل بعد الاعتقاد هو الكلام، ثم بعد ذلك بناء الأفعال الحسية عليه.
إذا خرجنا من هذا الكتاب بعد أن ننتهي منه كما دخلنا لا نكون استفدنا شيئاً. الآن ليستحضر كل واحد مقدار علمه بالله تعالى، ومقدار قدرته على أن يحمد الله جلَّ شأنه، وليستحضر قدرته بعد أن ننتهي من هذا الكتاب، إذا كانت هي نفسها نكون قد أضعنا وقتنا بلا فائدة، وإذا استطعنا عندما نقول: (الحمد لله) بعد انتهائنا من هذا الكتاب أن نستحضر معاني جليلية وعميقة وقوية ومفيدة تشعرنا بمعنى الحمد وقيمته أكثر مما نعرفه الآن، فنحن بتوفيق الله سبحانه وتعالى نكون قد استفدنا شيئاً من هذا الدرس.
لا أريد أن أتكلم على بعض التفريعات مثل معنى اللام التي في (الحمد)، وغير ذلك، بل نريد أن نقول: إن الإنسان عندما يريد أن يحمد الله يجب أن يستحضر كل ما يقدر عليه من الحمد إما تفصيلاً أو إجمالاً .. كل ما يستطيع أن يستحضره من معانٍ جميلة وصفاتٍ عالية يجب أن يستحضره عندما يقول: (الحمد لله).
بهذا المعنى نحن ندمج معنى (الاستغراق) و(الجنس) معاً، عندما نقول: (الحمد لله) يجب أن تستحضر ما تعلمه عن الله تعالى، ثم تنسبه له، وكذلك عندما تقرأ الفاتحة، وكلما استحضرت معاني الكلمات وتأملت في معانيها تشعر بلذة الصلاة.
(الصِّلة): هي فعل من الأفعال الحسنة التي تفيد القرب من الله سبحانه وتعالى.
أنا أَصِلُ فلاناً: أي أفعلُ له فعلاً يقربني إليه، فالله سبحانه وتعالى فعل لنا أفعالاً كثيرة تقربنا منه، فنحن نحمد الله سبحانه وتعالى على هذه الأفعال التي تقربنا منه جلَّ شأنه، فهذه هي الصلات: هي أمور تقربنا منه سبحانه وتعالى، ونحن نحمد الله على هذه الأفعال.
قال العلامة البيجوري رحمه الله تعالى: "والحمد (لغةً): الثناء بالكلام على الجميل الاختياري، على جهة التبجيل والتعظيم، سواء أكان في مقابل نعمة أم لا".
هذا تعريف الحمد لغة، "الثناء بالكلام على جميل اختياري"، أي على فعل قدّمه لك الفاعل باختياره، ليس واجباً عليه، إذا كان الفاعل يجب عليه هذا الفعل فهو لا يستحق الحمد، ولكن إذا فعل ما ليس بواجب عليه، بل فعله على سبيل التفضّل والإنعام وكان هذا الفعل خير لك فإنك تقول: سأحمده، أي أثني عليه على الجميل الذي فعله، وهذا الجميل صدر منه اختياراً لا جبراً.
"على جهة التبجيل والتعظيم": تذكرُ هذا الثناء لا على وجه الاستخفاف أو اللمز، وإنما على جهة التعظيم، فيجب أن تكون الصيغة عندما تحمد الله صيغة تعظيم، وأن تستحضر جميع الأفعال التي هي خير لك وتنسبها إلى الله تعالى مثنياً عليه جلَّ شأنه بها، على جهة التعظيم والتبجيل، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، حتى لو أنعم على غيرك فأنت تحمده على ذلك أيضاً.
قال العلامة البيجوري: "وأما الحمد اصطلاحاً فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم من حيث كونه منعِماً على الحامد أو غيره، سواء كان ذلك قولاً باللسان أو اعتقاداً بالجنان أو عملاً بالأركان".
هذا التعريف هو نفس التعريف اللغوي، ولكنه مخصَّص أكثر؛ لأن ـ كما تعلمون ـ كل المعاني الاصطلاحية التي استعملها العلماء في علومهم لا بد أن يكون لها أصل في اللغة، لا يوجد اصطلاح من المصطلحات التي استخدمها العلماء من دون أن يكون له أصل في اللغة.
كثير من الناس يعتقدون أن العلماء استحدثوا هذه الألفاظ ولم يكن لها سابقة تستعمل فيها باللغة، ولكن هذا اعتقاد غير صحيح.
العلماء لم يستعملوا لفظاً إلا إذا كان هناك بينه وبين الأصل اللغوي المأخوذ منه مناسبة، فيخصصونه أو يعممونه، أو غير ذلك، والأمر عموماً كذلك إلا في بعض الألفاظ والمصطلحات المستحدثة استحداثاً، وهذه منصوص عليها وهي قليلة، ولكن الأصل أن كل معنى في أيّ علم من العلوم استعمله العلماء كمصطلح في هذا العلم لا بد أن يكون بين هذا المصطلح وبين الكلمة الأصل في اللغة مناسبة في المعنى.
قوله: "سواء كان ذلك قولاً باللسان ... ": الحمد في الحقيقة يشمل كل شيء، ما تحسّ به وتقوله في نفسك، ويشمل ما تتلفظ به بلسانك وعمل الجوارح، فعبادتك لله وصلاتك وزكاتك وجهادك ... إلخ عبارة عن طريقة من طرق الحمد.
الكلام: مثل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وتعليم الناس، كلامك مع إخوتك كلاماً حسناً، الفصل بين المختلفين بكلام جيد .. إلخ، هذا كله عبارة عن طرق من طرق الحمد، كذلك الاعتقاد الصحيح هو حمد لله سبحانه وتعالى.
سؤال (من أحد الحضور): لم ألاحظ فرقاً بين المعنى اللغوي والاصطلاحي؟
الجواب: الفرق الأكبر أنه قال في المعنى اللغوي: "الثناء بالكلام"، وهنا قال في المعنى الاصطلاحي: "فعل"، فالحمد في الشريعة صار فعلاً، من ضمن الكلام، فصار من هذه الناحية عموم وخصوص.
اعتاد العلماء على أنهم حين يتكلمون على الحمد يتكلمون على الشكر أيضاً، ومن هذا الباب قال: "الشكر (لغة) هو الحمد اصطلاحاً، لكن بإبدال الحامد بالشاكر، و(اصطلاحاً): صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله"، هذا قريب جداً من معنى الحمد اصطلاحاً.
إذن بعد هذا الكلام، فإن معنى الحمد في قول الناظم: "الحمد لله على صِلاته": أن تثني على الله سبحانه من أجل ما أنعم الله به عليك.
كل شيء تتصوره عندما تعرف مقدار النعم التي خلقها الله لأجلك، من أجل هذا تثني على الله سبحانه وتعالى، معنى هذا أنه كلما استطاع الإنسان أن يتعمق في معرفة الخلق وفي معرفة المخلوقات تزداد قدرته على الثناء على الله سبحانه وتعالى، وتزداد قدرته على حمده.
إذن لو استطعنا الآن أن نفهم كيف أن العالم خُلق من عدم .. إذا استطعنا أن نتصور أن العالم لم يكن شيئاً ثم كان .. إذا استطعنا أن تتصور أنت أيها الإنسان أنه لم يكن هناك شيء يوجب على الله أن يخلقك على هذا الشكل، ولكنه خلقك .. إذا استطعنا أن نتصور أن الأرض كان من الممكن أن تكون على هيئة أخرى، لكنها وجدت على هذه الهيئة وهذه الصورة كي تكون في مصلحتك .. إذا استطعنا استحضار كثير من المعاني مما عظُم أو صغُر فإنك بعد ذلك تستطيع أن تقول: الحمد لله رب العالمين .. الحمد لله على صِلاته؛ لأن كل هذه الأمور عبارة عن نِعم أنعم الله تعالى بها علينا، وهي صلة بينك وبين الله سبحانه وتعالى. مَن أدرك حقيقة هذه الأمور على أنها تفضّل من الله سبحانه وتعالى فإنه يحمده بملء قلبه.
عادةً العلمُ يُبدأ به من ناحية إجمالية ثم بالتفصيل، الآن نحن نعرّف المفهوم الإجمالي للحمد، بعد ذلك سوف نذكر أن الله سبحانه وتعالى قادر، هذه بعض الأمور التي يُحمد الله سبحانه عليها، ونذكر أن الله سبحانه وتعالى خلقنا من العدم كما ذكرنا قبل قليل، هذه سوف تكون من مسائل هذا الكتاب، فكل ما نذكره ونشرحه في ضمن هذا الكتاب فالله سبحانه وتعالى يستحق الحمد لأجله.
فنحن إذن نذكر المعنى الإجمالي للحمد في البداية، المعنى الإجمالي لأن الله خلق لك أشياء في منفعتك، هذا معنى إجمالي وليس تفصيلياً، وبعد ذلك نحن نعدّ أعظم هذه الأشياء، نفصّل في شيء شيء منها، وبعد ذلك نجد أن المصنف في نهاية الأرجوزة يحمد الله على إتمام هذا النظم على هذه الصورة.
فهو يبتدئ بالحمد وينتهي بالحمد، لكننا الآن نتصور بعض المعاني، مثل أن الله خلقنا ونفعنا، ولكن ما معنى الخلق ولماذا خلقنا؟ هل هناك شيء أوجب عليه أن يخلقنا؟ ما وظيفتنا في هذه الحياة؟ كل ذلك نحن لا نتصوره الآن تصوراً تفصيلياً، بل نتصوره تصوراً إجمالياً، فبقدر هذا الإجمال نحمد الله، ولكن عند معرفة حقائق هذه القواعد الدينية يصبح الحمد تفصيلياً، والتفصيل أكمل، لذلك فالعلماء نازعوا الفلاسفة في إنكارهم العلم التفصيلي.
الفلاسفة أثبتوا العلم الإجمالي لله تعالى، ولكن العلماء قالوا لهم: لا يكفي أن تثبتوا العلم الإجمالي؛ لأن العلم الإجمالي يمكن أن يثبت لأيٍّ كان، لكن الكمال في العلم التفصيلي.
وهذه حقيقة العلم .. حقيقة العلم ليس معرفة التعريف، بل معرفة المسائل التفصيلية، فكلما ازداد الإنسان معرفة بالمسائل التفصيلية يزداد علمه.
قال: "ثم سلام الله مع صَلاته": السلام هو ـ كما تقول ـ: السلام عليكم، المقصود بالسلام هنا التحية والتعظيم، بعض العلماء قالوا: التأمين، أي أن الإنسان يؤمِّن الله سبحانه وتعالى للمسلَّم عليه، فحين تقول: السلام، يعني: الأمان، ولكن هي في الحقيقة تحية يراد منها التعظيم، وقد يراد الأمان، ولكن هنا لما علق سلام الله وصلاته مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ آمِنٌ مؤمَّن، فلا داعي أن نقول: إن السلام هنا معناه الأمان لإمكان أن يتبادر إلى الذهن أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير آمِن ثم نحن نطلب له الأمان، ولكن هذا لا إشكال فيه.
فحين يقول الإنسان: الحمد لله، لا يتبادر إلى الذهن أن الحمد لغير الله وأنت تثبته لله، بل الحمد مقصود أصالة لله، وثابت أصالة لله، وأنت تثبته لله، فالسلام ثابت للرسول وأنت تثبته للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من دون شكّ يسبقه. ولكن حتى هذا الكلام تنبّه له العلماء ودققوا في مثل هذه التفريعات.
عندما تقول لشخص: السلام عليك، فهذا يعني أنك أمّنته، بعد هذا لا يصح منك عرفاً أن تقاتله، فهذا يبطل أيّ عداوة مسبقة.
فحين تقول: ثم سلام الله مع صَلاته، قال بعض الناس: إنه قد يتبادر إلى الذهن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير مؤمَّن وأنتَ تطلب الأمان له، فلهذا الوهم قالوا: لا يجوز للإنسان أن يقول إن السلام هنا بمعنى الأمان، بل هو تحية يراد منها التعظيم.
ولكن لا إشكال كبيراً في هذا.
(الصلاة): في أصل الاشتقاق اللغوي من الصِّلة أو الوصل، عادة يقول العلماء: الصلاة من الله لها معنى، ومن الملائكة لها معنى، ومن الناس لها معنى، فالصلاة من الله هي الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس الدعاء.
حين تقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فهذا دعاء منك للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن الملائكة هو استغقار، والاستغفار جزء من الدعاء. أما الله سبحانه وتعالى فلا يدعو أحداً؛ لأن الدعاء طلبٌ من أدنى إلى أعلى، أما الطلب من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر يستلزم الإيجاب، فلا يقال إن الله تعالى يدعو، فتُفهم الصلاة حين نقرأ: [إن الله وملائكته يصلون على النبي] صلاة الله على النبي ليست دعاءً، وإنما هي رحمة، والرحمة هي فعل فيه منفعة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإعلاء رتبة. والصلاة من الملائكة بمعنى أنهم يستغفرون للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويطلبون رفع مقامه، وكذلك من المؤمنين.
لكل ما ذكرنا قال العلامة البيجوري: "وإنْ شئت قلتَ ـ وهو الأخصر - : هي من الله الرحمة، ومن غيره الدعاء" مطلقاً. قال: "واختار ابن هشام في مغنيه أنها العَطْفُ بفتح العين، وهو بالنسبة لله الرحمة .. إلخ".
معروف مَن هو ابن هشام، هو من كبار النحويين المتأخرين، وهو من العلماء الذين أفادوا هذا العلم بنوع من التجديد، فله طريقة خاصة، وكتبه مشهورة مع سلاستها ووضوحها.
و(مغنيه) هو مغني اللبيب، وهو من كتب النحو العظيمة، كل قسم منه له فوائد عظيمة جداً، وما قام به ابن هشام في هذا الكتاب عمل عظيم جداً.
(أنها العَطْفُ): معنى العَطْف المَيْلُ، انعطفتُ نحو فلان: مِلْتُ، مُنْعَطَفٌ يعني ميلان. . . العطف هو الميل.
لاحظ كيف الاشتقاق: الصلاة هي صلة وعطف وميل، أنت تصلي لله، أي تميل نحو الله سبحانه وتعالى، أو تنعطف نحو الله، فيجب في صلاتك أن تكون في صلة، بمعنى العطف والميل والانحناء والتوجه نحو الله.
التوجه والعطف والانحناء هو الأصل اللغوي لكلمة (صلاة)، فكما تعلمون فإن كل كلمة ترجع غالباً إلى معنى واحد وإنْ استعملت في مصاديق مختلفة، وهذا هو الأصل: أن ترجع إلى معنى واحد، وهناك من يقول: يمكن أن ترجع إلى معنيين أو ثلاثة. والأصل أن ترجع الكلمة إلى معنى واحد؛ لأن الأصل عدم الاشتراك، يعني أن الأصل أن لا يكون للفظ إلا معنى واحد، ولكن يوجد اشتراك، ولكن هذا نادر.
الأصل في الكلمة أن يكون لها معنى واحد، وهذا أصل عظيم جداً، وهذه قاعدة مهمة جداً، ومَن ادّعى أن كلمة لها معنيان فعليه أن يأتي بالدليل، ولكن لا يخلو أن تُستعمل الكلمة في مصاديق مختلفة، وفي جهات مختلفة، فتعدُّد المصاديق غير مستَنْكَر، ولكن تعدد المعنى خلاف الأصل، والفرق بين المصداق والمعنى سيأتي فيما بعد. وبناء على هذا تنحلّ كثير من الإشكالات حول كثير من المسائل في النصوص.
فمثلاً هنا نقول: الأصل في الصلاة الميل، ميل الله نحو فلان، استُعمل في مصداق معين، وهو أن يرحم الله فلاناً، أي أن يخلق له فعلاً فيه منفعة لهذا الشخص.
فالله يرحم فلاناً أو يصلي على فلانٍ إذا أكرمه ونعّمه ورفع من درجته، فحين تقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فهذا معناه: اللهم مِلْ عليه واحنُ عليه واعطف عليه، ما معنى: مِلْ إليه؟ معناه: أنعِم عليه نعماً عظيمة تليق بمقامه. إذن أصل الميل والعطف أُطلق على المصداق وهو خلق النعمة.
الصلاة من الملائكة تعني الاستغفار، فالملائكة يصلون على الناس أو على سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمعنى يميلون إليهم، أي يستغفرون.
فأُطلقت الصلاة وأُريد الميل على مصداق الاستغفار، والمؤمنون يصلون لله، وهذه الصلاة ميل نحو الله عبادةً له ودعاءً، فكلٌّ له انعطاف يناسبه، ولاختلاف هذه المصاديق تتعدى كلمة الصلاة بحروف جرّ مختلفة.
(صليتُ على فلان) تختلف عن (صليت لله)، فالميلُ (على) فلان دعاءٌ، والميلٌ (لـ) الله عبادةٌ، فتتعدى بأحرف جرّ مختلفة بناء على المعنى الذي تريده. ويزداد هذا رسوخاً بدراسة علم النحو والمعاني.
يتبع في الدرس القادم.[/ALIGN]

تعليق