بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الإمام الجوينيُّ رحمه الله تعالى ورضي عنه دليلاً في تنزيه الله تعالى عن حلول الحوادث في ذاته العليَّة بإثبات لزوم حدوث كلِّ ما قام به حادث، وذكره الإمام السنوسيُّ رحمه الله تعالى ورضي عنه في [صغرى الصغرى]...
وحاصله هو أنَّ ما قام به حادثٌ فهذا لكون الموصوف قابلاً للاتِّصاف بهذا الحادث، فهذا القبول نفسيٌّ ذاتيٌّ، فيمتنع أن تكون الذَّات موجودة إلا بهذا القبول المقتضي لكون الذَّات دائماً متَّصفة...
فالذَّات القابلة لصفة ما يمتنع وجودها من غير هذه الصفة أو ما هو من جنسها، وإلا للزم أن يكون وصفها النَّفسيُّ للقبول حاصلاً مع عدم حصول المقبول.
فلئن وجدنا صفة قد حدثت في الذَّات فهذا يعني أنَّ الذَّات قابلة له، فهي قابلة لما هو من جنسه...
فإذ يمتنع أن تخلو الذَّات عمَّا تقبله، وهذه الصفة قد حدثت، فلا بدَّ أن تكون الذَّات موصوفة قبل هذه الصفة بصفة سابقة، والصفة السابقة حادثة وإلا لامتنع عدمها، فيلزم أن تكون مسبوقة بصفة، فيلزم التَّسلسل الباطل، فيلزم حدوث الموصوف.
إذن: حدوث صفة في موصوفٍ مقتضٍ لكون هذا الموصوف حادثاً بتوسُّط العلم بأنَّ حدوث صفة مستلزم لكون الموصوف لا يخلو عن الحوادث.
.............................
وقد ذُكِرَ تضعيفُ هذا الطريق - مثلاً من الإمام الآمديِّ رحمه الله تعالى ورضي عنه-...
ويظهر أنَّ محلَّ الاعتراض هو أن لِمَ يلزم أن يتَّصف الموصوف بما هو قابل له؟ فالقبول ليس هو المؤثِّر في وجود الصفة السابقة أو اللاحقة...
فهل القبول للصفة مقتضٍ وجوباً لأن تكون الذات متَّصفاً بالصفة وإلا لما وجدت الذَّات؟
ولماذا لا يمتنع أن يحدث في الذات شيء ثمَّ لا يكون بعده للذَّات بديل؟
فلِمَ لا نفرض موجوداً قديماً حدث فيه شيء لم يكن مسبوقاً بما هو من جنسه؟ فلا يلزم أن يكون قد سبق حدوث شيء فيه، فلا يلزم التسلسل.
..............................
فالجواب في أصل المطلوب وهو تنزيه الله تعالى هو بأنَّ الله تعالى إذ هو واجب الوجود فيجب له كلُّ ما يصحُّ له [لا يمتنع عليه]، فلو قبل وصفاً لوجب له، فلو حدث له معنى للزم أن يكون مسبوقاً بما هو من جنسه ويجري الدَّليل.
والجواب في الممكنات هو أنَّ قبول المعاني هو راجع إلى صفة وجوديَّة أو إلى ماهيَّة الممكن، وهذه الصفة الوجوديَّة راجعة إلى الماهيَّة كذلك، فيكون هو راجعاً إليها كذلك...
فالممكن من حيث ماهيَّته لا بدَّ أن يكون قابلاً لجنس ذلك المعنى المعيَّن، أي: هذا الممكن من حيث حقيقته لا يكون إلا موصوفاً بهذا القبول.
إذن: الممكن لا يكون إلا قابلاً للصفة ومثلها وضدِّها، ويمتنع حصولها معاً، فلا بدَّ من إحداها.
إلا أن يقال إنَّ أحد الأضداد غير وجوديٍّ أصلاً، فيمكن قدمه قبل المعنى الحادث، كما لو قيل إنَّ السكون عدميٌّ، فلو كان هناك جسم سكونه قديم فلا ينافي ذلك حدوث الحركة بعد ذلك.
وإبطاله بأنَّ القبول يوجب محلِّيَّة الممكن للصفة، وفرض صفة عدميَّة ينافي محلِّيَّة الممكن للصفة، فيمتنع الفرض.
..................................
فقد جرى نقاش بين السادة العلماء رضي الله عنهم في هذه المسألة -وقد قرَّرتها بطريقتي فربما في تقريري خطأ أو أخطاء-، فيأتي بعض المساكين الجهلة فيقولون إنَّ السادة العلماء رضي الله عنهم متناقضون مضطربون!
ثمَّ يتناسخ المساكين عن المساكين تلك السخافات!
والحقُّ هو أنَّ اختلاف السادة العلماء رضي الله عنهم في تقرير الأدلَّة ومناقشاتهم فيها إنَّما هو لأنَّ جميعهم باحث عن العلم، وليس بينهم مقلِّد للآخر، واختلافاتهم في تقرير الأدلَّة لا يناقض كون جميعهم على اعتقاد واحد، بل كلُّهم على اعتقاد واحد وإن اختلفت بعض أدلتهم في تقريره.
أمَّا المقلدون الجهلة الذين لا يقدرون على تقرير معتقدهم هم فضلاً عن معتقد غيرهم فلا يفهمون أنَّ الاختلاف في تقرير الأدلَّة لا يعني الاختلاف في عين الاعتقاد.
ويحسبون كلَّ اختلاف اضطراباً وتناقضاً، مع أنَّ الاختلاف في علم الكلام ممكن وحاصل، ولا يلزم منه فساد الاعتقاد لأحد من السادة العلماء رضي الله عنهم.
ولولا أن ذكر أحد المساكين هذه المسألة على أنَّها دليل على اضطراب السادة العلماء رضي الله عنهم لما ذكرتها هنا.
هذا وهو بلا ريب غيرُ فاهم لأصل الخلاف فيها!
والسلام عليكم...
تعليق