هذا بحث كتبته قبل سنوات في كلية أصول الدين عن الحكم العقلي وأقسامه.
جامعة البلقاء التطبيقية
كلية الدراسات العليا( أصول الدين)
2007-2008
بحث بعنوان :
الحكم العقلي وأقسامه
إعداد:
مصطفى حمدو عليان
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين ،سيدنا محمد الصادق الأمين ،وعلى آله وصحبه أجمعين ،أما بعد :
فإن علم التوحيد أشرف العلوم الإسلامية على الإطلاق ،وهو أساس الدين ، وبه تحصل النجاة من الظلمات الاعتقادية وما يترتب عليها من مفاسد ، ويصل الإنسان بتعلمه إلى العلم بالعقائد الصحيحة الواضحة بأدلتها البرهانية.
ومما ينبغي على طالب العلم تعلمه في علم الكلام معرفة الأحكام العقلية الثلاثة وما يتصل بها من مباحث ومواضيع ، وذلك ليعرف ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله عز وجل ، وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام فان معرفتها تعصم العقل من الضلال والإلحاد في الدين .
لذلك فقد حثَّني هذا الأمر على كتابة بحث في الحكم العقلي وأقسامه ، وقسَّمته إلى الفصول والمباحث التالية :
الفصل الاول :تعريف الحكم العقلي لغة واصطلاحا -
-المبحث الاول : تعريف الحكم - لغة واصطلاحا
-المبحث الثاني : تعريف العقل -لغة واصطلاحا-
-المبحث الثالث : أقسام الحكم .
الفصل الثاني : أقسام الحكم العقلي :
-المبحث الأول : الواجب العقلي
- المطلب الأول : تعريفه
- المطلب الثاني: خواصه
- المطلب الثالث : أقسامه
- المطلب الرابع : الصفات الواجبة في حق الله
-المبحث الثاني : المستحيل العقلي :
- المطلب الأول : تعريفه
- المطلب الثاني : أقسامه
- المطلب الثالث :معرفة بعض القواعد في المستحيل العقلي .
- المطلب الرابع : بعض ما يستحيل في حق الله عز وجل
- المبحث الثالث :الجائز العقلي :
- المطلب الاول : تعريفه
- المطلب الثاني :خواصه
- المطلب الثالث: أقسامه
- المطلب الرابع : الجائز في حق الله تعالى .
وأسال الله أن يعينني ويوفقني في إتمام هذا البحث ، انه هو السميع المجيب .
الفصل الأول:
تعريف الحكم العقلي- لغة واصطلاحاً-
المبحث الأول: تعريف الحكم
قال ابن منظور في لسان العرب: "الحكم: العلمُ والفقه، قال الله تعالى: (وآتيناه الحكم صبياً)، أي علما ًوفقهاً،هذا ليحيى بن زكريا؛ وكذلك قوله:
الصمتُ حكم وقليل فاعله
وفي الحديث: "إنَّ من الشعر لحُكماً" أي: إن في الشعر كلاماً نافعاً يمنع من الجهل والسَّفه وينهى عنهما، قيل: أراد بها المواعظ والأمثال التي ينتفع الناس بها.
في الحُكم: العلم والفقه والقضاء بالعدل، وهو مصدر حَكَمْ يحكُمُ.... قال ابن سيدة: الحكم القضاء وجمعه أحكام، لا يكسّر على غير ذلك، وقدحكم عليه بالأمر يحكم حكماً وحكومة وحكم بينهم كذلك.
والحكم: مصدر قولك حكم بينهم يحكم أي قضى، وحكم له وحكم عليه. قال الأزهري: الحكم القضاء بالعدل... والحكمة: العدل، ورجل حكيم: عدل حكيم،وأحكم الأمر: أتقنه، وأحكمته التجارب على المثل، وهو من ذلك، ويقال للرجل إذا كان حكيماً: قد أحكمته التجارب. والحكيم المتقن للأمور... وأحكمت الشيء فاستحكم: صار محكماً. واحتكم الأمر واستحكم: وثُق. قال الأزهري: وقوله تعالى: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) فإن التفسير جاء: أُحكمَت آياته بالأمر والنهي والحلال والحرام، ثم فصلت بالوعد والوعيد، قال: والمعنى-والله أعلم- أن آياته أُحكمت وفُصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على توحيد الله وتثبيت نبوة الأنبياء وشرائع الإسلام، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقال بعضهم في قول الله تعالى: (ألر تلك آيات الكتاب الحكيم) إنه فعيل بمعنى مُفعَل، واستدل بقوله عز وجل: (ألر كتاب أحكمت آياته) قال الأزهري: وهذا إن شاء الله كما قيل، والقرآن يوضح بعضه بعضاً"( ).
وقال الرازي في مختار الصحاح مادة (حكم): "الحكمُ: القضاء وقد (حكم) بينهم يحكُم بالضم (حُكما) و (حَكَم) له وحكم عليه. و (الحُكمْ) أيضاً الحكمة من العلم. و (الحكيم) العالم وصاحب الحكمة. والحكيم أيضاً المتقن للأمور،وقد (حَكَمَ) منباب ظرُف أي صار حكيماً و (أحكمه فاستحكم) أي صار (فحكماً) و (الحَكَمَ) بفتحتين لحاكم.و (حكمه) في ماله (تحكيماً) إذا جعل إليه الحكم فيه. واحتكموا إلى الحاكم و(تحاكموا) بمعنى. و(المحاكمة) المخاصمة إلى الحاكم"( ).
- وفي الاصطلاح: هو إثبات أمر لأمر أونفيه عنه، مثال الاثبات كإثبات الوجود والقدم لله تعالى، ومثال النفي كنفي الحدوث عن الله تعالى( ) .
المبحث الثاني: تعريف العقل
قال الفيروز آبادي: "العقل: ضد الحمق كالمعقول، والجمع: عُقول. عقل يعقل وعقَّل فهو عاقل، والجمع: عقلاء. وعقل الدواءُ البطن يعقله ويعقله: أمسكه. وعقل الشيء: فهمه. وله قلب عَقُول. وعقل البعير: شدَّ وظيفه إلى ذراعيه، كعقَّله واعتقله، والقتيل، ودالا ، وعنه: أدَّى دِيَّة جِنَاية، وإليه عَقْلاً وعُقولاً: لجأ.
وسُمِّي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عما لا يحسن. وهو القوة المتهيئة لقبول العلم. ويقال للعلم الذي يستفيد الانسان بتلك القوة العقل أيضاً؛ ولهذا قيل: العقل عقلان، فمطبوع ومسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع ، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع.
وإلى الأول يشير ما روي في بعض الآثار: ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من العقل. وكذا: أول ما خلق الله العقل.
وإلى الثاني يشير ما روي: ما كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدي،أو يرد لا عن ردي. وهذا العقل هو المعنيُّ بقوله تعالى: (وما يعقلها إلا العالمون) [العنكبوت: 43].
وكل موضع ذم الله فيه الكفار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني، وكل موضع رفع التكليف عن العبد فاشارة إلى الأول"( ).
وقال الرازي في مختار الصحاح مادة (عقل): العقل: الحجر والنهيُّ. ورجل (عاقل) و (عقول) وقد (عقل) من باب ضرب، و (معقولاً) أيضاً وهو مصدره وقال سيبويه: هو صفة. وقال: إن المصدر لا يأتي على وزن مفعول البتة. و (العقل) الدِّيَّة. و (العَقول) بالفتح الدواء الذي يُمسك البطن. (والمعقِل) الملجأ وبه سمي الرجل. و (معقِل) بن يسار من الصحابة -رضي الله عنهم- ينسب إليه نهر بالبصرة، والرُّطب (المعقلي) أيضاً. و (المعقلة) بضم القاف الدِّية وجمعها (معاقل). و (العقلية) كريمة الحي. وكريمة الابل. وعقيلة كل شيء أكرمه. والدُّرة عقيلة البحر. و (العقال) صدقة عام... و (عقل) القتيل أعطى ديته. وعقل له دم فلان اذا ترك القود للدية. وعقل عن فلان غَرمَ عنه جنايته،وذلك إذا لزمته دِيَة فأداهاعنه. فهذا هو الفرق بين عقله وعقل له وعقل عنه وباب الكل ضَرَب.... و (عقل) البعير من باب ضرب أي ثنى وظيفه مع ذراعه فشذَّهما في وسط الذراع.
وذلك الحبل هو (العقال) والجمع (عُقُل). و (عاقله) الرجل عصبته وهم القرابة منْ قبل الأب الذين يعطون دية من قتله خطأ. وقال أهل العراق: هم أصحاب الدواوين.والمرأة (تُعاقل) الرجل الى ثلث ديتها أي توازيه فاذا بلغ ثلث الدية صارت ديةٍ المرأة على النصف عن دية الرجل... و (تعقُل) تكلف العقل مثلُ تحلُّم وتكيَّس. و (تعاقل) أرى مننفسه ذلك وليس به"( ).
-وفي الاصطلاح: العقل: سرُّ روحاني تُدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية،ومحله القلب، ونور لا في الدماغ، وابتذاؤه لا من حين نفخ الروح في الجنين، وأول كماله البلوغ، ولذا كان التكليف بالبلوغ، هذا هو الصحيح الذي عليه مالك والشافعي-رضي الله عنهما-، وهو مراد من قال: "هولطيفة ربانية تدرك به النفس....إلخ"( )
وقيل: هو قوة للنفس معدلاً لاكتساب الآراء،أي الاعتقادات.
وقيل: هو من قبيل العلوم، قال القاضي: هو بعض العلوم الضرورية، وهو العلم بوجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات... ( )
قال الباجوري: "وأحسن ما قيل فيه أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية. وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى عقلاً،ومن حيث حياة الجسد فيها تسمى روحاً،ومن حيث شهوتها تسمى نفساً،فالثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالاعتبار...وفي كلام الغزالي أنه جوهر فرد.واختلف في محله، والصحيح أنمحله القلب وله نور متصل بالدماغ كما ذهب إليه الإمام الشافعي والامام مالك رضي الله عنهما وجمهور المتكلمين".( )
المبحث الثالث: أقسام الحكم:
قال العلامة البيجوري في حاشيته على السنوسية : "وحاصل الأمر أن أقسام الحكم من حيث هو ثلاثة:
الأول: الحكم العقلي: وهو إثبات أمر لأمر أونفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا وضع واضع،وينحصر في ثلاثة أقسام-كما سيذكره المصنف-والثاني: الحكم العادي: وهو إثبات أمر لأمر أونفيه عنه بواسطة التكرار وينحصر في أربعة أقسام:
ربط وجود بوجود كربط وجود الشبع بوجود الأكل،وربط عدم بعدم كربط عدم الشبع بعدم الأكل،وربط وجود بعدم كربط وجود البرد بعدم الستر، وربط عدم بوجود كربط عدم الإخراق بوجود الماء.
والثالث: الحكم الشرعي: وهو كلام الله المتعلق بعقل الشخص منحيث التكليف أوالوضع له، وينحصر في قسمين:
-خطاب تكليف: وهوكلام الله المتعلق بفعل الشخص منحيث التكليف.
-وخطاب وضع: -وهوكلام الله تعالى المتعلق بفعل الشخص منحيث الوضع.وللأول: خمسة أقسام: -
-الإيجاب: وهو كلام الله المتعلق بطلب فعل الشيء طلباً جازماً.
-والندب: وهو كلام الله المتعلق بطلب: فعل الشيء طلباً غير جازم.
-والتحريم: وهو كلام الله المتعلق بطلب ترك الشيء طلباً جازماً.
-والكراهة ولو خفيفة: وهي كلام الله المتعلق بطلب ترك الشيء طلباً غير جازم.
-والاباحة: وهي كلام الله المتعلق بالتخيير بين فعل الشيء وتركه( ) .
وللثاني-أي الوضعي- خمسة أقسام أيضاً: وهي كلام الله المتعلق بكون الشيء سبباً أوشرطاً أومانعاً أوصحيحاً أو فاسداً واذا نظرت لكون هذه الخمسة تجري مع كل واحد من الخمسة السابقة كانت الجملة خمسة وعشرين"( )
قال سعيد فودة في تهذيب شرح السنوسية: "فالحكم من حيث هو إثبات أمر لأمر أونفيه عنه".
وينقسم من حيث مصدره إلى ثلاثة أقسام: شرعي وعادي وعقلي.
فالشرعي محله كتب الفقه وأصوله،والعادي يعرف بالتجربة والتكرار كوجود الاحتراق عند النار، فالخالق للإحراق هو الله تعالى فلا تأثير للنار وكذلك جميع الأسباب العادية، وإنما أجرى الله العادة أن يخلق الفعل عندها لا بها. ويصح أن توجد النار ولا يخلق الله تعالى الاحراق وكذلك جميع الاسباب العادية لا تأثير لها.
وأما الحكم العقلي: ففيهم من مجرد العقل من غير تكرار ولا وضع واضع."( )
وقال الشيخ الدردير: "والحكم: إما شرعي،وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو الاباحة أو الوضع لهما. وإما غيره،وهو: إثبات أمر لأمر أونفيه عنه، والحاكم به إمّا العقل وإما العادة: -
أ-فان كانت العادة فعادي، والحكم العادي: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرر بينهما على الحسن، كإثبات أن النار محرقة، وأن الطعام يُشبع وليس المراد من هذا أنَّ هي المؤثرة، إذ التأثيرُ لا دلالة للعادة عليه أصلاً، وإنما غاية ما دلّت عليه العادة الرَّبط بين أمرين....
ب-وإن كان العقل فعقلي،وهو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا استناد الى شرع. وخرج بهذا القيد الأخير حكم الفقيه المستند إلى الشرع ، كإثبات الوجوب للصلاة المستند إلى خطاب الله تعالى، فخرج بقوله (حكم العقل) الحكم الشرعي والعادي."( )
الفصل الثاني: أقسام الحكم العقلي
يتضح مما سبق أن الحكم العقلي هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا وضع واضع.( ) قال الامام السَّنوسي: "فقولنا: (من غير توقف على تكرر) احتراز من الحكم العادي، أي: الذي عرف من العادة، فإن الاثبات فيه والنفي إنما عرف وحكم بواسطة التكرر والتجربة.وقولنا (ولا وضع) احتراز من الحكم الشرعي الذي عرف من الشرع، فان الاثبات فيه أيضاً أو النفي إنما عرف وحكم بهما بواسطة وضع الشرع لهما."( )
وينقسم إلى ثلاثة أقسام: الواجب والمستحيل والجائز (الممكن)، قال الامام الدردير في الخريدة البهية: -
أقسام حكم العقل لامحالة هي الوجوب ثم الاستحالة
ثم الجواز ثالث الأقسام فافهم منحت لذة الأفهام( )
فهذه الأحكام العقلية الثلاثة التي هي مبادىء علمالتوحيد، وهذه هي جهات الوجود، "وتقريرها أن نقول: ما تصور لا العقل يشمل التصور والتصديق، ويتحصل لنا مفهوم عقلي، فاذا نسب هذا المفهوم إلى وجوده في نفسه،أي إذا نسبنا الذات المتصورة إلى نفسها،أونسبناها إلى وجودها لأمر،آخر غيرها حصل في العقل معان هي الوجود والامتناع والامكان.
ثم إن تصورات هذه المعاني ضرورية حاصلة لمن لم يمارس طرق الاكتساب، إلا إنها قد تعرف لمجرد التنبيه والإخطار في البال، فيقال: الوجوب ضرورة الوجود أو اقتضاؤه أواستحالة العدم،والامتناع ضرورة العدم أو اقتضاؤه أو استحالة الوجود، والامكان جواز الوجود والعدم أوعدم ضرورتها أوعدم اقتضاء شيء منهما.
ولذا لا يتحاشى عن أن يقال: الواجب ما يمتنع عدمه،أوما لا يمكن عدمه أوما لا يقبل العدم، والممتنع أوالمستحيل هوما يجب عدمه أوما لا يمكن وجوده أوما لا يقبل الوجود،والممكن أوالجائز هو ما لا يجب وجوده ولا عدمه، أوما لا يمتنع وجوده ولا عدمه، أوما يقبل الوجود والعدم.
فالواجب لو فرض معدوماً يلزم عنه محال، والممتنع لو فرض موجوداً يلزم منه مجال، ويلزم على هذا أن الواجب يستمد وجوده من ذاته،ولا يمكن أنيحتاج غيره لكي يوجد، فالواجب لا يكون محتاجاً.
فالوجوب هو شدة الوجود وتأكده، وأما الممتنع فلا يمكن وجوده،وإن أمكن وجوده،أما الممكن فلا يمكن أن يكون وجوده مستمداً من ذاته، بل لا يمكن أن يكون مستمداً إلا من الواجب، فاذا اتصف الممكن بالوجود، كان ذلك من سبب خارج، ويكفي في عدمه عدم سبب وجوده، فبالحقيقة كما قال بعض المحققين: وجود الممكن يحتاج الى سبب ويستدعي سبباً موجوداً يجب الممكن به ما دام موجوداً، وهذا يعني أنه مهماً وُجد فانه لا يستغني عن السبب."( )
فإنَّ معرفة هذه الأقسام العقلية واجب على كل مكلف شرعاً، قال اللقاني في جوهرة التوحيد:
فكل من كُلِّف شرعاًوجبا عليه أنْ يعرف ما قد وجبا
لله والجائز والممتنعا ومثل ذا لرسله فاستمعا( )
قال عبد السلام بن إبراهيم اللقاني في شرطه لجوهرة أبيه: "وقوله شرعاً" منصوب بنزع الخافض أي بالشرع متعلق بـ (وجبا عليه) لكنه قدمه لافادة الحصر، والمعنى لا يجب على المكلف (أن يعرف) أي معرفة ( ما قد وجبا لله) عقلاً إلا بالشرع،إذ قبله لا حكم أصلاً لا أصلياً ولا فرعياً كما هو المنقول عن الأشاعرة وجمع من غيرهم، والمراد أن يعرف الواجب لله تعالى وما عطف عليه، أعني قوله: (والجائز) في حقه سبحانه وتعالى كذلك (والممتنعا) عليه سبحانه وتعالى كذلك ولو بدليل جملي، تخرج به المكلف من التقليد إلى التحقيق لقوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) [محمد: 19] وحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" وللاجماع على ذلك( )
وقال السنوسي في شرح صغرى الصغرى : "لما قدَّم الحكم بوجوب معرفة المكلّف شرعاً لما يجب عقلاً وما يستحيل عقلاً وما يجوز عقلاً في حق الله تعالى، وفي حق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكان الحكم على شيء أو بشيء موقوفاً على تصور معناهما، تعين على كل مكلف أن يعرف معنى الحكم العقلي وأقسامه ومعانيها، ليعرف بذلك معنى وجوب ما يجب من الكمالات لمولانا تبارك وتعالى،ومعنى استحالة ما ينزه عنه، ومعنى جواز ما يجوز في حقه تعالى، ويعرف بذلك ما تتعلق به الصفات من أقسام الحكم العقلي وما لا تتعلق به منها، وبفهم ذلك يتأنى له فهم البراهين وفهم لزوم المعارف لها ورد الشبه والجهالات التي صاحبتها، وبذلك يعرف أيضاً ما يجب في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام وما يستحيل وما يجوز"( )
"ولما كان الحكم العقلي ينقسم إلى قسمين: ضروري-وهو: ما يدرك بلا تأمل-ونظري-وهو: ما لا يدرك إلا بعد تأمل لزم أنكل واحد من أقسامه ينقسم كذلك إلى ضروري ونظري( )
وسأقوم بتوضيح كل قسم-لغة واصطلاحاً-وأبين ما فيه من مباحث، بإذنه تعالى .
......
جامعة البلقاء التطبيقية
كلية الدراسات العليا( أصول الدين)
2007-2008
بحث بعنوان :
الحكم العقلي وأقسامه
إعداد:
مصطفى حمدو عليان
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين ،سيدنا محمد الصادق الأمين ،وعلى آله وصحبه أجمعين ،أما بعد :
فإن علم التوحيد أشرف العلوم الإسلامية على الإطلاق ،وهو أساس الدين ، وبه تحصل النجاة من الظلمات الاعتقادية وما يترتب عليها من مفاسد ، ويصل الإنسان بتعلمه إلى العلم بالعقائد الصحيحة الواضحة بأدلتها البرهانية.
ومما ينبغي على طالب العلم تعلمه في علم الكلام معرفة الأحكام العقلية الثلاثة وما يتصل بها من مباحث ومواضيع ، وذلك ليعرف ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله عز وجل ، وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام فان معرفتها تعصم العقل من الضلال والإلحاد في الدين .
لذلك فقد حثَّني هذا الأمر على كتابة بحث في الحكم العقلي وأقسامه ، وقسَّمته إلى الفصول والمباحث التالية :
الفصل الاول :تعريف الحكم العقلي لغة واصطلاحا -
-المبحث الاول : تعريف الحكم - لغة واصطلاحا
-المبحث الثاني : تعريف العقل -لغة واصطلاحا-
-المبحث الثالث : أقسام الحكم .
الفصل الثاني : أقسام الحكم العقلي :
-المبحث الأول : الواجب العقلي
- المطلب الأول : تعريفه
- المطلب الثاني: خواصه
- المطلب الثالث : أقسامه
- المطلب الرابع : الصفات الواجبة في حق الله
-المبحث الثاني : المستحيل العقلي :
- المطلب الأول : تعريفه
- المطلب الثاني : أقسامه
- المطلب الثالث :معرفة بعض القواعد في المستحيل العقلي .
- المطلب الرابع : بعض ما يستحيل في حق الله عز وجل
- المبحث الثالث :الجائز العقلي :
- المطلب الاول : تعريفه
- المطلب الثاني :خواصه
- المطلب الثالث: أقسامه
- المطلب الرابع : الجائز في حق الله تعالى .
وأسال الله أن يعينني ويوفقني في إتمام هذا البحث ، انه هو السميع المجيب .
الفصل الأول:
تعريف الحكم العقلي- لغة واصطلاحاً-
المبحث الأول: تعريف الحكم
قال ابن منظور في لسان العرب: "الحكم: العلمُ والفقه، قال الله تعالى: (وآتيناه الحكم صبياً)، أي علما ًوفقهاً،هذا ليحيى بن زكريا؛ وكذلك قوله:
الصمتُ حكم وقليل فاعله
وفي الحديث: "إنَّ من الشعر لحُكماً" أي: إن في الشعر كلاماً نافعاً يمنع من الجهل والسَّفه وينهى عنهما، قيل: أراد بها المواعظ والأمثال التي ينتفع الناس بها.
في الحُكم: العلم والفقه والقضاء بالعدل، وهو مصدر حَكَمْ يحكُمُ.... قال ابن سيدة: الحكم القضاء وجمعه أحكام، لا يكسّر على غير ذلك، وقدحكم عليه بالأمر يحكم حكماً وحكومة وحكم بينهم كذلك.
والحكم: مصدر قولك حكم بينهم يحكم أي قضى، وحكم له وحكم عليه. قال الأزهري: الحكم القضاء بالعدل... والحكمة: العدل، ورجل حكيم: عدل حكيم،وأحكم الأمر: أتقنه، وأحكمته التجارب على المثل، وهو من ذلك، ويقال للرجل إذا كان حكيماً: قد أحكمته التجارب. والحكيم المتقن للأمور... وأحكمت الشيء فاستحكم: صار محكماً. واحتكم الأمر واستحكم: وثُق. قال الأزهري: وقوله تعالى: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) فإن التفسير جاء: أُحكمَت آياته بالأمر والنهي والحلال والحرام، ثم فصلت بالوعد والوعيد، قال: والمعنى-والله أعلم- أن آياته أُحكمت وفُصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على توحيد الله وتثبيت نبوة الأنبياء وشرائع الإسلام، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقال بعضهم في قول الله تعالى: (ألر تلك آيات الكتاب الحكيم) إنه فعيل بمعنى مُفعَل، واستدل بقوله عز وجل: (ألر كتاب أحكمت آياته) قال الأزهري: وهذا إن شاء الله كما قيل، والقرآن يوضح بعضه بعضاً"( ).
وقال الرازي في مختار الصحاح مادة (حكم): "الحكمُ: القضاء وقد (حكم) بينهم يحكُم بالضم (حُكما) و (حَكَم) له وحكم عليه. و (الحُكمْ) أيضاً الحكمة من العلم. و (الحكيم) العالم وصاحب الحكمة. والحكيم أيضاً المتقن للأمور،وقد (حَكَمَ) منباب ظرُف أي صار حكيماً و (أحكمه فاستحكم) أي صار (فحكماً) و (الحَكَمَ) بفتحتين لحاكم.و (حكمه) في ماله (تحكيماً) إذا جعل إليه الحكم فيه. واحتكموا إلى الحاكم و(تحاكموا) بمعنى. و(المحاكمة) المخاصمة إلى الحاكم"( ).
- وفي الاصطلاح: هو إثبات أمر لأمر أونفيه عنه، مثال الاثبات كإثبات الوجود والقدم لله تعالى، ومثال النفي كنفي الحدوث عن الله تعالى( ) .
المبحث الثاني: تعريف العقل
قال الفيروز آبادي: "العقل: ضد الحمق كالمعقول، والجمع: عُقول. عقل يعقل وعقَّل فهو عاقل، والجمع: عقلاء. وعقل الدواءُ البطن يعقله ويعقله: أمسكه. وعقل الشيء: فهمه. وله قلب عَقُول. وعقل البعير: شدَّ وظيفه إلى ذراعيه، كعقَّله واعتقله، والقتيل، ودالا ، وعنه: أدَّى دِيَّة جِنَاية، وإليه عَقْلاً وعُقولاً: لجأ.
وسُمِّي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عما لا يحسن. وهو القوة المتهيئة لقبول العلم. ويقال للعلم الذي يستفيد الانسان بتلك القوة العقل أيضاً؛ ولهذا قيل: العقل عقلان، فمطبوع ومسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع ، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع.
وإلى الأول يشير ما روي في بعض الآثار: ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من العقل. وكذا: أول ما خلق الله العقل.
وإلى الثاني يشير ما روي: ما كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدي،أو يرد لا عن ردي. وهذا العقل هو المعنيُّ بقوله تعالى: (وما يعقلها إلا العالمون) [العنكبوت: 43].
وكل موضع ذم الله فيه الكفار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني، وكل موضع رفع التكليف عن العبد فاشارة إلى الأول"( ).
وقال الرازي في مختار الصحاح مادة (عقل): العقل: الحجر والنهيُّ. ورجل (عاقل) و (عقول) وقد (عقل) من باب ضرب، و (معقولاً) أيضاً وهو مصدره وقال سيبويه: هو صفة. وقال: إن المصدر لا يأتي على وزن مفعول البتة. و (العقل) الدِّيَّة. و (العَقول) بالفتح الدواء الذي يُمسك البطن. (والمعقِل) الملجأ وبه سمي الرجل. و (معقِل) بن يسار من الصحابة -رضي الله عنهم- ينسب إليه نهر بالبصرة، والرُّطب (المعقلي) أيضاً. و (المعقلة) بضم القاف الدِّية وجمعها (معاقل). و (العقلية) كريمة الحي. وكريمة الابل. وعقيلة كل شيء أكرمه. والدُّرة عقيلة البحر. و (العقال) صدقة عام... و (عقل) القتيل أعطى ديته. وعقل له دم فلان اذا ترك القود للدية. وعقل عن فلان غَرمَ عنه جنايته،وذلك إذا لزمته دِيَة فأداهاعنه. فهذا هو الفرق بين عقله وعقل له وعقل عنه وباب الكل ضَرَب.... و (عقل) البعير من باب ضرب أي ثنى وظيفه مع ذراعه فشذَّهما في وسط الذراع.
وذلك الحبل هو (العقال) والجمع (عُقُل). و (عاقله) الرجل عصبته وهم القرابة منْ قبل الأب الذين يعطون دية من قتله خطأ. وقال أهل العراق: هم أصحاب الدواوين.والمرأة (تُعاقل) الرجل الى ثلث ديتها أي توازيه فاذا بلغ ثلث الدية صارت ديةٍ المرأة على النصف عن دية الرجل... و (تعقُل) تكلف العقل مثلُ تحلُّم وتكيَّس. و (تعاقل) أرى مننفسه ذلك وليس به"( ).
-وفي الاصطلاح: العقل: سرُّ روحاني تُدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية،ومحله القلب، ونور لا في الدماغ، وابتذاؤه لا من حين نفخ الروح في الجنين، وأول كماله البلوغ، ولذا كان التكليف بالبلوغ، هذا هو الصحيح الذي عليه مالك والشافعي-رضي الله عنهما-، وهو مراد من قال: "هولطيفة ربانية تدرك به النفس....إلخ"( )
وقيل: هو قوة للنفس معدلاً لاكتساب الآراء،أي الاعتقادات.
وقيل: هو من قبيل العلوم، قال القاضي: هو بعض العلوم الضرورية، وهو العلم بوجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات... ( )
قال الباجوري: "وأحسن ما قيل فيه أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية. وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى عقلاً،ومن حيث حياة الجسد فيها تسمى روحاً،ومن حيث شهوتها تسمى نفساً،فالثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالاعتبار...وفي كلام الغزالي أنه جوهر فرد.واختلف في محله، والصحيح أنمحله القلب وله نور متصل بالدماغ كما ذهب إليه الإمام الشافعي والامام مالك رضي الله عنهما وجمهور المتكلمين".( )
المبحث الثالث: أقسام الحكم:
قال العلامة البيجوري في حاشيته على السنوسية : "وحاصل الأمر أن أقسام الحكم من حيث هو ثلاثة:
الأول: الحكم العقلي: وهو إثبات أمر لأمر أونفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا وضع واضع،وينحصر في ثلاثة أقسام-كما سيذكره المصنف-والثاني: الحكم العادي: وهو إثبات أمر لأمر أونفيه عنه بواسطة التكرار وينحصر في أربعة أقسام:
ربط وجود بوجود كربط وجود الشبع بوجود الأكل،وربط عدم بعدم كربط عدم الشبع بعدم الأكل،وربط وجود بعدم كربط وجود البرد بعدم الستر، وربط عدم بوجود كربط عدم الإخراق بوجود الماء.
والثالث: الحكم الشرعي: وهو كلام الله المتعلق بعقل الشخص منحيث التكليف أوالوضع له، وينحصر في قسمين:
-خطاب تكليف: وهوكلام الله المتعلق بفعل الشخص منحيث التكليف.
-وخطاب وضع: -وهوكلام الله تعالى المتعلق بفعل الشخص منحيث الوضع.وللأول: خمسة أقسام: -
-الإيجاب: وهو كلام الله المتعلق بطلب فعل الشيء طلباً جازماً.
-والندب: وهو كلام الله المتعلق بطلب: فعل الشيء طلباً غير جازم.
-والتحريم: وهو كلام الله المتعلق بطلب ترك الشيء طلباً جازماً.
-والكراهة ولو خفيفة: وهي كلام الله المتعلق بطلب ترك الشيء طلباً غير جازم.
-والاباحة: وهي كلام الله المتعلق بالتخيير بين فعل الشيء وتركه( ) .
وللثاني-أي الوضعي- خمسة أقسام أيضاً: وهي كلام الله المتعلق بكون الشيء سبباً أوشرطاً أومانعاً أوصحيحاً أو فاسداً واذا نظرت لكون هذه الخمسة تجري مع كل واحد من الخمسة السابقة كانت الجملة خمسة وعشرين"( )
قال سعيد فودة في تهذيب شرح السنوسية: "فالحكم من حيث هو إثبات أمر لأمر أونفيه عنه".
وينقسم من حيث مصدره إلى ثلاثة أقسام: شرعي وعادي وعقلي.
فالشرعي محله كتب الفقه وأصوله،والعادي يعرف بالتجربة والتكرار كوجود الاحتراق عند النار، فالخالق للإحراق هو الله تعالى فلا تأثير للنار وكذلك جميع الأسباب العادية، وإنما أجرى الله العادة أن يخلق الفعل عندها لا بها. ويصح أن توجد النار ولا يخلق الله تعالى الاحراق وكذلك جميع الاسباب العادية لا تأثير لها.
وأما الحكم العقلي: ففيهم من مجرد العقل من غير تكرار ولا وضع واضع."( )
وقال الشيخ الدردير: "والحكم: إما شرعي،وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو الاباحة أو الوضع لهما. وإما غيره،وهو: إثبات أمر لأمر أونفيه عنه، والحاكم به إمّا العقل وإما العادة: -
أ-فان كانت العادة فعادي، والحكم العادي: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرر بينهما على الحسن، كإثبات أن النار محرقة، وأن الطعام يُشبع وليس المراد من هذا أنَّ هي المؤثرة، إذ التأثيرُ لا دلالة للعادة عليه أصلاً، وإنما غاية ما دلّت عليه العادة الرَّبط بين أمرين....
ب-وإن كان العقل فعقلي،وهو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا استناد الى شرع. وخرج بهذا القيد الأخير حكم الفقيه المستند إلى الشرع ، كإثبات الوجوب للصلاة المستند إلى خطاب الله تعالى، فخرج بقوله (حكم العقل) الحكم الشرعي والعادي."( )
الفصل الثاني: أقسام الحكم العقلي
يتضح مما سبق أن الحكم العقلي هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا وضع واضع.( ) قال الامام السَّنوسي: "فقولنا: (من غير توقف على تكرر) احتراز من الحكم العادي، أي: الذي عرف من العادة، فإن الاثبات فيه والنفي إنما عرف وحكم بواسطة التكرر والتجربة.وقولنا (ولا وضع) احتراز من الحكم الشرعي الذي عرف من الشرع، فان الاثبات فيه أيضاً أو النفي إنما عرف وحكم بهما بواسطة وضع الشرع لهما."( )
وينقسم إلى ثلاثة أقسام: الواجب والمستحيل والجائز (الممكن)، قال الامام الدردير في الخريدة البهية: -
أقسام حكم العقل لامحالة هي الوجوب ثم الاستحالة
ثم الجواز ثالث الأقسام فافهم منحت لذة الأفهام( )
فهذه الأحكام العقلية الثلاثة التي هي مبادىء علمالتوحيد، وهذه هي جهات الوجود، "وتقريرها أن نقول: ما تصور لا العقل يشمل التصور والتصديق، ويتحصل لنا مفهوم عقلي، فاذا نسب هذا المفهوم إلى وجوده في نفسه،أي إذا نسبنا الذات المتصورة إلى نفسها،أونسبناها إلى وجودها لأمر،آخر غيرها حصل في العقل معان هي الوجود والامتناع والامكان.
ثم إن تصورات هذه المعاني ضرورية حاصلة لمن لم يمارس طرق الاكتساب، إلا إنها قد تعرف لمجرد التنبيه والإخطار في البال، فيقال: الوجوب ضرورة الوجود أو اقتضاؤه أواستحالة العدم،والامتناع ضرورة العدم أو اقتضاؤه أو استحالة الوجود، والامكان جواز الوجود والعدم أوعدم ضرورتها أوعدم اقتضاء شيء منهما.
ولذا لا يتحاشى عن أن يقال: الواجب ما يمتنع عدمه،أوما لا يمكن عدمه أوما لا يقبل العدم، والممتنع أوالمستحيل هوما يجب عدمه أوما لا يمكن وجوده أوما لا يقبل الوجود،والممكن أوالجائز هو ما لا يجب وجوده ولا عدمه، أوما لا يمتنع وجوده ولا عدمه، أوما يقبل الوجود والعدم.
فالواجب لو فرض معدوماً يلزم عنه محال، والممتنع لو فرض موجوداً يلزم منه مجال، ويلزم على هذا أن الواجب يستمد وجوده من ذاته،ولا يمكن أنيحتاج غيره لكي يوجد، فالواجب لا يكون محتاجاً.
فالوجوب هو شدة الوجود وتأكده، وأما الممتنع فلا يمكن وجوده،وإن أمكن وجوده،أما الممكن فلا يمكن أن يكون وجوده مستمداً من ذاته، بل لا يمكن أن يكون مستمداً إلا من الواجب، فاذا اتصف الممكن بالوجود، كان ذلك من سبب خارج، ويكفي في عدمه عدم سبب وجوده، فبالحقيقة كما قال بعض المحققين: وجود الممكن يحتاج الى سبب ويستدعي سبباً موجوداً يجب الممكن به ما دام موجوداً، وهذا يعني أنه مهماً وُجد فانه لا يستغني عن السبب."( )
فإنَّ معرفة هذه الأقسام العقلية واجب على كل مكلف شرعاً، قال اللقاني في جوهرة التوحيد:
فكل من كُلِّف شرعاًوجبا عليه أنْ يعرف ما قد وجبا
لله والجائز والممتنعا ومثل ذا لرسله فاستمعا( )
قال عبد السلام بن إبراهيم اللقاني في شرطه لجوهرة أبيه: "وقوله شرعاً" منصوب بنزع الخافض أي بالشرع متعلق بـ (وجبا عليه) لكنه قدمه لافادة الحصر، والمعنى لا يجب على المكلف (أن يعرف) أي معرفة ( ما قد وجبا لله) عقلاً إلا بالشرع،إذ قبله لا حكم أصلاً لا أصلياً ولا فرعياً كما هو المنقول عن الأشاعرة وجمع من غيرهم، والمراد أن يعرف الواجب لله تعالى وما عطف عليه، أعني قوله: (والجائز) في حقه سبحانه وتعالى كذلك (والممتنعا) عليه سبحانه وتعالى كذلك ولو بدليل جملي، تخرج به المكلف من التقليد إلى التحقيق لقوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) [محمد: 19] وحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" وللاجماع على ذلك( )
وقال السنوسي في شرح صغرى الصغرى : "لما قدَّم الحكم بوجوب معرفة المكلّف شرعاً لما يجب عقلاً وما يستحيل عقلاً وما يجوز عقلاً في حق الله تعالى، وفي حق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكان الحكم على شيء أو بشيء موقوفاً على تصور معناهما، تعين على كل مكلف أن يعرف معنى الحكم العقلي وأقسامه ومعانيها، ليعرف بذلك معنى وجوب ما يجب من الكمالات لمولانا تبارك وتعالى،ومعنى استحالة ما ينزه عنه، ومعنى جواز ما يجوز في حقه تعالى، ويعرف بذلك ما تتعلق به الصفات من أقسام الحكم العقلي وما لا تتعلق به منها، وبفهم ذلك يتأنى له فهم البراهين وفهم لزوم المعارف لها ورد الشبه والجهالات التي صاحبتها، وبذلك يعرف أيضاً ما يجب في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام وما يستحيل وما يجوز"( )
"ولما كان الحكم العقلي ينقسم إلى قسمين: ضروري-وهو: ما يدرك بلا تأمل-ونظري-وهو: ما لا يدرك إلا بعد تأمل لزم أنكل واحد من أقسامه ينقسم كذلك إلى ضروري ونظري( )
وسأقوم بتوضيح كل قسم-لغة واصطلاحاً-وأبين ما فيه من مباحث، بإذنه تعالى .
......
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) . ومعنى " ناضرة " حسنة ، وهو صفة للوجوه ،وهو المسوغ للابتداء به , و "ناظرة" خبره ،.... وأما السّنة فأحاديث كحديث : " إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" والتشبيه للرؤية في عدم الشك والخفاء لا للمرئي كما يتوهم ... واما الإجماع فهو أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مجمعين على وقوع الرؤية في الاخرة "(2) .
تعليق