القسم الثاني من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلال النجار
    مـشـــرف
    • Jul 2003
    • 1128

    #16
    بسم الله الرحمن الرحيم،
    قولك: (وجه التعارض بين حديث قاتل نفسه وأحاديث الشفاعة فإن الأول ظاهر في خلود كل من تجرع سماً في نار جهم، وأحاديث الشفاعة تخرج كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فهل سنقول إن كل من قتل نفسه فهو مخلد في النار حاشا من كان مؤمناً لما جاء في أحاديث الشفاعة؟ أم سنقول إن كل من كان مؤمناً فسيخرج من النار إلا إن كان قاتلاً لنفسه بتجرعه السمَّ كما جاء في حديث تجرع السمِّ؟ أم لا هذا ولا ذاك فبينه؟)

    أقول: إن الجنّة لا يدخلها إلا المؤمن بالاتفاق. أمّا النار فأهل السنّة على أنّ الله تعالى وعد بها الكافر خالداً فيها خلوداً دائميّاً في العذاب بلا موت. وأما المؤمن فكما هو موعود بالنعيم على الطاعات فمتوعّد بالعقاب على المعاصي. ولا تخرجه معاصيه مهما بلغت عن أصل الإيمان إلا أن يجحد ما أدخله في الإيمان وهي كلمة الشهادة بمقتضياتها. فمعنى لا إله إلا الله عند الأشعريّة لا مستغني عن كل ما سواه ومحتاج إليه كلّ ما عداه إلا الله سبحانه، وهي جامعة لمعاني العقيدة المطلوبة من المسلم مما يجب له تعالى، وما يستحيل في حقّه وما يجوز كما حققه العلامة السنوسي رحمه الله. ويقتضي الإيمان بثبوت الرسالة لسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم معرفته بالعين والمنزلة أي معرفة ما يجوز في حقه وما يستحيل وما يجوز، والتصديق بما جاء به من أركان الإيمان وأركان الإسلام، وما أخبر به عن ربّه من كتاب وحكمة. والإيمان من حيث هو كيفيّة نفسانيّة فإنه قابل للزيادة بالأعمال الصالحة والنقصان بالمعاصي. ونفيه عن المتلبس بالمعصية محمول على نفي كماله.

    فأهل السنّة فهموا من قوله (لا يزني الزاني وهو مؤمن..) وأشباهه من الأحاديث أن معناه لا يفعل المؤمن هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. فإنه يجوز أن يطلق اللفظ في نفي شيء ويراد به نفي كماله، كما تقول: لا علم إلا ما نفع. ولا مال إلا الإبل. واللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة. وتأوّلنا لظاهر هذا الحديث لحديث أبي ذر وغيره: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنّة، وإن زنى وإن سرق) ولحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور: (أنهم بايعوه على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا.. ثم قال: فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذّبه".

    قال الشيخ النووي في شرح الحديث: وهذان مع نظائرهما في الصحيح مع قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) مع إجماع أهل السنّة على أنّ الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرّين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنّة أوّلاً، وإن شاء عذّبهم ثمّ أدخلهم الجنّة. وكلّ هذه الأدلّة تضطرّنا لتأويل الحديث وشبهه. ثمّ إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل كثيراً، وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهراً وجب الجمع بينهما، وقد وردا هنا، فيجب الجمع، وقد جمعنا. وتأوّل بعض العلماء الحديث على من فعل ذلك مستحلاً له مع علمه بورود الشرع بتحريمه. وقال الحسن والطبري: معناه أنه ينزع منه اسم المدح الذي يسمّى به أولياء الله المؤمنين، ويستحقّ اسم الذمّ فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق. وحكي عن ابن عباس أن معناه ينزع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع. وقال المهلّب: ينزع منه بصيرته في طاعة الله. وذهب الزهريّ إلى أنّ هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمرّ على ما جاءت، ولا يخاض في معناها، وإنا لا نعلم معناها، وقال: أمرّوها كما أمرّها من قبلكم.

    ثم قال النووي: وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلّها محتملة. والصحيح في معنى الحديث ما قدّمناه أولاً، والله اعلم. اهـ

    فهذا تقرير لقول أهل السنّة في هذه المسألة على وجه حسن. وكلّ من قال بواحد من هذه الأقوال الواردة سواء من أوّل ومن فوّض، ومن أتى بأيّ قول مقبول من التأويل في فهم الحديث بحيث لا يخرج الفاعل إذا اعتبره مؤمناً بفعل المعصية من حدود أصل الإيمان الذي هو التصديق اليقيني بأركانه، ولا يدخله في حدود الكفر، فقوله موافق لأهل السنّة. وإلا فقوله على خلاف قولهم. وكما أنّ الإيمان يطلق على أصله وعلى كماله، فكذا الكفر والشرك يطلقان على الحقيقة وعلى المجاز. فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلّم على عديدين يقطع بعدم كفرهم بهذا الفعل حقيقة، كقوله: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتّى يرجع إليهم)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقوله: (اثنان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميّت، وقوله: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) فقد قاتل عليّ من خرج عليه من المسلمين وهو من العشرة فلا يقال عنه رضي الله عنه أنه كفر بالإجماع. وقوله: (ليس رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر...)، وكذا من كان فيه خصلة من النفاق الواردة في الأحاديث فلا يلزم أن يكون كافراً. وهذا واضح.

    وأمثال هذه الأحاديث كثيرة جدّاً محمولة على كفران النعمة وتغليظ التحريم والتشبه بأفعال الكافرين... وغير ذلك مما يدرس معناه في محلّه مع الأحاديث والآيات المشابهة له في الموضوع بحسب قواعد اللغة والأصول بحيث يتوصّل إلى قول فيها، أو يتمسّك بالمحكم الواضح منها ويترك المشكل إعراضاً عن التأوبل. وهذه صنعة أهل السنّة سواء في آيات وأحاديث الصفات والعقائد عامّة أو في الفقه. على أنّهم في أصول الاعتقاد لا يقبلون إلا الدليل القطعي، ولذا تسامحوا مع المعتزلة في فروع الاعتقاد وما لهم عليه شبهه فلم يكفّرهم من أهل السنّة إلا نفر قليل على بعض إلزامات ألزموها لعلمائهم. ومعلوم تحرّز أهل السنّة في تكفير أحد من أهل القبلة. ولا يلزم أبداً من إطلاق حكم الكفر عندهم على أحد أنّه خالد في جهنم مكذّب بالله ورسوله كما يتوهّمه البعض. ولكنّهم يجرون عليه أحكام الكفر من الاستتابة والحد وغير ذلك كما هو مفصّل في أحكام المرتدين وأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في كتب الفقه. بل للغزالي رضي الله عنه أنه لا يجوز سب مؤمن ولا كافر بعينه ... إلخ إلا أن يكون مقطوعاً بكفره كما في حالة أبي لهب وغيره، وكلّ ذلك تحرّزاً عن أن يكون مصدّقاً بدعوة سيدنا محمّد محققاً لأصل الإيمان.

    إذا تقرّر هذا فنقول: حديث أبي هريرة في مسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وإن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّاً بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً). وكذا عند الترمذي في الطب باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم أو غيره، وابن ماجة مختصراً في الطب باب النهي عن الدواء الخبيث.

    وفي الباب نفسه عند مسلم ثلاث روايات بلفظ: (من حلف على يمين بملّة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه) يزيد فيها وينقص، وليس فيه ذكر الخلود وإنما التعذيب بما قتل الواحد به نفسه.
    وهو عند الشيخين من حديث ثابت بن الضحاك، وفي موضع من البخاري: (ومن قتل نفسه بشيء عذّبه الله به يوم القيامة) في الأيمان والنذور باب من حلف بملّة سوى الإسلام. وكذا عند الترمذي وأبي داوود والنسائي أيضاً.

    قال ابن حجر عند تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس التي حرم الله إلا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيّئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً). وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً أليماً): "وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنّة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا معنى قوله فجزاؤه جهنّم أي إن شاء الله أن يجازيه تمسّكاً بقوله تعالى في سورة النّساء أيضاً (قلت قوله أيضاً ربما كان إشارة إلى الاستثناء الوارد في سورة الشعراء إلا من تاب، أو الإجماع الذي ذكره أو هما معاً فهي إشارة منه إلى أن هذا دليل زائد عليهما والله أعلم): (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن الحجّة في ذلك حديث الإسرائيليّ الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أتى تمام المائة فقال له لا توبة فقتله فأكمل به مائة ثم جاء آخر فقال ومن يحول بينك وبين التوبة. الحديث. وهو مشهور.... وإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمة فمثله أولى لهم لما خفّف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم" اهـ

    وعند تفسير قوله تعالى (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) قال ابن حجر: بعدما ذكر قصة وحشي قاتل حمزة حين نزلت (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً) فقال إن هذا شرط شديد فنزلت (قل يا عبادي الذين أسرفوا) الآية. قال ابن حجر: في رواية الطبراني فقال الناس: يا رسول الله إنا أصبنا ما أصاب وحشي، فقال: هي للمسلمين عامّة. وروى أحمد والطبراني في الأوسط من حديث ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أحب أن لي بهذه الآية الدنيا وما فيها يا عبادي الذي أسرفوا على أنسهم- الآية). فقال رجل: ومن أشرك فسكت ساعة ثم قال: (ومن أشرك ثلاث مرّات). واستدلّ بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها (قلت: أي جواز ذلك وردّه إلى المشيئة) سواء تعلّقت بحقّ الآدميين أم لا. والمشهور عند أهل السنّة أن الذنوب كلّها تغتفر بالتّوبة وأنّها تغفر لمن شاء الله ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود وأما خصوص ما وقع منه فلا بدّ من ردّه لصاحبه أو محاللته منه، نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعوّض صاحب الحقّ عن حقّه ولا يعذّب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). والله أعلم.

    قلت: وتبويب مسلم يبيّن رأيه في حديث الخلود الوارد في بابه. والله أعلم. ويشهد لذلك تبويبه بعد باب التغليظ السابق، قال: (باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر). وروى حديث جابر أن الطفيل بن عمرو الدّوسي أتى النّبي صلى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟
    -قال: حصن لدوس في الجاهليّة- فأبى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، للذي ذخره الله عزّ وجلّ للأنصار. فلمّا هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا في المدينة، فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتّى مات. فرآه الطّفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطّياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربّك عزّ وجلّ؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلّم، فقال: ما لي أراك مغطّياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصّها على الطفيل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (اللهمّ وليديه فاغفر).

    قال النووي في شرحه: "أما أحكام هذا الحديث، ففيه قاعدة عظيمة لأهل السنّة، أنّ من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنّار، بل هو في حكم المشيئة، وقد تقدّم بيان القاعدة وتقريرها. وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النّفس وغيره من أصحاب الكبائر في النّار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، ففيه ردّ قول المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ. والله أعلم" اهـ

    فهذا تقرير حسن لمذهب السنّة في هذه المسألة، وهو ما نقول به وإنا إن شاء الله تعالى مصيبون. فهذه بعض أدلّة السنّة وأقوالهم فيها، ولقد وقفت في الكتب الستّة على أحد عشر حديثاً في الشفاعة لو أردنا سردها وذكر رواياتها وما جاء فيها من لفتات العلماء لطال المقام. أذكر منها:
    - حديث مسلم: (لكل نبيّ دعوة قد دعا بها في أمّته، وخبّأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).
    - وحديث الشيخين ومالك: (لكل نبي دعوة يدعوها، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة...) الحديث. وعندهما أيضاً بلفظ: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً).
    - وحديث الترمذي وأبي داوود وابن ماجة: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي)

    وهذه الأحاديث كلّها صحيحة وهنالك غيرها صحيحة وحسنة مشهورة في الباب. فليرجع لكتب شروح الأحاديث لمعرفة تفاصيل توجيهات العلماء لها، وللتفاسير في المواضع ذات العلاقة بالموضوع.
    فهذا ما أمكنني إياه الله من الوقت والجهد هذا اليوم، فإن كان من تعليق يضيفه فادي فسوف نزيد الكلام في استدلالنا على قولنا إن شاء الله إذا أتانا بشيء جديد، وإلا فما قوله فيمن قتل نفسه؟ وهل لك من اعتراض على توجيه أهل السنّة لهذه الأحاديث وطريقتهم الأصلية في الاستدلال، هات ما لديك.
    ثم الحمد لوليّ الحمد.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

    تعليق

    • fadilov
      موقوف لأسباب إدارية
      • Nov 2003
      • 42

      #17
      تابع الرد على كلام الفاضل جلال.

      قلتَ (لا يسلّم أنّ خروج النصّ عن الإطار الثقافيّ والجوّ النفسيّ إذا جاز التعبير بذلك أي على فرض وجود مجموعة كبيرة جدّاً من الناس بين نفوسهم هذا التناغم العجيب المدّعى، فلا يسلّم أن اختلاف هذه الظروف وإن ألقت بظلالها على النصّ أنّه لا يمكن فهم النصّ إلا بالعودة إلى تلك الظروف.)
      تعجبك من هذا المدعى يلزم منه أنك تنكر شيئا اسمه ثقافة ولا أظنك تقصد ذلك! على أنه لا يلزم من وجود إطار ثقافي وجو نفسي لمجموعة من الناس أن يكون كل من يعيش في هذا الجو متناغم مع الآخرين في كل شيء، ولا يلزم أيضا عدم وجود شيء مشترك بين جمهور من ينتمي إلى هذه المجموعة، فلا شك أن هناك جوا عاما وشعورا شائدا يعيشه المجتمع في زمن الظلم أو في زمن الحرب مثلا مختلفا عن الجو الذي يعيشه المجتمع في زمن العدل أو الحرب. أما أنه لا تسلم عدم إمكان فهم النص بغير العودة إلى تلك الظروف فإن سلمته لك وهو غير مسلم حتى الآن فيلزمك القول بأن الله أراد من الصحابة أن يفهموه بالعودة إلى الظروف الثقافية اللتي عاشوها أو من غير العودة إليها فإن رجحت أحدهما على الأخرى لزمك الدليل.

      قلتَ (وبماذا يختلف النص القرآني من حيث ما هو كلام عربي له دلالاته عن قصائد الشعر الجاهليّ والألواح الفرعونيّة والبابليّة والجداريات الهيروغليفيّة لحضارة .... بصرف النظر عن سبب كتابة تلك النصوص التي بلا شكّ تعين على فهم النص من بعض الجهات)
      ومن قال أننا استطعنا أن نفهم معتقدات تلك الأمم ونعرف دلالات تلك النصوص؟ فأنا لا أسلم هذا حتى أسلم لك صحة النتيجة، بل أنا على يقين أن كثيرا من معتقداتهم مجهولة لدينا، وعلماء الآثار والأنثروبولوجيا ينسبون إلى تلك الأمم هذه المعتقدات على وجه التكهن لا على وجه اليقين وعليه ينقلب الدليل حجة عليك لا لك فأنت تثبت فهم النصوص على وجه اليقين على الأقل في أصول الدين وعلى غلبة الظن في فروعه، ثمَّ إن هناك تفسيرات كثيرة متضاربة لما كانت عليه تلك الأمم من اعتقاد.

      قلتَ (ولكن أين التلازم بين معرفة سبب النزول وفهم النص من حيث ما هو كذلك. إن أيّ نصّ مكتوب بلغة منقولة لنا أي معروفة مواضعاتها ومنقولاتها فإننا إذا تعلّمنا تلك اللغة فكيف تمنع أن نفهم النص المكتوب به؟)
      الكلام ليس فقط عن سبب النزول بل عما هو أعم منه بكثير وهو الثقافة بما تحويه من تيارات فكرية واجتماعية وسياسية ودينية وغيرها وأما سبب النزول فهو أمر له علاقة بسياق مخصوص وليس بإطار عام. على أنني لا أسلم أنه من غير معرفة سبب النزول يكمن أن أفهم النص إذا عرفت مواضعات اللغة ومنقولاتها، فإن سبب النزول من شأنه أن يخصص العام أو يعمم الخاص وغير ذلك، وإلا فكيف ستفهم قوله تعالى: (لا تحسبن اللذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن بحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب)، وقوله تعالى: (يا أيها اللذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَّ إن اهتديتم) وغير ذلك من الآيات اللتي خُصصت بسبب نزولها. وأنت لو تأملت في حياتك وما تستخدمه من لغة علمت يقينا كيف يخصص سبب الحديث الكلام أو يبين المراد منه، فلو أمرت الأمُّ ابنها العاقل بأن يأتي لها برزٍ وهي تعدُّ الطعام لمأدبة علم الابن يقينا أن طلب أمه على الفور ولو أمرته بذات الأمر قبل أن تخلد إلى النوم علم الابن يقينا أن طلبها على التراخي، وكذا لو أمرته بأن يدرس والوقت وقت امتحانات فسيحمل الابن أمرها على الوجوب، ولو أمرته أن يدرس في وقت آخر كعطلة الصيف فسيحمل الابن أمرها على الاستحباب.

      قلتَ (إنّ عدم معرفة سبب النزول وغير ذلك مما ذكرت من الظروف التي ظهر فيها النصّ لا تقتضي مطلقاً أن لا يفهم النص.)
      إن كنت تقول أنه لا يقتضي ذلك أن لا يفهم النص فهما صحيحا وأعني بالفهم الصحيح المطابق لمراد الشارع فهذا غير مسلم، وقد تكلمت عن أسباب النزول، أما غيرها من الظروف فإن فهم الشريعة مرتبط بفهم المخاطبين بها فما يفهمه شخص من عبارة قد يفهمه آخر على وجه مختلف وفقا لظروف الشخص ونفسيته، وهذا أمر مقرر مشاهد في الواقع لا يخاف فيه عاقل، لهذا كان الصحابة يفهمون فهوما متنوعة متضاربة من الآيات والأحاديث على وفق طبائعهم، ألم تر أن عمر فهم من قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) لنهي عن الاستغفار مطلقا حتى بلغ به الأمر أن أخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد منعه من ذلك ثم بين له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مخير في ذلك غير منهي، فهل تظن أن عمر رضي الله عنه ما كان يعرف أن "أو" في الآية الكريهة للتخيير، لكنه ما فهم هذا وأخذ بثوب رسول الله لشدته في دين الله، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأشدهم في دين الله عمر"، وكذا أيضا عندما فهم أنهم سيأتون مكة في العام اللذي تمَّ فيه صلح الحديبية. ولهذا كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنوع في نفس السؤال لاختلاف حال السائلين كجوابه على سؤال أي العمل أفضل؟ فمرة أجاب الصلاة على وقتها وأخرى أجاب إيمان بالله. وكذا عندما دخل عليه عثمان رضي الله عنه وعنده أبو بكر وعمر وهو كاشف عن ساقيه فغطاهما وقال إن عثمان تستحي منه الملائكة، وغير ذلك من الحوادث الكثير تدل كلها على أن طبيعة المخاطب تؤثر في فهم النص وأن الشارع راعى حين خطابه طبيعة المخاطبيي، وتدل أيضا أن من لم يتنبه إلى هذا فسيفهم الشريعة على غير ما أريد منها كما حدث مع عمر رضي الله عنه.
      أما إن كنت تقول أنه لا يقتضي ذلك أن يفهم النص فهما يزيل الإشكال عن التعارض الظاهر بين نصوصه فإنا إن سلمنا لك إمكان هذا الفهم فإنا لا نسلم لك صحته أي أنه موافق لما أراده الشارع.
      وأنا أضرب مثالا على احتمال أن يكون الفهم منطقيا مع عدم مطابقته لمراد الله فأقول، قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المشركون) وقوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) فالآيتان متعارضتان فالأولى أثبتت عدم السؤال عن الذنوب، والثانية أثبتت السؤال للجميع المشركين وغيرهم عن الأعمال التي تدخل فيها الذنوب. ويمكن أن نجيب عن هذا التعارض بأجوبة كثيره منها أن نقول سيسأل الجميع حاشا المشركين من باب الخاص والعام، أو سيسأل الجميع بما في ذلك الشركون غير أنهم لن يسألوا عن ذنوبهم من باب المقيد والمطلق، أو نقول سيسأل المشركون في مواقف ولا يسألوا في مواقف أخرى فإن يوم القيامة مواقف وليس موقفا واحدا. وهذه الفهوم كلها رافعة للإشكال بطريقة منطقية صحيحة، إلا أن هذا غير مفيد أبدا إذ أن هذه الفهوم متعارضة فيما بينها فالفهم الأول يلزم منه عدم سؤال المشركين مطلقا والثاني سؤالهم والثالث سؤالهم وعدم سؤالهم، فأي فهم منها هو الذي أراد الشارع منا معرفته، أي ما هو الفهم المطابق لمراد الشارع؟ وعليه فإن وجود طريقة منطقية لا خطأ فيها لفهم النص لا يلزم منه أن يكون الفهم صحيحا. تأمل.
      وأكرر سؤالا ذكرته فيما سبق وهو هل راعى الشارع الثقافة وطبيعة المخاطبين عندما أنزل النص أم لا إن كان الأول فإنه يلزم منه أن لا يصح الفهم من غير تلك الأمور وهو ما تقوله المقالة وإن كان الثاني فما الدليل؟

      قلتَ (فكأنّك تقول إن كلّ آية فهي مرتبطة بمناسبة خاصّة معيّنة، ولا دلالة لتلك الآية إلا على تلك الواقعة المحدّدة، بحيث لا يمكننا أن نقيس على تلك الواقعة شيئاً آخر، أو أن نفهم من النص شيئاً آخر إذا لم يكن ذا صلة بتلك الحادثة. ولا أعرف عاقلاً يقول بذلك. )
      إن قصدت مناسبة النزول فلا، وإن قصدت ظرفا ثقافيا فنعم، ولا أقول بأن دلالة تلك الآية مقتصرة على تلك الواقعة المحددة بل لو عرفنا الظروف المحيطة بنزول الآية وحال من خاطبت أمكننا معرفة المراد منها وجوزنا تعميم الحكم على غيرها من الوقائع المشابهة لها. أما من غير معرفة الظروف أو علة الحكم فلا يصح القياس وأنت تصححه.

      قلتَ (فلا نسلّم أن معنى القرآن يتحدّد ويختصّ بسبب النزول. وسواء عرف السبب أو جهل، فلا نسلّم أن دلالته الخاصّة تلك، لا يمكن تعميمها. بل الأصل عمومها إذا كانت عامّة أو قابليّتها للقياس عليها إذا كانت خاصّة، وبالتالي تعميمها على نحو ما. وخصوصها مطلقاً بحيث لا يجوز تعديتها لا يعتبر فيه قول كل من قال ذلك، بل يجب أن يرد فيه دليل شرعيّ منفصل يشهد لتك الخصوصيّة المطلقة. )
      أسلم أن الأصل في العموم أن يكون عاما ولكن لا أسلم أن الأصل في العموم الذي ورد في سياق خاص التعميم، بل قد يكون عاما وقد يكون خاصا وأنت مطالب بالدليل ولا ينفعك القول بأن الأصل عمومها إن كانت عامة فإن محل النزاع فيما إن كان عمومها إن كانت عامة في سياق خاص. أما قابليتها للقياس إن كانت خاصة فأنا لا أقول بالقياس الشرعي وأقل ما يقال أن إثباته موقوف على النص ونحن نتكلم عن فهم النص فلا يصح الاستدلال بالنص الآن حتى نسلم صحته، ثم إن سلمت أن القياس الشرعي حق فأقول يجب أن تكون العلة منصوصة وإلا فلا يصح القياس، وهو قول جماعة من الأصوليين منهم الفخر الرازي في كتابه المحصول إن لم تخني ذاكرتي.
      ثم كلامك هنا معارض بما جاء في تفسير قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) وقصة الرجل الذي أصاب من امرأة قبلة وفي نهايتها أن الصحابة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أله وحدهُ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل لسائر أمتي، فها هم الصحابة لم يفهموا أن الأصل في العموم إذا جاء في حادثة خاصة التعميم وإلا لما سألوا أله وحدهُ، ولا أنكر عليهم رسول الله حطأ سؤالهم بقوله أن الأصل التعميم في كل آية وردت في مناسبة خاصة، بل اكتفى بقوله أن الآية لسائر الأمة مقرا لهم صحة سؤالهم. تأمل.

      قلتَ (ثم إنه كما كان القرآن مبيناً في زمان نزوله، فهو مبين اليوم بالاتفاق. ولكن آلات فهمه في ذلك العصر والتي أهمها معرفة اللغة العربيّة واصطلاحات الشارع، قد نقلت وهي موجودة عند العلماء، فلا حجر على فهومهم اليوم بحجة عدم المعاصرة.)
      أما أنه مبين اليوم بالاتفاق فلا أدري عن أي اتفاق تتكلم، وأنا أنازع في ذلك لأن آلات فهمه غير منقولة لنا كما تدعيه وهي عندي غير محصورة فيما ذكرت بل الثقافة وحال المخاطبين وأسباب النزول كلها من أدوات الفهم وهي غير منقولة على العموم. وكلامك هنا غريب حقا فإني أنازع في معظمه وأنت تغفل هذا.

      قلتَ (وقد أشرنا في المقالات السابقة .... وخواصّهم كانت معرفتهم واحدة وفهمهم لدقائق القرآن الكريم متساوياً. )
      إعادة من غير إفادة.

      قلتَ (ثمّ إن ادّعاء أن النصّ القرآنيّ كان بيّناً لجميع المخاطبين به في وقت نزوله فضلاً حصول فهم واحد لديهم جميعاً وإفادته دلالة واحدة عندهم، لهو كلام غريب مخالف للعادة والظاهر مخالفة واضحة. ولعمري كيف لأحد أن يعرف ذلك أو يستدلّ عليه، إذ هو بحاجة لاستقراء تامّ لكلّ واحدٍ واحد منهم، وهو محال. والباحث يجد في الآثار معارضات كثيرة لهذا القول، من الحوادث التي اختلف فيها الصحابة في تفسير مواضع من القرآن. فكيف تدّعي أن مجرّد اشتراك الناس في ظرف تاريخيّ معيّن كافٍ في تحصيل فهمٍ واحد لدى الجميع في أمرٍ يحتاج فيه إلى أكثر من مجرّد الحاسّة والعقل المحض. ألا وهو فهم القرآن الكريم؟)
      المقالة لا تذكر أن النص كان بينا لجميع المخاطبين به بهذا التعميم، بل تقول إنه كان بينا لجميع المخاطبين به على الجملة، ثمَّ اعلم أن المخاطبين عندي وفي اللغة أيضا أخص من المعاصيرن وعليه فأنا لا أقول إن جميع الصحابة مخاطبون بكل آية وحديث، واختلاف الصحابة في تفسير القرآن حجة لي لا علي إذ إنهم لم يعتمدوا في تفسيرهم دائما على معرفة الظرف المحيط بالآية ولا عرف جميعهم كل آية متى نزلت وفيما نزلت، وإنما اعتمدوا في بعض الأحيان على ما فهموه من لغة العرب وهم أهل اللغة وغير ذلك مما يساعد على الفهم لهذا وقع الخطأ والتعارض في بعض تفسيرهم، وأنا لم أدَّع أن مجرد اشتراك الناس في ظرف تاريخي كاف في تحصيل فهم واحد، وأرجع عنه إن قلت به، لكن معرفة هذا الظرف يعين على الفهم ويساعد في بيان دلالة اللفظ.


      قلتَ (قوله: (لكن فهم الثقافة ....
      أقول: لا يسلّم أن معرفة الثقافة بالقدر الذي يكفي لفهم نصّ خوطبت به تلك الثقافة، أمرٌ يحتاج إلى العيش في تلك الحضارة. وندّعي أن المعرفة من طريق الخبر تكفي في نقل ذلك القدر المحتاج إليه في الفهم.)
      هذا الذي لا تسلمه منقوض بالواقع، ونحن لا نتكلم عن مجرد معلومات يمكن أن تنقل بالخبر بل عن تجربة وشعور نتج عن تلك التجربة أدى إلى فهم معين وهذا أمر لا يمكن أن ينقل بالخبر، وأنا أسألك فأجبني لو حدثك أحدهم عما لاقاه بعض المسلمين من ألوان العذاب المختلفة في سجون بعض الطغاة فهل سيكون إدراكك للأثر لنفسي والفكري الذي يتركه هذا الظلم على هؤلاء المعذبين مساويا في درجة عمقه للدرجة اللتي يدركها المعذبون أنفسهم، وهل ستفهم من قولي لا يعذب مؤمن مؤمنا ذات ما سيفهمه من عاين وعايش وذاق هذا العذاب؟ ما أراك إلا ستفهم نفي كمال الإيمان بينما سيفهم الآخر نفي مطلق الإيمان. وكما تقول العامة "يلي إيدو بالمي مش زي يلي إيدو بالنار" ألم يكن أحد الأسباب الرئيسية في نشوء جماعات الهجرة والتكفير ما لاقوه من صنوف العذاب؟ وأدى ذلك بهم إلى فهم النص فهما معينا، إن التجربة اللتي عاشها هؤلاء تحت نير العذاب هي اللتي أدت إلى نشوء هذا الفهم الذي وجد له مستندا ليس فقط في النصوص الشرعية بل في أقوال العلماء، ولو تأملت كيف تطور حكم القيام على الحاكم الظالم في الفقه الإسلامي من الوجوب إلى الحرمة لعرفت كيف تؤثر الثقافة في فهم النص وكيف أنه لا يمكن إدراك الأثر النفسي لهذه الظروف بمجرد الخبر. وكا قال السادة (من ذاق عرف). على أني أسلم أن في الثقافة ما يمكن فهمه عن طريق الخبر. لكن لا أسلم أن كل شيء نحتاج معرفته من الثقافة لفهم النص يمكن معرفته بالخبر.
      قلتَ (ولولا ذلك لما كان الأمر بالتبليغ ذا قيمة. لأنّ كلّ مبلّغ فإنّه سيحتجّ بما تحتجّ به فلا تقوم عليه حجّة. وما معنى قوله صلى الله عليه وسلّم: (فربّ مبلغ أوعى من سامع)، أيّ وعي يعيه المبلغ بأفضل من السامع إذا كان فاقداً لشرط الفهم الأصيل عندك ألا وهو السماع والمعاصرة على حدّ ادعائك.)
      أنت تحتج علي بالخبر وهذا لا يستقيم فأنا أدعي عدم إمكان فهم النص من غير معرفة الظروف اللتي نزل بها وأدعي عدم إمكان معرفة تلك الظروف وبالتالي عدم إمكان فهم النص فلا يصح لك أن تحتج علي بما نتنازع فيه، وهناك أجوبة أخرى يمكن أن يجاب بها هنا أدعها لحين الضرورة. أما أن شرط الفهم الأصيل هو السماع والمعاصرة فأنا لا أقول بهذا/ وإنما شرطه أن يكون الشخص مخاطبا، فالسامع لا يشترط أن يكون مخاطبا لإمكان فقدان العقل، والمعاصر لا يشترط أن يكون مخاطبا لاحتمال عدم السماع.

      قلتَ (ثمّ إنك لو تفحّصت قليلاً لتنبهت أنه لا فرق بين شخص يعيش في اليمن بمعزل عن الحوادث والجوّ النفسانيّ، والبيئة بجميع عناصر نظامها كما هي في المدينة المنورة، ....السامع لا يمكنه أن يفهم القرآن الذي أنزل في تلك الواقعة التي عاينها الأوّل؟ إن هذا كلام ظاهر البطلان. )
      قد بينت أني لا أقول إن جميع العاصرين مخاطبون.

      قلتَ (قوله: (إلا أن الطرح الذي يتكلم عن ديمومة ... لا يحمل دلالة واحدة) أقول: أنا أريد منك أن تحدد ما تسلّمه من هذه القضايا...... فأرجو أن تقول لي أنت ماذا تعتقد. هل القرآن كلّه مقطوع به عندك أنّه من عند الله أوْ لا؟ وهل هو منزّه عن التعارض الحقيقيّ أو لا؟)
      إن كنت تقصد بالقرآن ألفاظه فقد وقع خلاف بين علماء القراءات فيما إن كانت القراءات جميع وجوه القراءة توقيفية أم توفيقية، ولو طلبت منك إثبات التواتر على نقل بعض وجوه القراءة لما استطعت، وعليه فلا أسلم أن جميع اللفظ مقطوع بأنه من عند الله، ولهذا كان الطبري رحمه الله وهو من هو في معرفة القراءات يضعف بعض القراءات ويصوب البعض الآخر.
      وإن كنت تقصد بالقرآن معانيه فالخلاف في المعاني أكبر بكثير من الخلاف في الألفاظ وأنا أقطع بأن المعاني هي اجتهادات الناس وليست من عند الله. وإن كنت تقصد بالقرآن غير ذلك فبينه.
      أما إن كان منزها عن التعارض الحقيقي فهو مبني على جواز الكذب على الله، وما أعتقده أن الله يفعل ما يريد والكذب لمصلحة ممدوح شرعا في بعض المواطن على قولكم.

      قلتَ (وهل الدّين كما أنزله الله تعالى على رسوله صالح لكلّ زمان ومكان سواء في أحكامه الاعتقاديّة والعمليّة أو لا؟ بمعنى أنّه إذا ثبت حكم اعتقاديّ أو عمليّ معيّن بدليل من نصّ قاطع أو إجماع فهل هذا عندك قابل للتغيّر بحسب الظروف الزمانيّة والمكانيّة وغيرها من الظروف أو لا؟ وما هو القدر المسلّم عندك من الدّين؟ خبرنا به ولو على سبيل الإجمال حتى نتّخذه مستندنا الذي نبني عليه الكلام.)
      جميع الأحكام مبنية على المصالح وأنا أقصد التعميمَ، وعليه جميع الأحكام قابلة للتغير على وفق المصلحة، وكما قال أحدهم "أينما وجدت المصلحة فثمة حكم الله". وأضيف إلى ذلك ليس في الشريعة شيء يمكن فهمه على وجهه الحق إلا أن الشريعة مبنية على تحقيق المصلحة.

      قلتَ (وهل ترى أن كلّ الذين ذكرتهم ممن اختلفوا في ديمومة الشريعة والنصّ، وصلاحيّة الشريعة لكل زمكان ... إلخ مما ذكرت، هل ترى أن أقوال جميع هؤلاء معتبرة وسائغة عند علماء الشريعة؟)
      من تقصد بعلماء الشريعة؟
      وكلٌّ يدَّعي وصلا بليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاك

      قلتَ (وما العلاقة بين المخاطَب والمعاصِر لنزول النصّ؟)
      العلاقة أن بعض المعاصرين ليسوا مخاطبين.

      قلتَ (كأنّك تحمل أحدهما حملاً تامّاً على الآخر، وكيف لعمري يسلّم هذا؟ فكل أحد يعرف أننا الآن مخاطبين بأوامر القرآن والنواهيه مع أننا لم نكن ثمّة حين نزل القرآن الكريم.)
      لا أحمل أحدهما على الآخر بل أدعي ما هو أخص، أما أن كل أحد يعرف أننا مخاطبون فلا أدري من أين جئت به إلا أن تقصد أهل السنة، وحتى هذا يمكن أن لا يسلم لك إذ أذكر أن منهم من قال بأننا مكلفون بالإجماع لا بالخطاب أن لم يكن هذا قول جمهورهم فإنه في اللغة لا يكون إلا للحاضر وراجع إن شئت شرح مختصر الروضة للطوفي.

      قلتَ (وكل عاقل يعرف أنّه يمكن أن يخاطب الواحد ورثته بوصيّة مكتوبة، وما المانع من أن يفصل بين كتابة الوصيّة وتنفيذها طبق النعل للنّعل مائة سنة أو أزيد؟ بالله حقّق لنا هذا الموضع، فإنا لا نكاد نسيغة)
      كل من يعرف علم الأصول يعرف أن كثيرا من العقلاء يقولون أن تكليف المعدوم ليس من جهة شمول الخطاب له لغة وإنما من جهة النص أو الإجماع أو القياس، بل مقرر في علم الأصول أن أصل الوضع اللغوي لا يشمل المعدوم ولا حتى الغائب. وإن كنت تنكر ذلك أتيتك بالنقول، وأما القول بأن التكليف ثابة بالنص فهو لا يفيد إذ يصح التكليف به لو كان غير الحاضر مخاطبا به وأما القياس والإجماع مهما إنما يثبتان بالنص فلا يصح الاحتجاج بهما كذلك. وقد ذكرتني بمسألة هل يصح تعلق الكلام النفسي بالمعدوم؟ وهي من عظيم ما أشكل على المذهب الأشعري ولو كان الملان هنا فيها لبينت ما وجه الإشكال عليهم من قبل المعتزلة ولكن أُرجي الكلام لحين الفراغ مما نحن فيه.

      قلتَ (أقول: إننا لم نسلّم أن اختلاف الثقافة يستوجب اختلاف فهم النصّ كما تقدّم. فمثّل لنا على نصّ يتغيّر معناه بتغيّر الزمان. ثمّ وضّح لنا بمثال كيف أنّ تغيّر الظرف النفسي والثقافي حين يحصل معه تعارض بين الثقافة الجديدة والنصّ الشرعيّ، أنّ ما يزيل هذا التعارض هو بالفعل نفسيّة قارئه؟ )
      قد أجبتُ عليه فيما سبق.

      قلتَ (أنا شخصيّاً أرى فرقاً كبيراً بين ديمومة النص من حيث ما له من قدرة على إقناع الإنسان أينما كان وفي أي زمان وجد....ففي حين أرى ثبات الأحكام ومناسبتها لكل زمان ومكان دليلاً على إعجاز القرآن....نعتقد بأن ما يصلح به الإنسان من لدن آدم حتّى آخر شخص يولد على الأرض قبل القيامة هو ذات الأمر. وهو القانون الإلهيّ الذي يختاره الله تعالى لعباده الذين خلقهم والذي هو أعلم بما يصلحهم. )
      أنت تتكلم عن ثبات الأحكام ومناسبتها لكل زمان ومكان، ولا أدري عن أي ثبات تتكلم فالشريعة زمن التنزيل كانت تتغير دائما، ألا ترى أن زواج النتعة حرم ثم أبيح ثم حرّم؟ والتدرج في تحريم الخمر. وتحريم ادخار لحوم الأضاحي ثمَّ اباحة ذلك، والامتناع عن هدم الكعبة لقرب عهد الناس بالجاهلية كما في حديث البخاري ثم ابن الزبير رضي الله عنه هدمها بعد أن ثبت الإسلام في نفوس الناس وغير ذلك كثير جدا. فالأحكام لم تكن صالحة لجميع الأزمان والأماكن خلال 23 سنة وكانت تتغير دائما بما يناسب الظرف الجديد، فهل يعقل أن الأحكام بعد ذلك صارت صالحة لجميع الأزمان والأماكن؟ هل يعقل أن حكم تحريم الخمر الذي لم يصلح لأن يكون للمجتمع قبل أن تحرم الخمر سيصبح صالحا للمجتمع أبَدَ الدهر؟ وهل توقفت المجتمعات عن التغير؟ إذا كانت الأحكام بهذه العظمة وهذا الإعجاز الذي وصفت أنها تصلح لجميع الأزمان والأماكن فلماذا لم تكن صالحة طوال مدة البعثة؟
      ثمَّ أنت تقول أن ما يصلح حال الإنسان هو القانون الإلهي الذي يختاره الله لعباده وفي هذا إغفال لأمر مهم وهو أن القانون الإلهي غير موجود في الحقيقة وإنما فهم الناس لهذا القانون الإلهي وهو مختلف حتى بين أهل السنة أنفسهم، فأي فهم هو الذي يصلح لحال العباد؟ لا يصح لك القول بأن أي فهم منها فهو صالح وأنه سيحقق المصلحة إذ أن الأفهام متناقضة، وإني سائلك هل القانون الألهي الذي يُصلح حال العباد هو ما يحرم شرب النبيذ المسكر كما قال جمهور العلماء أم هو الذي يبيحه كما قال أبو حنيفة وتلاميذه وسفيان الثوري وغيرهم من السلف؟ وهل الربا يدخل في الفلوس من غير الذهب والفضة كما هو مذهب الأحناف أم لا كما هو مذهب الباقين؟ وعليه فلا ربا في الأوراق النقدية وكذا القول ي الزكاة. فأين هو المذهب الإلهي الذي تتكلم عنه؟ إن هي إلا فهوم البشر.

      قلتَ (قوله: (وهنا جاء من قيد فهم الثقافة للنص بقيود شرعية ....أقول: أوافق على جميع هذا الكلام دون تحفّظ. ولكني أستفهمك عن مقصودك من قولك (الدليل العقلي الفطري) فإني بحسب فهمي وعلمي فليس للعقل الفطريّ أدلّة تستطيع أن تنتهض لتثبت هذه الكليّات الشرعية الضابطة لفهم نصوصها. )
      أريد بالعقل الفطري أن كل إنسان مركوز فيه ميله إلى جلب المصلحة ودفع المفسدة عن نفسه. وهذا ما تدور عليه كليات الشريعة.

      قلتَ (قوله: (يمكننا أن نختصر هذه ....
      أقول: أما نحن فلا يمكننا أن نختصر كليّات الشريعة في هذه الكليّة المذكورة. ونطلب أن تشرح لنا عبارة الشاطبي هذه بحيث تبين كيف فهمت منها أنّ هذه هي الكليّة الوحيدة التي يمكنها ضبط فهم النصوص الشرعيّة.)
      أنا لم أنسب هذا إلى الشاطبي هذا الذي فهمته وإنما قلت أن هذه الكلية ستحقق مقصود الشريعة الذي تكلم عنه الإمام الشاطبي فكل ما نسبته للشاطبي هو تفسير مقصود الشريعة وهو نص كلام الشاطبي في الموافقات. تأمل. أما كيف ستحقق هذه الكلية مقصود الشريعة المذكور فإن الأنسان بسعيه إلى تحقيق مصالح العباد وإن كان ذلك على حساب مصلحته الشخصية فإنه ولا شك سيخرج عن داعية هواه وسيكون عابدا لله بدلا من أن يكون عابدا لهواه إذ أنه ما ترك هواه إلا لعلمه بأن مراد الله تحقيق مصالح العباد.

      قلتَ (ثمّ لنسلّم لك هذه الكليّة، أي أنّه ما من تشريع وضعه الله تعالى إلا وهو يتحقق لعباده بتطبيقه مصلحة ويرتفع عنهم به ظلم وحرج، حسناً. فكيف تستخرج من هذه القضيّة الكليّة ضابطاً لتفسير النصوص الشرعية على مرّ الأزمان يكون غير مخالف للشريعة. )
      أنا لا أقول أننا بهذه الكلية سنستخرج ضابطا لتفسر النصوص الشرعية بشكل صحيح، ولهذا قلت فيما بعد ستفقد النصوص الجزئية قيمتها ...... لأن الجزئي مرتبط بالواقع المعاش، أي أنه ليس بإمكاننا فهم النصوص. وفائدة النصوص الجزئية أنها تدل بمجموعها على مراعات الشريعة لمصالح العباد، ولو أخذت آحادها منفردة لما دلت على شيء، ويمكن أن أمثل ذلك بالخبر المتواتر اللذي يفيد القطع بالنظر إلى مجموع رواته بينما لا يفيد النظر إلى أحد المجاهيل اللذين رووه شيئا.

      قلتَ (ودعنا نتأمل القضية أكثر ولنجمل ما ذكرته على سبيل الاختصار في تحقيق المصلحة. فتكون القضية التي سلّمناها لك مفادها:
      كلّ حكم شرعيّ فهو موضوع لمصلحة.....جلّ من لا يسهو، والسلام عليكم.)
      بعد أن بينتَ الخطأ الذي وقعت فيه هلا بينت لي مزيد التحقيق الذي وعدت به حول هذه الكلية ولوازمها، أم أن كل ذلك ذهب أدراج الرياح بعد تبين الخطأ؟
      الحمد لله أن أسقط التكليف

      تعليق

      • fadilov
        موقوف لأسباب إدارية
        • Nov 2003
        • 42

        #18
        إكمال الرد على التعليق الأولي للفاضل بلال

        قلتَ (قوله: (نعم يلزم من هذا الحل أن تفقد النصوص الجزئية قيمتها الدلالية الفردية، وتراعى الأمور الكلية؛ .....أقول: حقّ كلامه أن يكون (أن تفقد النصوص الجزئية قيمتها الدلاليّة التعميميّة أي بالنسبة لما يتعدّى تلك الواقعة، لأنّ كونها متعلّقة بأفراد معيّنين ثابت لا مشاحة فيه حال كونها جزئية)
        إنما قصدت بالفردية أي لو أخذت منفصلة فلن يفهم منها شيء لارتباط فهمها بالواقع المعاش وهو ما لا يمكن معرفته. وهذا لا يعني عدم وجود قيمة أبدا بل قيمتها بالنظر إلى مجموع النصوص.
        قلتَ (وعلى كلّ حال، إن كلامك هذا يقتضي نفي القياس الشرعيّ الذي من نوع التمثيل كما يسمّى في المنطق، وهو حمل جزئي على جزئيّ لعلّة مشتركة معرّفة للحكم، هذا أوّلاً. وهو خلاف المعلوم بالضرورة من سيرة علماء أهل السنّة الذين اعتبروا القياس دليلاً شرعيّاً.)
        كلامك هنا يوهم أن علماء أهل السنة متفقون على الأخذ بالقياس الشرعي وهو كلام لا قيمة له فالظاهرية ينفونه كما هو معلوم وكثير من التابيعين والبخاري بوَّب بابا في الرد على القياس، فكلامك هنا شبه الريح، ثم لو سلمت لك اتفاق أهل السنة على اعتبار القياس لما كان ذلك حجة علي فأنا لا أنتسب إليهم، ولا أقول أن الإجماع حجة، ثم القول بالقياس فرع عن إمكان فهم الدليل الجزئي وأنا أنفيه.
        قلتَ (ثمّ ثانياً: كيف تسلّم أن الجزئي لا يتعارض مع الكليّ، وفي نفس الوقت تريد أن تلغي ذلك الجزئي. أي ما هو مسوّغ هذا الإلغاء شرعاً. إنه إذا كان الجزئيّ واحداً من مصاديق الكليّ، وكلامنا ههنا في القواعد، فإنه أولاً ما هو الدليل الشرعيّ على جواز طرح القاعدة الجزئيّة وعدم تطبيقها على واحدة من مصاديقها؟)
        أنا لا أطبقها على أحد مصاديقها لعدم إمكان فهمها وبالتالي تطبيقها.
        قلتَ (وثانياً: لا بدّ أن يكون هنالك مسوّغ من الشرع يبيح هذا الانتقال من قاعدة جزئية إلى أخرى، ولا يمكن أن يكون هنالك مسوّغ لكلّ حادثة حادثة، فهذا لا ينضبط، فما هو الضابط الكليّ الذي يبيح هذا الانتقال؟ إن كان هو عينه المصلحة فقد بيّنا تناقض دليلك فيه)
        هو عين المصلحة وقد بيَّنتَ وجه الخطأ الذي وقعتَ فيه هناك ورجعتَ عنهُ.

        قلتَ (ونزيد بأنه من أين لك العلم بأن ما تراه أنت مصلحة العباد هو مصلحة لهم في نفس الأمر. إننا نعلم أن حكمة الله تعالى من التشريع قد تكون بعيدة جدّاً وخفيّة وقد لا نتمكّن من دركها،)
        لا أستطيع الجزم بهذا ولسنا مأمورين بالوصول إلى ما هو مصلحة في ذات الأمر بل بالوصول إلى ما نراه مصلحة وإن لم يكن كذلك في نفس الأمر فمقصود الشريعة ليس هو الوصول إلى الحق في نفس الأمر، وإنما إخراج المكلف عن داعية هواه، وهذا الذي تعترض به وارد على اجتهادات جميع علماء الإسلام. تأمل.

        قلتَ (فكيف نعطّل حكماً شرعياً ثبت بالدّليل أو نستبدله بغيره لمجرّد وقوعه من وجهة نظرنا الإنسيّة الظنيّة تحت كليّتك المتعلّقة بالمصلحة؛ وإن كان غيره فبيّنه لنا كي ننظر فيه.)
        أنا لا أقول أن الحكم ثبت بالدليل على الوجه الذي تقول أنت به، فأنت تقول على سبيل المثال الدليل أثبت حكم قطع يد السارق، وأنا أقول الدليل أثبت حكم قطع يد السارق في ظرف معين ولمصلحة معينة، فإذا لم أعرف المصلحة من ذلك الحكم فلا أستطيع القول بأن الحكم ثابت الآن لاحتمال أن تكون ذات المصلحة اللتي شرع الحكم لأجلها غير موجودة الآن، وعليه فأنا لا أخالف الحكم الثابت بالدليل، وما علينا فعله هو أن نبذل جهدنا في وضع تشريع يناسب مصلحة الناس في الظرف الجديد معتمدين على ما أوتينا من عقل، فإذا أصبنا فبها ونعمت وإن أخطأنا فقد أخطأ قبلنا المعصوم عليه الصلاة والسلام، ونزلت الآيات منبهةً له على خطأه كما يقوله علماء الأصول فلا بأس في أن يخطأ المرء.
        قلتَ (وثالثاً: إن تجويزك لطرح واحدة من جزئيّات القواعد الشرعيّة..... وإن كان ظنّياً فكذا كان الحكم في الأول فما مرجّح العدول عنه إلى الثاني؟)
        فيما تقدم جواب على هذا، وأزيد بيانا ليس هناك حكمُ أصلح بهذا العموم، فالأصلح أمر نسبي يرتبط بالأشخاص والظروف، فما يمكن أن يكون أصلحا الآن قد لا يكون أصلح في وقت آخر وما كان أصلح لإنسان فليس ضروريا أن يكون أصلح لآخر.

        قلتَ (أرجو التفصيل في مرادك في هذا المحل، ولعلّه يفيد أن تأتي لنا بمثال تطبق عليه هذا الكلام. وهل كلامك في مطلق الأحكام الشرعيّة أو في بعضها دون البعض؟ إن كان الأوّل فقل لنا مثلاً كيف تحققت لديك المصلحة التي تعرّف حكماً يقضي بالمنع من الصلاة أو على الأقل نقلها من الوجوب إلى الندب أو الإباحة بحيث جاز لك تركها وتعطيل الدليل القطعي على إقامتها. وإن كان الثاني فقل لنا ما هو ضابط التمييز بين الحكم الذي يجوز تغييره وذلك الذي لا يجوز تغييره؟)
        الكلام في مطلق الأحكام الشرعية، أما مسألة الصلاة فالدليل القطعي أن الله فرض الصلوات الخمس لحكمة ومصلحة ولم يفرضها عبثا ومن غير فائدة، فإذا سلمت هذا فلا شك أنك ستسلم أن الحكمة والمصلحة قبلة أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء كانت بعدم فرضها وإلا لفرضها الله قبل ذلك لأن أفعاله حكيمة وأحكامه تحقق المصالح. ثمَّ الله جلَّ وعلا لم يخبرنا عن الحكمة والمصلحة من عدم فرضه الصلاة قبل الإسراء والمعراج ولا هو أخبرنا عن الحكمة والمصلحة من فرضها بعد ذلك، ثم بعد انقطاع خبر السماء كيف لي أن أعرف إن كانت الحكمة والمصلحة من الصلوات الخمس باقية إلى هذا الزمن أم لا، فإن كانت الحكمة والمصلحة لم تصلح لفرض الصلوات الخمس قبل الإسراء مدة 12 سنة فكيف لنا أن نجزم أن الحكمة والمصلحة مازالت مستمرة إلى الآن؟ ولا ينفعك أن تقول عرفنا ذلك لأن الشريعة أمرت بها، فإني أقول الشريعة أمرت بها في ظرف معين ولم تأمر بها في ظرف آخر وأنا لا أستطيع معرفة أمر الشريعة في ظرفنا الآن. تأمل.

        قلتَ (أقول: أرجو توضيح كيف تؤدي هذه الآية للإضلال عند النظر إليها كدليل كلّيّ. ثم كيف فهمت أن هذه الآية دليل جزئيّ؟)
        إذا لم نعتبر الآية دليلا جزئيا فيجب علينا أن نفهمها كما هي من غير تأويل إذ لا يصح تأويل كليات الشريعة وإلا لما كانت كليات على حد وصفنا للكليات فيما سبق في المقالة. ونحن إن لم نأوول الآيات في مسألة مرتكب الكبيرة لتوهمنا أنها أدلة كلية تعارضت الآيات وأدى هذا إلى التلبيس والإضلال للمخاطب. أما كيف فهمت أن هذه الآيات دليل جزئي فلأن كل آية في كتاب الله هي دليل جزئي على وصفنا للدليل الجزئي.

        قلتَ (قولك: (قد ... لعدم وجود أصول واضحة عند كثير ممن ينتسب إلى أي منها) أقول: اذكر لنا بعض هؤلاء الذين ليس لديهم أصول واضحة، وهل أهل السنّة الأشعريّة والماتريديّة منهم؟ فإن كان كذلك فمثّل لنا على بعض أصولهم غير الواضحة عند كثير منهم. )
        الأصول الواضحة غير موجودة عند كثير ممن ينتسب إلى هذه التيارات، وليس عند هذه التيارات، ومن هذ التيارات العلمانية واليسار الإسلامي والإسلاميين بما في ذلك الأشاعرة والماتيريدية والسلفية وغيرهم.

        قلتَ (أقول: لم أر في كلّ ما كتبته أدلّة كليّة على اقتراحك الممتع بتفسير النصوص القرآنية على أساس من المصلحة كما يراها أهل كلّ زمان.)
        المقالة لم تقترح تفسير القرآن على أساس من المصلحة كما يراها أهل كل زمان، بل اقترحت اهدار النصوص الجزئية، أي عدم تفسير آيات القرآن بشكل فردي لاستحالة معرفة التفسير الصحيح، وإنما دلَّ مجموع آيات القرآن على مراعات الشريعة لمصالح العباد، ولا يلزم عدم فهم الآحاد عدم فهم أي شيء من المجموع.

        قلتَ (بل لم أرَ أدلّة كليّة في كلّ ما كتبت على شيء مما ادعيت. فهلاّ بيّنت لنا ماذا تعني بالدليل الكليّ.)
        الدليل الكلي هو الدليل اللذي تبنى عليه طريقة مخصوصة متكاملة للتعامل مع موضوع ما. مثال ذلك قول العلمانيين إذا أردنا أن نفهم القرآن فعلينا أن نفهمه من خلال الثقافة والجو الذي نزل فيه، وعلينا معرفة أسباب النزول، وشعور المخاطبين بسبب النزول ومقدار تأثرهم به واختلاف طبائعهم، وإذا كان الوصول إلى مثل هذا متعذرا فإن الوصول إلى مراد الله متعذر؛ وبالتالي فستكون النتيجة أن النص القرآني نص للمخاطبين به فقط لا يصلح لكل زمان لاستحالة الوصول إلى المراد منه .
        وكذلك مذهب الإسلاميين الذي يتبنا الطرح الذي يتكلم عن ديمومة الشريعة بوصفه أمرا مسلما وحقيقة راسخة يستدل على خطأ هذا التحليل بمخالفته لحقيقة ديمومة الشريعة وبقائها القطعية - برأيه - التي دلت عليها النصوص دلالة واضحة ، ومارسها الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، بينما يعتبر من يؤيد هذا التحليل أن عدم تعارض القرآن أمر مقطوع به وأن مراده الدلالة على معنا واحد كذلك وهذا لا يمكن أن يكون إذا قلنا بديمومة الشريعة، أي أن كل فريق استند إلى
        مسلمة جعلها أساسا لآليات تعامله مع النص، وأهدر المسلمة الأخرى.
        وأنا قصدت أدلة كلية على المذاهب التي عرضتها، ولا ضير إن لم تتفق معي هنا، وإن أردت حذف الفقرة فلك هذا، فليس فيها ما يفيد في مقامنا.

        قلتَ (وجرّدت لنا هذه الأدلّة على شكل قضايا محددة لنناقشها معك. لا سيّما وأنّه قد حان إنجاز ما وعدت من التحقيق، وبرزت الحاجة لقول هذا الكلام الكثير الذي يرسم الخطوط الدقيقة ويبرز التفاصيل النهائية بحيث يتعدّى ما اسكيتشته من خطوط عريضة. )
        ها نحن نرسم ونفصل وسيظهر بعد الفراغ من الحوار من كان رسمه أدقُّ وتفصيله أبدع. والله يعلم كم هو بارد على قلبي أن تحسن ذلك أكثر مما أحسنه ويظهر فساد قولي إن كان فاسدا فإنه لا يخشى الحق ويكرهه إلا من كان على بصره غشاوة.

        قلتَ (أقول: وأنا أردته. وسأحاورك فيه وأصبر إن شاء الله ولو استغرق مني ذلك عمري. )
        لك ما أردت، وسأللاطفك كما تلاطفني، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

        قلتَ (أقول: إن كان ساقطاً عنك فلم تتكلّف عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه، والكلام في الدّين. لماذا تهتمّ بالقرآن وفهمه؟ وماذا يعنيك من ذلك؟)
        عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه، والله ما أظن هذا الكلام يخرج ممن خالطة قلبه لذة حمد الله والصلاة على رسوله، فإن كان ذلك عناءا عندك فهو على صدري أبرد من الثلج وفي قلبي أحب من الأهل وعلى لساني أحلى من شهد العسل، وهل لغير حبي لله عانيتُ في حياتي أصعب ما عانيت؟ فحمدا له على كل حال وفي كل زمان، فإن كان من أحد يحبُّ لذاته فهو هو لا إله إلا هو.
        قلتَ (إن هذا وأيم الله ليذكرني ببعض المدافعين عن الماركسية اللينينية حين كنّا نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزاً. فقد كان يتكلّم في الكفاح المسلّح وضرورة التضحية بالغالي والنفيس ليستتب الحكم للبروليتاريين. فقلت له: إن الله يعدنا بالجنّة إن متنا في نصرة دينه، فبماذا تعدنا أنت؟ فتسفسط حتّى انتهى النقاش ولم يجب بشيء. )
        لشتان ما بين اليزيدين في الوغى يزيد ابن عمرو والأغرِّ ابن حاتم
        فهمُّ الفتى الأزدي إنفاق ماله وهم الفتى السهمي جمع الدراهم

        قلتَ (وهذا فادي يدّعي أن الله أسقط التكليف؟ .... ولا نمسِّك بعد اليوم بمعالي الأمور، إذا أقمنا الحجّة على الله بأنه ليس ثمّة تكليف كلّفناه.)
        مثلك يقيم الحجة على الله، ما أظن أن بوسعك فعل هذا فلله الحجة البالغة ولو شاء لهداكم أجمعين.
        قلتّ( إن نفوسنا الرديّة .... فلعلّي إن سقط عنّي التكليف لا أرغب في أن أصحو من خمري ومنادمة شياطين شعري، ومخادنة النساء ناظراً ومقبلاً ومخاصراً ومواقعاً. )
        لا لا أرى ذلك، ثمَّ من سأجد لمناظرتي إن سقط عنك التكليف مطلقا؟ فستكون عندها في شغل عني بخمورك ونسائك وشياطين شعرك.

        قلتَ (هذا ما أردت قوله تعليقاً .... بالنظر في كلّ ما سيكتبه فادي، في مستوى أعمق من هذا المستوى إن شاء الله تعالى. )
        وأنا أنتظر المستوى الأعمق في بعض النقاط وأنتظر مستوى في بعضها الآخر. وعذرا على هذه الغلظة غير أنه أساءني ما ذكرتَه في نهاية الجواب.

        قلتَ (تقبل الله تعالى من جميع المسلمين طاعاتهم في هذا الشهر الفضيل الذي ذهب وظلّ مواطناً في خواطرنا لا أوحش الله منك يا رمضان والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.)
        وبهذ آتي إلى ختام الجواب، والحمد لله رب العالمين فما ثمَّة إلا هو.
        الحمد لله أن أسقط التكليف

        تعليق

        • fadilov
          موقوف لأسباب إدارية
          • Nov 2003
          • 42

          #19
          جواب مناقشة الفاضل بلال لردي على تعليقه على مقاله إشكالية فهم النص القرآني

          -اعلم أنني ما طلبت مزيدا من أدلتك إلا بعد أن تفضلت وعرضت ذلك في أكثر من موضع كقولك: " ورد أهل السنة استدلالهم بوجوه أخرى إن شئت استعرضتها وإياك" غير أني سأطوي صفحا عن التعليق عن كل هذا وما شابهه وسأبذل جهدي أن أقصر ردي وكلامي بعد الآن على المسائل العلمية مبتعدا عن الحواشي وما يخرج عن صلب الموضوع، فإن أغفلتُ أمرا ترى أنه كان لزاما عليَّ الإجابة عليه فنبهني بارك الله فيك، فإما أن أجيبك عليه أو أقرَّ لك بصحته وأطلب منك أن تلتزم جميع هذا الذي ذكرته هنا كذلك. ثم إني لن أجيب بشىء بعد الآن عما ستكتبه حاشا ما هو متعلق بمسألة حكم مرتكب الكبيرة في القرآن حتى إذا فرغنا من ذلك انتقلنا للحديث عما بعده وأرجو أن لا تكتب شيئا في غيرها من المسائل لحين الفراغ منها.

          قلتَ (أقول: ما عنيته، هو أنّهم قائلون بأن السبب في خلود فاعل الكبيرة في النّار أنّ الكبيرة تحبط جميع الأعمال، ثم إّنهم يشترطون كما ذكرت لك للخلود في النار شرطين .... بل كلّ شيء بإرادة الله تعالى ولا يجب عليه تعالى فعل شيء. تأمّل. )
          قد تأملت ولا أوافق على الإضطراب المذكور فإن لهم أن يقولوا نلتزم إحباط العمل إن مات من غير توبة صحيحة أو من غير عمل صالح يزيد على إثم الكبيرة أي إنه عند الحساب إن غلبت حسناته دخل الجنة من غير عقاب وإن غلبت سيئاته خلد في النار وحبط عمله الصالح. وليس إحباط العمل مما يحصل في الدنيا أثناء بقاء التكليف، وإن سلموا إحباط بعض المعاصي للعمل كما فعل أهل السنة. بل لو قال قائل إن كلام أهل السنة هنا مضطرب لما أبعد، ذلك أنه لا يخلو العاصي من أن تغلب حسناته فيحاسب حسابا يسيرا أو تغلب سيئاته فيحاسب حسابا عسيرا ويخلد في نار جهنم كما جاء في الخبر. وأهل السنة يثبتون وزن الحسنات ولا يلتزمون النتيجة المترتبة على ذلك! ثم للمعتزلة أن يقولوا سلمنا أنها تحبط ثواب سوابق الصالحات ولا يلزم من هذا موافقتهم لقول أهل السنة فإن أهل السنة يقولون أنه مع إحباط سوابق الأعمال فإن مآله إلى الجنة وإن عذب في النار لوجود الإيمان، والمعتزلة يقولون مآله الخلود في النار. تأمل

          قلتَ (قولك: (حسن أن خصصت الكلام بقولك "عندي" إذ قد ينازع في ذلك بعضهم)
          أقول: نعلم أن المعتزلة ينازعون)
          لم أقصد المعتزلة بل قصدت أن من أهل السنة من ينازع في إفادة قوله تعالى: (خالدين فيها أبدا التأبيد) وهذا من أعجب العجب. فأنا لم أقصد المعتزلة على أني لا أذكر التفسير اللذي قرأت فيه هذا الكلام فإن ذلك كان قبل 14 سنة أي عندما كان عمري حوالي 13 سنة، وأنا لا أملك من المراجع الآن ما أستطيع من خلاله إثبات النقل لذلك قلت قد ينازع في ذلك بعضهم بصيغة التشكيك. ثم رأيتك بعد هذا تذكر هذا الوجه من وجوه التأويل، وتردُّ ما لم ترتضيه هنا، وسيأتي كلامي على هذا التأويل.

          قلتَ (ثمّ قل لي: ماذا تتبنّى أنت في فاعل الكبيرة أو المعصية مطلقاً، أهو مؤمن أم لا.... )
          لا أدري

          قلتَ (أقول: نعم. هذا الاحتمال مأخوذ من سياق الآية محل البحث، قال الله تعالى: (قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً. قل إني لا أملك لكم ضرّاً ولا رشداً. قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجد من دونه ملتحداً. إلا بلاغاً من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنّم خالدين فيها أبداً) والمعنى أنّا إذا نظرنا إلى جري الحديث نجده في التبليغ عن الله تعالى، فلم لا يكون معنى رسول الله جبريل، ومعنى (يعص) أي من الرسل في تبليغ رسالاتهم وأداء ما أمروا بتبليغه....وحين يأتي حينها سأجيبك عن كلّ الوجوه والعمومات التي تمسّكوا بها. فأمهلنا حتّى يبلغ الهدي محلّه. )
          أما أن الرسول جبريل عليه السلام فلا بأس وأما أن "يعص" هي في تبليغ الرسالة وأداء ما أمروا بتبليغه وعليه فهي خاصة في الرسل وفي معصية عدم تبليغ الرسالة فهذا غير مسلم أبدا إذ هو خلاف ظاهر لفظ العموم، والسياق اللذي ذكرته لا يلزم منه إخارج اللفظ عن العموم. فإن كان عندك شيئ تضيفه على هذا الاحتمال فبينه وإلا هات غيرهُ.

          قلتَ (أقول: قد ذكرت أولاً أن هذه الآية (إن تجتنبوا) لا يصحّ احتجاجهم بها لما بيّنته من المآخذ على استدلالهم ثمة في رسالتي الأولى...)
          عذرا منك فهذا خطأ وقعت فيه وطلبت تصحيحه من الأستاذ قبل أن تكتب ردك بأيام إلا أنه لم يفعل ، ولعله بل أجزم بأن عنده عذرا، والصواب أن أقول: ( ومثاله الآية الكريمة (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).

          قلت (فحريّ بك أن تحقّق هذا المقام لنا كما سألتكه من قبلُ، وحريّ بنا أن نسأله لشدّة داعيته. )
          عذرا منك غير أني لم أفهم ما هو المقام اللذي تريد مني تحقيقه؟

          قلتَ (ولكنّنا لا نسلّم أن هذا ليس هو الوضع الشرعيّ. ثم الشارع نقله إلى بعض الكبائر مبالغة في تعظيم أمر من أذنبها.)
          ما هو الموجب اللذي دفعك إلى القول بأن الشارع نقله إلى بعض الكبائر مجازا؟ ولماذا لا تقولُ أن الشارع أطلقه على كبائر الذنوب حقيقة كما أطلقه على ما ينافي التوحيد؟

          قلتَ (ولقائل أن يقول أيضاً إن المثالين المذكورين وكل ما سمّاه الشارع شركاً إمّا أن يكون شركاً على الحقيقة الشرعيّة وكما سننوعه الآن.)
          أفهم من كلامك أنك تقولوا أن الشرك لا يمكن أن يكون حقيقة شرعية إلا إن كان منافيا للتوحيد فما موجب هذا القول؟

          قلتَ (أو أنّه ظاهر في تجوّزه فيه لوضوح علاقة المجاز فيه بين المعنى المراد وبين معنى الشرك الحقيقي. قال أبو البقاء: الشريك المشارك. قلت: وهو لا ينفعك ههنا. وقال: أكثر الفقهاء يحملون المشركين على الكافرين جميعاً. وقيل هم عدا أهل الكتاب لقوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذي هادوا والصابئين والنّصارى والمجوس والذين أشركوا) فأفرد المشركين عنهم. والشرك أنواع: شرك الاستقلال: وهو إثبات إلهين مستقلين كشرك المجوس. قلت: أي لقولهم بوجود إلهين إله للنور تأتي منه الخيرات وإله للظلمة تأتي منه الشرور. ثم قال: وشرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى. وشرك التقريب: وهو عبادة غير الله ليقرّب إلى الله زلفى، كشرك متقدّمي الجاهليّة. وشرك التقليد: عبادة غير الله تبعاً للغير كشرك متأخري الجاهليّة. وشرك الأسباب وهو إسناد التأثير للأسباب العاديّة، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك. وشرك الأغراض وهو العمل لغير الله تعالى. وكلّ كلامه أدلّة لي كما ترى.)
          والله لم أر ذلك بل رأيت خلافه وإني سائلك ماذا تقول في رجل صام النافلة ليقول الناس عنه صائم أهو مشرك عندك أم لا؟ ظاهر كلام أبي البقاء أنه مشرك شرك الأغراض إذ قد عمل لغير الله تعالى وأنت لا تثبت أنه مشرك خارج عن دين الإسلام هذا ما أظنه برجل ينتسب إلى أهل السنة، فإن قلت أنه مشرك مجازا فقد خالفت ظاهر كلام أبي البقاء فهو لم يفرق هذا التفريق على الأقل فيما نقلته عنه.
          فأنا ألتزم أن كل عمل مما يبتغى به وجه الله عمل ابتغاء غير الله فهو شرك حقيقة كما جاء في الحديث:"أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ولا يلزم من هذا أن كل شرك مخرج من ملة الإسلام بل ما جعله الشارع مخرجا من ملة الإسلام جعلناه وما جعله من الشرك معصية جعلناه، وهو شرك حقيقة لا مجازا كما وصفه الله ورسوله إذ لا موجب علينا أن نقول بالمجاز الشرعي. تأمل

          قلتَ (أما الطيرة ففي معنى الشرك الحقيقي من اعتقاد تأثير بعض الأشياء في تغير مجريات الأمور والأقدار. وكانوا ينهرون الطير فإذا طار يمنة فعلوا لاعتقادهم أن مآل الأمر خير، وإن طار يسرة أعرضوا عن عزمهم لاعتقادهم أنه ما دام الطير سعى شمالاً فلا بد أن عاقبة الأمر سوءاً، وهذا ما أنزل الله به من سلطان، إذا لا مدبّر ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى.)
          أسألك هل تلتزم أن أي نوع من أنواع الطيرة شرك مخرج من الملة؟ فإن قلت لا فيكون كلامك على الحديث تخصيص له في بعض أنواع الطيرة من غير مخصص، وإن قلت نعم لزمك أن تثبت أن كل من تطير من غير أن يكون معتقدا أن هناك مدبر ومؤثر غير الله مشرك خارج من دين الإسلام، ولا قائل به! فيلزمك أن تثبت أن كل طيرة شرك وأن من الشرك ما لا يخرج من الإسلام وهو ما أقول به. فإن قلت أن الشرك حقيقة في بعض الطيرة مجاز في البعض الآخر فنسألك ما دليل وجود المجاز في الاصطلاح الشرعي في معنى الشرك؟ وكيف جاز لك أن تحمل ذات اللفظ على المعنى الحقيقي والمجازي في ذات الوقت؟

          قلتَ (وأمّا ترك الصّلاة فدليل لنا، إذ لولا ظهور الشرك في الكفر وتبادره عند إطلاقه علامة على هذه الحقيقة الشرعيّة لما اشتبه على بعض الفقهاء تكفير تاركها مشياً مع الظاهر.)
          من هم هؤلاء الفقهاء اللذين اشتبه القول عندهم؟ أهم فقهاء أهل السنة فلا حجة في قولهم على المعتزلة إذ إنهم يبنون فروعهم على أصولهم، هذا إن سلمتُ أن جميع أهل السنة يطلقون الشرك على ما ينافي التوحيد على سبيل المجاز وعدم النقل لا يلزم منه نقل العدم. ولقائل أن يعارضك ويقول لولا أن الشرك حقيقة فيما هو مخرج من الملة وعظيم الذنب لما أخرج جمهور علماء أهل السنة الحديثَ عن ظاهره لأدلة عامة لم تسق للدلالة على حكم تارك الصلاة خصوصا.
          وصلّى الله وسلّم وبارك على خير ما اكتحلت بمرآه العيون، سيدي ونور قلبي محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين
          الحمد لله أن أسقط التكليف

          تعليق

          • بلال النجار
            مـشـــرف
            • Jul 2003
            • 1128

            #20

            بسم الله الرحمن الرحيم

            تنبيهان سريعان

            جاء في كلام فادي: (...فهل تظن أن عمر رضي الله عنه ما كان يعرف أن "أو" في الآية الكريهة للتخيير، لكنه ما فهم هذا وأخذ بثوب...)
            وأظنه يقصد الآية الكريمة وقد أخطأ في طباعتها. فأرجو من مشرف الموقع أن يعدلها لئلاّ تبقى على هذه الصورة الشنيعة.

            ثم جاء في كلام فادي: (وأنا أضرب مثالا على احتمال أن يكون الفهم منطقيا مع عدم مطابقته لمراد الله فأقول، قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المشركون) وقوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) فالآيتان متعارضتان فالأولى أثبتت عدم السؤال عن الذنوب، والثانية أثبتت السؤال للجميع المشركين وغيرهم عن الأعمال التي تدخل فيها الذنوب. ويمكن أن نجيب عن هذا التعارض بأجوبة كثيره منها أن نقول سيسأل الجميع حاشا المشركين من باب الخاص والعام، أو سيسأل الجميع بما في ذلك المشركون غير أنهم لن يسألوا عن ذنوبهم من باب المقيد والمطلق، أو نقول سيسأل المشركون في مواقف ولا يسألوا في مواقف أخرى فإن يوم القيامة مواقف وليس موقفا واحدا. وهذه الفهوم كلها رافعة للإشكال بطريقة منطقية صحيحة، إلا أن هذا غير مفيد أبدا إذ أن هذه الفهوم متعارضة فيما بينها فالفهم الأول يلزم منه عدم سؤال المشركين مطلقا والثاني سؤالهم والثالث سؤالهم وعدم سؤالهم، فأي فهم منها هو الذي أراد الشارع منا معرفته، أي ما هو الفهم المطابق لمراد الشارع؟ وعليه فإن وجود طريقة منطقية لا خطأ فيها لفهم النص لا يلزم منه أن يكون الفهم صحيحا. تأمل. وأكرر سؤالا ذكرته فيما سبق وهو هل راعى الشارع الثقافة وطبيعة المخاطبين عندما أنزل النص أم لا إن كان الأول فإنه يلزم منه أن لا يصح الفهم من غير تلك الأمور وهو ما تقوله المقالة وإن كان الثاني فما الدليل؟)

            وجوابه أنه أتعب نفسه من غير فائدة لأنّ الآية الكريمة تقول: (قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوّة وأكثر جمعاً ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) وليس في القرآن الكريم آية أخرى فيها (ولا يسأل عن ذنوبهم ...) إلا هذه. فلعلك تتعب نفسك فتراجع الآيات الكريمة التي تحتجّ بها ولا تعتمد على محفوظاتك مذ كنت ابن 13 سنة، فمحلّ الاحتجاج هو كلمة (المشركون) فإذا كانت الآية تقول المجرمون فقد سقط كلامك كلّه. لأن المجرمين هم الكفرة الطغاة المبالغون في كفرهم وظلمهم وإجرامهم، وهؤلاء يخبر الله تعالى عنهم في هذه الآية أنه سيدخلهم النار بلا حساب، كما أنّ بعض الناس من المؤمنين سيدخلون الجنّة بلا حساب، فارتفع الإشكال.

            ثمّ إن أيّ احتجاج لك بآية من القرآن فلا يجوز لك على مذهبك من الآن فصاعداً بعد ما قلته: (....إن كنت تقصد بالقرآن ألفاظه فقد وقع خلاف بين علماء القراءات فيما إن كانت القراءات جميع وجوه القراءة توقيفية أم توفيقية، ولو طلبت منك إثبات التواتر على نقل بعض وجوه القراءة لما استطعت، وعليه فلا أسلم أن جميع اللفظ مقطوع بأنه من عند الله، ولهذا كان الطبري رحمه الله وهو من هو في معرفة القراءات يضعف بعض القراءات ويصوب البعض الآخر.
            وإن كنت تقصد بالقرآن معانيه فالخلاف في المعاني أكبر بكثير من الخلاف في الألفاظ وأنا أقطع بأن المعاني هي اجتهادات الناس وليست من عند الله. وإن كنت تقصد بالقرآن غير ذلك فبينه.
            أما إن كان منزها عن التعارض الحقيقي فهو مبني على جواز الكذب على الله، وما أعتقده أن الله يفعل ما يريد والكذب لمصلحة ممدوح شرعا في بعض المواطن على قولكم)

            فإذا كنت تعتقد بكلامك هذا فقد ارتفعت الثقة بالقرآن الكريم جملة وتفصيلاً كمصدر للتشريع. فكيف يجوز لك أنت أن تحتج به؟ ثمّ كلامك الذي تشير فيه إلى جواز الكذب على الله ثم حاولت إلزامنا به في حق الله تعالى بحجة جواز الكذب للمصلحة لهو مما يضحك الثكالى... فاترك هذا الأسلوب الهزليّ في النقاش، وتكلّم بعقلانية لا لمجرّد تسويد الصفحات، فإن الأمر جدّ خطير وهو يتعلّق بأهمّ ما تبذل الأنفس من أجله، وأراك لا تدقق تأتي بالكلام كيفما اتفق، ثمّ لا يضيرك شيء، فليكن خطأ كما تقول: (... فإن المعصوم قد أخطأ...) ... فهل هذا كلام يقبله العقلاء، أن يخطئ معصوم، فلو أخطأ لم يكن معصوماً.... ثم بعد كلّ هذا الكلام الذي تخالف فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عبر العصور تتكلّم معي كمسلم... أنا أقبل أن تكلّمني كأي شيء تريد لكن لا تقل إنك مسلم ثم تخالف في أمور أجمع المسلمون كلّهم عليها كعصمة الأنبياء وتواتر ألفاظ القرآن الكريم.... وهي من الأمور البديهية عندهم.

            وسيأتي بيان ما وقعت فيه من تناقضات وسفسطة في حينه، ولكني أحببت أن أنبه ههنا على هذين الأمرين لتعلّقهما بكتاب الله تعالى. لعلّك تراجع ما تكتبه قبل نشره.
            والحمد لله رب العالمين
            التعديل الأخير تم بواسطة بلال النجار; الساعة 10-12-2003, 12:56.
            ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

            تعليق

            • fadilov
              موقوف لأسباب إدارية
              • Nov 2003
              • 42

              #21
              أرجو تصحيح الخطأ اللذي أشار إليه الفاضل بلال. وأعتذر عنه وعن الخطأ الذي تلاه أيضا.

              أما قوله (فمحلّ الاحتجاج هو كلمة (المشركون) فإذا كانت الآية تقول المجرمون فقد سقط كلامك كلّه.)
              لو فهمت الإشكال لعرفت أنه سواء أكانت الآية تقول المجومون أو المشركون فسيبقى الإشكال كما هو، ومحل الاحتجاج ليس ما ذكرت ولكن أن الآية الأولى أثبتت السؤال للجميع من غير استثناء والثانية نفته عن فئة من الناس ولا يهم من هي هذه الفئة وجوابك أحد الأجوبة المذكورة وما عليك إلا أن تضع كلمة المجرمين مكان كلمة المشركين. تأمل.
              الحمد لله أن أسقط التكليف

              تعليق

              • بلال النجار
                مـشـــرف
                • Jul 2003
                • 1128

                #22
                بسم الله الرحمن الرحيم

                فهمت الإشكال أكثر منك يا فادي، ولم يغب عني ما تقول، ولكن يبدو أنك أنت لا تفهم ما تقرأ. فالضمير في قوله تعالى (لنسألنهم) في هذه الآية لا يعمّ كلّ إنسان لتقول لي فالمشركون في ضمنهم فيلزم التعارض أو المجرمون في ضمنهم فيلزم التعارض. لأن الله تعالى في هذه الآية يتكلّم عن المقسّمين الذين اتخذوا القرآن عضين. وهؤلاء فيهم قولان الأوّل أنّهم اليهود، والثاني أنّهم بعض مشركي قريش منهم العاص بن وائل وغيره، ومع مرجوحيّة القول الثاني إلا أني أحسنت الظنّ بفهمكّ فقلت لعله اعتبر من في الآية من المشركين، فرأى تعارضاً بين هذه الآية التي سيسأل فيها المشركون عما يعملون، والآية التي توهّم أنها لن يسأل فيها المشركون. فلذلك قلت: إن محل الاحتجاج هو المشركون. فإذا كانت الآية الأولى تتحدث عن قوم مجرمين فهي تتكلم عن نوع خاص من الكفار سيدخلهم الله تعالى النار بلا سؤال ولا حساب، والآية الثاني تتكلم عن سؤال طائفة خاصّة من المشركين هم الذين اتخذوا القرآن عضين فلا تعارض البتّة بين الآيتين، فسقط كلامك كلّه، وبخاصّة أنّه من أوّله إلى آخره يتكلّم عن المشركين. هل فهمت الآن ما معنى أن محلّ الاحتجاج هو كلمة المشركين. وحتّى لو وضعت المجرمين فلا تعارض بين تينك الآتين مطلقاً. فافهم وفكر فيما تقول قبل أن تبادر إلى الاعتراض ودعوتي إلى التأمّل وأنت بعيد عنه.
                ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                تعليق

                • fadilov
                  موقوف لأسباب إدارية
                  • Nov 2003
                  • 42

                  #23
                  الفاضل بلال
                  لم يغب عنك ما أقول ولا أنا غاب عني ما تقول أيها الفاضل، وقولك إن الآية فيمن جعل القرآن عضين وليست في كل أحد مخالف لعموم الآية والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وحملك الآية على الخصوص هو أحد وجوه التأويل المحتملة، ولكن لا يخرج عن أن يكون وجها محتملا مُعارض بباقي الوجوه على أن هذه الآية ليست الآية الوحيدة اللتي تدل بعمومها على سؤال جميع المشركين، واعلم أن اللذي قلتُه إنما هو كلام العلماء وليس كلامي أنا، وإليك ما ذكره القرطبي في تفسيره للآية الكريمة:
                  "قلت : والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم كافرهم ومؤمنهم , إلا من دخل الجنة بغير حساب على ما بيناه في كتاب ( التذكرة ) . فإن قيل : وهل يسأل الكافر ويحاسب ؟ قلنا : فيه خلاف وذكرناه في التذكرة . والذي يظهر سؤاله للآية وقوله : " وقفوهم إنهم مسئولون " [ الصافات : 24 ] وقوله : " إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم " [ الغاشية : 25 - 26 ] . فإن قيل : فقد قال تعالى : " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " [ القصص : 78 ] وقال : " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان " [ الرحمن : 39 ] , وقال : " ولا يكلمهم الله " [ البقرة : 174 ] , وقال : " إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " [ المطففين : 15 ] . قلنا : القيامة مواطن , فموطن يكون فيه سؤال وكلام , وموطن لا يكون ذلك فيه . قال عكرمة : القيامة مواطن , يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها . وقال ابن عباس : ( لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا ; لأن الله عالم بكل شيء , ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم : لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه ؟ واعتمد قطرب هذا القول . وقيل : " لنسألنهم أجمعين " يعني المؤمنين المكلفين ; بيانه قوله تعالى : " ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم " [ التكاثر : 8 ] . والقول بالعموم أولى كما ذكر . والله أعلم ."
                  وقال في تفسير الآية الثانية:" أي لا يسألون سؤال استعتاب كما قال : " ولا هم يستعتبون " [ الروم : 57 ] " فما هم من المعتبين " [ فصلت : 24 ] وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله : " فوربك لنسألنهم أجمعين " [ الحجر : 92 ] قاله الحسن وقال مجاهد : لا تسأل الملائكة غدا عن المجرمين , فإنهم يعرفون بسيماهم , فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون وقال قتادة : لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها , بل يدخلون النار بلا حساب وقيل : لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا وقيل : أهلك من أهلك من القرون عن علم منه بذنوبهم فلم يحتج إلى مسألتهم عن ذنوبهم".
                  وكنت قد أحسنت بإحسانك الظن بي، وأسأت بظنك أني أدعوك إلى التأمل وأنا بعيد عنه، على أي حال الإشكال ما زال قائما وأنت ما فعلت إلا أنك أضفت أحد وجوه التأويل. تأمل
                  الحمد لله أن أسقط التكليف

                  تعليق

                  • بلال النجار
                    مـشـــرف
                    • Jul 2003
                    • 1128

                    #24
                    بسم الله الرحمن الرحيم

                    أولاً: إن كلامك كان في هاتين الآيتين، وليس في آيات أخرى قد يتوهّم منها التعارض، فلو قلت كلامك دون الاحتجاج عليه بهاتين الآيتين لقبلناه منك لأنا نعرف هذه المواضع التي يتوهم فيها التعارض بشأن السؤال. أما حين تكلّمت عن هاتين الآيتين فقد أردنا أن نريك خطأ التمسك بهما كآيتين متعارضتين في هذا المحلّ. وغاية ما ذكرناه أنّ هاتين الآيتين ليس بينهما تعارض مطلقاً.

                    ثانياً: أنت تعيد على مسمعي قاعدة أحفظها وأقرّها وهي أن العبرة في عموم اللّفظ وليس في خصوص السّبب. فأسألك أين هو اللّفظ الدالّ على العموم في قوله تعالى: (فوربّك لنسألنّهم أجمعين عمّا كانوا يعملون)؟ إنني أدّعي أنه ليس في هذه الآية لفظاً عامّاً يستغرق جميع العباد مؤمنهم وكافرهم حكم عليه بهذا السّؤال، فهلا أشرت لي على هذا اللّفظ العام؟ ثمّ إذا كان القرطبيّ رحمه الله قد قال إنّ هذه الآية تدلّ على سؤال جميع الخلايق فهلاّ أريتني كيف فهم منها ذلك؟ ولا عبرة بقولك إن هذا ليس كلامي، لأن مجرّد احتجاجك به مع كونه كلام غيرك فيلزمك أن تبيّن وجه الاستدلال فيه وإلا سقط. لأن كلام القرطبي رحمه الله تعالى ليس بحجّة عليّ من حيث كلامه. وهو وإن سلمّناه ضعيف على ما سيأتيك بيانه حين تريني وجه كلامه في العموم. وأما القاعدة التي ذكرتها فلا محلّ للاحجتاج بها حتّى الآن لأنّك لم تبيّن العموم المدّعى بعد. فالضمير لا يفيد العموم من حيث هو كذلك، بل ينظر إلى أيّ شيء يعود. وهو يعود ههنا إلى المقسّمين فيستغرقهم هم لا جميع المكلّفين. فلا يقال العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب، لأنّا نقول هذا خاصّ أصلاً وليس بعام. وتطبيقك القاعدة على هذه الآية قبل إثباتك لعمومها المكلّفين يظهر منه بعدك عن التأمّل الذي ما زلت تدّعيه لنفسك. فإنه لو كانت الآية تقول: لنسألنّ الناس (أو ما في معناه) أجمعين عمّا كانوا يعملون ثمّ احتججت عليك بأنها عامّ أريد به خاص هم المقسمون الذين نزلت فيهم الآية لجاز لك أن تقول هذه القاعدة في الجواب. ولكنّ الضمير ينوب عن الاسم، فكأن الآية تقول: لنسألن المقسمين أجمعين عمّا كانوا يعملون. ولا يعمّ لفظ المقسّمين أصلاً جميع الناس. بل هو خاصّ بهم يخرج به غيرهم من الناس. ولا يلزم من سؤالهم سؤال غيرهم أو عدمه بل لا بدّ من إثباته لغيرهم أو نفيه عنهم من دليل آخر وهو ليس موجوداً في هذه الآية.

                    ثالثاً: الجواب عن هذا التعارض الموهوم معلوم لكلّ من يقرأ في التفاسير، وقد ذكرت أنت بعض الوجوه المحتملة لفهمه، وهي وجوه تحتملها اللغة العربيّة وقواعد الأصول، لذلك فقد قال بها العلماء منذ نزل القرآن الكريم وحتّى اليوم، فما هو اعتراضك على هذه الوجوه من جهة أصوليّة أو بأعمّ عقليّة؟ وإذا كان قد أجيب عن هذه الآيات إجابات سائغة عقلاً، كما أجاب به العلماء من وجوه، فقد اندفع التعارض المدّعى، فكيف تقرأ هذه الوجوه في الجواب ثمّ تصرّ على وجود التعارض؟ ثمّ ماذا يضرّك أنّك مسؤول أو غير مسؤول؟ أي أنه إذا تعذّر بالفعل أن نعرف من من الناس سوف يسأل عمّا اقترف ومن منهم سوف لن يسأل، فما هو الأمر الذي كلّفنا به ويتوقّف فعله على معرفة أنّنا سنأل أو لا عمّا اقترفنا؟ لماذا تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل هكذا أمور وأنت تخالفني في الأصول التي هي أعلى منها.

                    رابعاً: أني أعجب من احتجاجك عليّ بآي القرآن وقد قلنا إنّه لا ينبغي لك بعد قولك بعدم صلوحه لذلك. وكذا بنتفٍ من قواعد الأصول وأنت ترى قصورها عن درك مرادات الكلام. والذي يجب عليك أن تتعب نفسك فيه هو الإتيان بأدلّة أخرى خارجة عمّا لا تعتقد صوابه وعلميّته، لأنّ احجاجك عليّ بما لا تسلّمه أنت من القواعد يظلّ مندفعاً حتّى لو لزمني على مذهبي لكونه ليس بشيء عندك. نعم لا يُلزم المرء إلاّ على مذهبه، ولكن بدليل صحيح على قواعد المختصمين، وإلاّ لم يثمر غير بيان اندفاع دليل الملتزِم دون إثبات كلام خصمه. وأنت لا تأتي بشيء يفيد، فلا استفدنا منك إثبات شيء مما ادعيته حتّى الآن بدليل يعتبره العقلاء، ولا نقضت لنا دليلاً من أصولنا، ولا تقوى إلا على ذكر ما لا يفيد. وأراك في أخيرات ما كتبت تطلب مني أن لا أتكلّم في شيء سوى مسألة الكبيرة بعد أن ذكرت وأشرت إلى أنك لا تقبل القرآن ولا السنّة ولا الإجماع ولا القياس ولا الأصول ولا اللغة ولا حتى الأدلة العقلية حكماً. فإلى أيّ شيء تريدني أن أحاكمك لتلتزم؟ ثمّ في أثناء ذلك تستدلّ عليّ بما يحلو لك من كلّ ما ذكر. أفيرضى عاقل أن أحقق مسألة فاعل الكبيرة وأكتب فيها الصفحات، وحين أنتهي تقول لي إنّ القرآن الذي تستدلّ به لا يسلّم تواتر ألفاظه، والسنة متعارضة، والنبي يجوز عليه الغلط، واللغة لم ينقل منها ما يكفي للفهم، والفهم ابن الثقافة، والأحكام أقوال العلماء وليست أحكام الله، والعقل مختلف فيه وهو تركيبة ثقافية وليس صحيحاً مطلقاً. والإجماع وهم غير موجود، والقياس غير صحيح عندي. إن البحث في مسألة الكبيرة فرع ثبوت مصادر التشريع، وكلّ الدين فرع عصمة النبيّ عليه السلام، ومعرفة نبوّته يكون بدليل العقل.
                    إنني بعد كلامك الأخير صرت أفكر في أنه هل من جدوى من الكلام مع شخص مثلك؟ إن كلّ دليل مرّ لي ببالٍ فإما أن يكون من الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو العقل وما توصّل إليه العلماء من إثبات لقوانين العلوم. ويمكنك ببساطة أن تقول إني أنكر دليلك لأنك أنت تفهمه على هذا الوجه، ولكنّي أنا أفهمه على وجه آخر. وكلّ قول يمكن أن أقوله فلا مقياس لصحته وخطئه...ولا أدري ما هو الصواب...
                    إن القضايا النظريّة تحلّل إلى أوليّاتها، حتى إذا استلزمت مناقضاً لحكم بدهيّ أو بأعمّ مسلّم بين المتناظرين حكم بخطئها، وإلا فإذا انتهت إلى بدهيّات مصدّق بها فهي صحيحة مطلقاً، أو مسلّمة فهي صحيحة عندهما على الأقلّ. وهذا كلّه فرع تسليم طريق النظر العقليّ، الذي هو فرع تسليم حجيّة العقل بكونه مصدراً من مصادر المعرفة. فإذا لم يعترف به الخصم حجّة عليه وعلى الجميع مطلقاً، لم يمكن لنظيره أن يقنعه. ولذلك، فإني لا أقوى على إقناعك مهما فعلت إذا كنت لا تسلّم لي حجيّة مصادر أدلّتي، بل لا أقوى على إقناع أحد بأي شيء حتّى لو أفحمته في كلّ ما يقوله، لأنه فرق كبير بين الاقتناع وبين الإلزام. فمن يصل به الحال إلى إنكار البدهيّات (ولا تستغرب فكلامك منه ما يؤول إلى إنكار البدهيّات)، ولقد تكلّمت مع شخص أنكر كلّ شيء، حتّى شكك لتعنته في أن ما يراه فإنه يراه وغير ذلك من أحكام الحواس السليمة التي تفيد لكلّ واحد نفس الحكم الضروريّ بأن ما أحسّه فقد أحسّه، فبالله قل لي، كيف يمكنني أن أتكلّم معك بلا مقياس واضح مسلّم بيننا نتحاكم إليه لنعرف من هو المصيب من المخطئ. إنّك إذا لم تذكر لي على وجه التحديد مقياس الخطأ والصّواب عندك، بحيث يكون مقياساً علميّاً منضبطاً فلا يمكنني أن أتكلّم معك مطلقاً في شيء من الأمور. لأن كلّ كلام عندئذ فلا جدوى منه. وبإمكان أي شخص أن ينكر أي شيء، ويلقي الكلام كيفما يريد، ويشكك في أقوال الآخرين بمغالطات وتمحلات، ولا يثبت هو شيئاً ولا ينفي شيئاً على وجه القطع ليبقى حافظاً لخط الرجعة كما يقولون فأيّ جدوى من الكلام معه حينئذٍ. ثم بعد أن تريني مقياسك المنضبط للصحة والغلط، يمكنك أن تتكلّم معي في أصول المسائل التي تنبني عليها كثير الفروع التي تتكلّم أنت بها.
                    هدانا الله وإياك إلى الصواب، وجعلنا من الراشدين آمينٍ، ولعلّي أثقل على شيخي المحقق العلامّة الفاضل سعيد فودة بطلب إضافة كلمة صغيرة يوجّه بها هذه البحوث نحو ما ينفع، فلدينا ههنا بعض المشاكل التي نواجهها، فإن فادي قد طرح مسائل وشبهاً كثيرة جدّاً للبحث، وكلّها شبه متداولة ولكن منها ما لا يجاب عنه بكلمة صغيرة كما تعلمون، فإن لم يلتزم كلانا بضوابط صارمة في البحث والمناظرة مخلصين لله ربنا وللبحث الذي نحن بصدده، ويتعاون كلانا على الوصول إلى نتيجة بأقصر الطرق، فلن يمكننا أن نحقق المسائل ونفيها حقّها من الجواب. ولا أريد أن يفهم من ذلك عدم رغبتي في المضي قدماً في البحث، ولكنّي بتّ لا أدري من أين أبدأ الكلام بعد ما كتبه فادي مؤخراً مما أشرت إليه ولا يخفى عليكم، فإذا انضبطت الأمور بشكل جيّد، فإن وظيفتي أنني طالب علم، فلن أملّ إن شاء الله تعالى من القراءة والكتابة والبحث والمناظرة. والله تعالى الموفّق للسداد
                    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                    تعليق

                    • fadilov
                      موقوف لأسباب إدارية
                      • Nov 2003
                      • 42

                      #25
                      الفاضل بلال
                      أما وقد أثبت التعارض في السؤال، فلا أرى مبررا للخوض في طريقة الوصول إليه، ووالله ليس هذا لعجز مني عن بيان العموم في الآية، ولكن حتى لا نطيل فيما لا ينفع طالما أنك موافق على وجود أصل التعارض.
                      ثم ذكرتَ أن العلماء قد أجابوا على التعارض بوجوه مقبولة في الأصول واللغة وسألتني عن وجه اعتراضي عليهابما أنها سائغة، وخلصت إلى نتيجة وهي اندفاع التعارض المدعى. أقول إن هذا يبين عدم فهمك لوجه الاعتراض ومحل الإشكال، وأرجو أن تقرأ كلامي مرة أخرى فإن محل الإشكال واضح فيه وأنا أعيد جزءا منه هنا، قلتُ "وأنا أضرب مثالا على احتمال أن يكون الفهم منطقيا مع عدم مطابقته لمراد الله ..... وهذه الفهوم كلها رافعة للإشكال بطريقة منطقية صحيحة، إلا أن هذا غير مفيد أبدا إذ أن هذه الفهوم متعارضة فيما بينها فالفهم الأول يلزم منه عدم سؤال المشركين مطلقا والثاني سؤالهم والثالث سؤالهم وعدم سؤالهم، فأي فهم منها هو الذي أراد الشارع منا معرفته، أي ما هو الفهم المطابق لمراد الشارع؟ وعليه فإن وجود طريقة منطقية لا خطأ فيها لفهم النص لا يلزم منه أن يكون الفهم صحيحا. تأمل. وأكرر سؤالا ذكرته فيما سبق وهو هل راعى الشارع الثقافة وطبيعة المخاطبين عندما أنزل النص أم لا إن كان الأول فإنه يلزم منه أن لا يصح الفهم من غير تلك الأمور وهو ما تقوله المقالة وإن كان الثاني فما الدليل؟) وبهذا يتبين لك أن محل الاعتراض هو أن الفهوم سائغة وفقا لقواعد الأصول واللغة ومع ذلك فهي متعارضة ولا يصح أن تكون جميعها صحيحة في نفس الأمر لتعارضها، وعليه فإن بناء الفهم على قواعد الأصول واللغة لا يُنتج بالضرورة فهما صحيحا، ثمَّ ماذا أراد الله منا أن نفهم من هذه الآيات إذا أردنا فهم القرآن بقواعد الأصول واللغة فقط؟ هل سيسأل المشركون أم لا أم بعضهم سيسأل؟ فهذا هو محل الإشكال.

                      أما أني لا أحتج بالقرآن أو أحتج به فليس هذا أصل الإشكال المطروح في المقالة، إن أصل الإشكال يدور حول عدم صلوح أصول الفقة كأداة لفهم القرآن وذلك لأصلين الأول أننا إن طبقنا قواعد الاستدلال في أصول الفقة لفهم القرآن تكافأت الأدلة واستحال معرفة حكم الله في بعض المسائل وظهر القرآن كما لو أنه متناقض، والاستدلال بهذا الأصل لا يتم إلى بضرب مثال على هذا، وقد مثلت له بمسألة مرتكب الكبيرة. وأنا عندما أسلك هذا الطريق سألتزم بقواعد الاستلال في أصول الفقه حتى أبين تناقضها وقصورها. الأصل الثاني أن أصول الفقه لم تراع أمورا أخرى يجب مراعاتها لفهم القرآن وهذه الأمور لا يمكن الوصول إليها. هذا إجمال لأصل الإشكال.
                      أما أني طلبت أن لا نتكلم إلا في مسألة صاحب الكبيرة وحكم ذلك في القرآن، فليس ذلك لمعرفة حكم مرتكب الكبيرة فهذه مسألة فرعية إذا ما قورنت بالإشكال المطروح في المقالة، وإنما أردت الحديث عنها لأبين صحة الاستدلال بالأصل الأول. وإنما أردت أن تبين حكم مرتكب الكبيرة في القرآن وأن نحصر الكلام فيه مبتعدين عن الحديث عن غيره من أصول التشريع كالسنة لأني لاحظت أن المسألة ستتشعب جدا والأفضل أن نحصر الكلام فيها وجها وجها أي بعد أن نفرغ من الاستدلال بالقرآن، انتقلنا للحديث عن غيره من الأصول كالسنة وغيرها، وأنا ما أردت بذلك إلا محاولة ضبط النقاش حتى يكون مثمرا ومركزا أكثر.

                      جاء في آخر كلامك قولك: "فإن لم يلتزم كلانا بضوابط صارمة في البحث والمناظرة مخلصين لله ربنا وللبحث الذي نحن بصدده...."، أما أنا فلا أريد أن أكون مخلصا لله والبحث وإنما أخلص لله وحده رب العالمين وعلمي به أنه إله يغار، وهذا عندي من الشرك اللذي لا يخرج من ملة الإسلام بل ولا يأثم فاعله ولكنه يحبط ثواب العمل الذي أشرك به مع الله غيره.
                      الحمد لله أن أسقط التكليف

                      تعليق

                      • fadilov
                        موقوف لأسباب إدارية
                        • Nov 2003
                        • 42

                        #26
                        تابع الرد على القسم الثاني من مناقشة الفاضل بلال لردّي على مناقشته العامة لمقالة (إشكالية فهم النصّ القرآني)

                        قلتَ (فدعونا نتأمل هذه الآية من وجوه عدّة لنرى هل معنى الشرك ههنا هو ضد التوحيد وأنّه ظاهر فيه لكونه المتبادر والحقيقة الشرعية له أم أنّها تحتمل معنى الكبيرة كما يدّعي فادي ... فأقول إن الشرك ككلمة مفردة مستقلّة عن سياقها، وباعتبار سياقها هذا فإنها حقيقة شرعيّة في ضدّ التوحيد، ولنا على ذلك وجوه: أولاً: أنّ المعتزلة أنفسهم لم يخالفوا في هذه الآية بأن الشرك ههنا ليس ضدّ التوحيد.... إشارة أن الشرك حقيقة في الكبائر فلعلّك تدلّني أين قالها.)
                        قولك أن المعتزلة لا يقولون أن الشرك في هذه الآية يشمل كبائر الذنوب يحتاج إلى إثبات، وما نقلته عن الإمام الزمخشري لا يلزم منه أن يكون قول جميع المعتزلة في تفسير الآية، فإن عدم النقل عن أحدهم لا يلزم منه نقل العدم كما هو مقرر، ثمَّ سلمتُ لك أن المعتزلة لا يقولون بهذا وأنك تستطيع أن تثبت النقل عن جميعهم فإن مجرد عدم قولهم بأن الشرك في الآيه يشمل كبائر الذنوب ليس حجة علي، إذ المعتبر عندي دليلهم لا قولهم. وأرجو أن لا تطالبني بإثبات النقل عن أحد المعتزلة أنه يقول أن الشرك في الآية يشمل الكبائر فأنا لا أحتج بقولهم في تفسير الآية وإنما أحتج لتصحيح قولهم في أن الآية غير ظاهرة في إثبات قول أهل السنة أو أنها ظاهرة في ذلك غير أنها تحتمل التأويل فهي ليست نصا، وسيأتي التعليق على كلامك أن الآية نص في إثبات مذهب أهل السنة وليست ظاهرا.

                        قلتَ (ثانياً: إن الكبيرة أعمّ من الشرك قطعاً. وغير الشرك من الكبائر هو دون الشرك معصيةً وذنباً، يوافقنا على ذلك الزمخشريّ نفسه حيث بين أن مما هو دون الشرك الكبائر: (دون الشرك من الكبائر). وهذه الآية قد ذكرت فيها جميع الذنوب بالاتفاق، فصار المعنى إن الله لا يغفر الشرك وحده ويغفر كلّ ذنب دونه إذا شاء.)
                        أما أن الكبيرة أعم من الشرك قطعا فأنا لا أسلم لك هذه المقدمة ابتداءا بل هي محل الخلاف بيني وبينك إذ إني أقول أن كل كبيرة هي شرك كما أن كل شرك فهو كبيرة، ثمَّ أقول إن من الشرك ما يخرج من ملة الإسلام وهو ما كان منافيا للتوحيد ومنه وما لا يخرج من ملة الإسلام وهو ما كان دون ذلك من الكبائر. وموافقة الزمخشري لك لا تنفعك فأنا لا ألتزم قوله، فبالله كيف تستدل بهذه المقدمة اللتي أنازعك بها على إثبات ذات الشيء اللذي أنازعك به وهو أن الشرك حقيقة في كل كبيرة؟

                        قلتَ (والآية لم تذكر التوبة أبداً فصار كل منصف يعرف ...... ولا يخفى أن تفسيره يقتضي تقدير محذوفين هما (من لم يتب) وقصد به المشرك، و(من تاب) وقصد به من تاب على ما قيّده. وفهم الآية بلا تقدير محذوف أولى من فهمها مع تقديره. لأن الأصل عدم التقدير.)
                        أما أن فهم الآية من غير تقدير محذف أولى فهو صحيح ولكن أهل السنة أنفسهم يقدرون محذوفين لفهمها، كما أن تفسير الزمخشري فية تقدير محذوفين، وبيان ذلك أن ظاهر لفظ الآية يفهم منه أن الله لا يغفر أن يشرك به مطلقا سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم وجود التوبة، ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة، وعليه فإن أهل السنة قدروا محذوفا على موضعين في الآية فيكونوا في حقيقة الأمر قدروا محذوفين والزمخشري ما فعل إلا أنه وافق أهل السنة على المحذوف المقدر في القسم الأول وخالفهم في المحذوف المقدر في القسم الثاني، وتفسيري للآية فيه تقدير محذوف في موضعين مثل اللذي قدره أهل السنة. تأمل.

                        قلتَ (ثمّ إن الزمخشريّ راوغ أو أنه ذهل عن أصل المعتزلة في إيجاب المغفرة والعقاب على الله تعالى، ..... ومن يفهمه يعلم قدر تهافت كلامهم في هذا المحلّ، ..... اضطراب كلامهم وفساده.....لا يرضاه واحد من المعتزلة. تدبّر. )
                        ليس الكلام فيما إن كان غفران الذنوب واجبا على الله بالعقل أم بالشرع، فلا أريد الحديث عنه وأرجو منك أن لا تفعل. أما كيف ذهل الزمخشري عن أصل المعتزلة بوجوب عقاب الكافر والذي لم يتب وإطالتك الكلام في هذا ونسبته إلى المراوغة وتهافت الكلام فهذا لا ينبغي أن يقال في حق إمام مثل الزمخشري قبل التحقق من كلامه، والحق أن الزمخشري لم يخالف أصوله ولا تناقض وإنما قصر فهمك عن إدراك عبارته فتوهمت التناقض والتهافت، فإن المشيئة عند الإمام هي مشيئة العاصي وليست مشيئة الله، وتأمل عبارته ": إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك" فكأنه يقول اللذي يشاء الشرك لا يغفر الله له، واللذي يشاء ما دون الشرك يغفر الله له، فالمشيئة عنده كما حدثتك هي مشيئة العبد وليست مشيئة الله، فلا تناقض في كلامه، وبهذا يستقيم كلامه مع أصوله، وإني والله لأعجب كيف تظن بإمام مثل الزمخشري أن يبلغ به الغباء هذا المبلغ حتى يأتي رجل مثلك ليبين تهافت كلامه ويطيل الكلام في ذلك؟ رحم الله من فهم ما يقرأ.

                        قلتَ (وتطبيق الآية على نظيره الذي أتانا به لنفهمها من خلاله، يقتضي أن يكون معنى القنطار هو الشرك والدينار هو الكبيرة وما دونها، والبذل المغفرة....... الكلام في هذا إلى محلّه فسيأتي إن شاء الله. )
                        ليس الدينار أو القنطار هو الشرك أو الكبيرة بل بذل الدينار هو بذل المغفرة وبذل القنطار هو بذل المغفرة الأعظم، وعليه فمعنى الكلام إن الله لا يبذل المغفرة لمن شاء ارتكاب الكبيرة ولم يتب ويبذل المغفرة الأعظم لمن شاء ارتكاب الشرك وتاب. وبه يتضح معنى الاستئهال. هكذا أفهم كلام الإمام والله أعلم.
                        أما استدلالك بآية (قل يا عبادي) فهو غير مفيد إذ الآية مقيدة بالتوبة ولا شك، فإن الذنب يشمل الشرك، وعليه فإن قوله تعالى (ان الله يغفر الذنوب جميعا) إن أراد من غير توبة دخل الشرك فيما يغفره الله من غير توبة وأنت لا تقول به، وإن أراد بتوبة لم تنفع الآية في الاستدلال. تأمل.
                        أما كلامك عن أصول المعتزلة فأنا والله أعرفها ومثل هذا لا يخفى على مثلي، وأرجو منك أن لا تشعب الكلام.

                        قلتَ (ثالثاً: أن ضدّ التوحيد لغة الإشراك وليس ترك الصلاة .... وأكثر مزالق المعتزلة التي أوقعتهم في البدع. )
                        أما أن ضد التوحيد الإشراك فأنا أسلم هذا، وليس هذا محل النزاع إنما محل النزاع ما هو الإشراك؟ هل هو أن تقول أن هناك خالقا آخر مع الله أو أن هناك من يشابه الله في صفاته أو من عبد غير الله أو من قصد بعبادته أحدا غير الله أو من أطاع نفسه وهواه بدلا من طاعة الله أو من عصى الله بدلا من معصيته لنفسه وهواه أو هو كل هذا مجتمعا أو أيُّ واحدة من هذه أو بعض هذا؟ فإن في كل هذا الذي ذكرته لك إشراك مناف للتوحيد لغة ولكن اختلف محل الإشراك، أنا أقول أي واحدة من هذه هي إشراك لغة فالعبد إن أطاع غير الله فقد أشرك في طاعته هذا الغير ولم يفرد الله في الطاعة وعليه فدليلك حجة لي لا علي، وأنت تزعم أن بعض اللذي ذكرته لك إشراك وبعضه ليس كذلك، فما دليلك على هذا التفريق؟ أرجو أنت تتأمل هذا فهو نافع.

                        قلتَ (رابعاً: قال أبو البقاء: "والظاهر والمفسَّر والنصّ سواء من حيث اللغة لأنّ ما هو معنى اللفظ في الكلّ قلت: أي مشترك في أنه- لا يخفى على السامع إذا كان من أهل اللسان" اهـ وأقول إن كل إنسان يعرف العربية إذا سألته ما معنى الشرك؟ أشار لك بما هو ضدّ التوحيد ..... فإن كنت تعرف محلاً تدلّني عليه فاذكره ولك من الله خير الجزاء. )
                        ما هو ضد التوحيد هل هو فقط ما يخرج من ملة الإسلام أم يمكن أن يدخل فيه من أشرك بنيته في العبادة غير الله؟ لا شك أن الثاني يدخل فيه وأنت توافق على الشرك الخفي، وهذا الشرك لا يخرج من ملة الإسلام وإن سلمت أنه يخرج أحيانا فلا أسلم أنه يخرج دائما، ثم أليس من ضد التوحيد أن لا أوحد الله في طاعته فأشرك معه نفسي وهواي وأطيعهما بدلا من طاعة الله في بعض الأحيان؟ ثم القول إن الشرك هو الكفر ليس مفيدا لك إذ إني أقول أن الكفر يطلق حقيقة على غير ما يخرج من ملة الإسلام. ثم أعود إلى الكلام عن الرياء فأقول إن العلماء يطلقون عليه الشرك الأصغر وعلى الشرك المخرج من الملة الشرك الأعظم، وذلك أن الرياء ليس مخرجا من ملة الإسلام عندهم أو على الأقل عند من يطلق ذلك منهم، وأنت تسلم أن الرياء من الشرك حقيقة هذا ظاهر كلامك، وعليه يسقط كلامك في أن الشرك إنما هو فقط فيما أخرج من ملة الإسلام.

                        قلتَ (ولكي لا أطيل أود الاكتفاء ههنا بعرض الآيتين الكريمتين التي ورد فيهما (دون ذلك) في سياقهما في سورة النساء، .....في السياق الأول، قال الله تعالى:
                        (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (44) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا (45) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً (47) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا).

                        وفي السياق الثاني في سورة النساء، يقول تعالى:
                        (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (116) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118)
                        ومن يفهم العربية ويتجرّد للإنصاف يظهر له أن سياقي الآيتين في الكفار وليس في المؤمنين. وهذا ليطمئن القلب)
                        أسلم أن السياق في الحديث عن المشركين ولكن إن سلمت لك أن الشرك في الآية إنما هو حقيقة في المشركين وأن ما دون ذلك هو في كبائر الذنوب وصغائرها فإن السياق يكون حجة عليك لا لك، وبيان ذلك أن سياق الكلام إنما هو عن المشركين وليس في المؤمنين وعليه فإن الله لا يغفر للمشركين الشرك إن بقوا على شركهم ويغفر لهم ما دون ذلك من الكبائر والصغائر إن أسلموا فإن الإسلام يجب ما قبله فالله جل وعلا يريد أن يبين لهم خطورة بقائهم على الشرك ويحثهم على الإسلام وهو نظير قوله تعالى:" قل للذين كفروا إن ينتهو يغفر لهم ما قد سلف". وكما قلتَ (من يتجرد للإنصاف يظهر له أن سياقي الآيتين في الكفار وليس في المؤمنين. وهذا ليطمئن القلب) فالآية إذا لا تتكلم عن توبة المؤمن من الكبيرة، فهي لا تتحدث عنهم ابتداءا، وإنما تتكلم عن توبة المشركين وهي لا تتم إلا بالإسلام والإسلام يغفر كل شيء، ويجب ما قبله.

                        قلتَ (فإن قيل إن العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب. قلنا هذا حقّ، ولكنّ هذا العموم المدّعى معارض بكثير من العمومات الواردة في الوعد، وكل متدبّر للقرآن يعلم أن آيات الوعد التي فيها عمومات صريحة أكثر بكثير من آيات الوعيد، وكثرة الأدلّة دليل معتبر في الأصول على رجحان القول. فهذا دليل يحسب لنا..... وفنّدناها على ما وعدنا. )
                        أما أن آيات الوعد التي فيها عمومات صريحة أكثر بكثير من آيات الوعيد فإن كنت تقصد عمومات صريحة في عدم خلود أهل الكبائر فأنت منازع في أن العمومات صريحة ومنازع في أن الآيات أكثر بكثير وأرجو أن تبين صحة ادعائك فاذكر لنا ما هي هذه العمومات الكثيرة الصريحة. وإن كنت تقصد مجرد آيات الوعد من غير شمول أهل الكبائر فهذا لا يصلح دليلا لك أو كنت تقصد الآيات اللتي شملت أهل الكبائر كما شملت الخارجين من الملة من غير ذكر التوبة كقوله تعالى: (لا تقنطوا من رحمة الله) فهي غير صالحة للاحتجاج كما بيناه فإن العموم مقيد بوجود التوبة، وتخصيص التوبة في بعض العموم دون بعض يحتاج إلى دليل منفصل فإنه خلاف الأصل.
                        ثم القول بالترجيح بين الأدلة بالكثرة لا يسلم بالإطلاق، أولا لأنا إن قلنا بوجود 5 أدلة على الخلود لأهل الكبائر و 10 أدلة على عدم الخلود فلا أسلم جواز الترجيح بالكثرة، نعم يمكن أن أسلم الترجيح بالكثرة إن كان هتاك دليل أو دليلان على الخلود و عشرة على عدمه، وعلى أي حال أنت مطالب بحصر الأدلة ليسلم لك الترجيح.
                        وثانيا لأن القرآن إنما نزل مفرقا وقد تختلف الكثرة من وقت إلى وقت فتقل وتكثر وقد تتغير وعليه فالرسول الأكرم والصحابة ما كانوا يفهمون الآيات ويرجحون بين العمومات وقت النزول بناءا على الترجيح بالكثرة.

                        قلتَ (قوله: (إذ غاية ما يمكن أن تثبته هو أن الدلالة في الآية على ما ذكرت دلالة ظاهر لا نص، وهذا الظاهر معارض بظاهر الآية التي استدل بها المعتزلة ....) أقول: إذا سلّمت أنت أن آية (ويغفر ما دون ذلك) ظاهرة في جواز مغفرة الكبيرة وعدم الخلود في النار .... فكيف تسدل على كون المعاصي ههنا بمعنى الكبيرة باقتران الخلود جزاء لفاعلها.)
                        سأبين وجه الاعتراض وأرجو أن تتأمل في الإشكال من جديد فإنه على غاية من الأهمية. إن سلمتُ أن آية (ويغفر ما دون ذلك) ظاهرة فيما ذكرتَ فإني أقول بل ويقول كل عاقل إن آية (ومن يعص) ظاهرة في كل ذنب سواء أكان مخرجا من الملة أو كبيرة أو صغيرة، هذا ظاهر عموم الشرط إن قرأنا الآية لوحدها، أي لو أتينا إلى من يفهم العربية ولا يعرف شيئا من القرآن أو شيئا عن حكم مرتكب الكبيرة وقرأنا عليه الآية وطلبنا منه بيان ما يفهم منها فسيقول لنا إن فاعل أي معصية مخلد في نار جهنم غير خارج منها. إن تبين هذا فعلينا أن ننظر في معنى الآية إن وضعناها مع سائر آيات القرآن وعندها سنجد أن هذا الظاهر معارض بآيات أخر كقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) فأخرجنا صغائر الذنوب من عموم قوله تعالى: (ومن يعص) وبقي كل ذنب سوى ذلك موجبا الخلود في النار سواء أكانت المعصية كبيرة أو معصية مخرجة من الملة، ثمَّ أتينا إلى قوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فوجدناه عاما في كل ما هو دون الشرك سواء أكان كبيرة أو صغير، على تسليم أن الشرك هو ما يخرج من الملة، وعليه فإن عموم (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) معارض بما تبقى من عموم (ومن يعص)، فهل نقول إن عموم (ما دون ذلك) مخصوص بالصغائر لمعارضته لما تبقى من عموم قوله تعالى (ومن يعص)؟ أم نقول إن (ومن يعص) مخصوصة بالمعصية المخرجة من الملة لمعارضتها لعموم (ما دون ذلك)؟ هذا ما قصدته بقولي معارضة ظاهر بظاهر. أرجو أن يكون وجه الاعتراض واضحا الآن.

                        قلتَ (وحاصل الكلام أني لا أسلّم لك أنّ تخصيصنا هو تخصيص ظاهر بظاهر مطلقاً بل إنا ندّعي أن الآية نصّ في جواز المغفرة لأهل الكبائر والمعاصي وخلود المشكين في النار يبيّن مجمل قوله تعالى (من يعص) بأن المقصود منه أهل الشرك ممن لم يتب.)
                        القول بأن الآية نص في جواز المغفرة قول عجيب فإن النص هو ما لا يحتمل التأويل أبدا، ولهذا قال العلماء أن النصَّ عزيز في القرآن، وقد أنكر وجوده بعضهم، على أي حال عموم الآية (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) مخصوص بالاتفاق بمن لم يتب فإن من تاب غير داخل تحت المشيئة. وقد تكلمت عن سياق الآية الذي أقل ما يقال فيه إن لم توافقني عليه أنه تأويل مرجوح فكيف تدعي أن الآية نص؟ إن النص هو ما لا يحتمل حتى التأويل المرجوح، وأكتفي بهذا فإن بطلان كلامك هنا أوضح من أن نزيد في الرد عليه.
                        ثمَّ أنت تدعي أن قوله تعالى (ومن يعص) مجمل وهو مما يتعجب منه حقا وكأنك تجهل أو تتجاهل معنى المجمل، فإن المجمل ما تساوت معانيه كالقرء يحتمل الطهر والحيض، أما العموم فلا يمكن أن يكون مجملا بل هو شامل لما عمَّهُ ظاهرٌ في جميع أفراده، ثم هذا الظاهر إما أن يخص وإما أن يبقى على عمومه. أنا لست في مقام تعليم مبادئ أصول الفقه بل في مقام المناظرة، فإن كنت لا تحسن الكلام في الأصول فأنا أستقيل من مناظرتك، وإن كنت تحسنه وتغالط فهذا أمرُّ وأدهى، وإني والله أللاطف الخصم وأجله وأعظمه ما لم يغالط مغالطة بيّنة انتصارا لمذهبه، فعندها تسقط حرمت تعظيمه وإجلاله من عيني.

                        قلتَ (ثم إني أريد أن أسلّم لك أنها تتناول صاحب الكبيرة فلم لا يقال على سبيل المعارضة إن المراد بالخلود والتأبيد ههنا المكث الطويل في النار، سواء كان معه دوام أو لا .... فهذا حلّ للإشكال. أفلا تأمّلته. )
                        القول بأن الخلود هو المكث الطويل خلاف ما يعلم من ظاهر لغة العرب قال صاحب اللسان: " الخلد دوام البقاء في دار لا يخرج منها ، خَلَدَ / يَخْلُد / خُلْداً وخلوداً بقي وأقام ، ودار الخلد الآخرة لبقاء أهلها فيها ، وخلده الله وأخلده تخليداً وقد أخلد الله أهل دار الخلد فيها وخلدهم. ومنه قوله تعالى : (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مِتَّ فهم الخالدون)" وهذا اللذي ذكرتَه من معنى الخلود هو اللذي ذهب إليه الرازي وأبو السعود وغيرهم، وهم مطالبون بالإثبات، ثم إن هؤلاء يجعلون الخلود بمعنى البقاء الدائم إذا جاء محتفا بقرينة كلفظ الأبد، هذا ما أذكره أما أن هناك من يقول إن الخلود يأتي بمعنى المكث الطويل من غير أن يلزم الدوام والبقاء وإن وجدت قرينة الأبد فهذا ما لا أعلم دليلا عليه من لغة العرب، فحري بك أن تأتينا بشاهد لإثبات هذا، ثمَّ لو سلمنا وجود شاهد فإنه ينبعي حمله على المجاز لا على أنه أصل الاستعمال. ولو ادعى أحدهم أن الآية نص في حكم الخلود الذي لا ينقطع لوجود قرينة لفظ الأبد لما أبعد، وفي مثل هذا يمكن أن قبل القول بأنه نص، لا فيما ادعيته في قوله تعالى: (ما دون ذلك)، وعجبي كيف تدعي النص هناك، والاشتراك هنا، أفيقبل هذا منصفٌ؟ على أنك كفيتني الرد على هذا فيما سبق من كلامك، فقد قلتَ: "نعلم أن المعتزلة ينازعون، ولكنا نقول إن ما قرروه من كلامهم في المنازعة لا يفيدهم، لأن استدلالنا لا يلتفت إلى كلمة أبداً كما بيّنته. لأدائها عندنا نفس المعنى الذي يريدونه من الخلود، ولكن ما تفيده من حكم التخليد ليس بواقع على غير المشركين بألوهيّة الله تعالى. فماذا تريد أنت من قولك: (إذ قد ينازع فيه بعضهم) من أي جهة ينازعونني، إنني أسلم لهم زمخشريّة أبداً كلنّهم، فماذا يفيدهم التأكيد إذا سلمته لهم وخالفتهم في محلّه. فعليك إذا كان لك معارضة أن تنصبّ على إثبات أن حكم أبداً عامّ لا في كلّ معصية مطلقاً بل عام في الكبائر خاصة وهو صعب المجتنى عليك وعليهم." وهذا الكلام اللذي ذكرته على سبيل المعارضة لا ينبغي أن نذكره ولا ينبغي أن يرد عليه لظهور ضعفه عند من يشتغل بطلب العلم ولولا خشية أن تلبس هذه الشبهة على العوام لما تكلفت عناء الإجابة عنها، وما أراك موافقا على الاعتراض اللذي ذكرتَه وذلك لإحساني الظن بك.

                        قلتَ (على قولي: (ثم إن دليل أبي القاسم الكعبي هذا بعد تضافر أدلّة...) قلت: (كلام صحيح لا ينبغي أن يفكر بالاعتراض عليه غير أنه غير لازم لي إذ لم أستدل به، وقد بينت لك سبب ذكر الآية)
                        أقول: إن ما أوردتُه على استدلال المعتزلة بآية (ومن يعصِ) مسقط لظهور المعنى الذي يريدونه فيها، وأنت ما زلت تتعلّق بهذه الآية وتستخدمها في محالّ النزاع، فكيف تفعل ذلك وأنت ترى أن اعتراضي على استدلالهم بها صحيح تماماً ولا يفكّر في الاعتراض عليه...لا ترغب في ردّه. )
                        إن اعتراضك الذي أوافق عليه هو على استدلالهم بقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، وأنا لا أوافق على اعتراضك على استدلالهم بآية (ومن يعص) فارجع إلى كلامي يتبين لك هذا بوضوح.
                        الحمد لله أن أسقط التكليف

                        تعليق

                        • بلال النجار
                          مـشـــرف
                          • Jul 2003
                          • 1128

                          #27
                          بسم الله الرحمن الرحيم،

                          قال فادي: (.... وإني والله لأعجب كيف تظن بإمام مثل الزمخشري أن يبلغ به الغباء هذا المبلغ حتى يأتي رجل مثلك ليبين تهافت كلامه ويطيل الكلام في ذلك؟ رحم الله من فهم ما يقرأ)

                          أقول: الزمخشريّ رحمه الله تعالى عالم كبير، ولا تقوّلني ما لم أقل، فليس غبيّاً ولا بلغ مبلغاً من الغباء، وإنما الرجل مخطئ ومتهافت في هذه المسألة ومسائل أخرى غيرها. أما أنت فأراك كلّما كتبت أكثر بان جهلك بالعلوم، وزاد تهافتك، والعجب من شدّة اغترارك بنفسك، وشدّة تبجّحك ومزايدتك عليّ في العلم والفهم والدّين. وسأريك كلّ ما أصفك به من كلامك في وقته إن شاء الله تعالى. وقد شغلت يوم أمس عن الردّ، وهذه الليلة، وربما استمرّ الحال ليومين أو ثلاثة تأتي، لأمرين طارئين مهمّين. وبعد ذلك لكلّ حادث حديث.

                          والحمد لله تعالى على عظيم منّه
                          ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                          تعليق

                          • fadilov
                            موقوف لأسباب إدارية
                            • Nov 2003
                            • 42

                            #28
                            الفاضل بلال

                            قلتَ (أما أنت فأراك كلّما كتبت أكثر بان جهلك بالعلوم، وزاد تهافتك، والعجب من شدّة اغترارك بنفسك، وشدّة تبجّحك ومزايدتك عليّ في العلم والفهم والدّين. وسأريك كلّ ما أصفك به من كلامك في وقته إن شاء الله تعالى.)
                            يا هذا أنا لا أهتم بما تصفني به من التبجح والاغترار وغير ذلك، فلست أنت من مدحه زين وذمُّه شين، وأنا لست هنا حتى تثبت لي هذا اللذي تذكر من صفتي، وأرجو أن لا أكون هذا الشخص المهم في نظرك حتى تتكلف إثبات هذه الصفات لي، وإنما أنتظر منك جوابا علميا على ما أوردهُ، فإن كنت تحسنهُ فهاته وإن كنت لا تحسنه فلا تأتيني بغيره فإن في ذلك خروجا عن المطلوب وفيه إضاعة للوقت اللذي تذكرنا بضيقه بين الفينة والأخرى، وصدقني العمر أثمن من أن تضيعه في إثبات اغترار شخص بنفسه أو تبجحهُ. ولا تظنن أني في فراغ وسعة من الوقت بل اقتطعتُ جزءا من وقت نومي لكتابة معظم ما كتبت، ولولا أن الاستاذ حدثني بأني سأجد منك ما يسرني لما صبرت عليك حتى الآن، وأرجو أن لا يطول صبري، وأن تكون عند حسن ظن الأستذ بكَ.
                            الحمد لله أن أسقط التكليف

                            تعليق

                            • fadilov
                              موقوف لأسباب إدارية
                              • Nov 2003
                              • 42

                              #29
                              تابع الرد على القسم الأخير من مناقشة الفاضل بلال لردّي على تعليقاته على كلامي

                              قلتَ (أقول: أما هذا الكلام فمن العجب العجاب. فإننا لا نتألّه على الله تعالى .... فأين الإشكال في هذا الكلام؟)

                              يبدوا أنني بحاجة إلى أن أعيد شرح الحجة من جديد فإني لإحساني الظن بك أقول إنك لم تفهمها، وربما كان هذا لضعف بياني أو لقصور فهمك فأقول
                              أولا: كلامنا ليس في التائب من ذنبه سواء أكان هذا الذنب كبيرة أو شركا.
                              ثانيا: الكلام عن حكم مرتكب الكبيرة شرعا لا عقلا فأنا لا أتكلم عما إذا كان واجبا على الله أن يغفر لمرتكب الكبيرة عقلا أم لا.
                              ثالثا: إذا تقرر ما تقدم فإن الله أخبر أنه (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) وهذا عموم يدخل فيه المشرك وغيره سواء من تاب ومن لم يتب. ثمَّ أخرج الله كل تائب وأوجب له المغفرة بكثير من الآيات وبقي المشرك اللذي لم يتب وغيره تحت المشيئة في جواز المغفرة، ثم أخرج الله المشرك اللذي لم يتب من هذا العموم وأوجب له النار بقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وأبقى كلَّ ما عداه ممن لم يتب تحت مشيئته سبحانه وأكد ذلك بقوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، والكلام هنا على تسليم أن ما دون ذلك يشمل الكبائر، ثمَّ أخرج الله جل جلاله مرتكب الصغيرة اللذي اجتنب الكبائر ولم يتب من عموم (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) ومن عموم (ما دون ذلك) وأوجب له المغفرة بقوله: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، ثمَّ أخرج الله ما تبقى من العموم الداخل تحت المشيئة وهو من ارتكب كبيرة ولم يتب وأوجب له الخلود في النار بقوله: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنـم خالدين فيها أبدا) وقوله: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) وقوله: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما) وغير ذلك من الآيات، وهكذا فقد أعلمنا الله مشيئته في كل صنف من العصاة، وما مصيرهُ. وبهذا يسقط كلام أهل السنة.
                              وبهذا أكون قد أتممت الكلام على ما علقه الفاضل بلال، على حكم مرتكب الكبيرة في القرآن، وأنا أنتظر جوابه وسأمهله حتى يفرغ مما يشغله، وأرجو أن يكون خيرا.

                              وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. والحمد لله ربّ العالمين.
                              الحمد لله أن أسقط التكليف

                              تعليق

                              • بلال النجار
                                مـشـــرف
                                • Jul 2003
                                • 1128

                                #30
                                بسم الله الرحمن الرحيم

                                قال لي فادي: (ثمَّ أنت تدعي أن قوله تعالى (ومن يعص) مجمل وهو مما يتعجب منه حقا وكأنك تجهل أو تتجاهل معنى المجمل، فإن المجمل ما تساوت معانيه كالقرء يحتمل الطهر والحيض، أما العموم فلا يمكن أن يكون مجملاً بل هو شامل لما عمَّهُ ظاهرٌ في جميع أفراده، ثم هذا الظاهر إما أن يخص وإما أن يبقى على عمومه. أنا لست في مقام تعليم مبادئ أصول الفقه بل في مقام المناظرة، فإن كنت لا تحسن الكلام في الأصول فأنا أستقيل من مناظرتك، وإن كنت تحسنه وتغالط فهذا أمرُّ وأدهى، وإني والله ألاطف الخصم وأجله وأعظمه ما لم يغالط مغالطة بيّنة انتصارا لمذهبه، فعندها تسقط حرمت تعظيمه وإجلاله من عيني)

                                أقول: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء. فالعام قد يكون مجملاً، ومن أسبابه تردد اللفظ بين مجازاته عند تعذّر حمله على حقيقته، وقد يكون بسبب تخصيص العموم بصورة مجهولة، أو بصفة مجهولة، أو باستثناء مجهول، أو بسبب إخراج اللفظ في عرف الشّرع عمّا وضع له في اللغة قبل بيانه لنا. فعد لكتب الأصول التي عندك وأعد المذاكرة، فإن انتهيت إلى أنه يستحيل أن يكون العامّ مجملاً كما قرّرته أنت فيما نقلته عنك، فسلني أن أشرحه لك، فإنه أمر لا يتعلّمه الطالب في مبادئ الأصول بل في مستوى أعلى قليلاً من ذلك. وإن ثبت لك جواز ذلك، فجد لنفسك ألفاظاً لائقة تخرجك من هذا الموقف الذي تضع نفسك فيه بقولك: (أنا لست في مقام تعليم مبادئ أصول الفقه بل في مقام المناظرة، فإن كنت لا تحسن الكلام في الأصول فأنا أستقيل من مناظرتك....إلخ كلامك).

                                واعلم أنّ الآية مجملة وعلى ما اخترته أنت من تساوي الأدلّة. فأنا أقول بأن قوله تعالى: (من يعص... فإن له نار جهنم خالداً فيها) عام أريد به خاص هو الكافر، وأنت تجيز ذلك وتجوّز معه أيضاً كون الكلام عاماً أريد به الكافر وفاعل الكبيرة، لأنّك ترى تساوي أدلة التخصيص التي عندنا مع التي عند المعتزلة. فصار قوله تعالى (من يعصِ) الآية، مستغرقاً لكلّ صاحب معصية، ومتردّداً بين دليلي تخصيص متساويين على قولك. وهذا نوع من العام علم قطعاً أنه قد خص منه بعضه، ولكن بقي المخصوص منه مجهولاً لكونه محتملاً، فيسمّى مجملاً. فتعبيري بأن الآية مجملة صحيح.

                                وقد احتججت عليّ بأنني حين أخص قوله تعالى (ومن يعصِ) بقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به..). فإنني أخص ظاهراً بظاهر. فاكتفيت منك بالتسليم بظهور المعنى الذي يقوله أهل السنّة من قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) لأردّ تلك المجملة إلى هذه الظاهرة. فكأني أقول إنني أرد المتشابه إلى المحكم وهي الطريق المرضيّة عند أهل الحق في المتشابه.
                                وليت لدي الآن وقتاً كافياً لأرد على جميع ما كتبت، فقد اختلست هذه الساعة أيضاً من وقت نومي كما تفعل أنت لأقرأ آخر ما كتبته في المنتدى، ولكن على أي حال فهذه مواضع لفتت نظري في آخر ما كتبت:

                                أولاً: قال فادي: (وبيان ذلك أن ظاهر لفظ الآية يفهم منه أن الله لا يغفر أن يشرك به مطلقا سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم وجود التوبة، ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة، وعليه فإن أهل السنة قدروا محذوفا على موضعين في الآية فيكونوا في حقيقة الأمر قدروا محذوفين والزمخشري ما فعل إلا أنه وافق أهل السنة على المحذوف المقدر في القسم الأول وخالفهم في المحذوف المقدر في القسم الثاني، وتفسيري للآية فيه تقدير محذوف في موضعين مثل الذي قدره أهل السنة. تأمل)

                                أقول: والحق أن أهل السنّة قدّروا محذوفاً واحداً لاستثناء من تاب من أهل الشرك من حكم الخلود، والزمخشريّ قدّر اثنين، وتقدير واحد أولى من تقدير اثنين. قول فادي: (ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة) أقول: حقّ كلامه أن يكون (..يفهم منه أنه يمكن أن يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمها) وهو قول أهل السنّة، لا من جهة الجواز العقليّ فقط بل لقوله تعالى (يقبل التوبة عن عباده) و(يغفر الذنوب جميعاً) ولغير ذلك من الآيات والأخبار. قول فادي: (فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة) أقول: أهل السنّة ما قدّروا ههنا شيئاً بل ردّوا ذلك كلّه إلى مشيئة الله تعالى، ولم يشترطوا التوبة لغفران ما دون الشرك، ويبدوا أنّك لم تقرأ أو لم تدقق في الموضع الذي قررت فيه مذهب السنة في فاعل الكبيرة وقاتل نفسه بكلام النووي وغيره. فارجع إليه.

                                ثانياً: قال فادي: (.... والحق أن الزمخشري لم يخالف أصوله ولا تناقض وإنما قصر فهمك عن إدراك عبارته فتوهمت التناقض والتهافت، فإن المشيئة عند الإمام هي مشيئة العاصي وليست مشيئة الله، وتأمل عبارته ": إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك" فكأنه يقول الذي يشاء الشرك لا يغفر الله له، والذي يشاء ما دون الشرك يغفر الله له، فالمشيئة عنده كما حدثتك هي مشيئة العبد وليست مشيئة الله، فلا تناقض في كلامه، وبهذا يستقيم كلامه مع أصوله، وإني والله لأعجب كيف تظن بإمام مثل الزمخشري أن يبلغ به الغباء هذا المبلغ حتى يأتي رجل مثلك ليبين تهافت كلامه ويطيل الكلام في ذلك؟ رحم الله من فهم ما يقرأ)

                                أقول: أما أنا فما فهمته من كلام الزمخشري فقد قلت لك بعضه في مقالي. فأمّا أولاً: فأنا أقبل تعريضك بي بأني لا أفهم ما أقرأ برحابة صدر، على شرط أن تلتزم أن كلّ من فهم مثل فهمي عن الزمخشريّ فهو لا يفهم. فماذا تقول؟ وثانياً: هل هذا الذي قلته يا من أحسنت فهم الزمخشريّ فهمك الخاصّ لقوله أم أنك تنقله عنه من كلامه في مواضع أخرى؟ وثالثاً: قولك: (ليس الكلام فيما إن كان غفران الذنوب واجبا على الله بالعقل أم بالشرع، فلا أريد الحديث عنه وأرجو منك أن لا تفعل...) فهل هذه المسألة التي نحن بصددها فرع أصلهم في وجوب الثواب والعقاب على الله تعالى أم لا؟ رابعاً: أنت تقول إن المعتزلة يقولون إن مغفرة الله للذنوب معلّقة على مشيئة العبد لا على مشيئة الله تعالى، فمن أين علمت ذلك؟ خامساً: هل تلتزم أن: (كل من يشاء الشرك لا يغفر الله له، وكل من يشاء ما دون الشرك يغفر الله له) دائماً على مذهبك أنت؟ ثم هل تلتزمه على مذهب المعتزلة عموماً أو حتّى على مذهب الزمخشري خاصّة؟

                                ثالثاً: كنت في معرض ردي على فادي قد قلت بأن القرآن الكريم كما كان مبيناً حين أنزله الله تعالى على نبيه فهو مبين اليوم بالاتفاق. فرأيت فادي في جوابه عليّ يقول: (أما أنه مبين اليوم بالاتفاق فلا أدري عن أي اتفاق تتكلم، وأنا أنازع في ذلك لأن آلات فهمه غير منقولة لنا كما تدعيه وهي عندي غير محصورة فيما ذكرت بل الثقافة وحال المخاطبين وأسباب النزول كلها من أدوات الفهم وهي غير منقولة على العموم. وكلامك هنا غريب حقا فإني أنازع في معظمه وأنت تغفل هذا)
                                وإني والله قبل أن أثبت قولي بالاتفاق كنت قد وقفت في أول مقالة كتبها على كلامه التالي، قال: (أما الإشكال الثاني : فهو أن القرآن نص في غير ما موضع على أنه كتاب هداية وبيان كقوله تعالى بلسان عربي مبين) مما يدل على أن القرآن واضح الدلالة لا يحتاج إلى شرح بل يستقل بنفسه في إيصال المعنى الذي أراده؛ وإلا لما كان بينا، وعليه فكيف سنجعل من السنة مبينا للقرآن، وربما اعترض أحدهم بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فالرسول صلى الله عليه وسلم مبين لما في القرآن، وهذا في حقيقة الأمر زيادة للإشكال وليس حلا له إذ كيف وما هي الحاجة إلى بيان ما هو بين! وجواب هذا أن السنة تبين ما لم يذكر في القرآن من أحكام كأوقات الصلاة أو عدد الركعات لا أنها تشرح ما هو مبين في القرآن أو أنها تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب، وهذا الأخير يلزم منه لا أن يخرج القرآن عن كونه بيانا فقط بل أن يكون كتاب تلبيس وإضلال للأمة عياذا بالله إذ إنه أفهم المخاطبين به خلاف مراده، وهذا الأمر يجب أن يتنزه عنه أفصح الكلام وأبلغه وأحسنه، وعليه فلا يمكن أن نلجأ إلى السنة في حل هذا الإشكال (
                                فأقول: من يقرأ تقريرك لهذا الإشكال يا فادي، ألا يفهم أنّك توافق على أنّ القرآن الكريم مبين. فهل يمكنك أن تشرح لي تعجبك مرّة من قولهم بأن السنة تبيّن القرآن لأنه مبين بنفسه، ثمّ استنكارك عليّ قولي بأنّك توافقني بأن القرآن مبين؟ وحين أعود إن شاء الله قريباً للكتابة سأريك عدداً لا بأس به من المواضع في كلامك، والتي أقلّ ما يقال فيها أنّها مشكلة.

                                والحمد لله رب العالمين
                                ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                                تعليق

                                يعمل...