القسم الثاني من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلال النجار
    مـشـــرف
    • Jul 2003
    • 1128

    #31
    بسم الله الرحمن الرّحيم

    قال فادي ما معناه أن ثبات الأحكام الشرعية لا يتّفق مع صيرورة الحياة وتغيّر المصالح... إلخ. فنقول إن معنى الصيرورة أو السيرورة هو أن مادة الكون وموجوداته في حركة مستمرة وفي تغيّر دائم. وهذه المقالة ليست اكتشافاً علميّاً حديثاً كما يتوهم البعض، فهي مقولة هيروقليط الذي عاش قبل ستة قرون من الميلاد. وهي حقيقة علميّة أثبتها المتكلمون المسلمون، واعتمدوا عليها في أحد أهم براهينهم في إثبات حدوث العالم بأسره، واحتياجه الدائم للمخصّص المستلزمان لإثبات وجود الله تعالى وقدرته وإرادته وإمداده غير المنقطع لهذا الكون ليبقى على هذه الصورة التي نراها. وهي أيضاً حقيقة أكّدتها الاكتشافات والنظريّات العلميّة الحديثة كما هو معلوم.

    ويستخدم بعض الذين يريدون التفلّت من قيود الدّين هذه الحقيقة العلميّة كمقدّمة أولى، ثمّ يقولون فما دام كلّ ما في العالم في تغيّر دائم فكيف يناسب الطبيعة المتغيّرة للعالم بما فيه من حيوان ونبات وجماد أن يحكم بأحكام وقوانين شرعيّة ثابتة. فهي مقولة لا يريد بها العلمانيون وجه الله تعالى، ولا أنّهم يحرصون على الدّين كما يوهمون النّاس. بل الهدف الأساسيّ هو إبعاد الناس عن الدّين وعدم الاحتكام له. ولكن الطريقة المباشرة مع المسلمين لا تنفع، كما هو معلوم من التاريخ، فلا آلة الحرب ولا كثير من أساليب التبشير والتنصير نفعت معهم، وهذه محاولة كغيرها من محاولات أعداء الدّين والله وحده يعلم ماذا سيكون بعد ذلك. فتجدهم يطلقون مقولات كمقالة شاخت الشهيرة: (إن الدين مجرّد فهم علماء الدين)، وبعد ذلك هؤلاء العلماء مختلفون فيما بينهم أشد الاختلاف فما أدرانا ما هو الصحيح من الغلط، وبعد ذلك الطرق التي يفهم بها القرآن ليست مستقيمة بما أنها مختلف فيها، وبعد ذلك اللغة لم تنقل لنا فكيف نفهم القرآن، ثمّ القرآن نفسه متعارض وكلّ وسيلة لفهمه متعارضة بما في ذلك السنّة والصحابة والأصوليون وغير ذلك، ثمّ القرآن ليس متواتراً وألفاظه مختلف فيها، ثمّ لو ثبت شيء من القرآن والسنّة فالنبي يجوز عليه الغلط وقد أخطأ والله لم لا يجوز أن يكذب علينا مراعاة لمصلحتنا، والإجماع مجرّد وهم فالإمام أحمد يقول من ادّعى الإجماع فهو كاذب، ثمّ القياس لا يجوز فنحن نمنعه مشياً على قول البعض، ثمّ لو كان كلّ ما وصلنا من الشريعة ثابتاً فالأحكام الشرعيّة بلا استثناء موضوعة لمصالح العباد، ومصلحة العباد فوق كلّ شيء ولا اعتبار لكلّ دليل دليل يؤخذ منفرداً، فإنه دليل جزئيّ، والمقصد الكليّ الذي يمكن استخلاصه من جملة القرآن والسنّة هو مراعاة مصالح العباد، ثمّ مصالح العباد متغيّرة وحياة الناس تتغيّر وليس من المعقول أن الذي يحيا اليوم تناسبه نفس الأحكام التي كانت تطبق قبل ألف سنة... إلخ من هذه المغالطات التي هي أساليب مكشوفة لا تجوز على المسلم الفطن، فالمقصود هو شيء واحد وهو إبعاد الناس عن الدّين عن طريق التشكيك في مصادر التشريع، وعلماء الدين وأسباب فهم الشريعة، وثبات الأحكام... إلخ مما يطول ذكره، فما نثره المستشرقون من شبه كثيرة يذكّرني بمثل شهير يقول: (.. مجنون يرمي حجراً في بئر، يحتاج لمائة عاقل حتّى يخرجه)، ولكنّ من يلقوا هذه الشبه ليسوا بمجانين ولا سذّج مطلقاً فأهدافهم مكشوفة ومعروفة، ويردّها القرآن وتردّها السنّة، ويردّها العقل السليم حين يتأملّ فيها منصفاً متدبّراً لكتاب الله تعالى، ولكنّ من يقتنع بهذه الشّبه ويعلكها ويدعو إليها في كلّ مجلس لهو السّاذج المسكين، الذي ضلّ سعيه في الحياة الدّنيا وهو يحسب أنّه يحسن صنعاً، وإني أعظ كلّ من يتجرّأ على الله ورسوله ودينه أن يتّبع مثل هذه المقالات ويأخذها على عواهنها وينجرف معها، أن يكون من الجاهلين، فيقضي حياته في هدم الدّين، يدّعي الحرص على الإسلام وهو في الحقيقة يهدمه. وليتذكر قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ).

    وعلى أي حال، تلاحظ أيها القارئ أنّ كلام فادي مبنيّ على هذه المقولة، مقولة الصيرورة. ولكنه يعبر عنها بطرق مختلفة. فهو لا يرى أن الشرع الذي ناسب الناس الذين كانوا يعيشون قبل أربعة عشر قرناً أنّه يناسب عصرنا هذا. ولإثبات ذلك يتعلّق تارة بتغيّر الثقافة، وتارة يتعلّق بتغيّر اللغة التي هي أداة الفهم الأولى للشريعة، وتارة يتعلّق بتغيّر التركيبة العقليّة التي يساهم في بنائها الظروف المحيطة بالعاقل، وتارة يتعلّق بتغيّر المصلحة. أما الذي يبعث على الضحك فهو استدلاله على وجوب تغيّر الأحكام الشرعيّة مشياً مع الحركة الدائمة بالتدرّج في نزول الأحكام الشرعيّة، فلا أجد وصفاً مناسباً لهذه المغالطة.
    وعلى كلّ حال، تكلّم فادي في ذلك كلّه من جهات مختلفة بأسلوبه الخاص، ويتكلّم فيه كثير من المتفلسفين في هذا العصر، وليس هذا بالأمر الجديد.

    فإذا فهمنا إشكال فادي ومن اغترّ بأفكارهم. فلنحقق المقام أكثر لننظر هل ثمّة متغيّر يستوجب تغيّر الحكم الشرعيّ، أم أن هذه المقولة مجرّد مغالطة من المغالطات. ما هو هذا الشيء المتغيّر الذي يتكلّم عنه العلماء. إن العلماء يتكلّمون عن مادة الكون وما فيه من موجودات أنها في تغيّر دائم، ولا يتكلّمون عن الأنظمة والقوانين التي تحكم هذه التغيرات. فصحيح أن الكون متغيّر، ولكنّه يتغيّر على وفق قانون علميّ ثابت، ولو شاء الله تعالى لجعل تغيّره على وفق نظام آخر، ولكنّه أراده أن يسير ويتغيّر على وفق هذا النظام الكليّ بعينه. ومن ينكر ثبات القوانين التي تحكم الكون، فهو لا يعرف في العلم شيئاً. وهذا القدر واضح. فمهما تغير العالم من حول الإنسان وتغيّر شكل وحجم الإنسان ...إلخ ومهما تطوّر في مدنيّته وأسباب حياته فسيبقى يجوع فيأكل ليشبع جوعه، ويعرى فيلبس لباساً يقيه البرد والحر، ولن يزال الرجل يحب المرأة والأبناء والأموال قال تعالى: (زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)، وسيبقى مغروزاً في الإنسان حبّ الاجتماع والحاجة إليه، ولن يقوَ على الحياة وحده بلا تعاون مع أبناء نوعه، وسيظلّ بحاجة إلى أن يعرف الله تعالى ويعبده لتطمئن نفسه ولا تمزّقه أسئلته المحيّرة عن وجوده وجدوى حياته، قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى). وهكذا فهذه الأمور لا تتغيّر وإن صار العالم قريّة صغيرة بسبب وسائل المواصلات الحديثة، وإن صعد الناس إلى الفضاء، وإن فعلوا كل ما بوسعهم فعله لتحقيق التقدّم والرخاء وتطويع المادة لخدمة الإنسان. وفيه يقول الله تعالى: (سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلا) وهي آية تتكرر في القرآن الكريم في مواضع عدّة وأحياناً بألفاظ مختلفة، وهي في كلّ موضع تبعث على التأمل الشديد، وهنيئاً لمن تدبّرها.

    ولننظر إلى شرع الله تعالى ما هو. إن الشرع هو وضع إلهيّ مساوق لذوي العقول السليمة للخير بالذات. فأصحاب العقول السليمة حين ينظرون في هذا الدين فهم يجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً. وحين يتّبعونه فإن تطبيق أحكامه تسوقهم إلى خير دنياهم وآخرتهم. أي أنّ الله تعالى كما وضع قوانين تحكم الكون كلّه كذوات موجودة لها حقائقها فإنه أيضاً أنزل شرعاً ينظّم العلاقات التي ترتبط بها هذه الموجودات.

    فأراد الله تعالى أن الماء يغلي حين يصبح ضغطه البخاريّ مساوياً لضغطه الجويّ، وأنّ الحيوان والنبات إذا لم يتغذّ مات، وإذا اختلّ شيء من الأنظمة التي تعمل بها أجهزته المختلفة اعتلّ، وهكذا لو تفكّرت في كلّ مخلوق لوجدت أنّه خاضع لقوانين ركّبها الله تعالى فيه، وهذه القوانين هي ما أنفق علماء الطبيعة أعمارهم في الكشف عنها للعلم الضروريّ بوجودها.

    وأراد الله تعالى أيضاً أن يبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام بالشرائع. وهذه الشرائع من شأنها أن تجعل متّبعها منسجماً مع الكون تمام الانسجام في عبوديّته وانصياعه التّام إلى أوامر الله سبحانه وتعالى. فمن شأنها أن تنظّم العلاقة بين الإنسان والله تعالى. فعرّفته بالحقائق التي تجيبه عن الأسئلة المحيّرة له المتعلّقة بوجوده فما دام قد ثبت أن هنالك علاقة بين الخالق والمخلوق فلا بدّ أن نفهم ماهيّة هذه العلاقة وكيف نتعامل مع الله تعالى بناء على تصور تلك العلاقة. ثمّ إن من شأنها أن تنظّم العلاقة بينه وبين الموجودات الأخرى التي يتعايش معها من إنسان وحيوان وجماد، فكانت أحكام الزواج والطلاق والبيوع والملكيّة وغير ذلك من فقه المعاملات. وهذه الأحكام وضعها الله تعالى لا لكي تتغيّر بل لتبقى، لأنّها لا تتعلّق بأشياء تتغيّر كما يدّعى بل تنظّم علاقات لا تتغيّر حقيقتها مهما اختلفت في أشكالها، فسواء كان البيع نقديّاً أو بشيك أو ببطاقة ائتمان بالبيع المباشر أو من طريق شبكة الإنترنيت أو باعتماد مستندي، فلن يخرج عن ماهيّة كونه عقد بيع له شروطه وأركانه وأحكامه، وكذلك الرّبا والاحتكار فمهما طال الزّمن فإنه لن يصبحا حلالاً وإن جرّا الفائدة على البعض، فإن الرّبا مهلك للاقتصاد بشهادة من خبراء الاقتصاد أنفسهم، فتجدهم يقولون عن الرّبا مثلاً إن المال لا يلد المال، والقيمة إنما تتولّد من المنفعة، فالمنفعة هي الأصل والقيمة ظلّ المنفعة، وحين تتنامى المنفعة يقابلها تنامٍ للقيمة، فإذا انفصلت القيمة عن المنفعة وتركت الأموال تتنامى بلا منفعة تقابلها فإن تراكم ذلك يجرّ ويلات على اقتصاد المجموع ومشاكل اجتماعيّة خطيرة. وسواء كان الرّبا من طريق أفراد في المجتمع كما كان ذلك معروفاً في اليهود غالباً على مرّ التاريخ وغيرهم جملة، أو كان من طريق قروض البنوك ذات الأشكال المختلفة، فإن ذلك لن يغيّر حقيقة الرّبا ولوازمه الاجتماعيّة ونتائجه الاقتصاديّة الخطيرة، وبالتالي ليس هنالك من داعٍ أصلاً للتفكير في تغيير حكمه الشرعيّ الذي وضعه الله تعالى بإزائه. ومثل ذلك الكلام في الحجاب الذي يستر المرأة وتحريم السفور وتحريم النظر إلى الأجنبيّات، فإن النظر كان وما زال وسيبقى من مقدّمات الزّنا، ومن لا يعرف ما جرّه سفور المرأة وعرضها على شاشات التلفزة بهذه الصورة المشهيّة من ويلات على الأسر فهو إما أنه أعمى وأصمّ أو أن يسوق علينا الهبل، فما هو السبب وراء تفجّر الطاقة الهائلة المخزونة في الشباب بالشهوة حتّى رأينا ما يحصل الآن في الجامعات وعلى الإنترنيت، واعجب أيها القارئ الفاضل من أناس يمارسون ما يدعى بـ Cyber Sex، يقضون فيه الساعات وهم يتغازلون ويتكلمون ويتأوّهون ويحترقون كلّ على طرف شاشته تفصلهم مسافات شاسعة يتخيّلون أنهم يتضاجعون بشتّى الصور. فهل هذا إلا من وراء ظهور المرأة سافرة في الأماكن العامّة، ولو لم يكن لحرمة السفور سبباً إلاّ سدّ الذرائع لكفاه دليلاً للتحريم. وسأناقش موضوع الحجاب في هذا المنتدى إن شاء نقاشاً لا يبقى معه شبهة في حكمه الشرعيّ قريباً جدّاً حين ننتهي من كشف هذه المغالطات التي يتعلّق بها فادي ههنا. ويحضرني الآن كلام لكولون ويلسون حيث يقول في بعض كتبه تعجّبت يوماً من قصر تنّور إحداهنّ، فسألتها أن تجيبني بصراحة لماذا تلبس هذه التنّورة القصيرة جدّاً وتظهر فخذيها بهذا الشكل المغري، فقالت: لكي يراني الرجال، ويعجبوا بجمالهما.

    فهذه هي الحقيقة التي يتعامى عنها الناس أيما تعامي، إن بنت الجامعة السافرة تقف ساعات أمام المرآة قبل أن تخرج، وما ذلك إلا لأنها تريد أن يراها الرجال في أجمل صورة فتلفت أنظارهم وتغريهم ويعجبوا بها، واخترع شياطين الإنس والجنّ مفاهيم جديدة وسمّوا الأشياء بغير مسمّياتها للضحك على عقول تلك الفئة من الشباب قليلي العقول، فتكلّموا في الحريّة الشخصيّة، وسمّوا الزنا ممارسة حب، أو الحب العملي على رأي أحد الظرفاء، كما سمّوا الخمر مشروباً روحيّاً، وكتبوا على الحشيشة التي صارت تباع في بلادنا كاللبان تفرح ولا تسكر، ولكن الأسماء الجديدة التي يخترعها هؤلاء الشياطين لا يمكن أن تغيّر حقيقة أن هنالك اختلاطاً وسفوراً يثير الشهوة فيؤدي إلى الزنا وكراهية الأزواج لأزواجهم لما يعقدونه من المقارنات بين ما حظوا به وبين ما هو متوفّر في السّوق، فلا تقرّ لهم نفس ولا يقنعون بما قسمه الله لهم. ويدعو ذلك الشباب إلى الزواج العرفيّ المحرّم، وهتك الأعراض، وتضييع الأوقات والأعمار الثمينة التي سيسألنا الله عنها فيما أبليناها، وكم تضيّع الأموال على شراء هدايا أعياد الميلاد وأعياد الحب، وأعياد وأعياد... ولا يدري التافه الذي قد يستدين ليشتري دبّاً ظريفاً لحبيبته -كما كنا نرى أيام دراستنا- أنّ هنالك من يضحك على عقله باختراع أمثال هذه المناسبات واستغلالها ليدفع الناس إلى مزيد من الاستهلاك وهدر الأموال لتستقرّ في آخر المطاف في جيبه.. وماذا أقول أكثر، فلقد انخدع كثير من شبابنا بهذه الأفكار وهم يرددونها في مجالسهم ولا يخجلون من الكلام فيها.

    وهكذا لو تفكّرتم في أيّ حكم شرعيّ ستجدون الشريعة الغرّاء علّقت أحكاماً ثابتة على الأمور الثابتة وعلّقت أحكاماً متغيّرة على الأمور المتغيّرة. وليس صحيحاً أن الشريعة علّقت أحكاماً شرعيّة ثابتة على أمور متغيّرة فهذه إحدى المغالطات، ومن أراد الاستزادة في فهم وتبيّن هذا الأمر فعليه بكتب مولانا العلاّمة محمّد سعيد رمضان البوطي نفع الله المسلمين بعلومه في الدارين آمين، ورضي الله عنه بما وفّقه للسهر حارساً على دين الإسلام، وجزى بمثل ذلك وأضعافه لشيخي المحقق الفهامة سعيد فودة الذي طوّق عنقي بفرض لا يقضى، إذ له علي دعوة خير بكلّ فكرة تلمع في ذهني لما علّمني هذه العلوم، وأرشدني إلى طريق أهل الحقّ غفر الله تعالى له ولوالديه ولمن علّمه وأحسن إليه. آمين.

    وخلاصة الكلام، أن الله تعالى خالق كلّ شيء وهو على كلّ شيء وكيل، يدبر الأمر في السماوات والأرض، وكلّ شيء عنده بمقدار. وهو الذي يقول (إن الحكم إلا لله)، وأوّل ما يقرأ في الأصول أن الحاكميّة لله تعالى وحده، فيجب أن يلاحظ أن الأحكام الشرعيّة موضوعة من الله. لأن الحاكميّة لله تعالى وليست لأيّ أحد سواه. ومن حكم بغير ما أنزل الله تعالى فإنّه متردّد بين الفسق والكفر والظلم، وكلّ ما كان فسقاً أو كفراً أو ظلماً فهو حرام، فعلم أنّه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. ولذلك لا بدّ قبل دعوة الناس إلى ارتكاب أيّ فعل أن نعلم حكم الله تعالى فيه. وكلّ فعل فإنه واقع في دائرة الأحكام الشرعيّة الخمسة المعروفة، لأن كلّ فعل فلا يخلو إمّا أن يكون واجباً أو مندوباً إليه أو مباحاً أو مكروهاً أو حراماً. ولعمري ماذا يكون نبذ الأحكام الشرعيّة الثابتة وتغييرها بحسب ما يرتئيه العقل البشريّ من موافقة المصلحة إلا حكماً بغير ما أنزل الله. ولعمري ما هي القاعدة الكليّة المنضبطة التي يمكن أن يتوصّل إليها الإنسان بحيث إذا اتّبعت جلبت المصلحة وإذا تركت جلبت المفسدة، وقد ناقش الشيخ البوطي محاولات بنتام في كتابه أصول الشرائع وستيوارت ميل وذكر كيف انتهى بهما الأمر إلى الاعتراف بأنه لا يمكن وضع قانون عامّ للمصالح.

    إذاً فالقضيّة أن أصحاب هذه الدعاوى يريدون منّا في الحقيقة نبذ الكتاب والسنّة وترك الغبار يتراكم عليهما، ثمّ استبدال أحكامهما الثابتة بقوانين وضعيّة سرعان ما يلاحظ عدم ملاءمتها للواقع فيسعون إلى تغييرها وهكذا لا إلى نهاية. فأين سيصل بهم المقام في البعد عن الشرع الحنيف.

    يتبع..
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

    تعليق

    • بلال النجار
      مـشـــرف
      • Jul 2003
      • 1128

      #32
      متابعات...

      ويغالط فادي فيقول إن جميع الأحكام الشرعيّة بلا استثناء يمكنها أن يطرأ عليها التغيير، ويلاحينا حتّى في أركان الإسلام، اسمع إليه يقول: (الكلام في مطلق الأحكام الشرعية، أما مسألة الصلاة فالدليل القطعي أن الله فرض الصلوات الخمس لحكمة ومصلحة ولم يفرضها عبثا ومن غير فائدة، فإذا سلمت هذا فلا شك أنك ستسلم أن الحكمة والمصلحة قبلة أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء كانت بعدم فرضها وإلا لفرضها الله قبل ذلك لأن أفعاله حكيمة وأحكامه تحقق المصالح. ثمَّ الله جلَّ وعلا لم يخبرنا عن الحكمة والمصلحة من عدم فرضه الصلاة قبل الإسراء والمعراج ولا هو أخبرنا عن الحكمة والمصلحة من فرضها بعد ذلك، ثم بعد انقطاع خبر السماء كيف لي أن أعرف إن كانت الحكمة والمصلحة من الصلوات الخمس باقية إلى هذا الزمن أم لا، فإن كانت الحكمة والمصلحة لم تصلح لفرض الصلوات الخمس قبل الإسراء مدة 12 سنة فكيف لنا أن نجزم أن الحكمة والمصلحة مازالت مستمرة إلى الآن؟) اهـ

      فيا فادي إن الله تعالى يقول: (إن الدين عند الله الإسلام) فما هو هذا الإسلام الذي يتكلّم عنه ربّنا سبحانه في هذه الآية، ما نوع (ال) في قوله الإسلام. ويقول تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)، ويقول تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكّيتم وما ذبح على النّصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)
      ويقول تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين)، ويقول تعالى حكاية عن الجنّ: (وأنّا منّا المسلمون ومنّا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحرّوا رشداً * وأما القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً)، وقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون)، وقال: (وأمرت لأن أكون أوّل المسلمين).
      عن أيّ إسلام يحدّثنا الله تعالى في هذه الآيات، أوليس هو الإسلام الذي قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم إنه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمّداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً. وهذه الأركان معلومة من الدين بالضرورة متواتر وجوبها على كلّ مكلّف شرعاً. فكيف تقول إنه يجوز أن تسقط هذه الأركان ومع ذلك تسمّي ما يبقى بعد سقوطها إسلاماً. وأريد أن أسألك سؤالاً سألتكه من قبل وأعيده بصيغة أخرى:
      أرني حكماً شرعيّاً واحداً ثابتاً في الشريعة كيف تتغيّر المصلحة على مرّ الزمن بحيث تقتضي أن لا يعود في هذا الفعل مصلحة بل مفسدة. كيف اقتضت المصلحة مثلاً ترك الحجاب، أو ترك الصلاة؟ وحين سألتك أوّل مرّة عن ذلك، أجبت بكلامك السابق أنّك لا تجزم بأن الحكمة والمصلحة من الصّلاة ما زالت موجودة. فهب أنّ المصلحة والحكمة من الصلاة ما زالت موجودة فماذا سيكون مصيرك يوم القيامة؟ ألم تقرأ قول الله تعالى: (فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، وقوله: (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ)، وقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)، وقوله: (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)، وقوله: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقال: (قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ)، وقوله تعالى حكاية عن يحيى: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) فهذا يحيى أمره الله بالصلاة طيلة حياته بقيت الصلاة فيها مصلحته وفيها حكمة الله تعالى، وقوله: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، وقوله: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، وقوله: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) وقوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)، وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) فالله تعالى يبيّن فائدة لا تنقطع مهما تطاول الزمن لأنّ الفحشاء والمنكر لن تنقطع من ابن آدم إلى يوم القيامة ومن شأن الصلاة أن تنهى العبد عنهما. فأجبنا يا فادي بأصول الفقه التي تتقنها وترغب عن تعليمنا إيّاها في مقام المناظرة، كيف فهمت من هذه الآيات أن الصلاة يمكن أن لا تكون واجبة على المكلّفين طالما هم على قيد الحياة. أو كيف ترى إمكان انقطاع المصلحة من فعلها أو لحوق المفسدة بفعلها فيرفع عنها حكم الوجوب.
      وحين سألتك يا فادي ما هو دليلك على سقوط التكليف عنك فلعلنا نقيم الحجّة على الله تعالى فنعرف ما نجيب حين نسأل عن تركنا للتكاليف الشرعيّة؟ أجبتني بهذا الجواب، مستنكراً علي: (مثلك يقيم الحجة على الله؟ ما أظن أن بوسعك فعل هذا فلله الحجة البالغة ولو شاء لهداكم أجمعين)
      فهل هذا يا فادي هو النمط من الجواب العلمي الذي تطالبني بأن ألتزم به. إن الله تعالى يقول: (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربّه إنه لا يفلح الكافرون)، ويقول: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، ويقول: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرّسل وكان الله عزيزاً حكيماً). فإني ما قلت شيئاً أذمّ به شرعاً، ولا طالبتك بمحال، أما إجابتك هذه فما هي إلا التفاف على السؤال وتهرّب من الإجابة وكم تفعل ذلك وكم تغالط يا فادي وتوهم القارئ أن كلامي متهافت ويكون ردّك غير متوّجه أصلاً على محلّ الكلام. وحين سألتك: (إن كان التكليف ساقطاً عنك فلم تتكلّف عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه، والكلام في الدّين. لماذا تهتمّ بالقرآن وفهمه؟ وماذا يعنيك من ذلك؟) لأن هذه تكاليف شرعيّة وأنت تقول بسقوطها، أجبتني مستنكراً حتى حسبتُني قلت هذا الكلام أمام مولانا الجنيد رضي الله عنه، فقلتَ: (عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه؟ والله ما أظن هذا الكلام يخرج ممن خالط قلبه لذة حمد الله والصلاة على رسوله، فإن كان ذلك عناء عندك فهو على صدري أبرد من الثلج وفي قلبي أحب من الأهل وعلى لساني أحلى من شهد العسل، وهل لغير حبي لله عانيتُ في حياتي أصعب ما عانيت؟ فحمداً له على كل حال وفي كل زمان، فإن كان من أحد يحبُّ لذاته فهو هو لا إله إلا هو)، أفتزايد عليّ في الدّين بدل أن تجيبني عمّا سألتك عنه، وهو أنّك تقوم بكلفة شرعيّة، فإذا سقط التكليف عنك فلم تتكلّف عناء ذلك؟ فأجبني لم صلّيت على النّبيّ والتكليف عنك ساقط؟ فهزئت بي بهذه المزايدة الفارغة كأنّ الدّين اختلط بلحمك ودمك فلم تعد تشعر بالكلفة حين تقوم بالواجبات الشرعيّة، وأنت ما زلت لم تأت بعد بأوجب الواجبات وهو معرفة الله تعالى بالمنزلة، فتجيز في حقّه تعالى الكذب وتحتمله بالفعل في بعض الآيات. فلا تزكّي نفسك يا فادي، فإن الله تعالى يزكّي من يشاء.
      ومرّة سألناك فقلت لعلّي أقصد أن التكليف ساقط عن المجانين أو شيء من هذا القبيل، فافهموا ما أقول بأصول الفقه. فهذا جواب من لا أدري إن كان يستهبلنا أم هو بالفعل مقتنع بما يقول. فإنا نفهم من هذه العبارة يا أبا اللغة العربيّة وأصول الفقه، أن التكيف كان ثابتاً ثمّ سقط، وهذا يتناول كلّ تكليف، والأصل فهم الكلام بدون تقدير محذوف، فيصير المعنى أنك تحمد الله تعالى على أنّه رفع التكاليف الشرعيّة بعد أن كان قد وضعها، فمن أين عرفت ذلك والشريعة مليئة بالتكاليف الشرعيّة والتكليف الشرعيّ معلوم من الدّين بالضرورة؟ ثمّ لو كان في الكلام شيء محذوف فيجب أن تدلّ عليه القرائن. ولم يكن لدينا سياقات لنفهم كلامك فسألناك ماذا تقصد بذلك، إننا نرى الكلام مشكلاً، فقلت افهموها بأصول الفقه. وها نحن نفعل. فبعد ما علمنا ما علمنا من مقالتك وسألنا الناس عن أحوالك، ورأينا ما رأينا من بعضها. فإني قد سمعتك يوماً بأذني تقول: (.. إن التكليف ساقط عنّي ... وإنني أعتقد أنني لست مكلّفاً...) ورأيتك وقد أذّن المغرب فصلّينا وأنت لم تحرّك ساكناً أنت، ثم دخل وقت العشاء. فهل تكفي هذه القرائن أن نفهم أنّك تقصد فعلاً ما فهمناه منك. وبعد أن غلب على الظنّ أنّك فعلاً كذلك، سألناك كيف عرفت ذلك، فبدأت تزايد علينا في ديننا، وتتهرّب من الجواب. ومع أنّ المكتوب مقروء من عنوانه كما يقولون وأظنّ أني أعرف ماذا ستكون حجّتك، ولكنّا نحب أن نستمع إليها، فلعلنا نقتنع بها فنترك التكاليف، وإن لم نفعل ذلك، فعلى الأقلّ نعلم ما هي حجّتك في ذلك، فالمرء يعيش حياته وهو يتعلّم.

      وما أردنا أن نبلغ إلى هذا المبلغ في الكلام، ولكنّ للحديث شجونا. وكلّ ما أردنا التنبيه إليه في هذه المقالة هو أنّا لو سلمنا أن علّة كلّ حكم شرعيّ هي مصلحة مجموع العباد بحيث إذا انتفت تلك العلّة الموجبة ارتفع الوجوب، أو المحرّمة ارتفعت الحرمة وهكذا. فإنه يعترض عليه بما يلي:
      - إن القطع بأن المصلحة علّة كلّ حكم شرعيّ ليست بالأمر الهين، ومدّعي ذلك عليه أن يبرهن عليه. وفادي ادّعاه ولم يبرهن عليه فلا يقبل قوله بلا دليل.
      - إن اعتبار المصلحة علّة لكلّ حكم بحيث تعرّف الحكم كما بيّناه يستدعي معرفة قانون عامّ للمصلحة، وهو مما احتار فيه البشر، ولا نعلم أحداً من النّاس استطاع أن يكتشف هذا القانون العام الذي تصلح به أحوال المجموع، فعلى من يدّعي أنّه يعرفه أن يأتي به، ويثبت أنّه كذلك. فإذا كان تقدير المصلحة مختلفاً فيه فإنه يبعد جدّاً أن يسلّم العقلاء لبعضهم ما تتفتق عنه أذهان البعض. وفادي لم يأتنا بشيء من ذلك.
      - إن المصلحة في الشريعة يعتبر فيها أحوال النّاس في الآخرة، واعتبار أمر الدنيا دون اعتبار أمور الآخرة وهي الحيوان كما قال الله تعالى عنها، وهي الحياة الحقيقية والأهم بالنسبة للمؤمن، يجعل من تقدير المصلحة من البشر أمراً عسيراً جدّاً. فالله تعالى قد يوجب أحكاماً لا يعلم البشر الحكمة من ورائها، ويكون فيها صلاح أمورهم الدنيويّة والأخرويّة، فمن أين يعرف الإنسان المصلحة في رفع إصبعه في التشهّد أو في تقبيل الحجر الأسود أو الإشارة باليد نحوه، أو السجود ثنتين بدلاً من ثلاثة ولو أردت أن أعدّ في العبادات وحدها لعددت حتّى سئمت العدّ.
      - إن الانتقال من حكم شرعيّ ثابت بدليل قطعيّ إلى حكم آخر يختاره الناس ظنّاً منهم أنّ فيه المصلحة، لهو غاية الضلال. لأنّ ظنّهم المصلحة في فعل ما مقابل الدليل القطعيّ على حرمته ما هو إلا ترجيح للدليل الظنّي على القطعيّ. وهو غير جائز. وقول فادي بالمعنى (.. نظنّ وليس هنالك إشكال في أن نخطئ، فإن الرسول المعصوم أخطأ...) لهو من السخف بمكان بحيث لا أجد كلاماً أردّ به عليه، وإنه والله لقول كبير أدعوه أن يراجع نفسه فيه.
      - إن الإجماع والقياس عندنا مستندان إلى أصل شرعيّ، ولكنّ مقدّري المصلحة حين يهملون الأدلّة الشرعيّة وينظرون بعقولهم لبلوغها، وحتّى على تقدير اتفاقهم على معرفتها، فلا يستطيع أحد أن يعتدّ باتفاقهم. وسيكون أشبه بإجماع الكونغرس الأمريكي أو مجلس العموم البريطاني على سنّ قانون معيّن، فلا اعتبار به شرعاً. لا يقال لا تشابه بين الحالين لأنا مسلمون وأولئك كفرة. لأنّا نقول: لا يعتد بإجماع إن لم يستند إلى دليل شرعيّ سواء كان من مجتهدي المسلمين أو من غيرهم. على أنّا نقول إن مجتهدي الأمّة لا يمكن أن يحصل بينهم هكذا اتفاق بلا أصل من الشريعة.
      - إن الأدلة في القرآن والسنّة كثيرة جدّاً على وجوب اتباع أوامر الله ورسوله، فما معنى هذا الاتباع إذا تركناهما وراءنا ظهريّاً وأخذنا برأينا فيما يعرض لنا من الأمور. فذلك يؤول بنا إلى في نهاية المطاف إلى أن لا نحمل من الإسلام الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلّم سوى اسمه.
      - أنا لا نسلّم أن المصالح المقترنة ببعض المأمورات الشرعيّة أنّها تتغيّر، فليس صحيحاً أنّ كلّ مصلحة فهي متغيّرة. وغاية ما سيفعله الذين سيفكرون في معرفة المصلحة أنهم سيحاولون الاستدلال على قولهم، ومهما بلغت أدلّتهم فلن تقوَ على معارضة النصّ القرآنيّ المتواتر فيها. إذ الخبر اليقينيّ هذا سبب للعلم، فكيف يجرؤ أحد أن يقول إنه لم يعد في الصلاة مصلحة، والله تعالى يقول إنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. ما نوع الدليل الذي يقابل به كلام الله القطعيّ الدلالة هذا ويظهر به عليه.
      يتبع......

      وقد كانت هذه الكتابة إيذاناً منّي بانتهاء مهلتي التي أمهلنيها فادي مشكوراً، وقد انقضت ثلاثة الأيام التي طلبتها، فأرجو من الله أن يوفّقني في أن أكمل ما بدأت من الردود والكتابة. وأريد من فادي أيضاً أن يتابع حديثه الذي بدأه، فقد وصلنا في حوارنا إلى نقطة لم يجبني بعد عليها.

      والحمد لله ربّ العالمين
      ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

      تعليق

      • fadilov
        موقوف لأسباب إدارية
        • Nov 2003
        • 42

        #33
        آخر ما أجيب به على كلام الفاضل بلال

        قلتَ (أقول: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء. فالعام قد يكون ....واعلم أنّ الآية مجملة وعلى ما اخترته أنت من تساوي الأدلّة.... فصار قوله تعالى (من يعصِ) الآية، مستغرقاً لكلّ صاحب معصية، ومتردّداً بين دليلي تخصيص متساويين على قولك. ... ولكن على أي حال فهذه مواضع لفتت نظري في آخر ما كتبت: )

        بعد أن قررت كيف تكون الآية مجملة، لا أملك إلا أن أعتذر منك فأنا لا أريد مناظرة من لا يحسن تطبيق مبادئ علم أصول الفقه وأنا أتكلم عن المبادئ لا عن المستوى الأعلى بقليل، على أني سأبين ختاما الخلط اللذي وقعتَ به ليعرفَه من لا يحسن النظر في علم الأصول ممن يقرأ كلامنا من الأفاضل.
        أقولُ: لو سلم لي الفاضل بلال أن الآية مجملة على الوجه اللذي أوردتُهُ لسقط بعض كلامه في الدفاع عن أصول الفقه، إلا أن وجه الإجمال اللذي يقول به مختلف تماما عن وجه الإجمال اللذي أقول به وعليه فهو يغالط مغالطة بينة، وهذا إن دلني على شيء فإنه يدلني على أنه لا يحسن تطبيق علم الأصول، وقد توهم الفاضل بلال أني أقول إن الآية ظاهرة ثم هذا الظاهر مخصوص بدليلين منفصلين متعارضين، وهو ما لم أقلهُ ولا خطر لي على بال لكن قصور تمكنه من مبادئ الأصول أفهمهُ هذا، أنظر إليه يقول: (فأنا أقول بأن قوله تعالى: (من يعص... فإن له نار جهنم خالداً فيها) عام أريد به خاص هو الكافر، وأنت تجيز ذلك وتجوّز معه أيضاً كون الكلام عاماً أريد به الكافر وفاعل الكبيرة، لأنّك ترى تساوي أدلة التخصيص التي عندنا مع التي عند المعتزلة. فصار قوله تعالى (من يعصِ) الآية، مستغرقاً لكلّ صاحب معصية، ومتردّداً بين دليلي تخصيص متساويين على قولك. وهذا نوع من العام علم قطعاً أنه قد خص منه بعضه، ولكن بقي المخصوص منه مجهولاً لكونه محتملاً، فيسمّى مجملاً.) فأين هي أدلة التخصيص اللتي عند المعتزلة؟ إن المعتزلة لا يحتاجون إلا دليل تخصيص لأن عموم الآية يشمل مرتكب الكبيرة وهي ظاهرة في هذا. ودليل التخصيص اللذي يحتاجون إليه هو ما يخرج مرتكب الصغيرة وهو ليس متعارضا مع دليل تخصيص أهل السنة بل هم متفقون في ذلك. فلا يوجد دليل تخصيص أقول به ودليل تخصيص مخالف يقول به أهل السنة حتى نحتاج إلى آية أخرى ترفع إجمالا لا أصل له وترجح أحد أدلة التخصيص. إذا تبين هذا فإن وجه الإجمال عندي أن آية (ومن يعص) ظاهرة في مرتكب الكبيرة وهذا الظاهر معارض بظاهر آخر وهو (ما دون ذلك) فتكون كل آية معارضة بالأخرى، وكل آية تدل بالظاهر على معناها فلا نستطيع الترجيح بين الظاهرين، وكذا لو أردنا النظر في كل آية تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة في القرآن، وعليه فتطبيق قواعد أصول الفقه لا ينفع لحل الإشكال. ومن قرأ كلامي في الأجوبة السابقة بان له هذا بوضوح.

        أما قولك أن العموم يمكن أن يكون مجملا ردا على قولي إن العموم لا يمكن أن يكون مجملا ثمَّ قولك: (وإن ثبت لك جواز ذلك، فجد لنفسك ألفاظاً لائقة تخرجك من هذا الموقف الذي تضع نفسك فيه) فهذا الموقف اللذي يريدني أن أخرج منه موجود في عقله لا في كلامي، وما ذلك إلا لعدم فهمه لمرادي فأنا لا أتكلم عن مطلق العموم وإنما أتكلم عن العموم في الآية اللتي هي محل الحديث وسياق الحديث عن الآية، فالعموم هنا لا يمكن أن يكون مجملا على الوجه اللذي قررهُ هو، وأنا أتكلم عن مبادئ الأصول لا عن المستوى الأعلى بقليل كما توهمَه، وأما المستوى الأعلى بقليل وأن من العموم ما يمكن أن يكون مجملا فكنت أدرسه لطلبة في سن 16.

        أما قولك: (قول فادي: (ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة) أقول: حقّ كلامه أن يكون (..يفهم منه أنه يمكن أن يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمها) وهو قول أهل السنّة....)

        فأنا قصدت ما كتبتُ، ولكن يبدوا أن الفاضل بلال لم يفهم ما قرأ، فأنصحه أن يعيد القراءة ويتأمل في الكلام، فإن بقي غير فاهم فليسأل من يفهم العربية ويحسن فهم مذهب أهل السنة أن يفهمَهُ، وعذرا منهُ فأنا لست في مقام تعليم كيف يفهم المرء ما يقرأ أو تعليم مذهب أهل السنة.
        وقولك إني لم أدقق فيما نَقلتَهُ من مذهب أهل السنة (الأشاعرة) وكلام الإمام النووي فأنا اللذي أعرف مذهبهم في المسألة، ومن مذهبهم أنهم يجيزون أن يضع الله ماركس ولينين وستالين في الجنة من غير عذاب عقلا وشرعا بل وكذلك أن يضع شامير وشارون وغيرهم من أئمة الكفر في الجنة من غير عذاب، وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم، وفي ذات الوقت يجيزون أن يضع الله الإمام الرازي والإمام الغزالي والسنوسي بل والإمام مالك والشافعي في نار جهنم خالدين فيها أبدا عقلا وشرعا، ولماذا أذهب بعيدا فإن الإمام النووي اللذي ينقل الفاضل بلال كلامه محتجا به يمكن أن يخلد في نار جهنم كذلك وكذا كل أحد لم يخبرنا الله أنه من أهل النجاة. تأملوا يا عباد الله. هذا المذهب اللذي إذا نظر إليه أصحاب العقول السليمة فسيجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً على حد تعبير الفاضل بلال. كم هو سائغ هذا الفهم للإسلام -ولا اقول الإسلام- عند ذوي العقول السليمة! وأنا أعلم أن المناظرة العلمية لا تكون بمثل هذه الحجج، لكن هذا هو مذهب الأشاعرة حقيقةً وبمثل هذه الحجج أكمل الفاضل بلال مناقشته.

        وقولك (أقول: أما أنا فما فهمته من كلام الزمخشري فقد قلت لك بعضه في مقالي.... ثم هل تلتزمه على مذهب المعتزلة عموماً أو حتّى على مذهب الزمخشري خاصّة؟ )

        لا حاجة لي بعد الآن أن أجيب عن هذه الأسئلة، فالإجابة عنها لا تقدم ولا تأخر بعد الآن.

        أما قولك: (فأقول: من يقرأ تقريرك لهذا الإشكال يا فادي، ألا يفهم أنّك توافق على أنّ القرآن الكريم مبين. فهل يمكنك أن تشرح لي تعجبك مرّة من قولهم بأن السنة تبيّن القرآن لأنه مبين بنفسه، ثمّ استنكارك عليّ قولي بأنّك توافقني بأن القرآن مبين؟ وحين أعود إن شاء الله قريباً للكتابة سأريك عدداً لا بأس به من المواضع في كلامك، والتي أقلّ ما يقال فيها أنّها مشكلة. )

        المشكلة عندك هي أنك لا تفرق بين الأصلين اللذين تعتمد عليهما المقالة في إثبات مدَّعاها، فإنا حين أناظر مستخدما أصول الفقه لبيان قصور الأصول ألتزم المقرر في علم الأصول وقواعد الاستدلال فيه فألتزم أن القرآن مبين لبيان فساد الأصول وتناقضها، وهذا الكلام ستجده بالقسم الأول من المقالة، أما عندما أريد أن أبين ما يجب أن يضاف حتى يفهم النص فهما صحيحا فأنا لا ألتزم بالقواعد المقررة في علم الأصول، لهذا ستجدني أتكلم عن عدم بيان القرآن إن أهملنا فهمه بناءا على الثقافة وغيرها وهو ما ستجده في القسم الثاني من المقالة.

        هذا آخر ما أجيب به عليك أيها الفاضل على أي حال كنت مترددا بين أن أكمل المناظرة معك بعد اللذي رأيته من عدم تمكنك من أصول الفقه، وبين أن أستقيل من مناظرتك وزاد ترددي أنك أبنت بوضوح ضعفك في تطبيق حتى مبادئ الأصول وذلك في جوابك هنا وأضفت إلى هذا مصيبة أخرى وهي أنك بدأت تشتت الكلام بأخذك نُتَفا من هنا وهناك، دون أن تركز الكلام في مسألة معينة كما طلبتُ منك، والعجب أنك كنت تشكو من تشتيت الكلام وتشعيبه، ثمَّ رأيتك تتقصد فعل ذاك، ولم أزل مترددا حتى قرأت آخر مشاركتين لك، واللذي يظهر فيهما عظيم تخبطك فقد تركت الأسلوب المرضي بالمناظرة وذلك بأن تورد أقوال الخصم متتالية ثم تردُّ عليها تباعا، وسلكت أسلوبا أقرب ما يكون إلى الخطابة، فأوردت كلاما عاما، وأجبت عن أشياء لم يوردها الخصم أصلا، وقررت حجة الخصم بغير ما قررها هو، وأخذت تورد أقوالا للخصم من هنا وهناك وتجيب عنها من غير أن تضعها في سياقها اللذي يبرز قوة الحجة فيها، وأعجب من ذلك أنك تورد حجة الخصم وتعلق عليها من غير أن ترد على وجه الاعتراض ومحله، ورأيتك تتكلم عن مسألة الحجاب وليس هذا محل الكلام عنها ولو سلَّمت أنه محله فليس هو وقت الكلام فيها، وليتك تكلمت بشيء جديد غير مجاب عليه في مقالة الحجاب، لوجدت لك شيئا من العذر عندها. وبدأت الحديث عما أراه أمورا شخصية لا يبنى على معرفتها قيمة علمية ولا يَحسُن الكلام فيها، وتتكلم عن بنات الجامعات والجنس على الإنترنت وفوائد البنوك ، وغيرها من الأشياء مما لا شأن لنا به.
        فبعد كل هذا عزمت على الاستقالة من مناظرتك وعذرا منك، وأعتذر من الأستاذ اللذي حثني على مناظرتك، وإن كان من الأخوة الأفاضل في هذا المنتدى أحدٌ يحسن الكلام في الأصول وتطبيقها ويحسن المناظرة، ويخالفني فيما قررتهُ، فيسعدني أن أكمل المناظرة معه.

        والحمد لمن استحق الحمد أزلا فما ثمَّة إلا هو.
        التعديل الأخير تم بواسطة fadilov; الساعة 18-12-2003, 22:50.
        الحمد لله أن أسقط التكليف

        تعليق

        • جلال
          خادم أهل العلم
          • Jun 2003
          • 4022

          #34
          ما أراه أنا العبد الضعيف جلال، أن المثل العربي القائل: رمتني بدائها وانسلت، ينطبق عليك أخ فادي .. فأنت لم تطرح مسألة واحدة للناقش، وإنما طرحت قضية كلية، وكنت في كل مرة تشير أو تطرح مسألة من مسائل الاعتقاد .. فحق من يجيبك أن يبين هذه المسائل في مجال التعليم ..

          أما بالنسبة للمناظرة وشروطها، فأنت لم تلتزم بأي شرط منها، فلم تكن المعلل ولا السائل، ولم تلتزم بالبحث في مسألة واحدة .. وما أراده محاورك هو بيان المسائل، ولعله يستمر في ذلك، ليس لك ولكن لغيرك

          والله المستعان
          إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
          آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



          كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
          حمله من هنا

          تعليق

          • بلال النجار
            مـشـــرف
            • Jul 2003
            • 1128

            #35
            بسم الله الرحمن الرحيم
            يا فادي إن كنت تريد ترك الحوار فانصرف لشأنك، وإن كنت تودّ الاستمرار فلا داعي لهذه الأساليب البائسة وكل هذه الزيطة والتهويل، وتذكر حديث العصفور الذي يكثر من الصياح حين يقبض عليه، فها أنت لا تحسن غير ذلك. ولو أردنا أن ننهي الكلام معك لأنهيناه في بدايته ملزمين إياك بالسفسطة وإنكار البدهيات، ولكنّا نحن من صبر عليك.

            فإذا قرأت جيّداً ما كتبته من البداية حتّى بلغنا هذا الموضع تجدني تكلّمت عن هذه الآية عدّة مرّات. وتجدني أصلاً لا أقول بأنها آية عامّة في كلّ صاحب كبيرة. وهذا ما ذكرته لك في أوائل الرّدود. وقد أشرت عندها إلى أن الوعيد في هذه الآية لا بدّ أن يكون متناولاً صورة ترك التبليغ الواقعة في سياقها، ولا شكّ أن ترك التبليغ عن الله تعالى من الرّسل لو تصوّر وقوعه لكان من أعظم الذنوب، لأنّ الذنوب المتفاوتة في الصّغر والكبر معلوم بالضّرورة أنّه لا يكون عقوبتها متساوية. فإذا ثبت أن الخلود يسوغ أن يكون على هذا الذّنب العظيم، وثبت أنّ ما كان عقوبة على هذا الذّنب فلا يكون عقوبة على جميع الذّنوب، علمنا أنّ هذا الحكم مختصّ بهذا الذّنب وغير متعد بهذه الآية إلى جميع الذّنوب.
            واعلم أنّي إنما جاريتك في أن الآية عامّة تتناول كلّ مكلّف مجرّد مجاراة بعدما قلت مذهبي أوّلاً فيها، وما ذلك إلاّ لألزمك بلوازم قولك. وإلاّ فإنني لا أسلّم ابتداءً أن صيغة (مَنْ) في سياق الشّرط تفيد العموم لجواز دخول لفظتي الكلّ والبعض عليها، ولو كانت تفيد الاستغراق فعلاً لكان دخول كلّ عليها تكراراً، ودخول بعض عليها ينقضها، وليس الأمر كذلك.
            فثبت أن جميع العمومات الواردة بصيغة من في معرض الشرط لا تفيد العموم بذلتها. والحقّ أن هذه الصيغة وصيغة الجمع المحلّى بأل في كتاب الله تعالى جاءت والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض، وأكثر العمومات في الكتاب العزيز مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في المشترك بين العموم والخصوص، وذلك بحمله على الأكثر من غير بيان أنّه يفيد الاستغراق أو لا يفيده.
            ثمّ إن هذه الصيغة لو أفادت العموم إفادة قطعيّة لاستحال إدخال التأكيد عليها لأن ذلك يكون عندئذٍ تحصيل الحاصل، وهو محال. فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم.
            ولمّا جاريتك في كونها عامّة بعد عدم تسليمي بذلك، كان عليك أن تفهم أن جواباتي عليك فيما احتججت به مبنيّة على تسليم كونه عامّاً لغاية الإلزام لا التحقيق.
            وإني أرتّب لك الاعتراضات على استدلالك بعموم الآية كما يلي:
            أولاً: لا نسلّم أن من في معرض الشرط تفيد العموم، وانظر ما تقدّم، فلا يتمّ استدلالك.
            ثانياً: سلّمنا أن من تفيد العموم؟، ولكنّ إفادتها للعموم إما أن تكون قطعيّة أو ظنيّة. الأوّل باطل لأنّه معلوم أن أهل اللسان كثيراً ما يعبّرون عن الأكثر بلفظ الكلّ والجميع على سبيل المبالغة، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام: (وأوتيت من كلّ شيء). فإذا كانت هذه الألفاظ تفيد العموم إفادة ظنيّة لم يجز التمسّك بها لإثبات مسألة قطعيّة لا سيّما عند المعتزلة الذين جعلوها أصلاً من أصول الدّين.
            ثالثاً: سلّمنا أنها تفيد العموم إفادة قطعيّة، ولكن يشترط أن يوجد شيء من المخصّصات لهذا العموم، فإنا وإياك متفّقون على جواز تخصيص العموم. فلماذا يتمسّك من يخالفنا بهذا العموم ويرفضون تخصيصه حين يريدون إثبات ما حكم به على العام على بعض ما اندرج في ضمنه؟ ثم نراهم يلجأون إلى التخصيص بعد ذلك لرد الاعتراضات على دليلهم. فلم لا يقبلون بتخصيص أهل السنّة لهذه العمومات وهي مخصّصات معتبرة؟ وقد ذكرت لك في أكثر من موضع أن آيات الوعيد مخصوصة بآيات الوعد. وإن نسبة آيات الوعد إلى آيات الوعيد هي نسبة الخاصّ إلى العام، والخاصّ مقدّم على العامّ، فالترجيح معنا.
            رابعاً: سلّمنا أنّه لا يوجد مخصّص لتلك العمومات لكن عمومات آيات الوعيد معارضة بعمومات آيات الوعد، ولا بدّ من الترجيح لاستحالة التعارض على الحقيقة. وهذا الترجيح معنا لوجوه: الأوّل كثرة آيات الوعد على آيات الوعيد كما قلناه وذلك معلوم لمن يتدبّر القرآن، والثاني: أنّه قد اشتهر في الأخبار أنّ رحمة الله تعالى سابقة على غضبه وغالبة عليه، فكان ترجيح عمومات الوعد أولى من هذه الجهة، والثالث: أن الوعيد حق الله تعالى، والوعد حق العبد على قول المعتزلة وقولك بالاستحقاق والاستئهال، وحقّ العبد أولى بالتحصيل من حقّ الله تعالى.
            خامساً: سلمنا أنه لا يوجد معارض، ولكنّا نقول إن هذه العمومات نزلت في حقّ الكفّار، فلا تكون قاطعة في عمومها لجميع المكلّفين. فإن قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قلنا: هب أنّه كذلك، ولكن لمّا رأينا كثيراً من الألفاظ العامّة وردت في الأسباب الخاصّة، وأنّ المراد تلك الأسباب الخاصّة فقط، علمنا أنّ إفادتها للعموم لا يكون قطعيّاً. فهذه جملة الاعتراضات المتوجهة على الاستدلال بعموم الآية، كنت قد نثرت أغلبها في أثناء كلامي معك. رتّبتها ههنا لك على وجه حسن، فرّدها إن استطعت على الترتيب وبأدلّة معتبرة، لننظر ماذا ستقول يا فحل الأصول.
            أمّا ما جاء في كلامك الأخير فجوابه ما يلي:
            قولك: (وقد توهم الفاضل بلال أني أقول إن الآية ظاهرة ثم هذا الظاهر مخصوص بدليلين منفصلين متعارضين، وهو ما لم أقلهُ ولا خطر لي على بال)
            أقول: إني لم أتوهم ذلك، بل إنّك بنصّ كلامك تقول إن المعتزلة يحتاجون إلى دليل تخصيص. ولا أدري ما هو المقصود من سؤالك: (فأين أدلّة التخصيص التي عند المعتزلة؟) حال كونك معترفاً باحتياجهم لدليل تخصيص يخرج صاحب الصّغيرة ليتمّ استدلالهم بالعموم!!
            أمّا أني لم أتوهّم فلأن أهل السنّة حين سلّموا العموم على نحو ما ذكرناه أوّلاً، قالوا إنّها مخصوصة بآيات الوعد. والمعتزلة لا بدّ أن يكون لهم أدلّة تخصيص لإخراج صاحب الصغيرة من أن يحكم عليه بالخلود في النار. وقولك: (لا يوجد دليل تخصيص أقول به، ودليل تخصيص تقول به المعتزلة) غير صحيح، إذ دليل أهل السنّة أخرج صاحب الكبيرة والصغيرة وأبقى الكافر، ودليل المعتزلة أخرج صاحب الصغيرة فحسب، وهذان دليلان وليسا دليلاً واحداً. وهما متعارضان. وحتّى لو كان احتجاج الفريقين بنفس الآية المخصصة لهذا العموم، فإن النظر إليها وقع من جهتين مختلفتين، بحيث حصل بها تخصيصين مختلفين، وهاتان حجّتان وليستا دليلاً واحداً. وما قلته من أنّ دليل السنّة نفسه متفق عليه بين الفريقين، بحيث استعملته السنّة لإخراج صاحب الصغيرة والكبيرة، واستعملته المعتزلة لإخراج صاحب الصغيرة فقط لا يفيدك. لأن التعارض وقع بين ما فهمه كلّ واحد من الفريقين بحيث استدلّ به كلّ فريق على شيء مختلف. ولو كانا دليلاً واحداً كما تدّعي لاتفق الفريقان إما على قول السنّة أو على قول المعتزلة بعد اتفاقهما على عموم الآية. والحال ليست كذلك. فعلم منه اختلاف دليليهما. ولا معنى لتساوي قوّة أدلّة الفريقين بحسب قولك عند تسليم السنّة لعموم الآية إلا أنّ أدلّة تخصيص الفريقين في نفس القوّة. فعاد الكلام في أن هذه الآية مجملة فيجب ردّها إلى أخرى ظاهرة. وهذا مجرّد إلزام لا أكثر، فأنا لا أقول بعموم الآية أصلاً كما هو معلوم من أوّل كلامي فيها. وأنت تماديت في التشنيع علينا بلا موجب. فلا أدري لماذا كلّ هذه الزيطة التي أحدثتها كأنّا أجرمنا، فإنك بكلامك هذا لم تثبت بأن الآية ليست مجملة على المعنى الذي قلته أنا. وأنا ما زلت مصرّاً بأنه إذا سلّمت لك عموم (مَن) وكلّ ما ذكرته أوّلاً قاطعاً معك بأنها تتناول المؤمن والكافر، فقد خرج بها بالتخصيص فاعل الكبيرة والصغيرة وبقي الكافر، والمعتزلة قالوا بل خرج بالتخصيص فاعل الصغيرة فحسب، فهذان دليلان متعارضين متساويين في القوّة تواردا على عامّ فتبقى الآية مجملة في حكايتها لقول كلّ واحد من الفريقين.

            قولك: (فإن وجه الإشكال عندي أن آية (ومن يعص) ظاهرة في مرتكب الكبيرة وهذا الظاهر معارض بظاهر آخر وهو (ما دون ذلك) فتكون كل آية معارضة بالأخرى، وكل آية تدل بالظاهر على معناها فلا نستطيع الترجيح بين الظاهرين، وكذا لو أردنا النظر في كل آية تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة في القرآن، وعليه فتطبيق قواعد أصول الفقه لا ينفع لحل الإشكال).
            أقول: إذا استطعت أن تجيب على الاعتراضات التي أوردتها على استدلالك بالعموم، وبلغت رابعاً، وسلّمت لك كلّ ما ذكرته دونه، فإن الجواب على ترجيح الظاهر على الظاهر يكون بما قلته هناك.

            قولك: (فالعموم هنا لا يمكن أن يكون مجملا على الوجه الذي قررهُ هو، وأنا أتكلم عن مبادئ الأصول لا عن المستوى الأعلى بقليل كما توهمَه، وأما المستوى الأعلى بقليل وأن من العموم ما يمكن أن يكون مجملا فكنت أدرسه لطلبة في سن 16)
            أقول: بل هو كذلك بتسليم عموم من وتسليم تعارض أدلّة التخصيص كما بينّاه، والوجه الذي ذكرته أنت لردّ كلامي غير صحيح كما بينّاه.

            قولك: (فأنا قصدت ما كتبتُ، ولكن يبدوا أن الفاضل بلال لم يفهم ما قرأ، فأنصحه أن يعيد القراءة ويتأمل في الكلام، فإن بقي غير فاهم فليسأل من يفهم العربية ويحسن فهم مذهب أهل السنة أن يفهمَهُ، وعذرا منهُ فأنا لست في مقام تعليم كيف يفهم المرء ما يقرأ أو تعليم مذهب أهل السنة.
            وقولك إني لم أدقق فيما نَقلتَهُ من مذهب أهل السنة (الأشاعرة) وكلام الإمام النووي فأنا الذي أعرف مذهبهم في المسألة، ومن مذهبهم أنهم يجيزون أن يضع الله ماركس ولينين وستالين في الجنة من غير عذاب عقلا وشرعا بل وكذلك أن يضع شامير وشارون وغيرهم من أئمة الكفر في الجنة من غير عذاب، وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم، وفي ذات الوقت يجيزون أن يضع الله الإمام الرازي والإمام الغزالي والسنوسي بل والإمام مالك والشافعي في نار جهنم خالدين فيها أبدا عقلا وشرعا، ولماذا أذهب بعيدا فإن الإمام النووي الذي ينقل الفاضل بلال كلامه محتجا به يمكن أن يخلد في نار جهنم كذلك وكذا كل أحد لم يخبرنا الله أنه من أهل النجاة. تأملوا يا عباد الله. هذا المذهب الذي إذا نظر إليه أصحاب العقول السليمة فسيجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً على حد تعبير الفاضل بلال. كم هو سائغ هذا الفهم للإسلام -ولا أقول الإسلام- عند ذوي العقول السليمة! وأنا أعلم أن المناظرة العلمية لا تكون بمثل هذه الحجج، لكن هذا هو مذهب الأشاعرة حقيقةً وبمثل هذه الحجج أكمل الفاضل بلال مناقشته).
            أقول: إن الأئمة الذين ذكرتهم نحسبهم على الله تعالى في الإيمان والتقوى، والعلم والعمل ونحسبهم ماتوا على ذلك، ونرجو أن يجمعنا الله تعالى بهم في دار السّلام خالدين فيها أبداً شرعاً لا عقلاً، لأنّ الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولأنه وعد عباده الصالحين بدرجات في الجنة ومغفرة وأجر عظيم. ولا نقطع بدخول أحد منهم في الجنّة حتّى نراه من الفائزين إن شاء الله يوم الحساب. وأمّا الكفرة الذين ذكرتهم فمن مات منهم على الكفر كما نظنّه فيمن مات منهم فهو خالد في جهنّم أبداً شرعاً لا عقلاً. وأمّا من لم يمت بعد كشارون فلا نعلم بأيّ أرض يموت ولا ماذا يكسب غداً. ولا نقلق أنفسنا بمصائر العباد، لأنّا نعلم أنّ الله تعالى لا يظلم مثقال ذرّة، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً، وأنّ من يعمل مثقال ذرّة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره.
            أمّا أنّك تفهم مذهب أهل السنّة في هذه المسألة أكثر منّي فذلك بعيد جدّاً عن مدى بصرك، واعلم أنّ من يقول إن العبد الصالح إذا مات على ذلك يجوز أن يدخل النار شرعاً فهو حمار. وارجع إن شئت إلى كتابنا التصريح المنشور في موقع الرّازي حيث فصّلت في هذه المسألة لحمار انتقل من مذهب السنّة إلى مذهب الإماميّة وكان لا يفهم ما يقوله في تقرير هذه المسألة على مذهب أهل السنّة. وعلى أيّ حال، فلا حجّة في مجرّد قولك هذا، بل عليك لإثباته أن تنقل النقول عن أئمة مذهبنا أو تلزمهم على أقوالهم بهذه اللوازم وتبيّن أنّ حقيقة مذهبهم هو ما تقول. فافعل إن كنت تقوى عليه لننظر بم ترجع إلينا.
            قولك: (لا حاجة لي بعد الآن أن أجيب عن هذه الأسئلة، فالإجابة عنها لا تقدم ولا تأخر بعد الآن)
            أقول: هذا احتجاج الخائب. وهكذا أنت في كلّ مسألة تتخبّط فيها فنلزمك نراك تتهرّب بكلام لا يقدّم ولا يؤخّر.
            قولك: (المشكلة عندك هي أنك لا تفرق بين الأصلين اللذين تعتمد عليهما المقالة في إثبات مدَّعاها، فإنا حين أناظر مستخدما أصول الفقه لبيان قصور الأصول ألتزم المقرر في علم الأصول وقواعد الاستدلال فيه فألتزم أن القرآن مبين لبيان فساد الأصول وتناقضها، وهذا الكلام ستجده بالقسم الأول من المقالة، أما عندما أريد أن أبين ما يجب أن يضاف حتى يفهم النص فهما صحيحا فأنا لا ألتزم بالقواعد المقررة في علم الأصول، لهذا ستجدني أتكلم عن عدم بيان القرآن إن أهملنا فهمه بناءا على الثقافة وغيرها وهو ما ستجده في القسم الثاني من المقالة)
            أقول: المشكلة أنّك لم تستطع أن تثبت أن أصول الفقه قاصرة ومتناقضة، ولا استطعت أن تثبت احتياجها إلى قدر يضاف إليها، وكلّ كلامك في ذلك لم يجاوز توهّمات لا وجود لها إلا في رأسك أنت، وبخصوص القدر الذي تفتقر إليه الأصول فقد سألناك أن تبيّنه وتقرّره بشكل نقاط واضحة وتستدلّ عليه، وأوردنا عليك بخصوصه إشكالات متعدّدة، ولكنّك إما أنّك التففت عليها أو أهملتها، ولم نرك تستدلّ عليها بأدلّة منطقيّة كافية، وثق أنّه لو كان في كلامك أدلة حقيقيّة لوقفنا معها وقفة تأمل طويلة، لا سيّما وقد سلّمنا لك أنه ما من علم حادث بلغ الكمال. ولكنّ طلامك كان ركيكاً مدخولاً مشكّكاً متردّداً بين النّفي والإثبات ومهاجماً بضعف وبلا وجه حقّ... إلخ. فإن كنت تريد خدمة الأصول فعلاً وقلبك على الدّين فعلاً فبعد أن تتقن هذا العلم وجّه إليه النّقود العلميّة البنّاءة، وتأكّد أنّك لو فعلت فستجد العلماء يتلقونها بالقبول، وتذكّر بأنّ العلم القليل شيء خطير يا فادي.
            غير أن كلّ ما ذكرته لا علاقة له بكون القرآن الكريم مبيناً. وإنكار كونه مبيناً على إطلاق هذا القول كفر صراح، لكونه تكذيباً لله تعالى. فيلزمك أن توضّح معنى كونه مبيناً ثمّ تقول ما هو وجه البيان الذي تنفيه عن كتاب الله تعالى، وعليك أن تكون حذراً جدّاً في ذلك أشدّ الحذر، مستيقناً مما تقول، لأنّك ستصف قول الله تعالى بوصف يظهر منه خلاف ما وصف الله تعالى به كتابه العزيز.

            قولك: (أبنت بوضوح ضعفك في تطبيق حتى مبادئ الأصول وذلك في جوابك هنا وأضفت إلى هذا مصيبة أخرى وهي أنك بدأت تشتت الكلام بأخذك نُتَفا من هنا وهناك، دون أن تركز الكلام في مسألة معينة كما طلبتُ منك، والعجب أنك كنت تشكو من تشتيت الكلام وتشعيبه، ثمَّ رأيتك تتقصد فعل ذاك، ولم أزل مترددا حتى قرأت آخر مشاركتين لك، والذي يظهر فيهما عظيم تخبطك فقد تركت الأسلوب المرضي بالمناظرة وذلك بأن تورد أقوال الخصم متتالية ثم تردُّ عليها تباعا، وسلكت أسلوبا أقرب ما يكون إلى الخطابة، فأوردت كلاما عاما، وأجبت عن أشياء لم يوردها الخصم أصلا، وقررت حجة الخصم بغير ما قررها هو، وأخذت تورد أقوالا للخصم من هنا وهناك وتجيب عنها من غير أن تضعها في سياقها الذي يبرز قوة الحجة فيها، وأعجب من ذلك أنك تورد حجة الخصم وتعلق عليها من غير أن ترد على وجه الاعتراض ومحله، ورأيتك تتكلم عن مسألة الحجاب وليس هذا محل الكلام عنها ولو سلَّمت أنه محله فليس هو وقت الكلام فيها، وليتك تكلمت بشيء جديد غير مجاب عليه في مقالة الحجاب، لوجدت لك شيئا من العذر عندها. وبدأت الحديث عما أراه أمورا شخصية لا يبنى على معرفتها قيمة علمية ولا يَحسُن الكلام فيها، وتتكلم عن بنات الجامعات والجنس على الإنترنت وفوائد البنوك ، وغيرها من الأشياء مما لا شأن لنا به)
            أقول: أما ضعفي في الأصول فلا أنكره، وقد صرّحت في هذا المنتدى أنني ما زلت أتعلّمه وأوغل فيه برفق، ولكنّي لم أر أنّي أخطأت في تطبيق مبادئ الأصول كما تقول، وأراك تكرر ذلك مراراً فبيّن لي تلك المواضع من كلامي التي أخطأت فيها، وإن وجدت كلامك صحيحاً فسأدعو لك بالخير، إن لم يكن من أجل المناظرة فمن أجل أن أتعلّم من أخطائي، ورحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي.
            أمّا التشتيت والتشعيب إلخ ما ذكرت، فأثني على قول مولانا الفاضل جلال الجهاني، وأزيد بأنّ المشاركتين الأخيرتين لا يظهر فيهما عظيم تخبطي كما توهّمت، فإن فيهما أولاً ردّاً على شبهتك القائلة بتغيّر مظاهر الحياة المستلزم لتغير الأحكام الشرعيّة، ومنه انتقلت إلى مقدّمة إلى مقدّمة في المصلحة وختمت الكلام بإيرادات صغيرة لكي تعلّق عليها فنبحث باستفاضة ذلك الموضوع الذي تساءلت أنت إن كان قد ذهب مع أدراج الرّياح. والمرء يكتب أحياناً فيركّز على الاستدلال ولا يعرض للخطابة، وأحياناً تأخذه العاطفة فيميل إلى ذلك، وقد راوحنا بين الأمرين في كلامنا. غير أنّا ما قلنا فيما نعلم شيئاً خاطئاً. وقد نبّهت سابقاً في أوّل مناقشاتي إلى أنّي أكتب لك مراعياً وجود قرّاء تتفاوت مستوياتهم العلميّة، وقلت لك سابقاً ركّز على مفاصل الكلام وخذ منه ما يفيدك في كلامك معي. ونحسب كلامنا متكاملاً ولو ظهر لك مشتتاً، فكلّ ما ذكرته من أمور وحذّرت منه متّصل في حلقة واحدة كبرى تهدف إلى هدم الدّين وإبعاد أهله عنه، وليس التعلّق بكلام ابن تيميّة وكلام سليمان الطّوفي، وكلام ابن رشد إلا جزءاً من مؤامرة كبيرة على الدّين يرفع فيها المتهافتون إلى رتبة الأئمة، وتوضع مقالات هؤلاء في مقابل مقالاتهم، ليسهل التلبيس على النّاس. وسيأتي الكلام في الطّوفيّ تحديداً لما أنّ كلامه كالعسل على قلوب العلمانيّة، وما هو إلا متهافت متخبّط تبرأ منه كلّ من نسب إليهم.
            وعلى أيّ حال إن كنت لا تزال راغباً في المناظرة على أصولها، فبإمكاننا دائماً أن نبدأ من جديد، وسأناظرك في كلّ مسألة مسألة بحسب قواعد المناظرة المقرّرة، ولا أخرج عن ذلك بعون الله قيد أنملة. فافتح صفحة جديدة ولنبدأ من جديد، وإن كنت تفضّل الانصراف عنّا فأنت وشأنك، مع السّلامة والقلب داعيلك، وأرجو أن تقول يوماً أنّك دخلت حصن أهل السنّة المنيع فخربته على رؤوس أهله، وما استطاع أحد أن يردّ عليك، ثمّ لمّا تكلّم معك أحدهم ترفّعت عن الكلام معه لبلادته. دعني أحسن بك الظنّ وأقول إنّك لن تقول ذلك. والحمد لله أنّي تصدّرت الكلام معك قبل أن ينفذ صبر الشيخ فيكلّمك، وربّما لو فعل لجعل منك ضحكة بين أعضاء المنتدى وزوّاره، لفرّط ما تماديت في الغلط.
            هذا ما أردت قوله، والحمد لله ربّ العالمين.
            ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

            تعليق

            • سعيد فودة
              المشرف العام
              • Jul 2003
              • 2447

              #36
              أنا لم أكن أريد أن أشترك في هذه المناظرة التي أراها لطيفة طريفة لولا ما يتخللها أحيانا من ادعاءات غير مسلمة أصلا من البعض، وبناء على ما لم يثبته بعد، ولكن ما رأيته مؤخرا من أخطاء وربما جاز لي أن أسميها تطاولات، دفعني إلى أن أقول هذه الكلمات

              يا أستاذ فادي
              ثق أنني أقدر لك حق التقدير كل ما تريد القيام به على حسب فكرتك ومفهومك وما تعتقده كما أعرفه منك شخصيا، وهذا مع خلافي لك جملة وتفصيلا في أكثر ما تقول به من حيث الطريقة والأهداف والأحكام،
              ولذلك أرجو أن تأخذ ملاحظاتي التالي كدليل لإعادة تقويم هذا الحوار الذي أراه مفيدا بحسن التقدير، وتقوم بتركيز الكلام بناء عليها

              أولا: أنت في آخر كلامك ادعيت أن الأشاعرة يجوزون إدخال ماركس ولينين (الذين عرفنا نحن كفرهم وثبت عندنا) الجنةََ شرعا وعقلا.
              فأريد منك أن تدلل على جواز ذلك، ولا تقل لي أنك تفهم مذهب الأشاعرة أكثر مني! ولكن بين لي ادعاءك، بأسلوب قوي وواضح. كوضوح هذا السؤال، واختصاره. وأخص بذلك الجواز الشرعي لأنه محل الاعتراض هنا.

              ثانيا: أنت قلت إنك تعتقد أن مبادئ وقواعد أصول الفقه لا تكفي في النظر والاستدلال، وهذا ما تقصده عندما تقول إنها غير مبينة. فأرجو أن تبين لي الدليل على ذلك.

              ثالثا: أنت تقول إن القرآن أصلا غير مبين، وهذا ادعاء كبير وعظيم فعلا كما قال لك الأخ بلال لأن القرآن ما أنزل إلا للبيان. فأرجو أن تدلل على صحة ادعائك هذا.

              رابعا: ما تدعيه دائما من أن بلال ليس على اطلاع بالمستوى الابتدائي من الأصول، مجرد ادعاء منك، كنت أنا أحمله منك أولا على ما يتخلل المناظرات أحيانا من نحو هذه الادعاءات، ولكن إذا بنيت على ذلك جواز انسحابك من هذه المناظرة، فهذا يعني أنك تعتقد فعلا ذلك، ولكن لا أعتقد أحدا عاقلا يرى ما تراه، ولا أنت أيضا، وإلا لم تطل بينكما المناظرة إلى هذا الوقت. لكنتَ قطعته مثلا من أول الكلام، ولم يستطع أن يجاريك .
              والذي أراه أنه حتى مع ما نسبته أنت إليه من اتهامات ومع ما تلبست به من تطاولات، لا يزال يحلل كلامك ويلزمك به على ما يبدو ظاهرا أنه مستقيم. وإلا فبين بطلانه.

              خامسا: إذا شككت في أصول الفقه بجميع طرقها، أعني الاعتزالية منها والأشعرية وطريقة الفقهاء وغيرهم مما كتب فيها كما يروق له، فأنت تقول إذن إن البيان من الله تعالى فعلا لم يحصل للناس حتى الآن، وكيف يستقيم هذا والله تعالى أنزل القرآن بيانا وهداية للناس؟؟ وما حال هؤلاء الذين كفروا بالله العظيم وبرسوله الكريم معتمدين على ما تدعيه أنت من عدم وقوع البيان، ألا يلزمك القول بعذرهم جميعا أعني الكفار والمؤمنين العصاة منهم وغيرهم. على كل حال.

              سادسا: وأشكر الأخ جلال على ملاحظاته الموجزة المفيدة كعادته.

              سابعا: أنا أطلب منك يا أخ فادي أن تعيد ترتيب مقولاتك التي تريد اعتمادها في هذا الحوار، وتختصرها لتبين لنا، ولكن كيف يحصل البيان منك لنا وأنت تقول إن القرآن غير بين أصلا. وعلى كل حال، فحاول أن تبين لنا ما تريده باختصار وبوضوح، وذلك لكي تقيم الحجة على القراء المخالفين لك والموافقين!

              ثامنا: أين يكمن الخطأ في عدم البيان سواء في أصول الفقه أو في القرآن.
              تاسعا: أنا أسألك: هل تقول أيضا إن كلامنا الذي نتبادله بيننا غير مبين أيضا ولا يحصل به انتقال للمعاني ودلالة عليها بين المتحاورين، وبأي درجة. فإن كان بينا ومبينا، فما بالك تقول إن القرآن غير مبين، وإن كان غير بين فكيف تريد بكل قواك وأنت تعتقد عدم البيان في الكلام الدائر بينك وبين بلال أن تثبت له خطأ دعاويه وبطلان أحكامه وفساد اعتراضاته، فإن كان الكلام غير بين أصلا فلا تقوم حجة من أحد على أحد، ولا ينبغي إتمام الحوار في عقيدته ومبدئك أصلا.

              أرجو أن تجيبني على ما سألتك عنه باختصار ووضوح وبيان.
              وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

              تعليق

              • fadilov
                موقوف لأسباب إدارية
                • Nov 2003
                • 42

                #37
                الأستاذ سعيد
                قال الأستاذ (أولا: أنت في آخر كلامك ادعيت أن الأشاعرة يجوزون إدخال ماركس ولينين (الذين عرفنا نحن كفرهم وثبت عندنا) الجنةََ شرعا وعقلا.
                فأريد منك أن تدلل على جواز ذلك، ولا تقل لي أنك تفهم مذهب الأشاعرة أكثر مني! ولكن بين لي ادعاءك، بأسلوب قوي وواضح. كوضوح هذا السؤال، واختصاره. وأخص بذلك الجواز الشرعي لأنه محل الاعتراض هنا. )

                أولا: لست أنا فقط من ينسب هذا إلى الأشاعرة، بل والفاضل بلال كذلك أنظر إليه يقول تعليقا على كلامي (وأمّا الكفرة الذين ذكرتهم فمن مات منهم على الكفر كما نظنّه فيمن مات منهم فهو خالد في جهنّم أبداً شرعاً لا عقلاً) وقوله عندما نقل كلام الإمام النووي (ولا يلزم أبداً من إطلاق حكم الكفر عندهم على أحد أنّه خالد في جهنم مكذّب بالله ورسوله كما يتوهّمه البعض. ولكنّهم يجرون عليه أحكام الكفر من الاستتابة والحد وغير ذلك كما هو مفصّل في أحكام المرتدين وأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في كتب الفقه. بل للغزالي رضي الله عنه أنه لا يجوز سب مؤمن ولا كافر بعينه ... إلخ إلا أن يكون مقطوعاً بكفره كما في حالة أبي لهب وغيره). فلماذا وجهت السؤال إليَّ ولم توجه للفاضل بلال كذلك؟

                ثانيا: كان حريا بك أن تعرض مذهبك وما تعتقد من قول الأشاعرة في أمثال هؤولاء قبل أن تطالبني بإثبات صحة ما نقلته عن الأشاعرة.

                ثالثا: أنا لا أرى عظيم فائدة في الكلام على هذه المسألة الآن، وليست هي محل النزاع، وقد يسأل أحدهم عن سبب طرحي لها إن لم يكن هذا مقام الحديث عنها؟ فأقول: من قرأ الفقرة اللتي ذكرت فيها هذا الكلام عرف السبب، وذلك عندما قلت (وبمثل هذه الحجج أكمل الفاضل بلال مناقشته).

                رابعا: إن كنت تعتقد أنه من الأهمية بمكان تحقيق مذهب الأشاعرة في هذه المسألة في هذا المقام فإليك هذا النقل عن الإيجي في شرحه للمواقف (من صدق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك سجد للشمس ينبغي أن يكون مؤمنا والإجماع على خلافه قلنا هو دليل عدم التصديق ... فلذلك حكمنا بعدم إيمانه لا لأن عدم السجود لغير الله داخل في حقيقة الإيمان، حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم واعتقاد الإلهية بل سجد لها وقلبه مطمئن بالإيمان لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله وإن أجري عليه حكم الكفر في الظاهر) وعليه فإن جميع أفعال أئمة الكفر المذكورين وإن دلت على كفرهم ظاهرا إلا أنه لا يلزم منها أن تدل على كفرهم في حقيقة الأمر، وعليه يجوز عند الأشاعرة أن يدخلهم الله الجنة. وهذا مبني على اعتقادهم أن الإيمان هو التصديق أو تصديق مخصوصٌ. وهناك من أمثال هذا النقل الكثير. على أنني افضل عدم الكلام في هذه المسألة الآن.

                قال الأستاذ (ثانيا: أنت قلت إنك تعتقد أن مبادئ وقواعد أصول الفقه لا تكفي في النظر والاستدلال، وهذا ما تقصده عندما تقول إنها غير مبينة. فأرجو أن تبين لي الدليل على ذلك. )

                أولا: أنت تطالبني هنا بأن أعيد كثيرا مما ذكرته في السابق وهو كثير.

                ثانيا: بإمكاننا أن نبدأ الحديث عن قصور علم أصول الفقه عن حل التعارض الظاهر بين آيات القرآن وبهذا يظهر قصوره كأداة لفهم النص. فإذا فرغنا من هذا ورُدَّ قولي انتقلنا إلى غيرها من الحجج. وقد طرحت مسألة حكم مرتكب الكبيرة مسألة من المسائل اللتي تعجز أصول الفقه عن حل التعارض الموجود بين أخبارها.

                قال الأستاذ (ثالثا: أنت تقول إن القرآن أصلا غير مبين، وهذا ادعاء كبير وعظيم فعلا كما قال لك الأخ بلال لأن القرآن ما أنزل إلا للبيان. فأرجو أن تدلل على صحة ادعائك هذا. )

                أولا: إن ثبت وجود تعارض بين آياته لا يمكن رفعه كمسألة مرتكب الكبيرة، ثبت عدم بيانه لنا، إذ عجزنا عن فهم المراد منه.

                ثانيا: ثم إن ثبت عجز أصول الفقه وقصورها وهو أحد العلوم اللتي يفهم بها القرآن، ثبت عدم بيان القرآن لنا.

                قال الأستاذ: (رابعا: ما تدعيه دائما من أن بلال ليس على اطلاع بالمستوى الابتدائي من الأصول، مجرد ادعاء منك، كنت أنا أحمله منك أولا على ما يتخلل المناظرات أحيانا من نحو هذه الادعاءات، ولكن إذا بنيت على ذلك جواز انسحابك من هذه المناظرة، فهذا يعني أنك تعتقد فعلا ذلك، ولكن لا أعتقد أحدا عاقلا يرى ما تراه، ولا أنت أيضا، وإلا لم تطل بينكما المناظرة إلى هذا الوقت. لكنتَ قطعته مثلا من أول الكلام، ولم يستطع أن يجاريك .
                والذي أراه أنه حتى مع ما نسبته أنت إليه من اتهامات ومع ما تلبست به من تطاولات، لا يزال يحلل كلامك ويلزمك به على ما يبدو ظاهرا أنه مستقيم. وإلا فبين بطلانه. )

                أولا: حنانيك لا تقولني ما لم أقل، وأرجو أن تتأمل في عبارتي قبل أن تنسب إلى القول، فأنا لم أدع أبدا عدم اطلاع الفاضل بلال بالمستوى الابتدائي من الأصول، وإنما قلت أنه لا يحسن تطبيق مبادئ أصول الفقه، وأراه كلما زاد في الكتابة زاد في بيان ضعفه في التطبيق، وبالأخص في آخر كلام لهُ، وفرق بين الاطلاع وبين التطبيق.

                ثانيا: سلمتُ أني ادعيتُ هذا فلن أسلم لك أني أدعيهِ دائما.

                ثالثا: إن كنت تقصد بقولك (ولكن لا أعتقد أحدا عاقلا يرى ما تراه) ما نسبته لي فقد بينت خطأ النسبة، وإن كنت تقصد أن أحدا من لا يرى ما أراه من ضعفه، فأنا أعلم أن بعض الأصحاب اللذين لا يشك أحد بعقلهم أنهم يرون ما أرى، ثم إن كنت لا تعتقد أن أحدا من العقلاء يرى ما أراه فيلزم منه أن لا أكون عاقلا عندك، فلماذا توجه الحجة والسؤال إلي؟

                رابعا: لا يلزم أن ينقطع من هو مطلع على علم الأصول من غير أن يحسن تطبيق مبادئه من أول المناظرة، ثمّ قولك من أول المناظرة ماذا تقصد به؟ أتقصد من أول اعتراض أو إشكال أم ماذا؟ فإن المناظرة بيني وبينه كانت ومازالت في أولها بالنسبة لي، فلا يوجد قول أطلنا فيه الكلام بين الأخذ والرد، وأكثر ما أخذناه ورددناه هو القول في آية (ومن يعص) وقد بان ضعفة فكففتُ عن مناظرته.

                قال الأستاذ (خامسا: إذا شككت في أصول الفقه بجميع طرقها، أعني الاعتزالية منها والأشعرية وطريقة الفقهاء وغيرهم مما كتب فيها كما يروق له، فأنت تقول إذن إن البيان من الله تعالى فعلا لم يحصل للناس حتى الآن، وكيف يستقيم هذا والله تعالى أنزل القرآن بيانا وهداية للناس؟؟ وما حال هؤلاء الذين كفروا بالله العظيم وبرسوله الكريم معتمدين على ما تدعيه أنت من عدم وقوع البيان، ألا يلزمك القول بعذرهم جميعا أعني الكفار والمؤمنين العصاة منهم وغيرهم. على كل حال. )

                أولا: إن كنت تقصد أن البيان لم يحصل من الله لأي أحد فأنا لا أقول بهذا بل حصل البيان للمخاطبين بالقرآن أو لمعظمهم، وإن كنت تقصد أن البيان لم يحصل لنا فهذا ما أقوله.

                ثانيا: إن كنت تسأل عن حال اللذين كفروا بالله ورسوله ممن لم يحصل لهم البيان، فإني أقول إن حالهم وحال من آمن بالله ورسوله ممن لم يحصل لهم البيان موكول إلى الله، هذا إن سلمتُ لك أن هناك كفرا أو إيمانا في حق من لم يحصل لهم البيان، فإن هذه الأوصاف أوصاف شرعية فلا يجوز إطلاقها مع عدم وجود الشرع.

                قال الأستاذ (سادسا: وأشكر الأخ جلال على ملاحظاته الموجزة المفيدة كعادته. )

                (إن الله يأمركم أن تأدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ولم يذكر أحد منكم أي نقد للفاضل بلال، فلماذا؟ أتراه لم يخرج عن شروط المناظرة في أي شيء؟ أم أنه لا ينبغي أن تذكر أخطاء الموافقين في المذهب؟ أم ماذا؟ والعجب أن الفاضل بلال أقرَّ بأنه راوح بين أسلوب المناظرة والخطابة، وهو ما لا يجوز في مقامنا هذا، ولم يهمس أحدكم ببنت شفة في حقه.

                قال الأستاذ: (سابعا: أنا أطلب منك يا أخ فادي أن تعيد ترتيب مقولاتك التي تريد اعتمادها في هذا الحوار، وتختصرها لتبين لنا، ولكن كيف يحصل البيان منك لنا وأنت تقول إن القرآن غير بين أصلا. وعلى كل حال، فحاول أن تبين لنا ما تريده باختصار وبوضوح، وذلك لكي تقيم الحجة على القراء المخالفين لك والموافقين!

                أولا: لا فائدة من ترتيب المقالات هنا إذ لو أردنا مناقشتها جميعا لتشعب الكلام، وقد ذكرت أحد هذه المقالات في جوابي على النقطة الثانية فإن فرغنا منها أتينا إلى اللتي تليها.

                ثانيا: قولك (ولكن كيف يحصل البيان منك لنا وأنت تقول إن القرآن غير بين أصلا.) سيأتي الجواب عليه في النقطة الأخيرة.

                قال الأستاذ (ثامنا: أين يكمن الخطأ في عدم البيان سواء في أصول الفقه أو في القرآن. )

                سؤالك هذا غير بين بالنسبة لي فإني اعتقد بأنه تكرار للنقطة الثانية، إلا أن تقصد شيئا آخر فاشرحه.

                قال الأستاذ (تاسعا: أنا أسألك: هل تقول أيضا إن كلامنا الذي نتبادله بيننا غير مبين أيضا ولا يحصل به انتقال للمعاني ودلالة عليها بين المتحاورين، وبأي درجة. فإن كان بينا ومبينا، فما بالك تقول إن القرآن غير مبين، وإن كان غير بين فكيف تريد بكل قواك وأنت تعتقد عدم البيان في الكلام الدائر بينك وبين بلال أن تثبت له خطأ دعاويه وبطلان أحكامه وفساد اعتراضاته، فإن كان الكلام غير بين أصلا فلا تقوم حجة من أحد على أحد، ولا ينبغي إتمام الحوار في عقيدته ومبدئك أصلا. )

                أولا: أقول بعض كلامنا غير مبين فربما أعجز عن فهم بعض ما تسألني عنه أو أفهم خطأ ومع الحوار أتبين المراد ويتضح القصد، وقد يحدث هذا لك أيضا.

                ثانيا: بالنسبة للقرآن فإنه لا مجال لنسأل الله أو رسوله عن مراد الله، وأدوات الفهم اللتي عندنا لا تكفي، ثم في الفرآن آيات متعارضة لا يمكننا أن نرفع الإشكال عنها بما نملكه من أدوات للفهم، وعليه فهم غير بين لنا، ولو وجد تعارض في كلامنا لذهبنا وسألنا لنرفع التعارض.

                قال الأستاذ (أرجو أن تجيبني على ما سألتك عنه باختصار ووضوح وبيان.)

                أظنني أبنتُ عما سألتني، وأنا أنتظر جوابك، ةإن كان من شيء غير مبين بعدُ فاسألني أن أبينهُ.
                الحمد لله أن أسقط التكليف

                تعليق

                • سعيد فودة
                  المشرف العام
                  • Jul 2003
                  • 2447

                  #38
                  أنا لا أريد أن أقطع مناقشتك مع بلال، ولكني أعلق باختصار على ما أجبتني به أنت
                  أولا: أنا طالبتك بالدليل على أن قول الأشاعرة أن الله تعالى يغفر للكافر، وعندما نقول الكافر، فإننا نقصد الكافر الحقيق، لا الذي حكمنا عليه نحن بالكفر، فالتكفير غير الكفر، ومحل الكلام هو الكافر عند الله تعالى أو ما قطعنا نحن بكفره كأبي لهب، فهذا كافر عندنا وعند الله تعالى.
                  وأنت نسبت للأشاعرة القول بأن الكافر يمكن أن يغفر له الله ويدخله الجنة شرعا. وهذه نسبة ليست صحيحة.
                  وبلال لم يخالف في ذلك لو راجعت كلامه.
                  أما أنا فقد طالبت بالدليل -خصوصا- على زعمك أن الأشاعرة يجوزون إدخال الكافر القطعي في الجنة شرعا.
                  ولم تأت بجواب على ذلك،
                  أما عقلا فلا كلام فيه.
                  والفرق واضح بين الجواز العقلي والشرعي؟
                  فتبقى نسبتك هذا القول للأشاعرة غير صادقة عليهم ومجرد اتهام باطل. وأنت مطالب بالدليل على نسبتك.
                  وعدم فهمك لعبارة شرح المواقف، دليل كبير على أمور أخرى كثيرة.

                  ثانيا: واحتجاجك على ما زعمته بفقرات من كلام بلال، ليس سديدا، لأنه إنما كان يتكلم على رجل حكم الشرع ظاهرا بكفره، فهل نجزم بأنه كافر خالد في النار عند الله تعالى.
                  وبلال صرح في قوله الذي نقلته أنت عنه في جاوبك الأخير بأن الكافر خالد شرعا، لا عقلا بمعنى أن العقل لا يوجد على الله تعالى تخليد الكافر في النار، بل هذا بإرادة الله فقط، وأنت نسبت للأشاعرة ومنهم بلال أنهم يقولون بجواز إدخال الكافر الجنة شرعا وعقلا.
                  ألا ترى أنك تناقضت وغالطت في كلامك الأصلي وفي جوابك الأخير علي، وفي نسبة هذا القول إلى بلال. وفي نسبته إلى الأشاعرة.

                  ثالثا: أما مذهبي في الكفار فهو ما نقلتَه أنت عن بلال (وأمّا الكفرة الذين ذكرتهم فمن مات منهم على الكفر كما نظنّه فيمن مات منهم فهو خالد في جهنّم أبداً شرعاً لا عقلاً). أي إن وجوب خلوده في النار إنما هو بالشرع لا بالعقل.
                  فهل تخالف أنت في ذلك. وهل تشك أن هذا هو مذهب الأشاعرة.
                  وما زلت أطالبك بالدليل على أن الأشاعرة يجوزون إدخال الكافر في الجنة شرعا، وأنت لغاية الآن لم تجب على هذا السؤال السهل الواضح المباشر، فلماذا يا ترى؟!
                  أعطني واحدا من الأشاعرة المعتد بأقوالهم من العلماء يقول إن مذهب الأشاعرة هو جواز إدخال الكافر جنة شرعا.
                  رابعا: أولا الإيجي هو صاحب نفس كتاب المواقف، وأما الشارح فهو للشريف الجرجاني.
                  وما نقلته عنه لا يعارض ما قلته لك سابقا لو كنت عقلته، وهو ليس دليلا على ما نسبته للأشاعرة في كلامك أولا.
                  خامسأ: أنا لا أريد أن أعلق على كل نقطة جزئية مما تقوله وتحتمله، لأن كثيرا منها لا يستحق الرد عندي ولكني أركز الكلام على بعض المهم منها، فأقول لك قولك(أولا: إن كنت تقصد أن البيان لم يحصل من الله لأي أحد فأنا لا أقول بهذا بل حصل البيان للمخاطبين بالقرآن أو لمعظمهم، وإن كنت تقصد أن البيان لم يحصل لنا فهذا ما أقوله.) يفهم منه ظهورا قويا أنك تقول أن البيان لم يحصل لك(هذا على الأقل فعبارتك -لنا-ولا أدري أقلتها لمجرد التعظيم أم أردت بها حقيقة الجميع).
                  وإن أردت منها حقيقة الجمع، فأنت وضعته هذا في مقابل قسم المخاطبين بالقرآن، فهل تعتبر أحدا لم يخاطب بالقرآن في هذا الزمان أو في زمان قبله، حتى تقول أو غير المخاطبين بالقرآن.
                  ولا تقل لي إنك أردت بغير المخاطبين ما خرج من التكليف في حمك الشريعة، لأن الكلام ليس عليهم. بل الكلام في من دخل ولم يخاطب في زعمك.
                  أرجو أن تجيب على هذا السؤال بوضوح، لأنه في نظري أصل عظيم تدور أنت حوله وتنطلق منه.
                  سادسا: قولك (بالنسبة للقرآن فإنه لا مجال لنسأل الله أو رسوله عن مراد الله، وأدوات الفهم اللتي عندنا لا تكفي، ثم في الفرآن آيات متعارضة لا يمكننا أن نرفع الإشكال عنها بما نملكه من أدوات للفهم، وعليه فهم غير بين لنا، ) يظهر منه أنك تقول إن القرآن لا يكون مبينا إلا إذا استطعنا أن نسأل الله ورسوله مباشرة(هذا بالنص منك)، وأن أدوات الفهم المتوفرة لنا لا تكفي للبيان(وهذا أيضا بالنص منك). وأنت تقول إنه لا يحصل تكليف إلا مع البيان(وهذه المقدمة أسلمها لك).
                  فالنتيجة عندك أن لا تكليف واقعا علينا، لما ادعيته أنت من عدم وجود البيان وعدم آلاته.
                  ألا يستلزم هذا الكلام نقيض ما صرح به الله تعالى من أن القرآن فيه بيان للناس، وأنه أنزل بيانه وهدى، والله تعالى قال إنه بيان للناس أي للناس جميعا، أي إن كل من يتوجه للفهم منه فإنه يمكنه أن يفهم. وأما خطؤه وعدم فهمه فلتقصير منه، ولذلك يحاسبه الله تعالى إن كان مقصرا.
                  ولو توجه إنسان غير مؤهل للفهم من القرآن، وفهم فهما باطلا منه، أو ادعى أنه لم يفهم أمرا بالمرة، ثم استلزم على ذلك رفع التكاليف، فقوله هذا باطل. ولا يرفع التكليف عنه ولو ادعى هو ذلك.

                  ولهذا أستطيع أن أفهم الآن عبارتك التي تحمد الله تعالى فيها أن أسقط التكليف.
                  وأما ما ذكرته عن بعض التفاصيل الأخرى، الجزئية فلا أتلكم معك فيها، لأني لا أريد أن أحرف النقاش أن أصوله. وأرجو أن تلتزم أنت بذلك أيضا.

                  ولي عودة أخرى بعد أن أرى ما تقوله.
                  أنا بانتظار جواب على الأسئلة المهمة التي ذكرتها لك هنا، ولا أريد أن تفرع الكلام حول أمور جزئية وتفصيلات لفظية لا تفيد.
                  وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                  تعليق

                  • fadilov
                    موقوف لأسباب إدارية
                    • Nov 2003
                    • 42

                    #39
                    قال الأستاذ (أنا لا أريد أن أقطع مناقشتك مع بلال، ولكني أعلق باختصار على ما أجبتني به أنت
                    أولا: أنا طالبتك بالدليل على أن قول الأشاعرة أن الله تعالى يغفر للكافر، وعندما نقول الكافر، فإننا نقصد الكافر الحقيق، لا الذي حكمنا عليه نحن بالكفر، فالتكفير غير الكفر، ومحل الكلام هو الكافر عند الله تعالى أو ما قطعنا نحن بكفره كأبي لهب، فهذا كافر عندنا وعند الله تعالى. ... ما نسبته للأشاعرة في كلامك أولا. )

                    الأستاذ سعيد أنت نسبت لي أني أزعم أن (الأشاعرة يجوزون إدخال الكافر القطعي في الجنة شرعا.) وأنا والله لا أعلم أين قلتُ هذا ولا كيف فهمته من عبارتي فإن عبارتي تقول (ومن مذهبهم أنهم يجيزون أن يضع الله ماركس ولينين وستالين في الجنة من غير عذاب عقلا وشرعا بل وكذلك أن يضع شامير وشارون وغيرهم من أئمة الكفر في الجنة من غير عذاب، وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم) فأين قلتُ الكافر القطعي؟ بل إن ظاهر عبارتي (وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم) تدل على أنني لا أتكلم عن الكافر القطعي، وإني سائلك هل هناك كافر تقطع بكفره من غير أن ينص الله عليه. فإن قلت لا فقد أقمت الحجة على نفسك في أني لا أتكلم عن الكافر القطعي إذ أني لا أتكلم إلا عمن لم ينص الله عليه، وإن قلت نعم فأسألك كيف قطعت بكفره في حقيقة الأمر؟ ثمَّ إني أسألك هل تقطع بأن أحدا ممن سميتهم لك من أئمة الكفر خالد في نار جهنم؟ أو أنه لن يدخله الله الجنة؟ وقبل كل هذه الأسئلة هل توافق على القول بأنه يجوز أو يجب أن نقول بأن ماركس كافر وأن لينين كافر وأن ستالين كافر أو أن كل واحد منهم من أئمة الكفر بهذا الإطلاق؟ فإن كنت تقول لا يجوز فبين لي اتفاق الأشاعرة على قولك. ثم أمر آخر وهو قولك (وعندما نقول الكافر، فإننا نقصد الكافر الحقيق) عندما تتكلم بصيغة الجمع فمن تقصد؟ أنا وأنت فلا يصح منك فأنا لا أقول به بل أقول يجوز أن نقول الكافر ونقصد الكافر فيما يظهر لنا، أم تقصد الأشاعرة فبين لي هذا من كلامهم وأنهم متفقون على ذلك.
                    وبعد كل هذا فإن اللذي أعتقده من مذهب الأشاعرة هو عين ما قاله الفاضل بلال، وأنا أرى كلامه غير متناقض مع كلامي
                    وأنصحك إحسانا مني إليك أن لا تتسرع في إصدار الحكم بتناقضي. وأرجو أن لا تكون هذه الأسئلة من النقاط اللتي لا تستحق الرد.

                    قال الأستاذ (خامسأ: أنا لا أريد أن أعلق على كل نقطة جزئية مما تقوله وتحتمله، لأن كثيرا منها لا يستحق الرد عندي ولكني أركز الكلام على بعض المهم منها.....أرجو أن تجيب على هذا السؤال بوضوح، لأنه في نظري أصل عظيم تدور أنت حوله وتنطلق منه. )

                    أظن أن إجابتي كانت واضحة أنا أعتقد أننا (أنا وأنت وكل من في زماننا) لسنا مخاطبين بالقرآن.

                    قال الأستاذ (سادسا: قولك (بالنسبة للقرآن فإنه لا مجال لنسأل الله أو رسوله عن مراد الله، وأدوات الفهم اللتي عندنا لا تكفي، ثم في الفرآن آيات متعارضة لا يمكننا أن نرفع الإشكال عنها بما ....ألا يستلزم هذا الكلام نقيض ما صرح به الله تعالى من أن القرآن فيه بيان للناس، وأنه أنزل بيانه وهدى، والله تعالى قال إنه بيان للناس أي للناس جميعا، أي إن كل من يتوجه للفهم منه فإنه يمكنه أن يفهم. وأما خطؤه وعدم فهمه فلتقصير منه، ولذلك يحاسبه الله تعالى إن كان مقصرا....)

                    لا لا يستلزم هذا، وبيان ذلك أنه يصح لك الاستدلال لو سلمت لك إمكان فهم القرآن بما عندنا من أدوات، أما وأنني لا أسلمه فلا أسلم لك ما فهمته من القرآن وما توهمت أن القرآن صرح به. وقد أعرضت عن التعليق عن بعض النقاط هنا إذ لا فائدة من التعليق عليها.

                    قال الأستاذ (ولي عودة أخرى بعد أن أرى ما تقوله.
                    أنا بانتظار جواب على الأسئلة المهمة التي ذكرتها لك هنا، ولا أريد أن تفرع الكلام حول أمور جزئية وتفصيلات لفظية لا تفيد.)

                    اعلم أنه ليس من طبعي أن أدقق في التفصيلات اللفظية حاشا إن نسب إلى أحد قولا لا أقول به، أو أردت أن أستفصل عن مذهب المخالف فعندها يجب التدقيق.
                    الحمد لله أن أسقط التكليف

                    تعليق

                    • بلال النجار
                      مـشـــرف
                      • Jul 2003
                      • 1128

                      #40
                      بسم الله الرحمن الرحيم

                      كان أصل المسألة أني قلت إن فهم أهل السنّة لقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) أولى من فهم الزمخشريّ، لأن الزمخشريّ قدّر محذوفين وهما من تاب ومن لم يتب، والسنّة ما قدّروا شيئاً أي على اعتبار أن الآية في المشرك الذي لم يتب.

                      فأجبتني بقولك: (أما أن فهم الآية من غير تقدير محذوف أولى فهو صحيح ولكن أهل السنة أنفسهم يقدرون محذوفين لفهمها، كما أن تفسير الزمخشري فيه تقدير محذوفين، وبيان ذلك أن ظاهر لفظ الآية يفهم منه أن الله لا يغفر أن يشرك به مطلقا سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفاً وهو مع عدم وجود التوبة، ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة، وعليه فإن أهل السنة قدروا محذوفا على موضعين في الآية فيكونوا في حقيقة الأمر قدروا محذوفين والزمخشري ما فعل إلا أنه وافق أهل السنة على المحذوف المقدر في القسم الأول وخالفهم في المحذوف المقدر في القسم الثاني، وتفسيري للآية فيه تقدير محذوف في موضعين مثل الذي قدره أهل السنة. تأمل)

                      فأجبتك: (أقول: والحق أن أهل السنّة قدّروا محذوفاً واحداً لاستثناء من تاب من أهل الشرك من حكم الخلود (أي كأنني أقول لو نزلت عند قولك بأن الكلام في كلّ مشرك تاب أو لم يتب فيلزم أهل السنّة تقدير محذوف ههنا لاستثناء التائب من الخلود ولكنّ) الزمخشريّ قدّر اثنين، وتقدير واحد أولى من تقدير اثنين. (أي فيبقى فهم أهل السنّة أولى من فهم الزمخشريّ).

                      وقولك: (ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفاً وهو مع عدم التوبة) أقول: حقّ كلامه أن يكون (..يفهم منه أنه يمكن أن يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمها) وهو قول أهل السنّة، لا من جهة الجواز العقليّ فقط بل لقوله تعالى (يقبل التوبة عن عباده) و(يغفر الذنوب جميعاً) ولغير ذلك من الآيات والأخبار. قول فادي: (فقدر أهل السنة محذوفاً وهو مع عدم التوبة) أقول: أهل السنّة ما قدّروا ههنا شيئاً بل ردّوا ذلك كلّه إلى مشيئة الله تعالى، ولم يشترطوا التوبة لغفران ما دون الشرك، ويبدوا أنّك لم تقرأ أو لم تدقق في الموضع الذي قررت فيه مذهب السنة في فاعل الكبيرة وقاتل نفسه بكلام النووي وغيره. فارجع إليه)

                      أي كأني أقول لك إن ظاهر اللفظ يفهم منه أن الله تعالى يمكن أن يغفر ما دون الشرك مطلقاً سواء لمن تاب منه فاعله أو لم يتب، وعقّبت بأنّ هذا هو مذهب أهل السنّة، كما كنت قد شرحته عند بيان مذهبهم في فاعل الكبيرة عموماً وقاتل نفسه خاصّة من كلام الشيخ النووي غيره.
                      ويبدو أنّي توهّمت بأنّك تقول إن أهل السنّة يشترطون التّوبة فيما دون ذلك، لكونك قدّرت لهم محذوفاً، ولكنّ الحال أنّهم إذا لم يشترطوا لا التّوبة ولا عدمها فليسوا بحاجة إلى تقدير شيء، بل مطلق فاعل ما دون الشرك يمكن أن يغفر له، فلم قدّرت هذا المحذوف؟

                      وكان الجدير بك أن تنبهني بكلمة صغيرة تقول فيها إنك ما قدّرت التوبة بل عدم التّوبة. وحتّى لو فعلت فيبقى كلامي مستقيماً فيما يتعلّق بأن قول أهل السنّة أولى كما بيّنته. لأنّه لا حاجة إلى تقدير شيء، وبدلاً من ذلك أجبتني بقولك:
                      (فأنا قصدت ما كتبتُ، ولكن يبدو أن الفاضل بلال لم يفهم ما قرأ، فأنصحه أن يعيد القراءة ويتأمل في الكلام، فإن بقي غير فاهم فليسأل من يفهم العربية ويحسن فهم مذهب أهل السنة أن يفهمَهُ، وعذرا منهُ فأنا لست في مقام تعليم كيف يفهم المرء ما يقرأ أو تعليم مذهب أهل السنة)

                      فأقول لك: ليست القضيّة قضية عدم فهم، ولا تستأهل منك كلّ هذا التشنّج، فقد قرأت قولك عدم التوبة (التوبة)، ولو كان هنالك تقدير لكان تقديراً للتوبة لا لعدمها، لأن عدم التوبة ليس بحاجة إلى تقدير. ولا أدري لماذا استطردت في التعريض بي وبأهل السنّة على هذا الوجه، وكل إنسان عرضة لأن يسهو، وقد سهوت أنت وصححت لك مواضع من كلامك قبل ذلك وأنت اعتذرت عنها، منها ما كان من آي القرآن الحكيم، وما فعلنا يومها ما فعلت ههنا، حيث أجبتنا:

                      )وقولك إني لم أدقق فيما نَقلتَهُ من مذهب أهل السنة الأشاعرة: وكلام الإمام النووي فأنا الذي أعرف مذهبهم في المسألة، ومن مذهبهم أنهم يجيزون أن يضع الله ماركس ولينين وستالين في الجنة من غير عذاب عقلا وشرعا بل وكذلك أن يضع شامير وشارون وغيرهم من أئمة الكفر في الجنة من غير عذاب، وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم، وفي ذات الوقت يجيزون أن يضع الله الإمام الرازي والإمام الغزالي والسنوسي بل والإمام مالك والشافعي في نار جهنم خالدين فيها أبدا عقلا وشرعا، ولماذا أذهب بعيدا فإن الإمام النووي الذي ينقل الفاضل بلال كلامه محتجا به يمكن أن يخلد في نار جهنم كذلك وكذا كل أحد لم يخبرنا الله أنه من أهل النجاة. تأملوا يا عباد الله. هذا المذهب الذي إذا نظر إليه أصحاب العقول السليمة فسيجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً على حد تعبير الفاضل بلال. كم هو سائغ هذا الفهم للإسلام -ولا أقول الإسلام- عند ذوي العقول السليمة! وأنا أعلم أن المناظرة العلمية لا تكون بمثل هذه الحجج، لكن هذا هو مذهب الأشاعرة حقيقةً وبمثل هذه الحجج أكمل الفاضل بلال مناقشته) اهـ

                      فأقول: لم يكن ثمّة من داع لكلّ هذا الصياح، والكلام الفارغ، الذي يظهر للقارئ أنّك تخالفني في فهمي لمذهب أهل السنّة، وتدّعي بأنك تفهم مذهبهم أكثر منّي... إلخ. بل ظاهر كلامك في الكافر الحقيقيّ ولهذا استطردت أنت في الخطابة (... تأملوا يا عباد الله، هذا المذهب الذي إذا نظر إليه أصحاب العقول السليمة فسيجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً على حد تعبير الفاضل بلال. كم هو سائغ هذا الفهم للإسلام...) أي كأنّك تقول إن مذهبنا هو جواز خلود الصالح في النار وجواز خلود الطالح في الجنّة شرعاً وعقلاً، ولذلك عرضت بهذا المذهب بأنه مذهب تحيله العقول.... وأنا لمّا رأيتك تفعل ذلك بيّنت مذهبنا على نحو ما قرأته من عبارتي، ونقله عنيّ الشيخ.

                      فإنك إن كنت لا تخالفني ولا تنسب إلى أهل السنة ما فهمه الشيخ منك من أن كلامك في الكافر الحقيقيّ، فلم تشنّع على مذهبي وتعرّض به بأنّه تحيله العقول وأنه غير سائغ. وإن كنت تخالفني فما وجه هذه المخالفة التي استحقّت هذا التشنيع؟ إنك بحسب ما يلزم من كلامك ترى لينين وماركس وأئمة الدين سواء لكونهم معذورين بأنّهم غير مخاطبين، أو أنّهم لم يبيّن لهم الشرع، فأي الرأيين أولى بالتشنيع بعباراتك السابقة مذهبنا نحن أم مذهبك؟

                      وملاحظتي الأخيرة ههنا، هي أنك لم تجب عن الأسئلة التي سألتها لك في آخر ثلاث أو أربع مشاركات، فهل فعلاً ما زلت تريد أن لا تتكلّم معي لأنّك ترى أنّي لا أحسن تطبيق مبادئ أصول الفقه، إن كان الأمر كذلك، فبيّن لي هذه المواضع، وأقم الحجّة عليّ، أما أن تستمر بنعتي بأني لا أفهم ولا أحسن تطبيق مبادئ الأصول دون بيان هذه الأخطاء التي وقعت فيها، فهذا الكلام لا يجوز لك، ولا يعفيك من مناقشتي. فإن كان لك من سبب آخر سائغ لتنصرف عنّا فهاته لننصرف عنك.
                      والحمد لله ربّ العالمين
                      ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                      تعليق

                      • سعيد فودة
                        المشرف العام
                        • Jul 2003
                        • 2447

                        #41
                        أنت ما زلت تدعي أنك لم تتناقض يا فادي، والتناقض بادٍ واضح في كلامك.
                        أولا: أنت قلت في كلامك الأول مذهب الأشاعرة أنه يجوز أن يدخل اللهُ تعالى ماركس ولينين وغيرهم من أئمة الكفر الجنة شرعا وعقلا، وقلت إن الله يجوز أن يدخل الرازي والإمام الشافعي ومالك النار شرعا وعقلا.
                        وذكرت ذلك في معرض الذم والاعتراض والتشنيع على هذا القول.
                        فأين الدليل على نسبتك هذا القول إلى الأشاعرة، أنت لغاية الآن لم تأت بشيء.

                        ثم لما اعترضنا عليك، صرت تحاول تسويغ عبارتك بكلام لا قيمة له.
                        ولكن أسألك مرة أخرى، على ما اعتمدت عندما قلت إن الله تعالى يمكن أن يدخل هؤلاء في الجنة، هل لأنهم معذورون، أو لأنهم قد يكونون قد آمنوا في آخر حياتهم.

                        ثانيا: ما الذي اعتمدت عليه عندما حكمت بأن الله تعالى يجوز أن يدخل الإمام الرازي والغزالي والشافعي ومالك وغيرهم النار شرعا وعقلا، هل لأنهم ربما يكونون قد كفروا في آخر عمرهم. أم ماذا؟؟؟

                        أرجو أن تجيب على ذلك لكي نعرف حقا هل أنت تفهم ما تنسبه إلى مذهب الأشاعرة فعلا.
                        ثم أنت مطالب بأن تبين لنا لماذا قلت في الحالتين إن هذا جائز عقلا وشرعا، ما فائدة التقييد هنا بالجواز العقلي، والأهم من ذلك ما فائدة التقييد بالجواز الشرعي.

                        ثالثا: أما سؤال من أين جئت أنا بكلمة قطعي، فأقول لأن أصل المسألة المبحوث عنها في علم التوحيد والتي كانت موضع الكلام وهي عدم وجوب الثواب للمؤمن عقلا وكذلك عدم وجوب العقاب للكافر عقلا، هو الكافر الذي تحققنا من كفره، وهو الذي يعبر عنه بالكافر في علم الله أي الذي علم الله تعالى أنه كافر فعلا، هذا ما يتعلق بالعقاب، وأما الثواب فكذلك أصل القول بالجواز العقلي فيها إنما هو أصالة للمؤمن الذي علمنا قطعا أنه مؤمن عند الله. لأن هذا هو موضع الخلاف بين الفرق الإسلامية، أما الكافر القطعي وأنه يعاقب، فهذا اطرد رأي المعتزلة على أن خلوده في النار واجب عقلا، بناء على الحسن والقبح العقليين، ومن هنا خالفهم الأشاعرة بناء على نفي الحسن والقبح العقليين. وكذا يقال في المؤمن مع عكس الأحكام.
                        وعند ملاحظة هذا المقام لا يصح لك أن تتوقف بالحكم على خلود الكافر شرعا في النار، وخلود المؤمن شرعا في الجنة.
                        أما إذا قلت إنه في هذا المقام أي مع ملاحظة القطع في الحكم، فإنه يجوز الأمران، فاعلم أنه يوجد عندك إشكال.
                        وأما لا مع ملاحظة القطع، فيجب البناء على الظاهر. والظاهر يقول إن الأصل في الكافر الخلود في النار، والأصل في المؤمن الخلود في الجنة. ولكن إذا قلت في هذه الحال بجواز عدم ذلك في الحالتين، فيوجد إشكال، لأن الاحتمال المخالف ليس ظاهرا خارجا، بل هو احتمال عقلي بأنه قد مات قطعا إما على الكفر في حالة المؤمن ظاهرا أو مات على الإيمان في حالة الكافر ظاهرا، وقد تكلمنا عن الحكم في حالة الاحتمال العقلي، فلا وجه لقولك هنا إنه يجوز أن يدخل الله الإمام الشافعي النار عقلا وشرعا.
                        أما جوازه العقلي، فإنما يكون لا مع ملاحظة حكم الشرع المبني على الظاهر، وأما جوازه الشرعي فإنما يكون مع ملاحظة الشرع لظاهر حال الإمام الشافعي، وظاهر حال الشافعي هو الإيمان، فكيف يصح قولك بأنه يجوز شرعا إدخال الشافعي في النار وخلوده فيها شرعا.
                        ألا ترى التناقض الكامن في عبارتك.
                        وأما إذا ادعيت أنك تجمع بين الحالتين وتفرق بين الاعتبار وجهة بناء الحكم لكي تخرج من هذا الإشكال، فأقول لك: إن هذا الادعاء غير صحيح أولا لأنه غير ظاهر، بل الظاهر هو الاتحاد في مأخذ الحكم، وأيضا فلا يصح لك الجمع في الحالتين هنا لأن الأصل التفصيل.
                        حكم الشريعة أيها الناصح إنما يبنى على الظاهر، وقولك بجواز دخول الشافعي النار شرعا، لا يصح لك لأن الظاهر من الشافعي هو موته على الإيمان، ومن مات ظاهرا على الإيمان فلا يقال فيه إنه يجوز شرعا أن يخلد في النار.
                        هل ترى وجه الخلط عندك؟؟؟

                        إن المغالطة يا فادي أتتك من عدم تحديد الجهة، وهونا على نفسك، وتلطفا بها، ولست أنا الذي يتسرع في الحكم. وإنما تصح النصيحة منك في هذا المقام بعد إقامة الحجة، ولا أراني بحاجة إلى نصحك، وإن أديت النصيحة لمن يناقشك قبل أن يسلم لك الحجة، أو قبل بيانها بيانا تاما، لجواز العناد، كان هذا منك مخالفة لآداب المحاورة والنظر!
                        وبانتظار حل هذا الإشكال المتوجه عليك أقول

                        وأيضا: هل تستطيع أن تصرح مرة أخرى هنا أنك تقول إن القرآن لا بيان فيه، ولا حتى القدر الذي قلته لك من أنه فيه بيان للناس!!
                        هل تستطيع أن تقول إن القرآن لا هداية ولا بيان فيه للبشر الآن.
                        وأيضا: أنت قلت إننا غير مخاطبين بالقرآن الآن، هل يلزم من ذلك عندك رفع التكاليف؟؟ أم لا يلزم
                        فإن قلت لا يلزم، فهل يوجد تكليف بلا خطاب.
                        وعلى القول بأنا غير مخاطبين بالقرآن، عرِّف لي ما تعني بالخطاب والمخاطبة. ووجه لي عدم كوننا مخاطبين بالقرآن في هذا الزمان على حسب تصريحك.
                        وأنت لم تسلم لي إمكان فهم القرآن بالأدوات الموجودة عندنا، بل صرحت بعدم إمكان فهم القرآن بالأدوات المتوفرة الآن، فعلى أي شيء تعتمد عندما تحاول إثبات التناقض في آيات القرآن، وهل يمكن أن يوجد تناقض قبل أن يوجد فهم للقرآن؟؟ ولو بوجه من الوجوه.
                        أنت تزعم وجود التناقض بين الآيات في زعمك بالاعتماد على أدوات فهم خاصة عندك، وتسلم بوجود التناقض حقيقة، لتتوصل بذلك إلى القول بعدم البيان، وعدم كفاية أدوات الفهم عند المسلمين جميعا لفهم القرآن، فيرتفع الخطاب عندك.
                        ولكن لا الأشاعرة قالوا بالتناقض الذي تزعمه، ولا المعتزلة، ولا غيرهم من فرق الإسلام، بل كل فرقة وفقت بين الآيات بحسب ما تراه من الدلالة، أما أن يقولوا بالتناقض والعجز عن الفهم، فهذا لم يقل به أحد من أهل الإسلام، بل الذي زعم التناقض المطلق فيه وعدم إمكان الفهم هم بعض الزنادقة فقط، والخارجون عن الإسلام والدين أصلا. وإذا علمت يا فادي أحدا من أهل الإسلام قال بالتناقض الحقيقي غير المقدور على حله، فأرجو أن تعينه لي.

                        أما سؤالك عن حكم من سألت عن حكمهم فإنه يتبين لك من كلامي السابق.

                        وأخيرا فأنا لي عودة أخرى بعد أن أرى ما عندك الآن، ولكن أريد منك أن تجيب على أسئلة بلال، فإنه لا يزال يسألك سؤالا بعد سؤال وأنت لا تجيب، لئلا يفهم عدم جوابك عليه هروبا منه.
                        التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة; الساعة 23-12-2003, 11:33.
                        وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                        تعليق

                        • fadilov
                          موقوف لأسباب إدارية
                          • Nov 2003
                          • 42

                          #42
                          قال الأستاذ (ثم لما اعترضنا عليك، صرت تحاول تسويغ عبارتك بكلام لا قيمة له. )

                          أهكذا يكون الجواب يا أستاذ؟ هلا بينت لي هذا الكلام اللذي لا قيمة له، ثم بينت لي عدم قيمته، هكذا يكون الكلام عند المناظرة لا باطلاق مثل هذه العبارات دون أي بيان.

                          قال الأستاذ (ولكن أسألك مرة أخرى، على ما اعتمدت عندما قلت إن الله تعالى يمكن أن يدخل هؤلاء في الجنة، هل لأنهم معذورون، أو لأنهم قد يكونون قد آمنوا في آخر حياتهم.

                          ثانيا: ما الذي اعتمدت عليه عندما حكمت بأن الله تعالى يجوز أن يدخل الإمام الرازي والغزالي والشافعي ومالك وغيرهم النار شرعا وعقلا، هل لأنهم ربما يكونون قد كفروا في آخر عمرهم. أم ماذا؟؟؟

                          أرجو أن تجيب على ذلك لكي نعرف حقا هل أنت تفهم ما تنسبه إلى مذهب الأشاعرة فعلا. )

                          أن لا أتكلم عن المعذوريين ولا عمن كفر أو آمن قبل موته، بل أتكلم عمن يظهر الإيمان وهو كافر في الباطن ومن يظهر الكفر وهو مؤمن في الباطن، وكلاهما عند الأشاعرة جائز وجوده في الواقع، إذ الإيمان عندهم هو التصديق أو تصديق مخصوص ومحله القلب وعليه يجوز أن يكون مؤمنا في الباطن ومع هذا يلبس الصليب ويقتل المسلمين ويعذبهم وينتهك أعراضهم ويسلب وأموالهم بل ويذبح للأصنام، فإن هذه الأعمال وإن دلت على كفره فإنها لا تدل على كفره في حقيقة الأمر عند الله تعالى لجواز أنه فعل كل هذا مع عدم اعتقاده تعظيم الصليب واستحلال القتل وانتهاك أعراض وأموال المسلمين، وإنما اغتصب نساء المسلمين لأنه يستلذ بهذا الفعل ويقضي به شهوته، ولاذبح للأصنام لأنها تضر أو تنفع ولكن هذه عادة أبيه المشرك وهو على عادة أبيه من غير أن يعتقد ذات المعتقد. فهذا عند الأشاعرة كافر في الدنيا نجري عليه أحكام الكفار في هذه الدار أما عند الله في الآخرة فجائز أن يكون مؤمنا وأن يغفر الله له ويدخله الجنة من غير عذاب. أليس هذا مذهب الأشاعرة يا أستاذ؟ فإن قلت لا فبين لي خطأ قولي من كلامهم.هل يقطع الأشاعرة بكفر من فعل هذه الأشياء في الدنيا والآخرة؟ أي هل يقولون بكفره في حقيقة الأمر لا في الظاهر فقط؟ وهل يحكمون بخلوده بعينه في نار جهنم؟ إن ما نقلته سابقا عن الجرجاني يدل في رأيي على هذا فبين لي خطأ الاستدلال إن كنت تقول به.

                          قال الأستاذ (ثم أنت مطالب بأن تبين لنا لماذا قلت في الحالتين إن هذا جائز عقلا وشرعا، ما فائدة التقييد هنا بالجواز العقلي، والأهم من ذلك ما فائدة التقييد بالجواز الشرعي. )

                          إنما قلت شرعا حتى لا يتوهم من يقرأ كلامي أنهم يقولون بجواز ذلك عقلا فقط، وقلت شرعا حتى لا يتوهم أحد أنهم لا يقولون بالجواز عقلا.

                          قال الاستاذ (ثالثا: أما سؤال من أين جئت أنا بكلمة قطعي، فأقول لأن أصل المسألة المبحوث عنها في علم التوحيد والتي كانت موضع الكلام وهي عدم وجوب الثواب للمؤمن عقلا وكذلك عدم وجوب العقاب للكافر عقلا، هو الكافر الذي تحققنا من كفره)

                          إذا أنت فهمت أني أتكلم عن الكافر قطعا لأجل أن أصل المسألة المبحوثة في علم التوحيد تتكلم عن الكافر قطعا واللتي كانت موضوع الكلام، هذا لا ينفعك هنا لأته وببساطة شديدة قولك إن المسألة المبحوثة في علم التوحيد هي موضوع الكلام مجرد وهمٍ لا أدري كيف وقع لك، فإني لم أتباحث مع بلال في حكم الكافر قطعا وإنما كان كلامي معه في السابق يدور حول حكم مرتكب الكبيرة في الشرع، وأيضا لم أتكلم عن الوجوب والجواز العقلي معه بل عن الشرعي، فارجع واقرأ الكلام ثم تعال وأخبرني أين كانت هذه المسألة موضوعا للكلام، ولا أظنك ستقول أنها كانت موضوعا للكلام في علم التوحيد فإنه لا شأن لي بما كتب هناك. ثم إني أعيد قولي مرة أخرى إن ما نسبته لي من قولي أني أتكلم عن حكم الكافر قطعا مخالف لظاهر عبارتي (وكل من لم ينص الله عليه بالسم أنه خالد في نار جهنم) وكذلك مخالف لأمثلة اللتي ضربتها فإن جميع من سميت لك من الكفرة لا يقطع الأشاعرة بأنهم كفرة في حقيقة الأمر وذلك لما تقدم من إمكان أن يكون المرء عند الأشاعرة كافرا في الظاهر مؤمنا في الباطن. فلو سلمت لك أن الكلام كان عن المسألة اللتي ذكرتها فلن أسلم لك أنني لم أخصص الكلام فيمن لم يعلم كفره يقينا.

                          قال الأستاذ (أما جوازه العقلي، فإنما يكون لا مع ملاحظة حكم الشرع المبني على الظاهر، وأما جوازه الشرعي فإنما يكون مع ملاحظة الشرع لظاهر حال الإمام الشافعي، وظاهر حال الشافعي هو الإيمان، فكيف يصح قولك بأنه يجوز شرعا إدخال الشافعي في النار وخلوده فيها شرعا.
                          ألا ترى التناقض الكامن في عبارتك. )

                          لا لا أرى التناقض الكامن في عبارتي، أما الكلام عن الجواز الشرعي فإننا عندما نتكلم عن أحكام الدنيا نأخذ بالظاهر، وعندما نتكلم عن حكم الشرع في الشافعي وغيره في الآخرة فإننا لا نأخذ بالظاهر بل نكل علم ذلك إلى الله على وفق المذهب الأشعري، وبهذا يصح شرعا أن اقول بجواز دخول الشافعي النار عند الأشاعرة، وإنت إما أن تقطع بأن الشافعي من أهل النجاة عند الأشاعرة فبين لي هذا من كلامهم أو لا تقطع فيصح قولي بالجواز.

                          قال الأستاذ (وأما إذا ادعيت أنك تجمع بين الحالتين وتفرق بين الاعتبار وجهة بناء الحكم لكي تخرج من هذا الإشكال، فأقول لك: إن هذا الادعاء غير صحيح أولا لأنه غير ظاهر، بل الظاهر هو الاتحاد في مأخذ الحكم، وأيضا فلا يصح لك الجمع في الحالتين هنا لأن الأصل التفصيل. )

                          إن كنت تقصد بقولك (تجمع بين الحالتين وتفرق بين الاعتبار وجهة بناء الحكم) أني أقول أنه كافر ظاهرا مؤمن باطنا وعليه يدخل الجنة رغم ظهور كفره، فهذ اللذي عنيته، ولست أدعي هذا خوجا من الإشكال كما تقول بل هذا مرادي، وإن كنت تقصد غير هذا فبينهُ، وقولك الظاهر الاتحاد في مأخذ الحكم وقولك الأصل التفصيل، أقول لقد فصلتُ بذكري الأسماء اللتي لا يقطع الأشاعرة بحكم أحد منها أهو في الجنة أم في النار ألا ترى أني لم أذكر أبا لهب ولا فرعون موسى؟ وكذا فصلت بقولي وكل من لم ينص الله عليه بالاسم.

                          قال الأستاذ (حكم الشريعة أيها الناصح إنما يبنى على الظاهر، وقولك بجواز دخول الشافعي النار شرعا، لا يصح لك لأن الظاهر من الشافعي هو موته على الإيمان، ومن مات ظاهرا على الإيمان فلا يقال فيه إنه يجوز شرعا أن يخلد في النار. )

                          أن لا أتكلم عن أحكام الشريعة في الدنيا حتى تقول لي أنها تبنى على الظاهر، وإنما أتكلم عن أحكام الشريعة في الآخرة وهي عند الأشاعرة تبنى على الباطن أي لو كان الإمام الشافعي منافقا خَلُدَ في النار، ولا أحد من الأشاعرة يستطيع أن يحكم بأن الشافعي لم يكن منافقا وذلك لأنه لا استلزام عندهم بين الظاهر والباطن، أي يجوز أن يكون المرء في غاية الصلاح ظاهرا ويكون كافرا في باطنه، وقولك (ومن مات ظاهرا على الإيمان فلا يقال فيه إنه يجوز شرعا أن يخلد في النار. ) إن كنت تنسبه إلى الأشاعرة فبين لي هذا من كلامهم حتى تقيم الحجة علي.

                          قال الأستاذ (هل ترى وجه الخلط عندك؟؟؟)

                          لا لم أر وجه الخلط عندي ولكن رأيت شيئا آخر.

                          قال الأستاذ (أما سؤالك عن حكم من سألت عن حكمهم فإنه يتبين لك من كلامي السابق. )

                          الأستاذ سعيد أرجوا ان تجيبني عن الأسئلة اللتي سألتها لك في المشاركة السابقة بوضوح أكثر فإن جوابك هذا لا يفيد في شيء، لقد كانت أسئلتي واضحة ومحددة فأرجو أن تكون الإجابة كذلك، أُذكر السؤال واذكر جوابه لو تكرمت.

                          وأنا بانتظار جوابك ثمَّ بعد أن أفرغ من هذه المسألة آتي إلى المسألة اللتي تليها.
                          الحمد لله أن أسقط التكليف

                          تعليق

                          • جلال
                            خادم أهل العلم
                            • Jun 2003
                            • 4022

                            #43
                            تم فتح صفحة جديدة لهذا النقاش، تحت عنوان: القسم الثالث من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني، لاستكمال النقاش هناك في المسائل الجديدة
                            وأول مسألة هي للكلام حول :مسألة العموم في قول الله تعالى(ومن يعص الله)
                            ، أما فيما يتعلق بما هو مطروح هنا فيمكن استكمال النقاش فيه
                            التعديل الأخير تم بواسطة جلال علي الجهاني; الساعة 24-12-2003, 11:11.
                            إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
                            آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



                            كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
                            حمله من هنا

                            تعليق

                            • سعيد فودة
                              المشرف العام
                              • Jul 2003
                              • 2447

                              #44
                              أنت أولا لم تجب على كثير مما سألتك عنه، خاصة ممما يتعلق بكون القرآن مبينا. فأرجو أن تجيب عليها أولا لأنها أمور أصلية في حقيقة الأمر، لأن من لا يعتقد بإمكان فهم القرآن أصلا فهما تقوم به الحجة علينا فكيف يمكن النقاش والكلام معه؟؟ومع ذلك أقول لك:
                              أولا: أنت رجعت تقول أنك كنت تتكلم عن غير الكافر القطعي،
                              أعيد عليك الكلام لعله يزداد بيانا لك،
                              أنت قلت إنه الشافعي يجوز عقلا وشرعا أن يخلده الله تعالى في النار. فأخذت الحكم بالجواز من العقل ومن الشريعة.
                              أما من ناحية العقل فلا خلاف حتى الآن، ومعنى أنه عقلا يمكن ذلك، أي أنه لا يجب شيء على الله تعالى. أعتقد أنك توافقني على ذلك.
                              أما إسنادك الجواز إلى الشريعة، فينبغي أن يكون معناه، أن أدلة الشريعة تجيز القول بأن من علمناه أنه الإمام الشافعي يجوز خلوده في النار. أليس كذلك؟
                              حسنا، إن حكم الشريعة يبنى على الظاهر من الإنسان، والظاهر من الشافعي الإسلام، ولم نعرف أنه كفر ولا ارتد في نهاية عمره. فعلى ماذا اعتمدت عندما قلت إنه يجوز شرعا أن يخلد في النار، هل على ظاهر حال الشافعي، أم على باطنه، لا يصح لك إسناد الحكم الشرعي بناء على ما في باطن الشافعي، لأنك لا تعرفه. أما ظاهره فهو مؤمن.
                              فكان الصواب أن تقول، إن الحكم الشرعي في الشافعي أنه مؤمن، بناء على ظاهر الشافعي، ولا يجوز أن تقول إن الشريعة تجوز أن تخلد الشافعي في النار الذي ظاهره عندنا الإيمان. فالحكم الشرعي يبنى على الظاهر فقط.
                              وأما احتمال كفره باطنا، فلا يبنى عليه حكم شرعي أصلا، بل هو مجرد احتمال عقلي. ثم إن هذا الاحتمال العقلي بكونه كافرا، مرجوح عقلا أيضا.
                              ثم ألا تعلم أن من شهد له المسلمون في حال الدنيا بحسن الإيمان، وتواترت احوالهم على ذلك، فقد حقق كثير من علماء الأشاعرة-الذين تدعي أنت أنك تحقق مذهبهم- أنه كذلك في الآخرة. واحتجوا بأحاديث كثيرة.
                              هذا هو مذهب الأشاعرة، يا فادي وليس ما تتصوره أنت في ذهنك.
                              ولذلك فإن الأمة كلها تترضى على هؤلاء العلماء وتترحم عليهم وتقتدي بهم.
                              إنه لا يستقيم قولك، إنه يجوز شرعا تخليد الشافعي في النار، حال حكم الشريعة نفسها بإيمان الشافعي. أليس هذا تناقضا في كلامك.
                              أما تجويز التخليد في النار، فإنما هو مع ملاحظة احتمال عقلي لا مع ملاحظة حكم شرعي.
                              وأكرر لك مرة أخرى يا فادي، لعلك تتبين ما أقول:
                              هناك فرق بين الحكم بالخلود في النار، وبين الحكم بالإيمان. والحكم بالخلود في النار تنيجة للحكم بالإيمان، والحكم بالإيمان حكم شرعي، يبنى على أمر ظاهر بعلامات شرعية لا على مجرد احتمالات عقلية، فإن ضوابط الحكم الشرعي أيضا شرعية، فلا يجوز أن تقول إنه شرعا يجوز إدخال سيدنا عمر بن الخطاب النار، لأن نفس الشريعة حكمت عليه بأنه مؤمن، وهو في الجنة، وكذلك الحكم الشرعي على إنسان بالإيمان له ضوابط شرعية لا مجرد احتمالات عقلية.
                              إذن لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه مؤمن شرعا، ولكي تحكم عليه أنه مؤمن شرعا، يجب أن تضبط حكمك بما اعتبرته الشريعة من ضوابط ولا تضبط حكما الشرعي باحتمال عقلي مخالف للظاهر.
                              فنحن حكمنا على الشافعي بالإيمان، بضوابط شرعية، بل في حق الشافعي، تظاهر أكثر من دليل على ذلك منها شهادة الأمة لها وقبولها له.
                              ثم لما رجعنا إلى الشريعة، رأينا الشرع يقول كل من حكمتم عليه بالإيمان، بضوابط شرعية، مبنية على ظواهر معتبرة شرعا، فهو في الجنة ولا يخلد في النار، أي إن حكم الشريعة في حقنا أننا يجب الاعتقاد بمن حكمنا عليه أنه مؤمن أنه في الجنة على حسب حكم الشريعة.
                              هذا هو مناط الحكم أن فلانا في الجنة، أو أنه في النار شرعا.
                              فعلى ماذا اعتمدت أنت على القول بأنه شرعا يجوز تخليده في النار؟
                              ألم تعتمد على مجرد احتمال عقلي مردود شرعا أصلا بأنه يمكن أن يكون باطنه كافرا؟؟ فإذا كان هذا الاحتمال مردودا شرعا، فكيف أجزت أن تقيم حكما نسبته إلى الشريعة بأنه يجوز تخليده في النار. فهل تجيز الشريعة تخليد من حكمت عليه أنه مؤمن- في النار؟
                              ولذلك فإننا نشهد عموما لمن مات على الإيمان أنه في الجنة، ظاهرا، وهذا هو حكم الشرع، ولذلك نصلي على الجنازات ولو أقمنا الحكم على احتمال عقلي لما جاز الصلاة على أحد إلا إذا قطعنا بنهايته.
                              والصلاة على الجنازة هي صلاة على من هو في حكم الشريعة مؤمن، وكذلك الترحم لا يجوز إلا على مؤمن في حكم الشريعة. ولا يقال إن حكم الحكم الشرعي بالإيمان مبني على الظاهر، ولا اعتبار للاحتمال العقلي هنا في مقابلة ظاهر شرعي وحسي.
                              فإن قلت لم لا يجوز أن نجزم على أحد بأنه خالد في الجنة، بل إنما نقول الظاهر أنه كذا، والعلم عند الله.
                              الجواب: لأن الشريعة إنما أجازت لك الظن بذلك بناء على ما ظهر لك بتقييد وضبط الشريعة نفسها. وأما إذا سئلت عن القطع، به، فلا تقطع إلا بدليل شرعي.
                              فإن قلت ألا يجوز عقلا كفر من ظاهره الإسلام،
                              فالجواب: نعم هذا جائز، ولكن جواز كونه كافرا في باطنه، إنما هو جواز عقلي، لا شرعي، لأن الشريعة حكمها على الظواهر. ومتعلق الحكم الشرعي إنما هو الظاهر هنا. فلا يقال إن الاحتمال العقلي بكونه كافرا في باطنه، هو شرعي أيضا. فحتى الاحتمال فهو عقلي.
                              أرجو أن تكون المسألة واضحة الآن.

                              ثانيا: وأما كفر الكفار ظاهرا بحسب الشريعة، فنحن نكفر من كفرتهم الشريعة بحسب الظاهر.
                              ثالثا: هذا هو معنى الحكم الشرعي يا فادي.


                              أرجو أن تجيبني وتعلق لي على هذه النقطة وباقي الأسئلة التي سألتها لك. وخاصة ما يتعلق منها ببيان القرآن وقولك هل قال به أحد من المسلمين، وما يتعلق بالتكليف هل نحن مكلفون في حال انعدام البيان. وغير ذلك مما سألتك عنه.
                              ولنا عودة أخرى.
                              وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                              تعليق

                              • fadilov
                                موقوف لأسباب إدارية
                                • Nov 2003
                                • 42

                                #45
                                قال الأستاذ (أنت أولا لم تجب على كثير مما سألتك عنه، خاصة ممما يتعلق بكون القرآن مبينا. فأرجو أن تجيب عليها أولا لأنها أمور أصلية في حقيقة الأمر، لأن من لا يعتقد بإمكان فهم القرآن أصلا فهما تقوم به الحجة علينا فكيف يمكن النقاش والكلام معه؟؟)

                                نعم أنا لم أجب عن هذا وذلك لأني لا أريد الكلام في أكثر من مسألة في ذات الوقت، وأنت جعلت ما نسبتُهُ إلى الأشاعرة أول مسألة طرحتَها في أسئلتك فإذا فرغنا منها انتقلنا إلى غيرها، وإن كنت تريد الانتقال إلى غيرها قبل أن نفرغ منها فلك هذا هذه المرة على أن لا نكرره في المستقبل، وأنا لن أجيب بأي شيء على ما تفضلت به حتى تحدد لي المسألة اللتي تريد الكلام فيها مع التنبيه على أنك لم تأت بأي قول للأشاعرة يثبت ما تنسبه إليهم. على أي حال أرجو منك يا أستاذ أن تحدد لي بالضبط المسألة اللتي تريد الكلام فيها وتبين مذهبك فيها حتى نبدأ.
                                الحمد لله أن أسقط التكليف

                                تعليق

                                يعمل...