حمل كتاب (الأسرار العقلية) للإمام تقي الدين المقتَرح Pdf

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    حمل كتاب (الأسرار العقلية) للإمام تقي الدين المقتَرح Pdf

    الأَسْــــرَارُ العَـقْلِـيَّةُ
    فِي الكَلِمَاتِ النَّبَوِيَّةِ


    تأليف الإمام
    مظفر بن عبد الله بن علي بن الحسين
    تقي الدين أبو العز المقترَح
    (ت612هـ)



    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	scan.jpg 
مشاهدات:	1 
الحجم:	65.5 كيلوبايت 
الهوية:	188175

    مقدمة الأستاذ الشيخ سعيد عبد اللطيف فودة
    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ،
    فَإِنَّ الإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ، وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ خَالِقٍ مُحْدِثٍ، وَهُوَ مَرْبُوبٌ مُدَبَّرٌ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ رَبٍّ مُدَبِّرٍ، وَهُوَ لاَ يَزَالُ يَعْمَلُ عَلَى اسْتِكْمَالِ نَفْسِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَمُحْتَاجٌ لِمَنْ يُرْشِدُهُ إِلَى الطَّرِيقِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ هَذَا الاِسْتِكْمَالُ، وَكُلُّ أَمْرٍ يَحْصُلُ عَلَى التَّدْرِيجِ لاَ بُدَّ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى عَمَلِ عَامِلٍ، وَالعَمَلُ إِذَا كَانَ لَهُ غَايَةٌ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ عَالِمٍ بِحَقِيقَةِ العَامِلِ لِيُوصِلَهُ إِلَى غَايَتِهِ، وَلاَ عَالِمَ بِحَقِيقَةِ المَخْلُوقَاتِ حَقَّ العِلْمِ إِلاَّ خَالِقُهَا، فَمْنْ هُوَ أَوْلَى مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَضَعَ لِلإِنْسَانِ غَايَتَهُ وَطِرِيقَ الوُصُولِ إِلَيْهَا!
    وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى إلى الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ـ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَسَلاَمُهُ ـ شَرَائِعَ لِهِدَايَةِ البَشَرِ إِذَا عَمِلُوا بِهَا، وَالْتَزَمُوهَا، عِلْمًا وَعَمَلاً، وَجَعَلَ الإِسْلاَمَ خَاتِمَ الأَدْيَانِ شَامِلاً لِكُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ بِالنَّفْعِ عَلَى الإِنْسَانِ بِالكَمَالِ فِي رُوحِهِ وَجِسْمِهِ. فَالعَاقِلُ هُوَ مَنْ الْتَزَمَ الدِّينَ، وَلَزِمَهُ.
    وَخَيْرُ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ هُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ بِهِ يَعْلَمُ الإِنْسَانُ أَخَصَّ صِفَاتِ نَفْسِهِ، وَيَعْلَمُ بِهِ مَا يَجِبُ لِرَبِّهِ وَمَا يَجُوزُ وَمَا يَسْتَحِيلُ، وَيَعْلَمُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الأَنْبِيَاءُ، وَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ العُلَمَاءَ سَمَّوا هَذَا العِلْمَ بِعِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، لِأَنَّ الدِّينَ لَهُ أُصُولٌ لاَ تَقُومُ إِلاَّ عَلَى هَذِهِ الأَحْكَامِ وَالتَّصَوُّرَاتِ وَالتَّصْدِيقَاتِ، وَإِنْ اخْتَلَّتْ هَذِهِ المَعَارِفُ اخْتَلَّ تَدَيُّنُ الإِنْسَانِ؛ لِاخْتِلاَلِ فَهْمِهِ لَهَا، فَأَمَّا القُرْآنُ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِ اللهِ تَعَالَى. فَلاَ يَنْحَفِظُ دِينُ الإِنْسَانِ إِلاَّ بِإِقَامَةِ الدِّينِ عِلْمًا وَعَمَلاً بِبِنَائِهِ عَلَى أُصُولِهِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ اجْتَهَدَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَنْقِيَةِ العَقَائِدِ وَتَصْوِيبِ الآرَاءِ وَنَقْدِ المَذَاهِبِ حَتَّى وَصَلُوا بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ إِلَى أَحْسَنِ المَذَاهِبِ وَأَعْدَلِهَا. فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى الحَصِيفِ أَنْ يَقُومَ بِدِرَاسَةِ مَا نَقَّحُوهُ وَالإِحَاطَةِ عِلْمًا بِمَا هَذَّبُوهُ.
    وَقَدْ كَتَبُوا كُتُبًا مُتَعَدِّدَةً مِنْهَا المُطَوَّلُ وَمِنْهَا المُخْتَصَرُ وَمِنْهَا المُتَوَسِّطُ، وَأَوْدَعُوا فِيهَا زُبَدَ العَقَائِدِ، وَأُصُولَ الأَحْكَامِ، وَنَوَّعُوا أَسَالِيبَهَا لِكَيْ تَرُوقَ وَتَقْرُبَ مِنَ أَذْهَانِ النَّاسِ وَأَرْوَاحِهِمْ، فَيَتمُّ لَهَا القَبُولُ وَتَحْصُلُ بِهَا الفَائِدَةُ دُنْيَا وَآخِرَةً، بَإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
    وَمِنْ هَذِهِ الكُتُبِ مَا خَطَّتْهُ يَدُ الإِمَامِ المُقْتَرَحِ، بَلْ رُوحُهُ وَقَلْبُهُ، وَمَا أَحْسَنَ مَا أَوْدَعَ فِيهِ مِنَ الدُّرَرِ وَالفَوَائِدِ الَّتِي لاَ يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلاَّ مَنْ خَاضَ فِي الكُتُبِ وَعَرَفَ زُبْدَتَهَا وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ كُلُّ كِتَابٍ وَمِنْهَا كِتَابُ «الأَسْرارُ الْعَقْلِيَّةُ فِي الْكَلِمَاتِ النَّبَوِيَّةِ»، لِيَعْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الكِتَابَ قَدْ جَمَعَ مِنَ الكُتُبِ صَفْوَتَهَا، وَاشْتَمَلَ عَلَى خُلاَصَتِهَا وَغَايَتِهَا، حَتَّى يَظُنَّ المَرْءُ أَنَّهُ مَا تَرَكَ أَصْلاً إِلاَّ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَمَا شَذَّ عَنْهُ إِلاَّ النَّادِرُ، هَذَا مَعَ صِغَرِ حَجْمِهِ وَلُطْفِ عِبَارَتِهِ وَحُسْنِهَا.
    وَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ بِالكِتَابِ مُنْذُ زَمَانٍ بَعِيدٍ فِي أَثْنَاءِ الكُتُبِ وَالحَوَاشِي، وَكُنَّا نَقْرَأُ بَعْضَ النُّقُولاَتِ الَّتِي يَنْقُلُهَا العُلَمَاءُ عَنْ مُؤَلِّفِهِ الإِمَامِ المُقْتَرَحِ، فَنَهشُّ لَهَا وَنَبشُّ، وَكُنَّا نَعْجَبُ مِمَّا يَصُوغُهُ مِنْ عِبَارَاتٍ حَسَنَةٍ وَعَظِيمَةِ الفَائِدَةِ، وَنَتَطَلَّعُ إِلَى الحُصُولِ عَلَى كِتَابٍ لَهُ كَامِلٍ مَطْبُوعٍ لَيَعُمَّ النَّفْعُ بِهِ، وَيَسْتَفِيدُ الخَلْقُ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ وَبَيَّنَهُ، حَتَّى أَخْبَرَنَا الأَخُ الفَاضِلُ الأُسْتَاذُ العَامِلُ نِزَار حَمَّادِي أَنَّهُ قدْ انْتَهَى مِنْ تَحْقِيقِ كِتَابٍ مُخْتَصَرٍ لِلإِمَامِ المُقْتَرَحِ وَهُوَ «الأَسْرَارُ العَقْلِيَّةُ» أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا، فَلَمَّا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ وَقَرَأْتُهُ انْبَهَرْتُ مِمَّا فِيهِ مِنْ الفَوَائِدَ وَعَظِيمِ العَوَائِدِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِعِبَارَاتٍ لَطِيفَةٍ وَمُوجَزَةٍ.
    وَلَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَكْتُبَ خَصَائِصَ هَذَا الكِتَابِ لَطَالَ بِنَا الأَمْرُ، وَلَكِنَّا نُشِيرُ إِلَى بَعْضِهَا:
    فَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ فِيهِ مُؤَلِّفُهُ العَقَائِدَ أُصُولاً وَفُرُوعًا بِنَاءً عَلَى كَلِمَاتٍ وَرَدَتْ فِي الأَحَادِيثِ وَالنُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ، وَهِيَ الحَمْدَلَةُ وَالسَّبْحَلَةُ وَالتَّكْبِيرُ وَالحَوْقَلَةُ وَكَلِمَةُ الشَّهَادَةِ. وَقَدْ أَبْدَعَ عِنْدَمَا أَوْجَزَ أَوَّلاً مَعَانِيهَا، لُغَةً وَدَلاَلَةً، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ خُلاَصَةِ أَدِلَّةِ العَقَائِدِ جُمْلَةً لاَ تَفْصِيلاً، حَتَّى إِنَّ الوَاحِدَ مِنْ طُلاَّبِ العِلْمِ لَيَكْتَفِي فِي تَحْصِيلِ أُصُولِ الاِسْتِدْلاَلاَتِ بِقِرَاءَةِ المُوجَزِ مِمَّا كَتَبَهُ هَذَا الإِمَامُ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ كُلِّهِ بَلْ أَتْبَعَهُ بِالبَيَانِ التَّفْصِيلِيِّ بِلَفْظٍ مُوجَزٍ عَذْبٍ مُسْتَعْذَبٍ.
    وَهَذَا اللَّوْنُ مِنَ التَّدَرُّجِ قَدْ اتَّبَعَهُ العَدِيدُ مِنَ العُلَمَاءِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ، أَعْنِي تَنَوُّعَ الأَسَالِيبِ بَيْنَ إِيجَازٍ وَتَطْوِيلٍ، وَدَوَرَانَهَا بَيْنَ إِجْمَالٍ وَتَفْصِيلٍ، وَلِذَلِكَ كَتَبَ العُلَمَاءُ المُتُونَ ثُمَّ شَرَحُوهَا، وَكَتَبُوا المُخْتَصَرَاتِ وَالمُطَوَّلاَتِ، وَلِيَتَنَاسَبَ تَنَوُّعُ أَسَالِيبِهِمْ فِي البَيَانِ وَالشَّرْحِ وَالاِسْتِدْلاَلِ مَعَ الأَمْزِجَةِ المُخْتَلِفَةِ وَالأَذْوَاقِ المُتَنَوِّعَةِ لِبَنِي آدَمَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُحِبُّ التَّفْصِيلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إِلَى الإِيجَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُدَقِّقُ وَيُحَقِّقُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَقِّقُ، وَهَكَذَا. بَلْ إِنَّ هَذَا التَّنَوُّعَ فِي الأُسْلُوبَ مَأْخُوذٌ أَصَالَةً مِنْ بَلاَغَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ وَكَلاَمِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِي أَحَادِيثِهِ البَلِيغَةِ، فَفِي القُرْآنِ تَفْصِيلٌ وَإِيجَازٌ، وَتَنَوُّعٌ فِي الأَسَالِيبِ إِلَى دَرَجَةِ الإِعْجَازِ، وَبِذَلِكَ تَمَّ الجَمْعُ بَيْنَ الهِدَايَةِ وَالإِعْجَازِ، لِيَقُومَ عَلَيْهِ الرُّشْدُ وَالهِدَايَةُ، وَبِذَلِكَ اقْتَدَى عُلَمَاءُ الأُمَّةِ فِي كِتَابَاتِهِمْ لِيُقَارِبُوا وَيُسَدِّدُوا.
    فَإِنَّهُ يَكْفِي المُصَنِّفَ أَنْ أَحَاطَ بَجَمْعِ الفَوَائِدَ المُتَفَرِّقَةَ فِي كُتُبِ الإِمَامِ الجُوَيْنِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي قُوَّةِ فِكْرِهِ وَدِقَّةِ نَظَرِهِ، فَالتَّأَثُّرُ الوَاضِحُ بِالإِمَامِ وَالاِعْتِمَادِ عَلَى كُتُبِهِ ظَاهِرٌ لِلنَّاظِرِ، وَلَكَ أَنْ تَنْظُرَ فِي رَأْيِ الإِمَامِ المُقْتَرَحِ فِي إِثْبَاتِ دَلِيلِ حُدُوثِ العَالَمِ بالاِعْتِمَادِ عَلَى دَلِيلِ الجَوَازِ، وَهُوَ الدَّلِيلُ الَّذِي قَرَّرَهُ الإِمَامُ الجُوَيْنِيُّ فِي «العَقِيدَةِ النِّظَامِيَّةِ»، وَكَذَلِكَ دَلِيلِ الوَحْدَانِيَّةِ وَاسْتِحَالَةِ تَعَدُّدِ وَاجِبِ الوُجُودِ، وَدَلِيلِ صِفَةِ الكَلاَمِ، وَدَلِيلِ العِلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَدِلَّةِ.
    وَلَكِنْ اعْتِمَادُهُ عَلَى آرَاءِ الإِمَامِ الجُوَيْنِيِّ لاَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ مُقَلِّدٌ لَهُ، بَلْ إِنَّ أَثَرَ الاِجْتِهَادِ وَالاِسْتِقْلاَلِ الفِكْرِيِّ فَي نَظَرَاتِهِ لاَ يُنْكِرُهُ إِلاَّ مُشَاغِبٌ، وَلَكَ أَنْ تَتَأَمَّلَ نَقْدَهُ لِرَأَيِ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الأَفْعَالِ، وَمُنَاقَشَتِهِ إِيَّاهُ فِي الصِّرْفَةِ، وَتَوْجِيهِ دَلِيلِ الجَوَازِ، وَمَسْأَلَةِ الاِسْتِرْسَالِ فِي العِلْمِ كَيْفَ حَرَّرَهَا بِدِقَّةِ عِبَارَاتِهِ، لِتَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ الإِمَامَ المُقْتَرَحَ وَصَلَ إِلَى مَرْتَبَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ النَّظَرِ وَالفِكْرِ.
    عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُهْمِلْ غَيْرَهُ مِنَ العُلَمَاءِ الأَجِلاَّءِ، فَتَرَاهُ يَنْقُلُ عَنِ القَاضِي البَاقِلاَنِيِّ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ، وَعَن الأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الاِسْفَرَايِينِيِّ، وَيُقَيِّدُ أَقْوَالَهُمَا وَيُحَرِّرُ جِهَةَ القُوَّةِ وَالضُّعْفِ فِي كَلاَمِهِمَا.
    وَالإِمَامُ المُقْتَرَحُ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَاقِلٍ لِمَا فِي كُتُبِ العُلَمَاءِ، بَلْ إِنَّهُ نَاقِدٌ أَيْضًا مُحَرِّرٌ دَقِيقُ النَّظَرِ، فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ فِي الأَدِلَّةِ عَلَى حَدَثِ العَالَمِ بَيْنَ دَلِيلَيْ الجَوَازِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّغَيُّرِ، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ نَقَدَ دَلِيلَ القَبُولِ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ العَدِيدُ مِنَ العُلَمَاءِ فِي إِثْبَاتِ صِفَتَيْ السَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَانْظُرْ كَيْفَ نَاقَشَ العُلَمَاءَ فِي آرَائِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الأَفْعَالِ، وَبَيَّنَ الوَجْهَ فِي أَخَصِّ وَصْفِ الإِلَهِ، وَراجَعَ قَوْلَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ دَلاَلَةِ الإِتْقَانِ عَلَى صِفَةِ العِلْمِ، وَكشَفَ عَنْ وَجْهِ الدَّلاَلَةِ هُنَاكَ بِمَا تَمَيَّزَ بِهِ، وَحَرَّرَ مَآخِذَهُمْ بِأُسْلُوبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ إِلاَّ فِي أَثْنَاءِ العِبَارَاتِ وَالإِشَارَاتِ التي تُصَادِفُها فِي كُتُبِ مُحَقِّقِي المَذْهَبِ مِنَ المُتَأَخِّرِيْنَ وَالمُتَقَدِّمِيْنَ، فَلاَ يَحْظَى بِهِ الإِنْسَانُ إِلاَّ بَعْدَ طُولَ تَأَمُّلٍ، يَذْكُرُهُ لَكَ وَهُوَ عَارِفٌ بِقِيمَتِهِ فَيُشِيرُ إِلَيْكَ إِلَى نَفَاسَتِهِ وَنُدْرَتِهِ لِتَحْرِصَ عَلَيْهِ وَتَتَعَلَّقَ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَالاِسْتِفَادَةِ مِنْهُ.
    وَلاَ يُهْمِلُ الإِمَامُ المُقْتَرَحُ لَفْتَ النَّظَرِ إِلَى أُصُولِ القَوَاعِدِ فِي عِلْمْ التَّوْحِيدِ كَمَا نَصَّ فِي غَيْرِ مَرَّةٍ عَلَى أَنَّ مَا صَحَّ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ وَاجِبٌ لَهُ، وَأَنَّ هَذِهِ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مُعْتَمَدَةٌ عِنْدَ العُلَمَاءِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا يَتَرَتَّبُ مِنْ أَحْكَامٍ. وَلَمْ يُهْمِلْ تَحْرِيرَ قَوَاعِدَ أَسَاسِيَّةٍ أُخْرَى كَمَسْأَلَةِ إِثْبَاتِ اسْتِحَالَةِ النَّقْصِ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِالعَقْلِ لاَ بِمُجَرَّدِ النَّقْلِ، وَبَيَّنَ فِي العَدِيدِ مِنَ المَسَائِلِ وَجْهَ الاْخِتْلاَفِ وَعِلَّتَهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الفَلاَسِفَةِ، وَوَضَّحَ مَوْضِعَ الضُّعْفِ فِي دَلِيلِهِمْ، وَالقَدْرَ مِنَ المَعْنَى الَّذِي يَكْفِي فِي إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الاِنْفِصَالِ وَالاِتِّصَالِ فِي وُجُودِ العَالَمِ وَفِي كَثْرَتِهِ وَبَسَاطَتِهِ، وَمَسْأَلَةِ صُدُورِ العَالَمِ عَنِ الوَاجِبِ صُدُورَ المَعْلُولِ عَنِ العِلَّةِ عِنْدَهُمْ وَاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ لِوَجْهٍ مِنَ التَّمَاثُلِ بَيْنَ المَعْلُولِ وَالعِلَّةِ، وَهَذَا مِنْ دِقَّةِ نَظَرِهِ، وَوضَّحَ مَا هُوَ القَدْرُ الَّذِي يَكْفِي لِإِقَامَةِ دَلِيلِنَا، وَوَضَّحَ خَطَلَ رَأْيِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ العِلْمِ بِالكُلِّيَّاتِ دُونَ الجُزْئِيَّاتِ، وَلَمْ يُهْمِلْ تَحْرِيرَ العِلَلِ فِي خِلاَفِ النَّصَارَى وَاليَهُودِ فِي مَسَائِلِهِمْ ومَحلِّ مُخَالَفَتِنا لَهُمْ، وَقَدْ حَرَّرَ فِي كَلاَمِهِ أُصُولَ الاِسْتِدْلاَلِ بِالمُعْجِزَاتِ وَوَجْهَ دَلاَلَتِهَا عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ دَلاَلَةً عَادِيَّةً أَوْ عَقْلِيَّة، وَرَتَّبَ عَلَى كُلٍّ أَحْكَامًا وَأُصُولاً يَنْدُرُ أَنْ تُوجَدَ مُجْتَمِعَةً فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ، وَوَضَّحَ أُصُولَ النُبُوَّاتِ بِعِبَارَاتٍ جَلِيلَةِ القَدْرِ رَائِقَةِ اللَّفْظِ.
    وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُ أَنَّ بَعْضَ المُخَالِفِينَ إِنَّمَا يُخَالِفُونَ لِضُعْفِ قُوَّةِ تَعَقُّلِهِمْ كَمَا فِي جَانِبِ المُجَسِّمَةِ، وَلِذَلِكَ أَوْصَى النَّاظِرَ بِأَنْ يَتَدَرَّجَ فِي تَفْهِيمِهِمْ بِمَا يَلِيقُ بِأَحْوَالِهِمْ وَمَرْتَبَتِهِمْ فِي النَّظَرِ.
    وَالحَقُّ أَنَّ الإِمَامَ المُقْتَرَحَ قَدْ أَبْدَعَ أَيْضًا فِي اخْتِيَارِ اسْمِ كِتَابِهِ عِنْدَمَا سَمَّاهُ بِـ«الأَسْرَارِ العَقْلِيَّةِ فِي الكَلِمَاتِ النَّبَوِيَّةِ»، فَهُوَ فَاتِحَةٌ لَهِذِهِ الأَسْرَارِ، وَتَقْدِيمٌ لَهَا إِلَى الفُضَلاَءِ الأَخْيَارِ، وَتَمْهِيدٌ كَافٍ يَتَنَبَّهُ بِهِ ذَوُو الفَضْلِ عَلَى جَلاَلَتِهَا، وَعِنْوَانٌ بَارِزٌ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّمَا اسْتَقَوْا عُلُومَهُمْ مِمَّا اسْتَفَادُوهُ مِنَ الشَّرْعِ الحَنِيفِ، وَمِمَّا اسْتَمَدُّوهُ مِنْ مَعَانِي الكِتَابِ العَزِيزِ المُنِيفِ.
    وَلَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَ لَكَ جَمِيعَ مَا تَمَيَّزَ بِهِ هَذَا الكِتَابُ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهِ لَطَالَ بِنَا المَقَامُ، وَلَمَا أَوْفَى بِذَلِكَ إِلاَّ وَضْعُ شَرْحٍ مُفَصَّلٍ عَلَيْهِ وَهُوَ لِذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ.
    وَلاَ يَخْفَى عَلَى القَارِئِ الهُمَامِ أَنَّ أَثَرَ الإِمَامِ المُقْتَرَحِ فِي مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، وَلَوْ لَمْ نَذْكُرْ مِنَ المُعْتَمِدِينَ عَلَيْهِ الآخِذِينَ مِنْهُ وَالمُسْتَمِدِّينَ مِنْ تَدْقِيقَاتِهِ إِلاَّ الإِمَامَ السَّنُوسِيَّ لَكَفَى وَوَفَّى فِي إِظْهَارِ جَلِيلِ قَدْرِ ذَلِكَ الإِمَامِ، وَهَذَا لِمَا لِلإِمَامِ السَّنُوسِيِّ مِنْ أَثَرٍ بَالِغٍ فِي المُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ أُصُولِ الدِّينِ جَمِيعًا.
    وَنَدْعُو اللهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَ النَّاسَ بِهَذَا الأَثَرِ الجَلِيلِ، وَأَنْ يَجْزِيَ أَخَانَا الأُسْتَاذَ نِزَار حَمَّادِي عَلَى مَا بَذَلَهُ مِنْ جُهْدٍ فِي إِخْرَاجِ هَذَا الكَنْزِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِ فِي يَوْمِ الدِّينِ.
    وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ.
    كَتَبَهُ
    سَعِيد عبد اللطيف فودة
    وَلَيْسَ لَنَا إِلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى حَاجَةٌ وَلاَ مَذْهَبٌ

    الملفات المرفقة
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4020

    #2
    بارك الله في عمرك وفي أهلك وفي أوقاتك .. وأعادك عليك ما بذلك خيراً في الدنيا والآخرة ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

    تعليق

    • هاني علي الرضا
      طالب علم
      • Sep 2004
      • 1190

      #3
      جزاكم الله خيرا ياشيخ نزار ووفقكم لخير الدنيا والآخرة
      صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

      تعليق

      • نزار بن علي
        طالب علم
        • Nov 2005
        • 1729

        #4
        الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين.
        ونبشر أهل السنة والجماعة بالشروع في تحقيق كتاب "أبكار الأفكار العلوية في شرح الأسرار العقلية في الكلمات النبوية" للشيخ الإمام زكريا بن يحيى بن يوسف بن حماد بن حمود السبتي الشريف الإدريسي رحمه الله تعالى ورضي عنه.
        وهذا الشرح من أنفس الكتب العقدية على الإطلاق ومن أعزها وجودا..
        والله نسأل التوفيق، ومنه نستمد العون لإكمال التحقيق، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.
        وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

        تعليق

        يعمل...