يحزننا ما يجري في العراق من فتنة عمياء تظهر رأسها بين السنة والشيعة، وكثير من الناس يتساءلون : ما السنة ؟ وما الشيعة ؟ وما الخلاف بينهما ؟ وهل يعترف بعضهم ببعض ؟ وهل هما كدينين منفصلين كما يدعي بعضهم في الغرب ؟ أقول : إن الأزهر الشريف قد اعترف بالمذاهب الفقهية الثمانية، التي يقلدها المسلمون في العالم في عصرنا الحاضر، وهي الأربعة السنية (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) واثنان من الشيعة (وهما الجعفرية والزيدية) واثنان من خارج ذلك وهما (الإباضية والظاهرية) وهذه المذاهب الثمانية هي التي تكون الموسوعة الفقهية التي بدأت في سنة 1960 بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والتي وضع برنامجها العلامة المرحوم محمد فرج السنهوري ومعه آخرون من كبار رجال الفقه في مصر، وكان قبل ذلك قد أصدر الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت قرارًا باعتماد المذهب الجعفري، واعتماد الأخذ منه عند أهل السنة، وهذا كله نراه مسطورًا في كتب الفريقين عبر التاريخ، يعرض هذا رأي هذا، ويعرض ذاك رأي الآخر مرة لمناقشته، ومرة لاعتماده، ومرة لنصرته وترجيحه، مما يدل على أنهما على دين واحد، وعلى قبلة واحدة هي الكعبة المشرفة، وعلى مصدر واحد هو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يصومون شهر رمضان، لا يختلفون فيه، ويصلون الخمسة، ويحجون البيت، فما الخلاف بينهما إذن ؟
1- يرى أهل السنة أن الرواية المعتمدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تشمل نقل الصحابة كلهم عنه، وعدد الصحابة الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 114 ألف صحابي، صلى عليه في المدينة عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى نحو عشرين ألف صحابي، والرواة عنه نحو 1800 صحابي، أي ما لا يزيد عن 1% من عددهم، والرواة الذين في مسند أحمد، وهو كتاب كبير يشتمل على نحو ثلاثين ألف حديث، لا يزيد عن 990 صحابيًا كثير منهم لم يرو إلا حديثا واحدا، وفي صحيح الإمام البخاري ما يزيد على ألفي حديث من غير المكرر، والصحابة الرواة 254 صحابيًا (ومع المكرر بلغت عدد الأحاديث أكثر من 7500 حديث، فإنه كان يكرر الحديث الواحد أكثر من مرة، طبقا لما يستفيده منه من أحكام في الأبواب المختلفة). وعدد الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طريق أهل السنة لا يزيد عن 50 ألف حديث، رويت بنحو مليون سند، منها الصحيح، ومنها الضعيف، ومنها المقبول، ومنها المردود.
2- ويرى الشيعة أن الرواية لا تكون معتمدة إلا إذا كانت عن سيدنا علي كرم الله وجهه، ورضي الله عنه، وذلك من طريق نسله الشريف الذي حفظه الله سبحانه وتعالى، وعصمه من الخطأ، فكانت العصمة لسيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه من بعد أبيه، ثم لأخيه الحسين من بعده، ثم لابنه علي زين العابدين من بعده، ثم لابنه محمد الباقر من بعده، ثم لابنه جعفر الصادق من بعده، وإليه تنسب الجعفرية، ثم لابنه موسى الكاظم من بعده، ثم لابنه علي بن موسى الرضا من بعده، ثم لابنه محمد بن علي الجواد، ثم لابنه علي بن محمد الهادي، ثم لابنه الحسن بن علي العسكري، وأخيرا لابنه محمد بن الحسن العسكري، ويعتقد الشيعة أنه هو المهدي، ومن هنا سميت بالاثنى عشرية، ومرويات الشيعة جمعها عالم كبير هو الإمام المجلسي في كتاب كبير طبع قديما في خمس وعشرين مجلدًا، وطبع حديثًا في مائة وعشرة مجلدًا، ويشتمل على عشرات الآلاف من الأحاديث، بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، فمنها المقبول، ومنها المردود.
3- وهذا الكم الهائل من الرواية عند كل من الفريقين قد اتحد في مساحة كبيرة جدًا، واختلف في مساحة أقل، ولقد صدرت عدة محاولات لرصد هذا الاتحاد، لجعله منطلقًا للتقريب بين المذهبين، ولإعلام أتباع كل منهما أنهما يتفقان أكثر مما يختلفان، شأنه في هذا شأن كل المدارس العلمية التي تنتمي إلى دين واحد بأصول واحدة، وكانت المحاولة الأولى للتقريب بين المذاهب، عن طريق بيان المشترك في الرواية على يد العلامة الإباضي يوسف الطفيش في كتابه الذي طبع في أواخر القرن التاسع عشر بمصر تحت عنوان (جامع الشمل) طبع على الحجر في مجلد تتبع فيه الروايات المقبولة عند المذاهب المختلفة جميعا، ثم طبع في سلطنة عمان في مجلدين طباعة حديثة، ولقد حاول السيد محمد الحسيني الجلالي في جامع الأحاديث أن يبين الروايات المشتركة بين السنة والشيعة، فخرج كتابا ماتعا طبعه أولا في شيكاغو، ثم بعد ذلك طبعه في إيران في خمس مجلدات، وهو مجهود علمي محترم يبين القاعدة المشتركة التي تجمع بين الفريقين.
4- وعندما يطلع الإنسان على هذه الحقائق فإنه يزداد تعجبًا، ويسأل : إذن ففيما الخلاف ؟ لأن الاختلاف في اعتماد الرواية، سوف يسبب بدون شك اختلافًا في الفقه، والاختلاف في الفقه بسيط؛ لأن الفقه مبني على الظن، وما كان مبنيا على الظن فإن للاجتهاد مجالاًَ فيه، وإذا كان الأمر أمر اجتهاد، فإنه يجب على كل واحد منا أن يقبل اجتهاد المجتهد الآخر. فالشيعة تبيح زواج المتعة، وهو زواج يتفق فيه الزوجان على تأقيت العقد، وجعل مدة له ينتهي بمجرد انتهائها، ويجيزون للزوج أن يتزوج هذا الزواج فوق الأربعة المنصوص عليهن في سورة النساء، ويجيزون أيضًا الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وأهل السنة يحرمون زواج المتعة، ويحرمون هذا الجمع، ويمكن القول أن هذا الموضع هو أكثر المواضع في الفقه اختلافًا بين الفريقين، وهو كما ترى لا يدعو إلى هذا الحزن العميق الذي في قلوب العامة من الطرفين.
5- إذن فلننتقل إلى الرؤية الكلية العقدية، فنرى أن أحد أهل السنة قد ذهب إلى الحوزة العلمية الشيعية في القرن العشرين، وجلس سنة، وجمع عشرين سؤالاًَ يعترض بها على مذهب الشيعة الإمامية، وهو العلامة موسى جار الله المتوفى بالقاهرة، وألف بها كتاباً أسماه (الوشيعة في الرد على دين الشيعة) وقال إنه قد عرضه على الحوزة العلمية فلم تجب عنه، ولكننا رأينا ردًا عليه من جملة من علماء الشيعة، لعل أخصرهم وأوضحهم هو العلامة شرف الدين الموسوي، وكتابه عنوانه (الرد على أسئلة جار الله)، فما هي هذه الأسئلة ؟ وما الرد عليها ؟ نراها في الأسبوع القادم.
http://alimamalallama.com/article.php?id=233
1- يرى أهل السنة أن الرواية المعتمدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تشمل نقل الصحابة كلهم عنه، وعدد الصحابة الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 114 ألف صحابي، صلى عليه في المدينة عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى نحو عشرين ألف صحابي، والرواة عنه نحو 1800 صحابي، أي ما لا يزيد عن 1% من عددهم، والرواة الذين في مسند أحمد، وهو كتاب كبير يشتمل على نحو ثلاثين ألف حديث، لا يزيد عن 990 صحابيًا كثير منهم لم يرو إلا حديثا واحدا، وفي صحيح الإمام البخاري ما يزيد على ألفي حديث من غير المكرر، والصحابة الرواة 254 صحابيًا (ومع المكرر بلغت عدد الأحاديث أكثر من 7500 حديث، فإنه كان يكرر الحديث الواحد أكثر من مرة، طبقا لما يستفيده منه من أحكام في الأبواب المختلفة). وعدد الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طريق أهل السنة لا يزيد عن 50 ألف حديث، رويت بنحو مليون سند، منها الصحيح، ومنها الضعيف، ومنها المقبول، ومنها المردود.
2- ويرى الشيعة أن الرواية لا تكون معتمدة إلا إذا كانت عن سيدنا علي كرم الله وجهه، ورضي الله عنه، وذلك من طريق نسله الشريف الذي حفظه الله سبحانه وتعالى، وعصمه من الخطأ، فكانت العصمة لسيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه من بعد أبيه، ثم لأخيه الحسين من بعده، ثم لابنه علي زين العابدين من بعده، ثم لابنه محمد الباقر من بعده، ثم لابنه جعفر الصادق من بعده، وإليه تنسب الجعفرية، ثم لابنه موسى الكاظم من بعده، ثم لابنه علي بن موسى الرضا من بعده، ثم لابنه محمد بن علي الجواد، ثم لابنه علي بن محمد الهادي، ثم لابنه الحسن بن علي العسكري، وأخيرا لابنه محمد بن الحسن العسكري، ويعتقد الشيعة أنه هو المهدي، ومن هنا سميت بالاثنى عشرية، ومرويات الشيعة جمعها عالم كبير هو الإمام المجلسي في كتاب كبير طبع قديما في خمس وعشرين مجلدًا، وطبع حديثًا في مائة وعشرة مجلدًا، ويشتمل على عشرات الآلاف من الأحاديث، بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، فمنها المقبول، ومنها المردود.
3- وهذا الكم الهائل من الرواية عند كل من الفريقين قد اتحد في مساحة كبيرة جدًا، واختلف في مساحة أقل، ولقد صدرت عدة محاولات لرصد هذا الاتحاد، لجعله منطلقًا للتقريب بين المذهبين، ولإعلام أتباع كل منهما أنهما يتفقان أكثر مما يختلفان، شأنه في هذا شأن كل المدارس العلمية التي تنتمي إلى دين واحد بأصول واحدة، وكانت المحاولة الأولى للتقريب بين المذاهب، عن طريق بيان المشترك في الرواية على يد العلامة الإباضي يوسف الطفيش في كتابه الذي طبع في أواخر القرن التاسع عشر بمصر تحت عنوان (جامع الشمل) طبع على الحجر في مجلد تتبع فيه الروايات المقبولة عند المذاهب المختلفة جميعا، ثم طبع في سلطنة عمان في مجلدين طباعة حديثة، ولقد حاول السيد محمد الحسيني الجلالي في جامع الأحاديث أن يبين الروايات المشتركة بين السنة والشيعة، فخرج كتابا ماتعا طبعه أولا في شيكاغو، ثم بعد ذلك طبعه في إيران في خمس مجلدات، وهو مجهود علمي محترم يبين القاعدة المشتركة التي تجمع بين الفريقين.
4- وعندما يطلع الإنسان على هذه الحقائق فإنه يزداد تعجبًا، ويسأل : إذن ففيما الخلاف ؟ لأن الاختلاف في اعتماد الرواية، سوف يسبب بدون شك اختلافًا في الفقه، والاختلاف في الفقه بسيط؛ لأن الفقه مبني على الظن، وما كان مبنيا على الظن فإن للاجتهاد مجالاًَ فيه، وإذا كان الأمر أمر اجتهاد، فإنه يجب على كل واحد منا أن يقبل اجتهاد المجتهد الآخر. فالشيعة تبيح زواج المتعة، وهو زواج يتفق فيه الزوجان على تأقيت العقد، وجعل مدة له ينتهي بمجرد انتهائها، ويجيزون للزوج أن يتزوج هذا الزواج فوق الأربعة المنصوص عليهن في سورة النساء، ويجيزون أيضًا الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وأهل السنة يحرمون زواج المتعة، ويحرمون هذا الجمع، ويمكن القول أن هذا الموضع هو أكثر المواضع في الفقه اختلافًا بين الفريقين، وهو كما ترى لا يدعو إلى هذا الحزن العميق الذي في قلوب العامة من الطرفين.
5- إذن فلننتقل إلى الرؤية الكلية العقدية، فنرى أن أحد أهل السنة قد ذهب إلى الحوزة العلمية الشيعية في القرن العشرين، وجلس سنة، وجمع عشرين سؤالاًَ يعترض بها على مذهب الشيعة الإمامية، وهو العلامة موسى جار الله المتوفى بالقاهرة، وألف بها كتاباً أسماه (الوشيعة في الرد على دين الشيعة) وقال إنه قد عرضه على الحوزة العلمية فلم تجب عنه، ولكننا رأينا ردًا عليه من جملة من علماء الشيعة، لعل أخصرهم وأوضحهم هو العلامة شرف الدين الموسوي، وكتابه عنوانه (الرد على أسئلة جار الله)، فما هي هذه الأسئلة ؟ وما الرد عليها ؟ نراها في الأسبوع القادم.
http://alimamalallama.com/article.php?id=233
"
تعليق