بسم الله الرحمن الرّحيم
قال فادي ما معناه أن ثبات الأحكام الشرعية لا يتّفق مع صيرورة الحياة وتغيّر المصالح... إلخ. فنقول إن معنى الصيرورة أو السيرورة هو أن مادة الكون وموجوداته في حركة مستمرة وفي تغيّر دائم. وهذه المقالة ليست اكتشافاً علميّاً حديثاً كما يتوهم البعض، فهي مقولة هيروقليط الذي عاش قبل ستة قرون من الميلاد. وهي حقيقة علميّة أثبتها المتكلمون المسلمون، واعتمدوا عليها في أحد أهم براهينهم في إثبات حدوث العالم بأسره، واحتياجه الدائم للمخصّص المستلزمان لإثبات وجود الله تعالى وقدرته وإرادته وإمداده غير المنقطع لهذا الكون ليبقى على هذه الصورة التي نراها. وهي أيضاً حقيقة أكّدتها الاكتشافات والنظريّات العلميّة الحديثة كما هو معلوم.
ويستخدم بعض الذين يريدون التفلّت من قيود الدّين هذه الحقيقة العلميّة كمقدّمة أولى، ثمّ يقولون فما دام كلّ ما في العالم في تغيّر دائم فكيف يناسب الطبيعة المتغيّرة للعالم بما فيه من حيوان ونبات وجماد أن يحكم بأحكام وقوانين شرعيّة ثابتة. فهي مقولة لا يريد بها العلمانيون وجه الله تعالى، ولا أنّهم يحرصون على الدّين كما يوهمون النّاس. بل الهدف الأساسيّ هو إبعاد الناس عن الدّين وعدم الاحتكام له. ولكن الطريقة المباشرة مع المسلمين لا تنفع، كما هو معلوم من التاريخ، فلا آلة الحرب ولا كثير من أساليب التبشير والتنصير نفعت معهم، وهذه محاولة كغيرها من محاولات أعداء الدّين والله وحده يعلم ماذا سيكون بعد ذلك. فتجدهم يطلقون مقولات كمقالة شاخت الشهيرة: (إن الدين مجرّد فهم علماء الدين)، وبعد ذلك هؤلاء العلماء مختلفون فيما بينهم أشد الاختلاف فما أدرانا ما هو الصحيح من الغلط، وبعد ذلك الطرق التي يفهم بها القرآن ليست مستقيمة بما أنها مختلف فيها، وبعد ذلك اللغة لم تنقل لنا فكيف نفهم القرآن، ثمّ القرآن نفسه متعارض وكلّ وسيلة لفهمه متعارضة بما في ذلك السنّة والصحابة والأصوليون وغير ذلك، ثمّ القرآن ليس متواتراً وألفاظه مختلف فيها، ثمّ لو ثبت شيء من القرآن والسنّة فالنبي يجوز عليه الغلط وقد أخطأ والله لم لا يجوز أن يكذب علينا مراعاة لمصلحتنا، والإجماع مجرّد وهم فالإمام أحمد يقول من ادّعى الإجماع فهو كاذب، ثمّ القياس لا يجوز فنحن نمنعه مشياً على قول البعض، ثمّ لو كان كلّ ما وصلنا من الشريعة ثابتاً فالأحكام الشرعيّة بلا استثناء موضوعة لمصالح العباد، ومصلحة العباد فوق كلّ شيء ولا اعتبار لكلّ دليل دليل يؤخذ منفرداً، فإنه دليل جزئيّ، والمقصد الكليّ الذي يمكن استخلاصه من جملة القرآن والسنّة هو مراعاة مصالح العباد، ثمّ مصالح العباد متغيّرة وحياة الناس تتغيّر وليس من المعقول أن الذي يحيا اليوم تناسبه نفس الأحكام التي كانت تطبق قبل ألف سنة... إلخ من هذه المغالطات التي هي أساليب مكشوفة لا تجوز على المسلم الفطن، فالمقصود هو شيء واحد وهو إبعاد الناس عن الدّين عن طريق التشكيك في مصادر التشريع، وعلماء الدين وأسباب فهم الشريعة، وثبات الأحكام... إلخ مما يطول ذكره، فما نثره المستشرقون من شبه كثيرة يذكّرني بمثل شهير يقول: (.. مجنون يرمي حجراً في بئر، يحتاج لمائة عاقل حتّى يخرجه)، ولكنّ من يلقوا هذه الشبه ليسوا بمجانين ولا سذّج مطلقاً فأهدافهم مكشوفة ومعروفة، ويردّها القرآن وتردّها السنّة، ويردّها العقل السليم حين يتأملّ فيها منصفاً متدبّراً لكتاب الله تعالى، ولكنّ من يقتنع بهذه الشّبه ويعلكها ويدعو إليها في كلّ مجلس لهو السّاذج المسكين، الذي ضلّ سعيه في الحياة الدّنيا وهو يحسب أنّه يحسن صنعاً، وإني أعظ كلّ من يتجرّأ على الله ورسوله ودينه أن يتّبع مثل هذه المقالات ويأخذها على عواهنها وينجرف معها، أن يكون من الجاهلين، فيقضي حياته في هدم الدّين، يدّعي الحرص على الإسلام وهو في الحقيقة يهدمه. وليتذكر قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ).
وعلى أي حال، تلاحظ أيها القارئ أنّ كلام فادي مبنيّ على هذه المقولة، مقولة الصيرورة. ولكنه يعبر عنها بطرق مختلفة. فهو لا يرى أن الشرع الذي ناسب الناس الذين كانوا يعيشون قبل أربعة عشر قرناً أنّه يناسب عصرنا هذا. ولإثبات ذلك يتعلّق تارة بتغيّر الثقافة، وتارة يتعلّق بتغيّر اللغة التي هي أداة الفهم الأولى للشريعة، وتارة يتعلّق بتغيّر التركيبة العقليّة التي يساهم في بنائها الظروف المحيطة بالعاقل، وتارة يتعلّق بتغيّر المصلحة. أما الذي يبعث على الضحك فهو استدلاله على وجوب تغيّر الأحكام الشرعيّة مشياً مع الحركة الدائمة بالتدرّج في نزول الأحكام الشرعيّة، فلا أجد وصفاً مناسباً لهذه المغالطة.
وعلى كلّ حال، تكلّم فادي في ذلك كلّه من جهات مختلفة بأسلوبه الخاص، ويتكلّم فيه كثير من المتفلسفين في هذا العصر، وليس هذا بالأمر الجديد.
فإذا فهمنا إشكال فادي ومن اغترّ بأفكارهم. فلنحقق المقام أكثر لننظر هل ثمّة متغيّر يستوجب تغيّر الحكم الشرعيّ، أم أن هذه المقولة مجرّد مغالطة من المغالطات. ما هو هذا الشيء المتغيّر الذي يتكلّم عنه العلماء. إن العلماء يتكلّمون عن مادة الكون وما فيه من موجودات أنها في تغيّر دائم، ولا يتكلّمون عن الأنظمة والقوانين التي تحكم هذه التغيرات. فصحيح أن الكون متغيّر، ولكنّه يتغيّر على وفق قانون علميّ ثابت، ولو شاء الله تعالى لجعل تغيّره على وفق نظام آخر، ولكنّه أراده أن يسير ويتغيّر على وفق هذا النظام الكليّ بعينه. ومن ينكر ثبات القوانين التي تحكم الكون، فهو لا يعرف في العلم شيئاً. وهذا القدر واضح. فمهما تغير العالم من حول الإنسان وتغيّر شكل وحجم الإنسان ...إلخ ومهما تطوّر في مدنيّته وأسباب حياته فسيبقى يجوع فيأكل ليشبع جوعه، ويعرى فيلبس لباساً يقيه البرد والحر، ولن يزال الرجل يحب المرأة والأبناء والأموال قال تعالى: (زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)، وسيبقى مغروزاً في الإنسان حبّ الاجتماع والحاجة إليه، ولن يقوَ على الحياة وحده بلا تعاون مع أبناء نوعه، وسيظلّ بحاجة إلى أن يعرف الله تعالى ويعبده لتطمئن نفسه ولا تمزّقه أسئلته المحيّرة عن وجوده وجدوى حياته، قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى). وهكذا فهذه الأمور لا تتغيّر وإن صار العالم قريّة صغيرة بسبب وسائل المواصلات الحديثة، وإن صعد الناس إلى الفضاء، وإن فعلوا كل ما بوسعهم فعله لتحقيق التقدّم والرخاء وتطويع المادة لخدمة الإنسان. وفيه يقول الله تعالى: (سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلا) وهي آية تتكرر في القرآن الكريم في مواضع عدّة وأحياناً بألفاظ مختلفة، وهي في كلّ موضع تبعث على التأمل الشديد، وهنيئاً لمن تدبّرها.
ولننظر إلى شرع الله تعالى ما هو. إن الشرع هو وضع إلهيّ مساوق لذوي العقول السليمة للخير بالذات. فأصحاب العقول السليمة حين ينظرون في هذا الدين فهم يجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً. وحين يتّبعونه فإن تطبيق أحكامه تسوقهم إلى خير دنياهم وآخرتهم. أي أنّ الله تعالى كما وضع قوانين تحكم الكون كلّه كذوات موجودة لها حقائقها فإنه أيضاً أنزل شرعاً ينظّم العلاقات التي ترتبط بها هذه الموجودات.
فأراد الله تعالى أن الماء يغلي حين يصبح ضغطه البخاريّ مساوياً لضغطه الجويّ، وأنّ الحيوان والنبات إذا لم يتغذّ مات، وإذا اختلّ شيء من الأنظمة التي تعمل بها أجهزته المختلفة اعتلّ، وهكذا لو تفكّرت في كلّ مخلوق لوجدت أنّه خاضع لقوانين ركّبها الله تعالى فيه، وهذه القوانين هي ما أنفق علماء الطبيعة أعمارهم في الكشف عنها للعلم الضروريّ بوجودها.
وأراد الله تعالى أيضاً أن يبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام بالشرائع. وهذه الشرائع من شأنها أن تجعل متّبعها منسجماً مع الكون تمام الانسجام في عبوديّته وانصياعه التّام إلى أوامر الله سبحانه وتعالى. فمن شأنها أن تنظّم العلاقة بين الإنسان والله تعالى. فعرّفته بالحقائق التي تجيبه عن الأسئلة المحيّرة له المتعلّقة بوجوده فما دام قد ثبت أن هنالك علاقة بين الخالق والمخلوق فلا بدّ أن نفهم ماهيّة هذه العلاقة وكيف نتعامل مع الله تعالى بناء على تصور تلك العلاقة. ثمّ إن من شأنها أن تنظّم العلاقة بينه وبين الموجودات الأخرى التي يتعايش معها من إنسان وحيوان وجماد، فكانت أحكام الزواج والطلاق والبيوع والملكيّة وغير ذلك من فقه المعاملات. وهذه الأحكام وضعها الله تعالى لا لكي تتغيّر بل لتبقى، لأنّها لا تتعلّق بأشياء تتغيّر كما يدّعى بل تنظّم علاقات لا تتغيّر حقيقتها مهما اختلفت في أشكالها، فسواء كان البيع نقديّاً أو بشيك أو ببطاقة ائتمان بالبيع المباشر أو من طريق شبكة الإنترنيت أو باعتماد مستندي، فلن يخرج عن ماهيّة كونه عقد بيع له شروطه وأركانه وأحكامه، وكذلك الرّبا والاحتكار فمهما طال الزّمن فإنه لن يصبحا حلالاً وإن جرّا الفائدة على البعض، فإن الرّبا مهلك للاقتصاد بشهادة من خبراء الاقتصاد أنفسهم، فتجدهم يقولون عن الرّبا مثلاً إن المال لا يلد المال، والقيمة إنما تتولّد من المنفعة، فالمنفعة هي الأصل والقيمة ظلّ المنفعة، وحين تتنامى المنفعة يقابلها تنامٍ للقيمة، فإذا انفصلت القيمة عن المنفعة وتركت الأموال تتنامى بلا منفعة تقابلها فإن تراكم ذلك يجرّ ويلات على اقتصاد المجموع ومشاكل اجتماعيّة خطيرة. وسواء كان الرّبا من طريق أفراد في المجتمع كما كان ذلك معروفاً في اليهود غالباً على مرّ التاريخ وغيرهم جملة، أو كان من طريق قروض البنوك ذات الأشكال المختلفة، فإن ذلك لن يغيّر حقيقة الرّبا ولوازمه الاجتماعيّة ونتائجه الاقتصاديّة الخطيرة، وبالتالي ليس هنالك من داعٍ أصلاً للتفكير في تغيير حكمه الشرعيّ الذي وضعه الله تعالى بإزائه. ومثل ذلك الكلام في الحجاب الذي يستر المرأة وتحريم السفور وتحريم النظر إلى الأجنبيّات، فإن النظر كان وما زال وسيبقى من مقدّمات الزّنا، ومن لا يعرف ما جرّه سفور المرأة وعرضها على شاشات التلفزة بهذه الصورة المشهيّة من ويلات على الأسر فهو إما أنه أعمى وأصمّ أو أن يسوق علينا الهبل، فما هو السبب وراء تفجّر الطاقة الهائلة المخزونة في الشباب بالشهوة حتّى رأينا ما يحصل الآن في الجامعات وعلى الإنترنيت، واعجب أيها القارئ الفاضل من أناس يمارسون ما يدعى بـ Cyber Sex، يقضون فيه الساعات وهم يتغازلون ويتكلمون ويتأوّهون ويحترقون كلّ على طرف شاشته تفصلهم مسافات شاسعة يتخيّلون أنهم يتضاجعون بشتّى الصور. فهل هذا إلا من وراء ظهور المرأة سافرة في الأماكن العامّة، ولو لم يكن لحرمة السفور سبباً إلاّ سدّ الذرائع لكفاه دليلاً للتحريم. وسأناقش موضوع الحجاب في هذا المنتدى إن شاء نقاشاً لا يبقى معه شبهة في حكمه الشرعيّ قريباً جدّاً حين ننتهي من كشف هذه المغالطات التي يتعلّق بها فادي ههنا. ويحضرني الآن كلام لكولون ويلسون حيث يقول في بعض كتبه تعجّبت يوماً من قصر تنّور إحداهنّ، فسألتها أن تجيبني بصراحة لماذا تلبس هذه التنّورة القصيرة جدّاً وتظهر فخذيها بهذا الشكل المغري، فقالت: لكي يراني الرجال، ويعجبوا بجمالهما.
فهذه هي الحقيقة التي يتعامى عنها الناس أيما تعامي، إن بنت الجامعة السافرة تقف ساعات أمام المرآة قبل أن تخرج، وما ذلك إلا لأنها تريد أن يراها الرجال في أجمل صورة فتلفت أنظارهم وتغريهم ويعجبوا بها، واخترع شياطين الإنس والجنّ مفاهيم جديدة وسمّوا الأشياء بغير مسمّياتها للضحك على عقول تلك الفئة من الشباب قليلي العقول، فتكلّموا في الحريّة الشخصيّة، وسمّوا الزنا ممارسة حب، أو الحب العملي على رأي أحد الظرفاء، كما سمّوا الخمر مشروباً روحيّاً، وكتبوا على الحشيشة التي صارت تباع في بلادنا كاللبان تفرح ولا تسكر، ولكن الأسماء الجديدة التي يخترعها هؤلاء الشياطين لا يمكن أن تغيّر حقيقة أن هنالك اختلاطاً وسفوراً يثير الشهوة فيؤدي إلى الزنا وكراهية الأزواج لأزواجهم لما يعقدونه من المقارنات بين ما حظوا به وبين ما هو متوفّر في السّوق، فلا تقرّ لهم نفس ولا يقنعون بما قسمه الله لهم. ويدعو ذلك الشباب إلى الزواج العرفيّ المحرّم، وهتك الأعراض، وتضييع الأوقات والأعمار الثمينة التي سيسألنا الله عنها فيما أبليناها، وكم تضيّع الأموال على شراء هدايا أعياد الميلاد وأعياد الحب، وأعياد وأعياد... ولا يدري التافه الذي قد يستدين ليشتري دبّاً ظريفاً لحبيبته -كما كنا نرى أيام دراستنا- أنّ هنالك من يضحك على عقله باختراع أمثال هذه المناسبات واستغلالها ليدفع الناس إلى مزيد من الاستهلاك وهدر الأموال لتستقرّ في آخر المطاف في جيبه.. وماذا أقول أكثر، فلقد انخدع كثير من شبابنا بهذه الأفكار وهم يرددونها في مجالسهم ولا يخجلون من الكلام فيها.
وهكذا لو تفكّرتم في أيّ حكم شرعيّ ستجدون الشريعة الغرّاء علّقت أحكاماً ثابتة على الأمور الثابتة وعلّقت أحكاماً متغيّرة على الأمور المتغيّرة. وليس صحيحاً أن الشريعة علّقت أحكاماً شرعيّة ثابتة على أمور متغيّرة فهذه إحدى المغالطات، ومن أراد الاستزادة في فهم وتبيّن هذا الأمر فعليه بكتب مولانا العلاّمة محمّد سعيد رمضان البوطي نفع الله المسلمين بعلومه في الدارين آمين، ورضي الله عنه بما وفّقه للسهر حارساً على دين الإسلام، وجزى بمثل ذلك وأضعافه لشيخي المحقق الفهامة سعيد فودة الذي طوّق عنقي بفرض لا يقضى، إذ له علي دعوة خير بكلّ فكرة تلمع في ذهني لما علّمني هذه العلوم، وأرشدني إلى طريق أهل الحقّ غفر الله تعالى له ولوالديه ولمن علّمه وأحسن إليه. آمين.
وخلاصة الكلام، أن الله تعالى خالق كلّ شيء وهو على كلّ شيء وكيل، يدبر الأمر في السماوات والأرض، وكلّ شيء عنده بمقدار. وهو الذي يقول (إن الحكم إلا لله)، وأوّل ما يقرأ في الأصول أن الحاكميّة لله تعالى وحده، فيجب أن يلاحظ أن الأحكام الشرعيّة موضوعة من الله. لأن الحاكميّة لله تعالى وليست لأيّ أحد سواه. ومن حكم بغير ما أنزل الله تعالى فإنّه متردّد بين الفسق والكفر والظلم، وكلّ ما كان فسقاً أو كفراً أو ظلماً فهو حرام، فعلم أنّه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. ولذلك لا بدّ قبل دعوة الناس إلى ارتكاب أيّ فعل أن نعلم حكم الله تعالى فيه. وكلّ فعل فإنه واقع في دائرة الأحكام الشرعيّة الخمسة المعروفة، لأن كلّ فعل فلا يخلو إمّا أن يكون واجباً أو مندوباً إليه أو مباحاً أو مكروهاً أو حراماً. ولعمري ماذا يكون نبذ الأحكام الشرعيّة الثابتة وتغييرها بحسب ما يرتئيه العقل البشريّ من موافقة المصلحة إلا حكماً بغير ما أنزل الله. ولعمري ما هي القاعدة الكليّة المنضبطة التي يمكن أن يتوصّل إليها الإنسان بحيث إذا اتّبعت جلبت المصلحة وإذا تركت جلبت المفسدة، وقد ناقش الشيخ البوطي محاولات بنتام في كتابه أصول الشرائع وستيوارت ميل وذكر كيف انتهى بهما الأمر إلى الاعتراف بأنه لا يمكن وضع قانون عامّ للمصالح.
إذاً فالقضيّة أن أصحاب هذه الدعاوى يريدون منّا في الحقيقة نبذ الكتاب والسنّة وترك الغبار يتراكم عليهما، ثمّ استبدال أحكامهما الثابتة بقوانين وضعيّة سرعان ما يلاحظ عدم ملاءمتها للواقع فيسعون إلى تغييرها وهكذا لا إلى نهاية. فأين سيصل بهم المقام في البعد عن الشرع الحنيف.
يتبع..
قال فادي ما معناه أن ثبات الأحكام الشرعية لا يتّفق مع صيرورة الحياة وتغيّر المصالح... إلخ. فنقول إن معنى الصيرورة أو السيرورة هو أن مادة الكون وموجوداته في حركة مستمرة وفي تغيّر دائم. وهذه المقالة ليست اكتشافاً علميّاً حديثاً كما يتوهم البعض، فهي مقولة هيروقليط الذي عاش قبل ستة قرون من الميلاد. وهي حقيقة علميّة أثبتها المتكلمون المسلمون، واعتمدوا عليها في أحد أهم براهينهم في إثبات حدوث العالم بأسره، واحتياجه الدائم للمخصّص المستلزمان لإثبات وجود الله تعالى وقدرته وإرادته وإمداده غير المنقطع لهذا الكون ليبقى على هذه الصورة التي نراها. وهي أيضاً حقيقة أكّدتها الاكتشافات والنظريّات العلميّة الحديثة كما هو معلوم.
ويستخدم بعض الذين يريدون التفلّت من قيود الدّين هذه الحقيقة العلميّة كمقدّمة أولى، ثمّ يقولون فما دام كلّ ما في العالم في تغيّر دائم فكيف يناسب الطبيعة المتغيّرة للعالم بما فيه من حيوان ونبات وجماد أن يحكم بأحكام وقوانين شرعيّة ثابتة. فهي مقولة لا يريد بها العلمانيون وجه الله تعالى، ولا أنّهم يحرصون على الدّين كما يوهمون النّاس. بل الهدف الأساسيّ هو إبعاد الناس عن الدّين وعدم الاحتكام له. ولكن الطريقة المباشرة مع المسلمين لا تنفع، كما هو معلوم من التاريخ، فلا آلة الحرب ولا كثير من أساليب التبشير والتنصير نفعت معهم، وهذه محاولة كغيرها من محاولات أعداء الدّين والله وحده يعلم ماذا سيكون بعد ذلك. فتجدهم يطلقون مقولات كمقالة شاخت الشهيرة: (إن الدين مجرّد فهم علماء الدين)، وبعد ذلك هؤلاء العلماء مختلفون فيما بينهم أشد الاختلاف فما أدرانا ما هو الصحيح من الغلط، وبعد ذلك الطرق التي يفهم بها القرآن ليست مستقيمة بما أنها مختلف فيها، وبعد ذلك اللغة لم تنقل لنا فكيف نفهم القرآن، ثمّ القرآن نفسه متعارض وكلّ وسيلة لفهمه متعارضة بما في ذلك السنّة والصحابة والأصوليون وغير ذلك، ثمّ القرآن ليس متواتراً وألفاظه مختلف فيها، ثمّ لو ثبت شيء من القرآن والسنّة فالنبي يجوز عليه الغلط وقد أخطأ والله لم لا يجوز أن يكذب علينا مراعاة لمصلحتنا، والإجماع مجرّد وهم فالإمام أحمد يقول من ادّعى الإجماع فهو كاذب، ثمّ القياس لا يجوز فنحن نمنعه مشياً على قول البعض، ثمّ لو كان كلّ ما وصلنا من الشريعة ثابتاً فالأحكام الشرعيّة بلا استثناء موضوعة لمصالح العباد، ومصلحة العباد فوق كلّ شيء ولا اعتبار لكلّ دليل دليل يؤخذ منفرداً، فإنه دليل جزئيّ، والمقصد الكليّ الذي يمكن استخلاصه من جملة القرآن والسنّة هو مراعاة مصالح العباد، ثمّ مصالح العباد متغيّرة وحياة الناس تتغيّر وليس من المعقول أن الذي يحيا اليوم تناسبه نفس الأحكام التي كانت تطبق قبل ألف سنة... إلخ من هذه المغالطات التي هي أساليب مكشوفة لا تجوز على المسلم الفطن، فالمقصود هو شيء واحد وهو إبعاد الناس عن الدّين عن طريق التشكيك في مصادر التشريع، وعلماء الدين وأسباب فهم الشريعة، وثبات الأحكام... إلخ مما يطول ذكره، فما نثره المستشرقون من شبه كثيرة يذكّرني بمثل شهير يقول: (.. مجنون يرمي حجراً في بئر، يحتاج لمائة عاقل حتّى يخرجه)، ولكنّ من يلقوا هذه الشبه ليسوا بمجانين ولا سذّج مطلقاً فأهدافهم مكشوفة ومعروفة، ويردّها القرآن وتردّها السنّة، ويردّها العقل السليم حين يتأملّ فيها منصفاً متدبّراً لكتاب الله تعالى، ولكنّ من يقتنع بهذه الشّبه ويعلكها ويدعو إليها في كلّ مجلس لهو السّاذج المسكين، الذي ضلّ سعيه في الحياة الدّنيا وهو يحسب أنّه يحسن صنعاً، وإني أعظ كلّ من يتجرّأ على الله ورسوله ودينه أن يتّبع مثل هذه المقالات ويأخذها على عواهنها وينجرف معها، أن يكون من الجاهلين، فيقضي حياته في هدم الدّين، يدّعي الحرص على الإسلام وهو في الحقيقة يهدمه. وليتذكر قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ).
وعلى أي حال، تلاحظ أيها القارئ أنّ كلام فادي مبنيّ على هذه المقولة، مقولة الصيرورة. ولكنه يعبر عنها بطرق مختلفة. فهو لا يرى أن الشرع الذي ناسب الناس الذين كانوا يعيشون قبل أربعة عشر قرناً أنّه يناسب عصرنا هذا. ولإثبات ذلك يتعلّق تارة بتغيّر الثقافة، وتارة يتعلّق بتغيّر اللغة التي هي أداة الفهم الأولى للشريعة، وتارة يتعلّق بتغيّر التركيبة العقليّة التي يساهم في بنائها الظروف المحيطة بالعاقل، وتارة يتعلّق بتغيّر المصلحة. أما الذي يبعث على الضحك فهو استدلاله على وجوب تغيّر الأحكام الشرعيّة مشياً مع الحركة الدائمة بالتدرّج في نزول الأحكام الشرعيّة، فلا أجد وصفاً مناسباً لهذه المغالطة.
وعلى كلّ حال، تكلّم فادي في ذلك كلّه من جهات مختلفة بأسلوبه الخاص، ويتكلّم فيه كثير من المتفلسفين في هذا العصر، وليس هذا بالأمر الجديد.
فإذا فهمنا إشكال فادي ومن اغترّ بأفكارهم. فلنحقق المقام أكثر لننظر هل ثمّة متغيّر يستوجب تغيّر الحكم الشرعيّ، أم أن هذه المقولة مجرّد مغالطة من المغالطات. ما هو هذا الشيء المتغيّر الذي يتكلّم عنه العلماء. إن العلماء يتكلّمون عن مادة الكون وما فيه من موجودات أنها في تغيّر دائم، ولا يتكلّمون عن الأنظمة والقوانين التي تحكم هذه التغيرات. فصحيح أن الكون متغيّر، ولكنّه يتغيّر على وفق قانون علميّ ثابت، ولو شاء الله تعالى لجعل تغيّره على وفق نظام آخر، ولكنّه أراده أن يسير ويتغيّر على وفق هذا النظام الكليّ بعينه. ومن ينكر ثبات القوانين التي تحكم الكون، فهو لا يعرف في العلم شيئاً. وهذا القدر واضح. فمهما تغير العالم من حول الإنسان وتغيّر شكل وحجم الإنسان ...إلخ ومهما تطوّر في مدنيّته وأسباب حياته فسيبقى يجوع فيأكل ليشبع جوعه، ويعرى فيلبس لباساً يقيه البرد والحر، ولن يزال الرجل يحب المرأة والأبناء والأموال قال تعالى: (زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)، وسيبقى مغروزاً في الإنسان حبّ الاجتماع والحاجة إليه، ولن يقوَ على الحياة وحده بلا تعاون مع أبناء نوعه، وسيظلّ بحاجة إلى أن يعرف الله تعالى ويعبده لتطمئن نفسه ولا تمزّقه أسئلته المحيّرة عن وجوده وجدوى حياته، قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى). وهكذا فهذه الأمور لا تتغيّر وإن صار العالم قريّة صغيرة بسبب وسائل المواصلات الحديثة، وإن صعد الناس إلى الفضاء، وإن فعلوا كل ما بوسعهم فعله لتحقيق التقدّم والرخاء وتطويع المادة لخدمة الإنسان. وفيه يقول الله تعالى: (سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلا) وهي آية تتكرر في القرآن الكريم في مواضع عدّة وأحياناً بألفاظ مختلفة، وهي في كلّ موضع تبعث على التأمل الشديد، وهنيئاً لمن تدبّرها.
ولننظر إلى شرع الله تعالى ما هو. إن الشرع هو وضع إلهيّ مساوق لذوي العقول السليمة للخير بالذات. فأصحاب العقول السليمة حين ينظرون في هذا الدين فهم يجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً. وحين يتّبعونه فإن تطبيق أحكامه تسوقهم إلى خير دنياهم وآخرتهم. أي أنّ الله تعالى كما وضع قوانين تحكم الكون كلّه كذوات موجودة لها حقائقها فإنه أيضاً أنزل شرعاً ينظّم العلاقات التي ترتبط بها هذه الموجودات.
فأراد الله تعالى أن الماء يغلي حين يصبح ضغطه البخاريّ مساوياً لضغطه الجويّ، وأنّ الحيوان والنبات إذا لم يتغذّ مات، وإذا اختلّ شيء من الأنظمة التي تعمل بها أجهزته المختلفة اعتلّ، وهكذا لو تفكّرت في كلّ مخلوق لوجدت أنّه خاضع لقوانين ركّبها الله تعالى فيه، وهذه القوانين هي ما أنفق علماء الطبيعة أعمارهم في الكشف عنها للعلم الضروريّ بوجودها.
وأراد الله تعالى أيضاً أن يبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام بالشرائع. وهذه الشرائع من شأنها أن تجعل متّبعها منسجماً مع الكون تمام الانسجام في عبوديّته وانصياعه التّام إلى أوامر الله سبحانه وتعالى. فمن شأنها أن تنظّم العلاقة بين الإنسان والله تعالى. فعرّفته بالحقائق التي تجيبه عن الأسئلة المحيّرة له المتعلّقة بوجوده فما دام قد ثبت أن هنالك علاقة بين الخالق والمخلوق فلا بدّ أن نفهم ماهيّة هذه العلاقة وكيف نتعامل مع الله تعالى بناء على تصور تلك العلاقة. ثمّ إن من شأنها أن تنظّم العلاقة بينه وبين الموجودات الأخرى التي يتعايش معها من إنسان وحيوان وجماد، فكانت أحكام الزواج والطلاق والبيوع والملكيّة وغير ذلك من فقه المعاملات. وهذه الأحكام وضعها الله تعالى لا لكي تتغيّر بل لتبقى، لأنّها لا تتعلّق بأشياء تتغيّر كما يدّعى بل تنظّم علاقات لا تتغيّر حقيقتها مهما اختلفت في أشكالها، فسواء كان البيع نقديّاً أو بشيك أو ببطاقة ائتمان بالبيع المباشر أو من طريق شبكة الإنترنيت أو باعتماد مستندي، فلن يخرج عن ماهيّة كونه عقد بيع له شروطه وأركانه وأحكامه، وكذلك الرّبا والاحتكار فمهما طال الزّمن فإنه لن يصبحا حلالاً وإن جرّا الفائدة على البعض، فإن الرّبا مهلك للاقتصاد بشهادة من خبراء الاقتصاد أنفسهم، فتجدهم يقولون عن الرّبا مثلاً إن المال لا يلد المال، والقيمة إنما تتولّد من المنفعة، فالمنفعة هي الأصل والقيمة ظلّ المنفعة، وحين تتنامى المنفعة يقابلها تنامٍ للقيمة، فإذا انفصلت القيمة عن المنفعة وتركت الأموال تتنامى بلا منفعة تقابلها فإن تراكم ذلك يجرّ ويلات على اقتصاد المجموع ومشاكل اجتماعيّة خطيرة. وسواء كان الرّبا من طريق أفراد في المجتمع كما كان ذلك معروفاً في اليهود غالباً على مرّ التاريخ وغيرهم جملة، أو كان من طريق قروض البنوك ذات الأشكال المختلفة، فإن ذلك لن يغيّر حقيقة الرّبا ولوازمه الاجتماعيّة ونتائجه الاقتصاديّة الخطيرة، وبالتالي ليس هنالك من داعٍ أصلاً للتفكير في تغيير حكمه الشرعيّ الذي وضعه الله تعالى بإزائه. ومثل ذلك الكلام في الحجاب الذي يستر المرأة وتحريم السفور وتحريم النظر إلى الأجنبيّات، فإن النظر كان وما زال وسيبقى من مقدّمات الزّنا، ومن لا يعرف ما جرّه سفور المرأة وعرضها على شاشات التلفزة بهذه الصورة المشهيّة من ويلات على الأسر فهو إما أنه أعمى وأصمّ أو أن يسوق علينا الهبل، فما هو السبب وراء تفجّر الطاقة الهائلة المخزونة في الشباب بالشهوة حتّى رأينا ما يحصل الآن في الجامعات وعلى الإنترنيت، واعجب أيها القارئ الفاضل من أناس يمارسون ما يدعى بـ Cyber Sex، يقضون فيه الساعات وهم يتغازلون ويتكلمون ويتأوّهون ويحترقون كلّ على طرف شاشته تفصلهم مسافات شاسعة يتخيّلون أنهم يتضاجعون بشتّى الصور. فهل هذا إلا من وراء ظهور المرأة سافرة في الأماكن العامّة، ولو لم يكن لحرمة السفور سبباً إلاّ سدّ الذرائع لكفاه دليلاً للتحريم. وسأناقش موضوع الحجاب في هذا المنتدى إن شاء نقاشاً لا يبقى معه شبهة في حكمه الشرعيّ قريباً جدّاً حين ننتهي من كشف هذه المغالطات التي يتعلّق بها فادي ههنا. ويحضرني الآن كلام لكولون ويلسون حيث يقول في بعض كتبه تعجّبت يوماً من قصر تنّور إحداهنّ، فسألتها أن تجيبني بصراحة لماذا تلبس هذه التنّورة القصيرة جدّاً وتظهر فخذيها بهذا الشكل المغري، فقالت: لكي يراني الرجال، ويعجبوا بجمالهما.
فهذه هي الحقيقة التي يتعامى عنها الناس أيما تعامي، إن بنت الجامعة السافرة تقف ساعات أمام المرآة قبل أن تخرج، وما ذلك إلا لأنها تريد أن يراها الرجال في أجمل صورة فتلفت أنظارهم وتغريهم ويعجبوا بها، واخترع شياطين الإنس والجنّ مفاهيم جديدة وسمّوا الأشياء بغير مسمّياتها للضحك على عقول تلك الفئة من الشباب قليلي العقول، فتكلّموا في الحريّة الشخصيّة، وسمّوا الزنا ممارسة حب، أو الحب العملي على رأي أحد الظرفاء، كما سمّوا الخمر مشروباً روحيّاً، وكتبوا على الحشيشة التي صارت تباع في بلادنا كاللبان تفرح ولا تسكر، ولكن الأسماء الجديدة التي يخترعها هؤلاء الشياطين لا يمكن أن تغيّر حقيقة أن هنالك اختلاطاً وسفوراً يثير الشهوة فيؤدي إلى الزنا وكراهية الأزواج لأزواجهم لما يعقدونه من المقارنات بين ما حظوا به وبين ما هو متوفّر في السّوق، فلا تقرّ لهم نفس ولا يقنعون بما قسمه الله لهم. ويدعو ذلك الشباب إلى الزواج العرفيّ المحرّم، وهتك الأعراض، وتضييع الأوقات والأعمار الثمينة التي سيسألنا الله عنها فيما أبليناها، وكم تضيّع الأموال على شراء هدايا أعياد الميلاد وأعياد الحب، وأعياد وأعياد... ولا يدري التافه الذي قد يستدين ليشتري دبّاً ظريفاً لحبيبته -كما كنا نرى أيام دراستنا- أنّ هنالك من يضحك على عقله باختراع أمثال هذه المناسبات واستغلالها ليدفع الناس إلى مزيد من الاستهلاك وهدر الأموال لتستقرّ في آخر المطاف في جيبه.. وماذا أقول أكثر، فلقد انخدع كثير من شبابنا بهذه الأفكار وهم يرددونها في مجالسهم ولا يخجلون من الكلام فيها.
وهكذا لو تفكّرتم في أيّ حكم شرعيّ ستجدون الشريعة الغرّاء علّقت أحكاماً ثابتة على الأمور الثابتة وعلّقت أحكاماً متغيّرة على الأمور المتغيّرة. وليس صحيحاً أن الشريعة علّقت أحكاماً شرعيّة ثابتة على أمور متغيّرة فهذه إحدى المغالطات، ومن أراد الاستزادة في فهم وتبيّن هذا الأمر فعليه بكتب مولانا العلاّمة محمّد سعيد رمضان البوطي نفع الله المسلمين بعلومه في الدارين آمين، ورضي الله عنه بما وفّقه للسهر حارساً على دين الإسلام، وجزى بمثل ذلك وأضعافه لشيخي المحقق الفهامة سعيد فودة الذي طوّق عنقي بفرض لا يقضى، إذ له علي دعوة خير بكلّ فكرة تلمع في ذهني لما علّمني هذه العلوم، وأرشدني إلى طريق أهل الحقّ غفر الله تعالى له ولوالديه ولمن علّمه وأحسن إليه. آمين.
وخلاصة الكلام، أن الله تعالى خالق كلّ شيء وهو على كلّ شيء وكيل، يدبر الأمر في السماوات والأرض، وكلّ شيء عنده بمقدار. وهو الذي يقول (إن الحكم إلا لله)، وأوّل ما يقرأ في الأصول أن الحاكميّة لله تعالى وحده، فيجب أن يلاحظ أن الأحكام الشرعيّة موضوعة من الله. لأن الحاكميّة لله تعالى وليست لأيّ أحد سواه. ومن حكم بغير ما أنزل الله تعالى فإنّه متردّد بين الفسق والكفر والظلم، وكلّ ما كان فسقاً أو كفراً أو ظلماً فهو حرام، فعلم أنّه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. ولذلك لا بدّ قبل دعوة الناس إلى ارتكاب أيّ فعل أن نعلم حكم الله تعالى فيه. وكلّ فعل فإنه واقع في دائرة الأحكام الشرعيّة الخمسة المعروفة، لأن كلّ فعل فلا يخلو إمّا أن يكون واجباً أو مندوباً إليه أو مباحاً أو مكروهاً أو حراماً. ولعمري ماذا يكون نبذ الأحكام الشرعيّة الثابتة وتغييرها بحسب ما يرتئيه العقل البشريّ من موافقة المصلحة إلا حكماً بغير ما أنزل الله. ولعمري ما هي القاعدة الكليّة المنضبطة التي يمكن أن يتوصّل إليها الإنسان بحيث إذا اتّبعت جلبت المصلحة وإذا تركت جلبت المفسدة، وقد ناقش الشيخ البوطي محاولات بنتام في كتابه أصول الشرائع وستيوارت ميل وذكر كيف انتهى بهما الأمر إلى الاعتراف بأنه لا يمكن وضع قانون عامّ للمصالح.
إذاً فالقضيّة أن أصحاب هذه الدعاوى يريدون منّا في الحقيقة نبذ الكتاب والسنّة وترك الغبار يتراكم عليهما، ثمّ استبدال أحكامهما الثابتة بقوانين وضعيّة سرعان ما يلاحظ عدم ملاءمتها للواقع فيسعون إلى تغييرها وهكذا لا إلى نهاية. فأين سيصل بهم المقام في البعد عن الشرع الحنيف.
يتبع..
تعليق