بسم الله الرحمن الرحيم،
قولك: (وجه التعارض بين حديث قاتل نفسه وأحاديث الشفاعة فإن الأول ظاهر في خلود كل من تجرع سماً في نار جهم، وأحاديث الشفاعة تخرج كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فهل سنقول إن كل من قتل نفسه فهو مخلد في النار حاشا من كان مؤمناً لما جاء في أحاديث الشفاعة؟ أم سنقول إن كل من كان مؤمناً فسيخرج من النار إلا إن كان قاتلاً لنفسه بتجرعه السمَّ كما جاء في حديث تجرع السمِّ؟ أم لا هذا ولا ذاك فبينه؟)
أقول: إن الجنّة لا يدخلها إلا المؤمن بالاتفاق. أمّا النار فأهل السنّة على أنّ الله تعالى وعد بها الكافر خالداً فيها خلوداً دائميّاً في العذاب بلا موت. وأما المؤمن فكما هو موعود بالنعيم على الطاعات فمتوعّد بالعقاب على المعاصي. ولا تخرجه معاصيه مهما بلغت عن أصل الإيمان إلا أن يجحد ما أدخله في الإيمان وهي كلمة الشهادة بمقتضياتها. فمعنى لا إله إلا الله عند الأشعريّة لا مستغني عن كل ما سواه ومحتاج إليه كلّ ما عداه إلا الله سبحانه، وهي جامعة لمعاني العقيدة المطلوبة من المسلم مما يجب له تعالى، وما يستحيل في حقّه وما يجوز كما حققه العلامة السنوسي رحمه الله. ويقتضي الإيمان بثبوت الرسالة لسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم معرفته بالعين والمنزلة أي معرفة ما يجوز في حقه وما يستحيل وما يجوز، والتصديق بما جاء به من أركان الإيمان وأركان الإسلام، وما أخبر به عن ربّه من كتاب وحكمة. والإيمان من حيث هو كيفيّة نفسانيّة فإنه قابل للزيادة بالأعمال الصالحة والنقصان بالمعاصي. ونفيه عن المتلبس بالمعصية محمول على نفي كماله.
فأهل السنّة فهموا من قوله (لا يزني الزاني وهو مؤمن..) وأشباهه من الأحاديث أن معناه لا يفعل المؤمن هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. فإنه يجوز أن يطلق اللفظ في نفي شيء ويراد به نفي كماله، كما تقول: لا علم إلا ما نفع. ولا مال إلا الإبل. واللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة. وتأوّلنا لظاهر هذا الحديث لحديث أبي ذر وغيره: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنّة، وإن زنى وإن سرق) ولحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور: (أنهم بايعوه على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا.. ثم قال: فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذّبه".
قال الشيخ النووي في شرح الحديث: وهذان مع نظائرهما في الصحيح مع قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) مع إجماع أهل السنّة على أنّ الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرّين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنّة أوّلاً، وإن شاء عذّبهم ثمّ أدخلهم الجنّة. وكلّ هذه الأدلّة تضطرّنا لتأويل الحديث وشبهه. ثمّ إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل كثيراً، وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهراً وجب الجمع بينهما، وقد وردا هنا، فيجب الجمع، وقد جمعنا. وتأوّل بعض العلماء الحديث على من فعل ذلك مستحلاً له مع علمه بورود الشرع بتحريمه. وقال الحسن والطبري: معناه أنه ينزع منه اسم المدح الذي يسمّى به أولياء الله المؤمنين، ويستحقّ اسم الذمّ فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق. وحكي عن ابن عباس أن معناه ينزع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع. وقال المهلّب: ينزع منه بصيرته في طاعة الله. وذهب الزهريّ إلى أنّ هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمرّ على ما جاءت، ولا يخاض في معناها، وإنا لا نعلم معناها، وقال: أمرّوها كما أمرّها من قبلكم.
ثم قال النووي: وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلّها محتملة. والصحيح في معنى الحديث ما قدّمناه أولاً، والله اعلم. اهـ
فهذا تقرير لقول أهل السنّة في هذه المسألة على وجه حسن. وكلّ من قال بواحد من هذه الأقوال الواردة سواء من أوّل ومن فوّض، ومن أتى بأيّ قول مقبول من التأويل في فهم الحديث بحيث لا يخرج الفاعل إذا اعتبره مؤمناً بفعل المعصية من حدود أصل الإيمان الذي هو التصديق اليقيني بأركانه، ولا يدخله في حدود الكفر، فقوله موافق لأهل السنّة. وإلا فقوله على خلاف قولهم. وكما أنّ الإيمان يطلق على أصله وعلى كماله، فكذا الكفر والشرك يطلقان على الحقيقة وعلى المجاز. فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلّم على عديدين يقطع بعدم كفرهم بهذا الفعل حقيقة، كقوله: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتّى يرجع إليهم)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقوله: (اثنان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميّت، وقوله: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) فقد قاتل عليّ من خرج عليه من المسلمين وهو من العشرة فلا يقال عنه رضي الله عنه أنه كفر بالإجماع. وقوله: (ليس رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر...)، وكذا من كان فيه خصلة من النفاق الواردة في الأحاديث فلا يلزم أن يكون كافراً. وهذا واضح.
وأمثال هذه الأحاديث كثيرة جدّاً محمولة على كفران النعمة وتغليظ التحريم والتشبه بأفعال الكافرين... وغير ذلك مما يدرس معناه في محلّه مع الأحاديث والآيات المشابهة له في الموضوع بحسب قواعد اللغة والأصول بحيث يتوصّل إلى قول فيها، أو يتمسّك بالمحكم الواضح منها ويترك المشكل إعراضاً عن التأوبل. وهذه صنعة أهل السنّة سواء في آيات وأحاديث الصفات والعقائد عامّة أو في الفقه. على أنّهم في أصول الاعتقاد لا يقبلون إلا الدليل القطعي، ولذا تسامحوا مع المعتزلة في فروع الاعتقاد وما لهم عليه شبهه فلم يكفّرهم من أهل السنّة إلا نفر قليل على بعض إلزامات ألزموها لعلمائهم. ومعلوم تحرّز أهل السنّة في تكفير أحد من أهل القبلة. ولا يلزم أبداً من إطلاق حكم الكفر عندهم على أحد أنّه خالد في جهنم مكذّب بالله ورسوله كما يتوهّمه البعض. ولكنّهم يجرون عليه أحكام الكفر من الاستتابة والحد وغير ذلك كما هو مفصّل في أحكام المرتدين وأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في كتب الفقه. بل للغزالي رضي الله عنه أنه لا يجوز سب مؤمن ولا كافر بعينه ... إلخ إلا أن يكون مقطوعاً بكفره كما في حالة أبي لهب وغيره، وكلّ ذلك تحرّزاً عن أن يكون مصدّقاً بدعوة سيدنا محمّد محققاً لأصل الإيمان.
إذا تقرّر هذا فنقول: حديث أبي هريرة في مسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وإن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّاً بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً). وكذا عند الترمذي في الطب باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم أو غيره، وابن ماجة مختصراً في الطب باب النهي عن الدواء الخبيث.
وفي الباب نفسه عند مسلم ثلاث روايات بلفظ: (من حلف على يمين بملّة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه) يزيد فيها وينقص، وليس فيه ذكر الخلود وإنما التعذيب بما قتل الواحد به نفسه.
وهو عند الشيخين من حديث ثابت بن الضحاك، وفي موضع من البخاري: (ومن قتل نفسه بشيء عذّبه الله به يوم القيامة) في الأيمان والنذور باب من حلف بملّة سوى الإسلام. وكذا عند الترمذي وأبي داوود والنسائي أيضاً.
قال ابن حجر عند تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس التي حرم الله إلا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيّئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً). وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً أليماً): "وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنّة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا معنى قوله فجزاؤه جهنّم أي إن شاء الله أن يجازيه تمسّكاً بقوله تعالى في سورة النّساء أيضاً (قلت قوله أيضاً ربما كان إشارة إلى الاستثناء الوارد في سورة الشعراء إلا من تاب، أو الإجماع الذي ذكره أو هما معاً فهي إشارة منه إلى أن هذا دليل زائد عليهما والله أعلم): (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن الحجّة في ذلك حديث الإسرائيليّ الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أتى تمام المائة فقال له لا توبة فقتله فأكمل به مائة ثم جاء آخر فقال ومن يحول بينك وبين التوبة. الحديث. وهو مشهور.... وإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمة فمثله أولى لهم لما خفّف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم" اهـ
وعند تفسير قوله تعالى (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) قال ابن حجر: بعدما ذكر قصة وحشي قاتل حمزة حين نزلت (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً) فقال إن هذا شرط شديد فنزلت (قل يا عبادي الذين أسرفوا) الآية. قال ابن حجر: في رواية الطبراني فقال الناس: يا رسول الله إنا أصبنا ما أصاب وحشي، فقال: هي للمسلمين عامّة. وروى أحمد والطبراني في الأوسط من حديث ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أحب أن لي بهذه الآية الدنيا وما فيها يا عبادي الذي أسرفوا على أنسهم- الآية). فقال رجل: ومن أشرك فسكت ساعة ثم قال: (ومن أشرك ثلاث مرّات). واستدلّ بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها (قلت: أي جواز ذلك وردّه إلى المشيئة) سواء تعلّقت بحقّ الآدميين أم لا. والمشهور عند أهل السنّة أن الذنوب كلّها تغتفر بالتّوبة وأنّها تغفر لمن شاء الله ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود وأما خصوص ما وقع منه فلا بدّ من ردّه لصاحبه أو محاللته منه، نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعوّض صاحب الحقّ عن حقّه ولا يعذّب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). والله أعلم.
قلت: وتبويب مسلم يبيّن رأيه في حديث الخلود الوارد في بابه. والله أعلم. ويشهد لذلك تبويبه بعد باب التغليظ السابق، قال: (باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر). وروى حديث جابر أن الطفيل بن عمرو الدّوسي أتى النّبي صلى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟
-قال: حصن لدوس في الجاهليّة- فأبى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، للذي ذخره الله عزّ وجلّ للأنصار. فلمّا هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا في المدينة، فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتّى مات. فرآه الطّفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطّياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربّك عزّ وجلّ؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلّم، فقال: ما لي أراك مغطّياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصّها على الطفيل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (اللهمّ وليديه فاغفر).
قال النووي في شرحه: "أما أحكام هذا الحديث، ففيه قاعدة عظيمة لأهل السنّة، أنّ من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنّار، بل هو في حكم المشيئة، وقد تقدّم بيان القاعدة وتقريرها. وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النّفس وغيره من أصحاب الكبائر في النّار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، ففيه ردّ قول المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ. والله أعلم" اهـ
فهذا تقرير حسن لمذهب السنّة في هذه المسألة، وهو ما نقول به وإنا إن شاء الله تعالى مصيبون. فهذه بعض أدلّة السنّة وأقوالهم فيها، ولقد وقفت في الكتب الستّة على أحد عشر حديثاً في الشفاعة لو أردنا سردها وذكر رواياتها وما جاء فيها من لفتات العلماء لطال المقام. أذكر منها:
- حديث مسلم: (لكل نبيّ دعوة قد دعا بها في أمّته، وخبّأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).
- وحديث الشيخين ومالك: (لكل نبي دعوة يدعوها، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة...) الحديث. وعندهما أيضاً بلفظ: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً).
- وحديث الترمذي وأبي داوود وابن ماجة: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي)
وهذه الأحاديث كلّها صحيحة وهنالك غيرها صحيحة وحسنة مشهورة في الباب. فليرجع لكتب شروح الأحاديث لمعرفة تفاصيل توجيهات العلماء لها، وللتفاسير في المواضع ذات العلاقة بالموضوع.
فهذا ما أمكنني إياه الله من الوقت والجهد هذا اليوم، فإن كان من تعليق يضيفه فادي فسوف نزيد الكلام في استدلالنا على قولنا إن شاء الله إذا أتانا بشيء جديد، وإلا فما قوله فيمن قتل نفسه؟ وهل لك من اعتراض على توجيه أهل السنّة لهذه الأحاديث وطريقتهم الأصلية في الاستدلال، هات ما لديك.
ثم الحمد لوليّ الحمد.
قولك: (وجه التعارض بين حديث قاتل نفسه وأحاديث الشفاعة فإن الأول ظاهر في خلود كل من تجرع سماً في نار جهم، وأحاديث الشفاعة تخرج كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فهل سنقول إن كل من قتل نفسه فهو مخلد في النار حاشا من كان مؤمناً لما جاء في أحاديث الشفاعة؟ أم سنقول إن كل من كان مؤمناً فسيخرج من النار إلا إن كان قاتلاً لنفسه بتجرعه السمَّ كما جاء في حديث تجرع السمِّ؟ أم لا هذا ولا ذاك فبينه؟)
أقول: إن الجنّة لا يدخلها إلا المؤمن بالاتفاق. أمّا النار فأهل السنّة على أنّ الله تعالى وعد بها الكافر خالداً فيها خلوداً دائميّاً في العذاب بلا موت. وأما المؤمن فكما هو موعود بالنعيم على الطاعات فمتوعّد بالعقاب على المعاصي. ولا تخرجه معاصيه مهما بلغت عن أصل الإيمان إلا أن يجحد ما أدخله في الإيمان وهي كلمة الشهادة بمقتضياتها. فمعنى لا إله إلا الله عند الأشعريّة لا مستغني عن كل ما سواه ومحتاج إليه كلّ ما عداه إلا الله سبحانه، وهي جامعة لمعاني العقيدة المطلوبة من المسلم مما يجب له تعالى، وما يستحيل في حقّه وما يجوز كما حققه العلامة السنوسي رحمه الله. ويقتضي الإيمان بثبوت الرسالة لسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم معرفته بالعين والمنزلة أي معرفة ما يجوز في حقه وما يستحيل وما يجوز، والتصديق بما جاء به من أركان الإيمان وأركان الإسلام، وما أخبر به عن ربّه من كتاب وحكمة. والإيمان من حيث هو كيفيّة نفسانيّة فإنه قابل للزيادة بالأعمال الصالحة والنقصان بالمعاصي. ونفيه عن المتلبس بالمعصية محمول على نفي كماله.
فأهل السنّة فهموا من قوله (لا يزني الزاني وهو مؤمن..) وأشباهه من الأحاديث أن معناه لا يفعل المؤمن هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. فإنه يجوز أن يطلق اللفظ في نفي شيء ويراد به نفي كماله، كما تقول: لا علم إلا ما نفع. ولا مال إلا الإبل. واللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة. وتأوّلنا لظاهر هذا الحديث لحديث أبي ذر وغيره: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنّة، وإن زنى وإن سرق) ولحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور: (أنهم بايعوه على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا.. ثم قال: فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذّبه".
قال الشيخ النووي في شرح الحديث: وهذان مع نظائرهما في الصحيح مع قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) مع إجماع أهل السنّة على أنّ الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرّين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنّة أوّلاً، وإن شاء عذّبهم ثمّ أدخلهم الجنّة. وكلّ هذه الأدلّة تضطرّنا لتأويل الحديث وشبهه. ثمّ إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل كثيراً، وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهراً وجب الجمع بينهما، وقد وردا هنا، فيجب الجمع، وقد جمعنا. وتأوّل بعض العلماء الحديث على من فعل ذلك مستحلاً له مع علمه بورود الشرع بتحريمه. وقال الحسن والطبري: معناه أنه ينزع منه اسم المدح الذي يسمّى به أولياء الله المؤمنين، ويستحقّ اسم الذمّ فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق. وحكي عن ابن عباس أن معناه ينزع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع. وقال المهلّب: ينزع منه بصيرته في طاعة الله. وذهب الزهريّ إلى أنّ هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمرّ على ما جاءت، ولا يخاض في معناها، وإنا لا نعلم معناها، وقال: أمرّوها كما أمرّها من قبلكم.
ثم قال النووي: وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلّها محتملة. والصحيح في معنى الحديث ما قدّمناه أولاً، والله اعلم. اهـ
فهذا تقرير لقول أهل السنّة في هذه المسألة على وجه حسن. وكلّ من قال بواحد من هذه الأقوال الواردة سواء من أوّل ومن فوّض، ومن أتى بأيّ قول مقبول من التأويل في فهم الحديث بحيث لا يخرج الفاعل إذا اعتبره مؤمناً بفعل المعصية من حدود أصل الإيمان الذي هو التصديق اليقيني بأركانه، ولا يدخله في حدود الكفر، فقوله موافق لأهل السنّة. وإلا فقوله على خلاف قولهم. وكما أنّ الإيمان يطلق على أصله وعلى كماله، فكذا الكفر والشرك يطلقان على الحقيقة وعلى المجاز. فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلّم على عديدين يقطع بعدم كفرهم بهذا الفعل حقيقة، كقوله: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتّى يرجع إليهم)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقوله: (اثنان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميّت، وقوله: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) فقد قاتل عليّ من خرج عليه من المسلمين وهو من العشرة فلا يقال عنه رضي الله عنه أنه كفر بالإجماع. وقوله: (ليس رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر...)، وكذا من كان فيه خصلة من النفاق الواردة في الأحاديث فلا يلزم أن يكون كافراً. وهذا واضح.
وأمثال هذه الأحاديث كثيرة جدّاً محمولة على كفران النعمة وتغليظ التحريم والتشبه بأفعال الكافرين... وغير ذلك مما يدرس معناه في محلّه مع الأحاديث والآيات المشابهة له في الموضوع بحسب قواعد اللغة والأصول بحيث يتوصّل إلى قول فيها، أو يتمسّك بالمحكم الواضح منها ويترك المشكل إعراضاً عن التأوبل. وهذه صنعة أهل السنّة سواء في آيات وأحاديث الصفات والعقائد عامّة أو في الفقه. على أنّهم في أصول الاعتقاد لا يقبلون إلا الدليل القطعي، ولذا تسامحوا مع المعتزلة في فروع الاعتقاد وما لهم عليه شبهه فلم يكفّرهم من أهل السنّة إلا نفر قليل على بعض إلزامات ألزموها لعلمائهم. ومعلوم تحرّز أهل السنّة في تكفير أحد من أهل القبلة. ولا يلزم أبداً من إطلاق حكم الكفر عندهم على أحد أنّه خالد في جهنم مكذّب بالله ورسوله كما يتوهّمه البعض. ولكنّهم يجرون عليه أحكام الكفر من الاستتابة والحد وغير ذلك كما هو مفصّل في أحكام المرتدين وأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في كتب الفقه. بل للغزالي رضي الله عنه أنه لا يجوز سب مؤمن ولا كافر بعينه ... إلخ إلا أن يكون مقطوعاً بكفره كما في حالة أبي لهب وغيره، وكلّ ذلك تحرّزاً عن أن يكون مصدّقاً بدعوة سيدنا محمّد محققاً لأصل الإيمان.
إذا تقرّر هذا فنقول: حديث أبي هريرة في مسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وإن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّاً بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً). وكذا عند الترمذي في الطب باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم أو غيره، وابن ماجة مختصراً في الطب باب النهي عن الدواء الخبيث.
وفي الباب نفسه عند مسلم ثلاث روايات بلفظ: (من حلف على يمين بملّة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه) يزيد فيها وينقص، وليس فيه ذكر الخلود وإنما التعذيب بما قتل الواحد به نفسه.
وهو عند الشيخين من حديث ثابت بن الضحاك، وفي موضع من البخاري: (ومن قتل نفسه بشيء عذّبه الله به يوم القيامة) في الأيمان والنذور باب من حلف بملّة سوى الإسلام. وكذا عند الترمذي وأبي داوود والنسائي أيضاً.
قال ابن حجر عند تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس التي حرم الله إلا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيّئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً). وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً أليماً): "وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنّة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا معنى قوله فجزاؤه جهنّم أي إن شاء الله أن يجازيه تمسّكاً بقوله تعالى في سورة النّساء أيضاً (قلت قوله أيضاً ربما كان إشارة إلى الاستثناء الوارد في سورة الشعراء إلا من تاب، أو الإجماع الذي ذكره أو هما معاً فهي إشارة منه إلى أن هذا دليل زائد عليهما والله أعلم): (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن الحجّة في ذلك حديث الإسرائيليّ الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أتى تمام المائة فقال له لا توبة فقتله فأكمل به مائة ثم جاء آخر فقال ومن يحول بينك وبين التوبة. الحديث. وهو مشهور.... وإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمة فمثله أولى لهم لما خفّف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم" اهـ
وعند تفسير قوله تعالى (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) قال ابن حجر: بعدما ذكر قصة وحشي قاتل حمزة حين نزلت (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً) فقال إن هذا شرط شديد فنزلت (قل يا عبادي الذين أسرفوا) الآية. قال ابن حجر: في رواية الطبراني فقال الناس: يا رسول الله إنا أصبنا ما أصاب وحشي، فقال: هي للمسلمين عامّة. وروى أحمد والطبراني في الأوسط من حديث ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أحب أن لي بهذه الآية الدنيا وما فيها يا عبادي الذي أسرفوا على أنسهم- الآية). فقال رجل: ومن أشرك فسكت ساعة ثم قال: (ومن أشرك ثلاث مرّات). واستدلّ بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها (قلت: أي جواز ذلك وردّه إلى المشيئة) سواء تعلّقت بحقّ الآدميين أم لا. والمشهور عند أهل السنّة أن الذنوب كلّها تغتفر بالتّوبة وأنّها تغفر لمن شاء الله ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود وأما خصوص ما وقع منه فلا بدّ من ردّه لصاحبه أو محاللته منه، نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعوّض صاحب الحقّ عن حقّه ولا يعذّب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). والله أعلم.
قلت: وتبويب مسلم يبيّن رأيه في حديث الخلود الوارد في بابه. والله أعلم. ويشهد لذلك تبويبه بعد باب التغليظ السابق، قال: (باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر). وروى حديث جابر أن الطفيل بن عمرو الدّوسي أتى النّبي صلى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟
-قال: حصن لدوس في الجاهليّة- فأبى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، للذي ذخره الله عزّ وجلّ للأنصار. فلمّا هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا في المدينة، فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتّى مات. فرآه الطّفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطّياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربّك عزّ وجلّ؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلّم، فقال: ما لي أراك مغطّياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصّها على الطفيل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (اللهمّ وليديه فاغفر).
قال النووي في شرحه: "أما أحكام هذا الحديث، ففيه قاعدة عظيمة لأهل السنّة، أنّ من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنّار، بل هو في حكم المشيئة، وقد تقدّم بيان القاعدة وتقريرها. وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النّفس وغيره من أصحاب الكبائر في النّار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، ففيه ردّ قول المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ. والله أعلم" اهـ
فهذا تقرير حسن لمذهب السنّة في هذه المسألة، وهو ما نقول به وإنا إن شاء الله تعالى مصيبون. فهذه بعض أدلّة السنّة وأقوالهم فيها، ولقد وقفت في الكتب الستّة على أحد عشر حديثاً في الشفاعة لو أردنا سردها وذكر رواياتها وما جاء فيها من لفتات العلماء لطال المقام. أذكر منها:
- حديث مسلم: (لكل نبيّ دعوة قد دعا بها في أمّته، وخبّأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).
- وحديث الشيخين ومالك: (لكل نبي دعوة يدعوها، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة...) الحديث. وعندهما أيضاً بلفظ: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً).
- وحديث الترمذي وأبي داوود وابن ماجة: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي)
وهذه الأحاديث كلّها صحيحة وهنالك غيرها صحيحة وحسنة مشهورة في الباب. فليرجع لكتب شروح الأحاديث لمعرفة تفاصيل توجيهات العلماء لها، وللتفاسير في المواضع ذات العلاقة بالموضوع.
فهذا ما أمكنني إياه الله من الوقت والجهد هذا اليوم، فإن كان من تعليق يضيفه فادي فسوف نزيد الكلام في استدلالنا على قولنا إن شاء الله إذا أتانا بشيء جديد، وإلا فما قوله فيمن قتل نفسه؟ وهل لك من اعتراض على توجيه أهل السنّة لهذه الأحاديث وطريقتهم الأصلية في الاستدلال، هات ما لديك.
ثم الحمد لوليّ الحمد.
بلسان عربي مبين) مما يدل على أن القرآن واضح الدلالة لا يحتاج إلى شرح بل يستقل بنفسه في إيصال المعنى الذي أراده؛ وإلا لما كان بينا، وعليه فكيف سنجعل من السنة مبينا للقرآن، وربما اعترض أحدهم بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فالرسول صلى الله عليه وسلم مبين لما في القرآن، وهذا في حقيقة الأمر زيادة للإشكال وليس حلا له إذ كيف وما هي الحاجة إلى بيان ما هو بين! وجواب هذا أن السنة تبين ما لم يذكر في القرآن من أحكام كأوقات الصلاة أو عدد الركعات لا أنها تشرح ما هو مبين في القرآن أو أنها تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب، وهذا الأخير يلزم منه لا أن يخرج القرآن عن كونه بيانا فقط بل أن يكون كتاب تلبيس وإضلال للأمة عياذا بالله إذ إنه أفهم المخاطبين به خلاف مراده، وهذا الأمر يجب أن يتنزه عنه أفصح الكلام وأبلغه وأحسنه، وعليه فلا يمكن أن نلجأ إلى السنة في حل هذا الإشكال (
تعليق