عدالة الصحابة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين القسنطيني
    طالب علم
    • Jun 2007
    • 620

    #1

    عدالة الصحابة

    بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه أما بعد :
    ترددت كثيرا في وضع هذا الموضوع على المنتدى لحساسيته و كثرة المشغلين به، إلا أنني أيقنت أنه إن لم أجدا مناي هنا بينكم فلن أجده في غير هذا المنتدى، و إنني بحاجة إلى من يقول لي أخطأت و تعديت و أبعدت النجعة و هذا الدليل على ذلك، لأنني صدقوني ربما يقف خلفي طابور عريض من الناس الذين يصطدمون بما يقدمه الآخر من أقوال و شبهات في هذا المجال...
    لقد كثر في الآونة الأخيرة الكلام و الهدر حول مسألة عدالة الصحابة عند أهل السنة ، و أكثر الشيعة من الخوض فيها إنكارا على مدرسة أهل السنة قولهم بها لجميعهم، مستشهدين في ذلك بما وجدوه من نقول كثيرة في هذا الصدد و مركزين على ما وقع من بعض الصحابة يدل بحسب ما ذهبوا إليه على رفع هذه الصفة عنهم أو عن آحادهم و إسقاطها على الآحاد دون الجمع كله...
    و هذه الرسالة البسيطة كتبتها من أجل تبيين أمور خفيت عن الكثير من الخائضين في هذا المجال إما تعنتا و إتباعا لكل ما ينكر على الطرف المخالف، و إما مغالاة في مقابلة الآخر لمجرد نصرة ما ذهبت إليه الطائفة، و لا ينبغي لمسلم يخشى الله و يتقه أن يكون دينه لمجرد نصرة قول طائفة من غير استبيان للحق و إتباعه. و أنا لا أدعي أن ما كتبته هنا هو الحق الذي لا يمكن بحال مخالفته أو الحيدة عنه، أو أنني سبقت المتقدمين في هذا المجال، حاشا، فما أنا في مقابلهم سوى كدادة لا ينبغي إلا أن تهمل، و لكنني على الأقل هذا ما وجدته حقا في المسألة من خلال تتبع كلام العلماء و استقراء برهانهم من غير طرح ما لدى المخالف، فأنا أدين الله به و قابل لأن أعدل عنه إن وجدت الحق في خلافه، و إني لأرجو الله أن يهدينا لما اختلف الناس فيه إنه ولي ذلك و القادر عليه...
    و أنا أكتب هذه الكلمات البسيطة كنت أقرأ كلام بعض إخواني في أذهانهم عن مدى جدوى كتابة مثل هذا الكلام و مخالفة أكابر مدرستنا و نحن في غنى عن طرح مثل هذه المسائل و تتبع انزلاقات المخالف و هو من هو لا يعتد به مجتمعا معنا فكيف يعتد بمخالفته... و هنا و إن كنت أحترم أصحاب هذا الرأي إلا أنني أجده يبتعد كثيرا عما يدور في عالمنا و ينأى بنفسه عن تبيين الحق للناس، و قد أصبحنا نرى فيهم من يتشيع و فيهم من يلحد و من يتنصر و فيهم من يتبع مذاهب كنا نحسب أنه لم يبق في زماننا من يسلكها فإذا بها تعاود الحياة و الظهور من جديد، لا لشيء سوى لأننا حسب ظنهم عدمنا الدليل على صحة الدين في تلك المسائل أو الشبهات، كما وجدنا من يكفر بالمذاهب الفقهية الأربعة و يظن نفسه قادرا على الاجتهاد في مسائل فرعية لمجرد أنه نظر إلى أهل الفقه على المذاهب الأربعة المباركة فوجدهم يعيدون كلام رجال من غير تتبع لأدلتهم و لا معرفة بها فقال في نفسه و علانية، أترك قول رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم لمجرد قول فلان؟؟؟ و لم يعلم المسكين أن فلانا عليه رحمة الله و سلامه قد استفرغ حديث رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم حتى قال بذلك القول، و لكنه لم ير ذلك و ما علمه، و إنما رأى من يتكلم بكلام ذلك الإمام خاو من دليل إمامه و لو جمع ما ورد في كل الكتب المعتمدة في المذهب...
    إن عالمنا اليوم - و هو غدا سيكون أكثر شراسة من الناحية الفكرية- لم يعد بتلك القرية الصغيرة التي يكمم فيها الفم بمجرد فتوى تخرج من المفتي بحرمة الخوض في هذه المسألة أو تلك أو بقطع لسان من يتجرأ على الخوض فيها، أو بتكفير المخالف و تبديعه، أن انته، بل إننا اليوم نجد القنوات التي تصدح بكل ما هو مخالف لما تعلمناه و نشأنا عليه بل و تبحث عنه و تنتشله لتعليه فيكثر بذلك مشاهدوها، فضلا عن تلكم القنوات التي لها عقائد معينة و تنصر مذاهب بعينها و تدخل بيوتنا عنوة فيشاهدها الكبير و الصغير و العالم و الجاهل و الخاص و العام فيتلقفون كلامهم على أنه الدين الذي لا مرية فيه و الحق الذي لا يجادل عنه إلا كل معتد أثيم، و لقد حدثني شيخنا الفاضل الكريم بلقرد بوكعبر حفظه الله و أعلى مقامه عندما زرته آخر مرة عن أناس كانوا من خاصته و صحبوه في سفرة أتانا فيها زائرا إلى مدينة قسنطينة، و كانوا يدعون حينها تتبع الدليل في المسائل الفرعية و انتهاجهم منهج السلف الصالح و طبعا بناء عليه ترك المذاهب الأربعة و عقائد الأشاعرة و غيرها مما ينتج عن هذا الفكر السقيم، فإذا بهم ينقلبون شيعة بمجرد مشاهدتهم لبعض القنوات الشيعية تعرض عليها بعض الأطروحات العقائدية... كما أذكر أنني مرة كنت محاورا لشيخ فاضل من مشايخ المدرسة الشيعية على البالتولك يكنى فيه باسم الشيخ الشهيد البغدادي و سألته عن مرادهم من خلال طرح مثل هذه الأفكار و الشبهات، أيبحثون من خلالها نسف المدرسة الأخرى أو رفع الخلاف بين المسلمين و قد عشش و دام طيلة القرون السالفة فأجابني بكل جرأة و طموح أن لكل وقت نجباؤه... فلم يعد ينبغي بعد هذا أن يلزم الواحد نفسه اتباع أمر ما من غير اكتراث بما يصير من حوله و علينا على أقل تقدير أن يقول الواحد فينا ما قاله العبد الصالح: إن كان العالم يجيب تقية و الجاهل يجهل فمتى يظهر الحق...
    قبل أن أبدأ في التعرض للمسألة أحببت كذلك أن أركز على أمر مهم ألا و هو أنني أقل شأنا ممن سأذكر في هذا الكلام من علمائنا من أن أرد أقوالهم أو أخالفهم في شيء، و إنني لأرجو الله تعالى و من بعد مشايخنا و إخواننا أن يقيموا ما رأوه من اعوجاج في طرحي و يبينوا للمسلمين القول الحق، و رحم الله امرئا أهدى إلي عيوبي...
    إن أول ما ينبغي التطرق إليه في مسألة كهذه هي أن نحدد المفاهيم و المعاني التي سنتناولها في مبحثنا هذا، و لأننا سنطرق عدالة الصحابة وجب علينا أن نبين من هو الصحابي و ما هي صفة العدالة التي سنوقعها عليه أو نرفعها عنه، إلا أنني لا أحب أن أكثر من التعاريف و المعاني و الاصطلاحات لأن ذلك مبثوث على النت منتشر، و ما على الطالب لذلك سوى أن يبحث عنه...
    [frame="9 80"]سبحان الله و بحمده أستغفر الله و لا حول و لا قوة إلا بالله و لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا و حبيبنا محمد أحب الخلق إلى الحق و على آله و صحبه
    إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي[/frame]
  • حسين القسنطيني
    طالب علم
    • Jun 2007
    • 620

    #2
    معنى الصاحب لغة:
    ورد في المغني : صحب ، يصحب ، صحابة و صحبة فهو صاحب و المفعول مصحوب، صحب الشخص رافقه و لازمه ... صحِبتك السَّلامةُ : رافقتك ولازمتك ، - صحِبك اللهُ : حفظك ورافقتك عنايتُه .
    و قد ورد في القرآن نظم الصحب و الصحبة في معان عدة تتبعها الشيخ المستبصر أحمد حسين يعقوب و قال :
    فالصحبة يمكن أن تأخذ وجها أو صورة واحدة ويمكن أن تأخذ وجوها أو صورا متعددة ، ويمكن أن يكون لها وجه أمثل يشمل كل نواحي الخير ، وقد يكون لها وجه أبشع يشمل كل نواحي الشر .
    وجوه أو صور الصحبة فقد تكون بين مؤمن ومؤمن ، وقد تكون بين ولد ووالدين مختلفين بالاعتقاد وقد تكون بين رفيقي سفر وقد تكون بين تابع ومتبوع وقد تكون بين مؤمن وكافر وقد تكون شمولية على الشر بين كافر وكافرين وقد تكون بين نبي وقومه الكافرين و النبي يحاول أن يشدهم نحو الخير وهم يحاولون إعادته إلى حظيرة الشر وقد تكون الصحبة اضطرارية وقد تكون صحبة أثر فيقتدي فاسد بفعل فاسد وينسج على منواله وقد تكون الصحبة انقيادا لعقيدة إلهية وولاء مطلق لقيادتها السياسية كانقياد الآل الكرام للعقيدة الإلهية وولائهم المطلق لقيادة النبي السياسية وتضحياتهم الجسام ، وكانقياد وولاء الصفوة الصادقة من أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله ) .
    فمحور الصحبة ( بالضم ) محور شمولي يرتكز على عقيدة وقيادة وأهداف ومثل عليا يسعى القائد وأصحابه لتحقيقها وسيادتها على مجتمع معين. اه
    و هذا كلام جميل يرد على أولئك الشيعة الذين يكثرون في المنتديات من قولهم أن الصاحب أو نظم الصحبة لم ترد في القرآن إلا في أبشع الصور، و ليس من استقصى و علم كمن هو ناقل فقط لكلام لم يشم رائحة العلم قط...
    معنى الصحابة اصطلاحا:
    يعرف العلامة ابن حجر العسقلاني عليه رحمة الله الصحابي بأنه كل من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله و سلم مؤمنا به ومات على الإسلام.
    و هذا التعريف و إن كان الشيخ المستبصر أحمد حسين يعقوب تعقبه في ناحية معينة إلا أنه يعتبر تعريفا كافيا في مسألتنا هذه لأن المخالف انطلق منه لينكر علينا... إلا أنه ينبغي علينا من خلال استقرائنا للسنة النبوية الشريفة أن نتبين ما المقصود بالصحابي ليتم النفع، و لكن قبلها نورد ما أنكره الشيخ أحمد حسين يعقوب من أن العلامة ابن حجر استعمل لفظ مؤمنا به مع أن الإيمان مسألة قلبية لا يطلع عليها أحد، و لن نقول أن الشيخ المستبصر إنما أراد فقط إيجاد أدنى فلتة لينكرها لأنه يعلم أن نظم الإيمان لا يقع دائما بالمعنى الذي أشار إليه هو، و لكن يقع بمعنى إظهار الإيمان بتعاليم الدين و الشريعة، ثم إن إنكاره مسألة أن يكون معدودا في الصحابة من لقي النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و إن كان رضيعا فكأنه ذهل عن قول العلامة ابن حجر رضي الله عنه أن رواية هؤلاء و إن عدوا صحابة إلا أنها تدخل في باب المراسيل إذ قال : لكن أحاديث هؤلاء عنه من قبيل المراسيل عند المحققين من أهل العلم بالحديث..
    أما مسألة أن يكون الواحد فيهم معدودا في المنافقين فهذا الأمر توقيفي لا يمكن لأحد الفصل فيه سوى النبي صلى الله عليه و على آله و سلم، فهؤلاء يبطنون شيئا و يظهرون الإسلام الصحيح، و المثال الذي ذكره الشيخ المستبصر فقد قال : فعبد الله بن أبي زعيم المنافقين قولا واحدا هو من الصحابة بالإجماع . فقد قال النبي ( ص ) لمن أشار بقتله : " فلعمري لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا ".
    وعبد الله بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله ثم افترى على الله الكذب ، وأباح الرسول ( ص ) دمه ولو تعلق بأستار الكعبة .
    وعند فتح مكة تشفع له عثمان ودخل في الإسلام لينجو بروحه . . . . وهو صحابي شاء الناس أم أبوا.
    ومثله الحكم بن العاص طريد رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم ....
    و لعل الكلام في هذه النقاط هي التي تحل الإشكال كله بتجلية أمور مهمة، فمثلا إطلاقنا القول بأن هذا صحابي معناه اصطلاحا و لنلاحظ أننا نقول اصطلاحا أي عند طائفة معينة اصطلحوا في فن من الفنون بتسمية هؤلاء الناس بالصحابة- أنه في طبقة لقيت النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و ماتت على الإسلام ظاهريا، فيدخل بذلك تلك الأمثلة الثلاثة و إن كنا نطلق عليها مجازا أمثلة، لأنها أعيان في الحقيقة... فنلاحظ أن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم سماه صحابيا فكيف ينكر الشيعة علينا أن أدخلناه في هذه الطبقة؟؟ و من شفع له عثمان فعفا عنه النبي صلى الله عليه و على آله و سلم فكيف نخرجه نحن، و هو أهون من سابقه و كذلك الحكم بن العاص، على أن إدخال النبي صلى الله عليه و على آله و سلم يختلف عن إدخالنا لهم، فإدخال النبي صلى الله عليه و على آله و سلم إنما كان في المعنى اللغوي الظاهر من المرافقة أو الملازمة و ذلك ما كان يقوله الناس لأنهم كانوا معه بالمدينة أو معدودين في المسلمين و كل من كان مسلما فقد كان معدودا مع النبي صلى الله عليه و على آله و سلم من الناحية اللغوية عند من كانوا يعادون النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و محسوبا عليهم (أي على النبي و المسلمين)... فكذلك عند أهل الاصطلاح هنا و هم أهل الرواية اصطلحوا على تقسيم الرواة إلى طبقات، فكانت طبقة الصحابة و أدخل كل من لقي النبي صلى الله عليه و على آله و سلم بتلك الشروط داخلا في تلك الطبقة سواء ثبتت له رواية أو لم تثبت، و سواء عدت روايته من المراسيل كما بينا سابقا أو عدة واصلة إلى النبي صلى الله عليه و على آله و سلم... فاتضح أننا هنا نتكلم في اصطلاح معين، في فن معين و وفق ضوابط معينة لم يكن لأحد أن يخرقها، لأنه مجرد تنظيم و تقسيم للرواة إلى طبقات، فكانت الطبقة الأولى طبقة الصحابة، و لم يكن بذلك لفظ الصاحب سوى نعتا لمن كان منضويا تحت هذه الطبقة بتلك الشروط، و ليس كما فهمه الشيخ المستبصر و من ورائه الشيعة من أنها على الإطلاق مدح لكل من وصف بالصحابي، و هذه النقطة سنأتي إليها إن شاء الله تعالى... و لذلك هو بنفسه صرح أي الشيخ المستبصر- أن الفرق الإسلامية الأخرى تتفق مع أهل السنة من حيث المعنيين اللغوي والاصطلاحي.. فلم يكن من داع لأن ينكر ما أجمع عليه المسلمون إن لم يكن حبا فقط في إظهار الخلاف و أما مسألة العدالة فهي مسألة ثانية لا تنبني على مسألة تقسيم الرواة إلى طبقات و هذا وهم يقع فيه الكثير من الشيعة الذين يحاولون الإنكار على علماء أهل السنة من خلال كلامهم في فن معين هم لم يضبطوه...
    [frame="9 80"]سبحان الله و بحمده أستغفر الله و لا حول و لا قوة إلا بالله و لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا و حبيبنا محمد أحب الخلق إلى الحق و على آله و صحبه
    إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي[/frame]

    تعليق

    • حسين القسنطيني
      طالب علم
      • Jun 2007
      • 620

      #3
      معنى العدالة :
      بعد أن ذكر المعجم معان عديدة لللفظ جاء على ما نصبو إليه من تعريف العدالة فقال :
      العدالة في الحديث (و المقصود به هنا علم الحديث ) لفظ جامع للشروط التي يجب توافرها في راوي الحديث ، وهي أن يكون مسلمًا ، بالغًا ، عاقلاً ، سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
      ثم جاء بتعريف ثان فقال : هيئة راسخة في النَّفس من الدِّين تحمل صاحبها على ملازمة التَّقوى والمروءة .
      و قد عرفها كثير من العلماء على هذا النحو أو نحو قريب منه، و الحقيقة أن البسط في التعاريف ليست مسألتنا ها هنا، فلذلك كتب الفن اهتمت بذلك، و لكننا نهتم بما هو عالق بيننا و بين الشيعة... و هناك اعتبارات قد نختلف فيها من حيث اعتبار العدالة في الرواية و اختلافها في الشهادة و هذا أيضا ليس مطلوبا في مسألتنا، لأن مجالنا ها هنا ليس المبحث الفقهي الذي نختلف فيه مع الشيعة و إنما بحث ما يبنى عليه الدين أصلا... و سوف نترك كذلك التعريف الثاني و إن كان يقرب إلى قول كثير من العلماء إلى أننا تضامنا مع الشيخ المستبصر لن نبحث عن أمور باطنية ليست تعلم، و إنما نكتفي بالظاهر لنحكم على الراوي بالعدالة أو نرفعها عنه...
      يقول الشيخ المستبصر ناقلا عن ابن حجر رحمه الله تعالى: اتفق أهل السنة على أن جميع الصحابة عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ، على حد تعبير ابن حجر العسقلاني ، ويجب الاعتقاد بنزاهتهم ، إذ ثبت أن الجميع من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار... و إن كنا نرى أن القول بدخولهم الجنة هو نقل عن ابن حزم لا عن ابن حجر رحمة الله عليهما... ثم نقل كذلك الأدلة على هذا القول و أضرب عن نقل قول المازري رحمه الله تعالى الذي كان في سياق تلك الصفحات...
      ثم قال : مضمون عدالة الصحابة عند أهل السنة تعني عدالة الصحابة فيما تعنيه ، أن كل من عاصر الرسول أو ولد في عصره ، لا يجوز عليه الكذب والتزوير ، ولا يجوز تجريحه ، ولو قتل آلافا ، وفعل المنكرات.

      و هذا غير صحيح و ليس على إطلاقه، فأما أنه لا يجوز عليهم الكذب و التزوير و الخطأ و الوهم فذلك ما لا يقوله أحد، لأنهم بشر ليسوا بمعصومين عن مثل هذا، و أما أنه لا يجوز تجريحهم بما يقع منهم من ذلك، و أن ذلك معفو عنه مقابل حسناتهم و فضلهم فكذلك ليس بصحيح على إطلاقه و إن كان كثير من علماء أهل السنة أخذ بهذا القول و قال بدخولهم الجنة جميعا إلى أن نقطة الخلاف الثانية التي أحببت أن ألجها هي إفراط بعض علمائنا كذلك في هذه المسألة، فتعديلنا للصحابة رضي الله عنهم من هذه الناحية ينبغي أن يفصل فيه على نحو ما أشار إليه المازري عليه رحمة الله الذي كان أوسع خيالا و أحد نظرة و أكثر اتباعا للدليل، و أما من خالفه فقد ظهر منه شيء من المغالاة أبعده عن التفصيل في المسألة حفاظا على الدين و على نقلة هذا الدين، و لو أنهم فصلوا في المسألة كما عهدنا منهم ذلك في المواطن كلها لما وجد الشيعي منفذا يلقي من خلاله الشبهات، و أما التفصيل المزعوم من قبلي (و إن كنت لست سابقا و إنما مستقرءا لما ثبت من الآيات المحكمات و صحيح السنة المطهرة و لما كان من الإمام ابن سعد رحمه الله تعالى و لغيره ممن صنفوا في هذا الفن من تقسيم الصحابة إلى طبقات بحسب الفضل و السبق) فهو على النحو التالي :
      أولا : مسألة العدالة لجميع الصحابة بمعنى قبول الرواية :
      فإن الصحابة كلهم عدول لا يتطرق إليهم جرح كما قال الإمام الذهبي: وأما الصحابة فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات، فما يكاد يسلم أحد من الغلط، لكنه غلط نادر لا يضر أبدا، إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل وبه ندين الله تعالى... معرفة الرواة المتكلم فيه بما لا يوجب الرد ص46
      فهذا القول صحيح تماما من ناحية قبول الرواية مطلقا من الصحابي من غير نظر في عدالته، و لكننا نقصر ذلك في علم الرواية لقبول الروايات عن الرسول صلى الله عليه و على آله و سلم من حيث النظرة السندية فقط، و يعرض الحديث بعدها على فن الدراية و قد يقبل و قد يرد، لكن إذا وصلت الصحة إلى الصحابي اعتدت صحة الحديث سندا من غير النظر إلى عدالة الصحابي لتحقق اللقيا بينه و بين النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و قد بين ذلك الإمام السخاوي عليه رحمة الله ناقلا عن إمام الحرمين عليه رحمة الله، قال السخاوي في فتح المغيث (3/112) : "... وممن حكى الإجماع على القول بعدالتهم إمام الحرمين قال : ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة، فلو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما استرسلت على سائر الأعصار.
      فمن هنا يتبين قول أهل السنة و الجماعة فيما عنوه بالقول بعدالة الصحابة جميعا، و لكن ذهل من ذهل عن تخصيص القول بعلم الرواية و كان لزاما ذكر ذلك، و لو أننا دققنا في عدالة كل الرواة كما قال إمام الحرمين لما سلمت لنا الشريعة و ما صح لدينا إلا النزر القليل من الروايات... و هذا الأمر ليس خاصا بمدرسة أهل السنة فحسب فها هو الإمام العاملي رحمه الله تعالى في المدرسة الشيعية يقول في الصفحة 259-260 من وسائل الشيعة:
      أنه يستلزم ضعف أكثر الأحاديث، التي قد علم نقلها من الأصول المجمع عليها، لأجل ضعف بعض رواتها، أو جهالتهم أو عدم توثيقهم، فيكون تدوينها عبثا، بل محرما، وشهادتهم بصحتها زورا وكذبا.
      ويلزم بطلان الإجماع، الذي علم دخول المعصوم فيه - أيضا - كما تقدم.
      واللوازم باطلة وكذا الملزوم.
      بل يستلزم ضعف الأحاديث كلها عند التحقيق لأن الصحيح - عندهم -: (ما رواه العدل، الإمامي، الضابط، في جميع الطبقات).
      ولم ينصوا على عدالة أحد من الرواة، إلا نادرا، وإنما نصوا على التوثيق، وهو لا يستلزم العدالة قطعا بل بينهما عموم من وجه، كما صرح به الشهيد الثاني وغيره.
      ودعوى بعض المتأخرين: أن (الثقة) بمعنى (العدل، الضابط).
      ممنوعة، وهو مطالب بدليلها.
      وكيف؟ وهم مصرحون بخلافها حيث يوثقون من يعتقدون فسقه، وكفره وفساد مذهبه؟!
      وإنما المراد بالثقة: من يوثق بخبره ويؤمن منه الكذب عادة، والتتبع شاهد به وقد صرح بذلك جماعة من المتقدمين والمتأخرين.
      ومن معلوم - الذي لا ريب فيه عند منصف -: أن الثقة تجامع الفسق بل الكفر.
      وأصحاب الاصطلاح الجديد قد اشترطوا - في الراوي - العدالة فيلزم من ذلك ضعف جميع أحاديثنا لعدم العلم بعدالة أحد منهم إلا نادرا.
      ففي إحداث هذا الاصطلاح غفلة من جهات متعددة كما ترى.
      وكذلك كون الراوي ضعيفا في الحديث لا يستلزم الفسق بل يجتمع... اه النقل عن العلامة العاملي رحمه الله تعالى...
      [frame="9 80"]سبحان الله و بحمده أستغفر الله و لا حول و لا قوة إلا بالله و لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا و حبيبنا محمد أحب الخلق إلى الحق و على آله و صحبه
      إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي[/frame]

      تعليق

      • حسين القسنطيني
        طالب علم
        • Jun 2007
        • 620

        #4
        و من ينظر في كلام العاملي رحمه الله بكل إنصاف و بعيدا عن العصبية المذهبية ليعلم أن العلم واحد و القول واحد و إن كثر الطاعنون من كل جانب، و هذا الدين نقل إلينا من خلال أناس جالسوا النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و جالسوا من جالس النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و نقلوا عن بعضهم و اشتط غضبهم على من سمعوه يخالف ما وصلهم من قول النبي صلى الله عليه و على آله و سلم فتبين حفظ الله لهذا الدين بمجموع الصحابة و تكاثفهم على عدم الكذب و إنكار ذلك على كل من اعتقدوه فيه و سيدنا البراء بن عازب ينقل عن تلك الحقبة الزمنية قوله : ليس كلنا يسمع حديث رسول الله، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون.
        فهنا إنكار وجود الكذب وسطهم ليس إنكارا لصدوره من آحادهم، و لكنه إنكار لسكوت جماعتهم عن وجود من يكذب على رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم، و عدم إنكار صدوره من آحادهم يدلنا عليه إنكار النبي صلى الله عليه و على آله و سلم الكذب عليه لما صدر ذلك و هو فيهم، فصدوره من آحادهم ممكن و إن كنا نجهله، و لكن سكوت الجماعة عنه هو ما لا يمكن حدوثه واقعا، و كذلك حديث سيدنا أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى لما حدث بحديث فسأله سائل: أسمعته من رسول الله؟ قال: أو حدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب ولا كنا ندري ما الكذب.
        غير أن ذلك لا يدفع باحتمال الكذب كما قلنا عن آحادهم و لا الوهم و لا الخطأ، و لذلك وضع أهل السنة و الجماعة ضوابط أخرى لقبول الرواية غير اتصال السند و صدوره عمن عدلوه، و الواحد يرى أحاديث في الصحاح و المسانيد و هي لم تفد في المذاهب الأربعة أو أحدها عملا، بل جرى العمل بخلاف تلك الرواية ، و لعلماء الأصول من كل مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة ضوابط في التعامل مع هذه الروايات مع بقاء أسانيدها صحيحة متصلة، و لم تعن صحة الإتصال و وصولها إلى النبي صلى الله عليه و على آله و سلم القطع بصدورها عن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و لمن شاء التوسع في ذلك فله في كتب الأصول غنية... غير أننا نؤكد في هذه النقطة الأولى إجماع أهل السنة على عدالتهم جميعا بقبول الرواية عنهم من غير التفات إلى التمحيص في شروط العدالة..
        ثانيا: عدالتهم جميعا بمعنى خلوهم من كل قادح
        و هنا لا بأس من التفصيل كذلك، فبعد أن انتهينا من اتفاقنا على رواية الصحابي من غير تدقيق في شروط العدالة و توثيق نقله من غير اهتمام لا بضبطه و لا بعدالته كذلك لأن ذلك راجع إلى فن آخر من فنون العلم، نأتي إلى التفصيل في عدالة آحادهم، و هنا في هذه المرحلة ينبغي التفصيل كذلك و يتحتم علينا الرجوع إلى قول الإمام المازري عليه رحمة الله لنستخلص وجوب هذا التفصيل في القول حول هذه النقطة الثانية، يقول الإمام المازري عليه رحمة الله تعالى : لسنا نعني بقولنا (الصحابة عدول) كل من رآه النبي صلى الله عليه و على آله وسلم يوماً أو زاره عاماً أو اجتمع به لغرض وانصرف، وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم المفلحون ... وقال : في الصحابة عدول وغير عدول، ولا نقطع إلا بعدالة الذين لازموه صلى الله عليه و على آله وسلم ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه... اه
        فهنا عندما ينظر الواحد إلى كلام الإمام المازري عليه رحمة الله يعلم يقينا أن الإمام المازري رحمه الله تعالى ذهب إلى هذا التفصيل، فلم يجمع كل من يصدق عليه وصف الصحابي بتعريف أهل الحديث في خانة واحدة، فهو يفرق بين من لازم النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و شهد معه المشاهد و الغزوات و نصره و عزره، أو بمفهوم آخر من أسلم قبل الحديبية أو بيعة الرضوان و من أتى بعد البيعة، و هذا التفصيل تعضده الروايات الصحيحة التي استشهد بعمومها الأفاضل و الأكابر في المدرسة السنية على عموم عدالة الصحابة و نفذ من خلال نقضها الشيعة بذكر آحاد أسلموا بعد البيعة أو الفتح و استعملوا ما بدر منهم في نقد هذه العدالة المزعومة للجميع... فبين الإمام المازري رحمه الله أن في الصحابة من هذه الحيثية عدول و غير عدول، أي أننا لا نقول بعدالتهم جميعا في غير فن الرواية، لكننا لو استقرأنا نظرة الإمام المازري عليه رحمة الله فلا نجده يفرق بين الصحابة في قبول الرواية بالقدح في آحاد الصحابة، فثبت بذلك أنه مقر لهم بالعدالة في فن الرواية، متحفظ على إنزالها عليهم جميعا في غير ذلك، بل يفصل بين الصحبة العامة و الصحبة الخاصة...
        ماذا نعني بالصحبة العامة و الصحبة الخاصة: أما الصحبة الخاصة فهم الذين لازموا النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و عزروه و نصروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه حتى بيعة الرضوان، و ربما هناك من يسأل لماذا قلنا البيعة و لم نقل الفتح، البيعة هي أساس عظيم في الحكم على الصحبة الخاصة و قد وردت أحاديث كثيرة تدلنا على ذلك فعن أم مبشر رضي الله عنها: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة رضي الله عنها:لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها ، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة : { وإن منكم إلا واردها } (مريم:71) فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله عز وجل: { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } (مريم:72) رواه مسلم ، وفي "سنن" أبي داود : ( لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ) وفي "المصنف" لابن أبي شيبة ،قال: السابقون الأولون، من أدرك بيعة الرضوان. و ما ورد كذلك في الصحيح من الأحاديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: أنتم خير أهل الأرض ... قال جابر - وكان قد كفَّ بصره -: ولو كنت أبصر اليوم، لأريتكم مكان الشجرة .
        و لننظر إلى ابن عباس رضي الله عنه يتكلم عن الصحابة و يعرف قدرهم عند من جهلهم فيقول لمعاوية: يا معاوية إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص نبيه محمدا بصحابة آثروه على الأنفس والأموال ، وبذلوا النفوس دونه في كل حال ، ووصفهم الله في كتابه فقال : * ( رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) .
        [frame="9 80"]سبحان الله و بحمده أستغفر الله و لا حول و لا قوة إلا بالله و لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا و حبيبنا محمد أحب الخلق إلى الحق و على آله و صحبه
        إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي[/frame]

        تعليق

        • حسين القسنطيني
          طالب علم
          • Jun 2007
          • 620

          #5
          قاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين ، حتى تهذبت طرقه ، وقويت أسبابه ، وظهرت آلاء الله ، واستقر دينه ، ووضحت أعلامه ، وأذل بهم الشرك ، وأزال رؤوسه ، ومحا معالمه ، وصارت كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى .
          فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزكية ، والأرواح الطاهرة العالية فقد كانوا في الحياة أولياء وكانوا بعد الموت أحياء ، وكانوا لعباد الله نصحاء رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها ، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها .فقطع عليه معاوية الكلام وقال : يا ابن عباس حدثنا في غير هذا...
          و في هؤلاء توجد خاصة الخاصة فليس من شهد بدرا كمن لم يشهدها و ليس من شهد بدرا و كان مع رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم ملازما له دائما كمن كان لا يشهده إلا قليلا، و ليس المهاجرون كالأنصار و ليس الأنصار كمن دونهم ممن كان حولهم من الأعراب في هذه الخاصة من الناس، إلا أنهم كلهم ممن شهد البيعة معدودون في أهل الرضوان من الصحبة الخاصة لرسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم...
          فهؤلاء تواترت الأخبار عنهم معنويا بعدالتهم و رضا الله عنهم جميعا و هم المعنيون بقول من قطع لهم بدخول الصحابة الجنة، فكانت هذه هي الصحبة الخاصة و التي عناها رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم لأحد الصحابة ممن كانت له صحبة عامة ألا تسبوا أصحابي و الأول معدود في الصحبة العامة و الأصحاب الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم هم من كانت لهم الصحبة الخاصة، على أننا لا نتعرض لما كان منهم رضوان الله عليهم من أهل الصحبة العامة إلا بكل خير ما لم يكن من قبلهم ما يقطع به، و فيهم تفصيل كذلك فليس من استعمله رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم و أمره على الناس كمثل من لقيه صلى الله عليه و على آله و سلم و لم يلازمه و لم يستعمله رسول الله و لا كانت له معه خصوصية و هؤلاء كلهم ممن كان إسلامه قبل الفتح، ثم يأتي بعد ذلك من أسلم من بعد الفتح تسليما لقول ربنا عز و جل: "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد و قاتلوا و كلا وعد الله الحسنى..." و هؤلاء الذين آمنوا بالله و رسوله و جاهدوا معه و أنفقوا في سبيل الله ، ثم يأتي من بعد ذلك ممن أسلم و لقي رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم و لم يثبت له ما ثبت للآخرين ممن عددنا من الأصناف السابقة... و هؤلاء الذين كانت لهم الصحبة العامة لا نشهد لهم جميعا بتلك العدالة التي ينكرها علينا الشيعة من خلوهم من قوادح المروءة أو أسباب الفسق و النفاق، و لا نشهد لآحادهم و لا لجميعهم بالجنة إلا ما ثبت فيه نص صريح، حتى مع بقاء صفة العدالة لازمة لهم في فن الرواية لكونهم معدودين في طبقة الصحابة ممن لقوا النبي صلى الله عليه و على آله و سلم... و إن كان هناك من يرفع عنهم صفة العدالة و صفة الصحبة معا كما حكي ذلك عن الآمدي، وابن الحاجب قولا أن هؤلاء كغيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم مطلقاً، و كذلك ابن القطان من الشافعية فإنه قال : فوحشي قتل حمزة، وله صحبة، والوليد يشرب الخمر. قلنا من ظهر منه خلاف العدالة، لا تقع عليه اسم الصحبة، والوليد ليس بصحابي، إنما أصحابه الذين كانوا على طريقته".
          و قال الباقلاني رحمه الله تعالى : لا خلاف بين أهل اللغة في أنّ القول (صحابي) مشتق من الصحبة، وأنّه ليس بمشتق من قدر مخصوص منها، بل هو جار على كل من صحب غيره، قليلاً كان أو كثيراً، كما أنّ القول مكلم ومخاطب، وضارب مشتق من المكالمة والمخاطبة والضرب على كل من وقع منه ذلك، قليلاً كان أو كثيراً، وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال، وكذلك يقال صحبت فلاناً حولاً ودهراً وسنةً وشهراً ويوماً وساعةً، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره، وذلك يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي (صلى الله عليه وسلم) ولو ساعة من نهار، هذا هو الأصل في اشتقاق الاسم، ومع ذلك فقد تقرر للأمة عرف في أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن كثرت صحبته واتصل لقاؤه، ولا يجرون ذلك على من لقي المرء ساعة ومشى معه خطى وسمع منه حديثاً، فوجب لذلك أن لا يجري هذا الاسم في عرف الاستعمال إلا على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول ومعمول به، وإن لم تطل صحبته ولا سمع منه إلا حديثاً واحداً...
          قال الماوردي: الصحابي يشترط فيها أن يتخصص بالرسول (صلى الله عليه وسلم) ويتخصص الرسول به...
          ثم تساءل الشيخ المستبصر عمَن ينتقص الصحابة أو لا يقول بعدالتهم على النحو الذي نقله سيدنا ابن حجر رضي الله عنه و رحمه، فقال :
          بأقل أقوال أهل السنة : " إذا رأيت الرجل ينقص أحدا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق .
          والذين ينقصون أحدا على الاطلاق من أصحاب رسول الله هم زنادقة والجرح أولى بهم ".
          ومن عابهم أو انتقصهم فلا تواكلوه ولا تشاربوه ولا تصلوا عليه.
          و هذا الكلام صادق حقيق و لكنه لا يطلق إلا على من انتقص صحابة رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم ممن ثبتت له الصحبة الخاصة، و أما الصحبة العامة فقطعا لا يقع عليه ذلك الوصف، لأننا لو فعلنا لحكمنا بأنفسنا على صحابة من أهل الخاصة بذلك الحكم عندما تعرضوا لصحابة ممن كانت لهم صحبة عامة، و في هذا ضرب للصحبة بأسرها، و أما قاعدة ألا نتعرض لما شجر بينهم، فلا تحل الإشكال، ذلك أن حكم الله نزل فيهم، و قول رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم ينزل عليهم ابتداء، فكان الأولى أن ننزله على هذا المحمل لا على إطلاق الكلام على الصحابة، و كلام من أطلق الكلام على جميع الصحابة إنما يقصد به في فن الرواية، فمن طعن فيمن ثبتت له اللقيا برسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم بدعوى تحقيق العدالة في الرواة إلى أن يبلغ إلى رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم فإنما هو زنديق يريد بذلك نسف الدين من أساسه إذ لا نعلم مبلغا عن رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم غير من صحبوه و لازموه و نصروه و عزروه، فكان ذلك من هؤلاء العلماء سدا للباب أمام هؤلاء الذين يسعون إلى ضرب الدين بإنزال أحكام تحفظ الدين من ناحية الوجود و العدم على حد سواء...
          و لذلك نجد الحاكم رحمه الله تعالى قسم الصحابة إلى طبقات و كذلك فعل ابن سعد و غيرهم و كل ذهب إلى تقسيم معين بحسب ما ثبت لديه، فكان التقسيم مبنيا على الفضل في نصرة الدين و الإيمان به أولا فأولا...
          و مسألة العدالة لا تعني بالضرورة المفاضلة التي أدت إلى تلك التقاسيم في طبقات الصحابة بحسب أفضليتهم و سابقتهم، لأن العدالة إنما هي درجة عليا من التوثيق، فالكل حائز على ذلك التوثيق و لكن ليس من رفعنا عنه الكذب على رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم قطعا كمن أعطي صفة العدالة لمجرد تحقق اللقيا بينه و بين رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم و إن كان في نفسه غير أهل لها...
          فمسألة العدالة ليست عصمة نصبغها على الصحابة، لثبوت احتمال الوهم و الخطئ و الكذب بكونهم رجالا يصدر منهم مثل ذلك، و لكننا أرجعنا قبول الرواية عنهم أو ردها إلى علم آخر يبحث في إفادة الرواية للعمل أو لا، و لذلك نجد أهل الأصول عند حديثهم عن قول الصحابي اختلفوا و كان الراجح دائما يغلب أن الصحابي متى ما خالف النص لم يعتبر قوله أو فعله حجة مع تفصيل اختلاف في ذلك، إلا أن المراد واقع من أن القول بعدالة الصحابة لا يعني بالضرورة إفادة روايته للعلم أو العمل مطلقا حتى مع بقاء صبغة العدالة عليه...
          و لذلك نجد الصحابة عليهم رضوان الله حينما نادى سيدنا عمر بتحريم المتعتان وافقوه على ما كانوا علموه من الرسول صلى الله عليه و على آله و سلم، و تركوا ما خالف قول رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم مما كانوا يعملون به، فقال قائلهم فعل فعلناه على عهد رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم لا نتركه لقول فلان، فلم يتسم قول أحد منهم بالعصمة مع بقاء العدالة ثابتة لهم و هذا المثال كان مع ذروة سنام عمود الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، فكيف بمن هم دونهم...
          و كذلك ينبغي أن نشير إلى أمر مهم، و هو أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا قوامين بالحق شهداء بالقسط فلم يكونوا ليسكتوا على من يحاول تغيير الدين أو تبديل شيء فيه أو التلاعب به وفق هواه، و ذلك ما حمل الناس على الكف عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم و أشاع الرواية الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم فلم يكونوا بحاجة إلى كتابة السنن أو تدوين نصوص الشريعة، و إنما ظهر ذلك بعدهم بسنين عديدة حاولت السياسة من خلالها التلاعب بالروايات للخفض أو الرفع من أقدار أناس...
          السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا نقول بعدالة الصحابة دونا عن غيرهم من الرواة وقد كشف القرآن الكريم بأن أفراد هذه الفئة مردوا على النفاق وخانوا ، وغدروا ، ووعدوا فأخلفوا ، وحدثوا فكذبوا ، وابتغوا الفتنة وآذوا النبي ، وقلبوا الأمو ر؟
          لسبب بسيط و هو أن المنافقين لم يكونوا معلومين بأعيانهم، و هؤلاء الناس صحت لهم و ثبتت لقياهم بالنبي صلى الله عليه و على آله و سلم فكان ذلك ظاهرا في اتصال سنده إلى رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم، ثم إن العدالة إنما تشترط للبراءة من الكذب على رسول الله، و هذه في تلكم الطبقة متيقنة أولا باجتباء الله للخاصة منهم و انطباع طبائعهم في العامة واجتماعهم على الإنكار على المخالف أو الكذاب على رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم، فكان ذلك مدعاة للقول بعدالتهم جميعا و إن صدر من آحادهم ما يكون في العادة قادحا في عدالة الراوي... ثم إننا نعيد هنا أن الحكم بعدالة الراوي لقبول روايته لا تعني بالضرورة صحة و قبول روايته سندا و متنا، فكم من رواية صحيحة السند متصلة تم تعقبها و الكلام عليها، مع بقاء صحتها سندا، و لذلك فن الرواية لا يعنى باستفادة الأحكام من النصوص التي تروى و إنما تعنى بمجرد إثبات صحتها من الناحية السندية...
          [frame="9 80"]سبحان الله و بحمده أستغفر الله و لا حول و لا قوة إلا بالله و لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا و حبيبنا محمد أحب الخلق إلى الحق و على آله و صحبه
          إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي[/frame]

          تعليق

          • حسين القسنطيني
            طالب علم
            • Jun 2007
            • 620

            #6
            طيب فماذا نفعل فيما بدر من بعض الصحابة و ما شجر بينهم و هل يعد ذلك قادحا في عدالتهم، و إن كان قادحا ففي أي عدالة يقدح بعد أن فصلنا فيها؟
            لاشك في أن الله تعبدنا بأن نقول الحق و نشهد به، و أن نوالي من كان على الحق و نقول للظالم بأنه ظلم و بغى، و إن أمورا وقعت من بعض الصحابة عليهم رضوان الله و هم من الخاصة كما وقع من سيدنا طلحة و الزبير و أمنا عائشة رضي الله عنهم جميعا، و وردت إلينا الروايات بتوبتهم عما بدر منهم، و هم رضوان الله عليهم باعترافهم أخطؤوا و هؤلاء نرجو الله أن يتغمدهم برحمته لسابقتهم في الدين و نصرتهم للنبي الأمين و شهودهم معه فواتح هذا الدين، و لم تزل الأمة كلها تعرف لسيدنا علي كرم الله وجهه حقه و أنه كان على الحق فيما شجر بينهم و يعدون من ناوأه و خرج عليه بالخطئ و البغي، و لئن كففنا عمن ثبتت لهم السابقة في الدين و أحسننا الأدب و الظن بهم و معهم و مع من صحبوه و نصروه لأنهم كانوا من خاصة صحبه رضي الله عنهم، إلا أننا لا نجد لغيرهم ما وجدناه لهؤلاء، فلم نجد لهم توبة و لا سابقة في الدين، و لكن تعنتا و استمرارا على انتهاك بيضة المسلمين، فكانت فئة معاوية فئة باغية ظالمة بمن كان فيها... و تلك فتنة عصم الله منها أيدينا فلا سبيل إلا أن نعصم منها ألسنتنا إلا عن قولة ما يجب تبيينه للناس مع جام الأدب مع خاصة رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم...
            فإن قال قائل لماذا نخرج هؤلاء الخاصة دونا عن غيرهم، ألمجرد رواية توبتهم و أن لهم سابقة مع رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم، أم لأنهم صحت لهم عمومات أهل بدر و البيعة؟
            ربما كل ذلك صحيح، و خروج آحاد من تلك العمومات مهمل أمام الكثرة إن ثبت العكس، و لكننا التزاما منا بكلام ربنا و كلام رسوله في هؤلاء القوم صدقنا كلام رسول رب العالمين، و آمنا بما حكم به ربنا عزوجل، و هو قد سبق في علمه ما كان سيفعله حاطب بن أبي بلتعة يوم الفتح، فلما علم النبي صلى الله عليه و على آله و سلم بفعله خطب في الناس و طلب صاحب الكتاب فأجابه حاطب، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): «فما الذي حملك على ذلك»؟ قال: إنّ لي أهلاً بمكّة، وليس لي بها عشيرة، فأشفقت أن تكون الدائرة لهم علينا، فيكون كتابي هذا كفّاً لهم عن أهلي، ويداً لي عندهم، ولم أفعل ذلك لشك منّي في الدين.
            فقال عمر بن الخطّاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فوالله لقد نافق، فقال(صلى الله عليه وآله): «إنّه من أهل بدر، ولعل الله اطلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد».
            فجعل الناس يدفعون في ظهره، وهو يلتفت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليرّق عليه، فأمر بردّه وقال: «قد عفوت عن جرمك فاستغفر ربّك، ولا تعد لمثل هذه ما حييت». بحار الأنوار 21/120.
            فهذا حكم رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم على أهل بدر، و هذا علم الله و حكمه على أهل بدر، فمن رضي بحكم الله فهو مؤمن، و من سخط حكم الله في القوم فليس ذلك من الإيمان في شيء...
            فما القول فيمن لم يشهد تلك المشاهد المباركة الشريفة مع رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم و لم تكن له تلك الخصوصية مع رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم؟
            القول فيهم قول سيدنا علي عليه السلام و حكمه، قد كنا رأينا كيف حكم رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم في من شهد بدرا و عليهم يقاس من شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم إلى بيعة الرضوان، و بعد ذلك بقي شيء واحد و هو عرض رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم و التي أمر رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم بأن يرجعها سيدنا علي كرم الله وجهه إلى مأمنها و بيتها ففعل سيدنا علي عليه السلام ذلك و أكرمها في بيتها، و هذا حكم الله و رسوله و وصيه فيها، و لا نزيد على ذلك، و ليس من الأدب في شيء تناول عرض رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم بالهمز و اللمز و الغمز في المحاضر و المنتديات كما تفعله عصابة من الشيعة عليهم من الله ما يستحقون، فإن ذلك منهم أقرب للكفر منه إلى الإسلام، و أما من بعد هؤلاء فالناس سواسية، لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بما قدمت يداه، و قد كان سيدنا علي عليه السلام يقنت على صحابة و يلعنهم في صلاته كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم، فليس لنا أن نشهد لهم بالجنة أو بالفوز أو بالعدالة إلا من حيث الرواية فقط، فنقبل روايتهم سندا و نعرضها على أهل الدراية حفاظا على نصوص الشريعة و أحاديث رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم...
            والله أعلى و أعلم و هو يهدي للتي هي أقوم...
            [frame="9 80"]سبحان الله و بحمده أستغفر الله و لا حول و لا قوة إلا بالله و لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا و حبيبنا محمد أحب الخلق إلى الحق و على آله و صحبه
            إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي[/frame]

            تعليق

            يعمل...