بسم الله الرحمن الرحيم
هذه نقولات كنت وقفت عليها أثناء قرائتي في بعض كتب الإمام الشعراني رحمه الله ، فيها الشكالة من عصره
قال الشعراني رحمه الله:
وقد أدركنا بحمد الله تعالى جملة من أشياخ الطريق أول هذا القرن ، وكانوا على قدم عظيم في العبادة والنسك والورع والخشية وكف الجوارح الظاهرة والباطنة عن الآثام حتى لا تجد أحدهم قط يعمل شيئا يكتبه كاتب الشمال ، وكان للطريق حرمة وهيبة ، وكان الأمراء والملوك يتبركن بأهلها ويقبلون بطون أقدامهم ؛ لما يشهدونه من صفاتهم الحسنة.
فلما ذهبوا زالت حرمة الطريق وأهلها ، وصار الناس يسخرون بأحدهم ويقولون لبعضهم :
" ما دريتم ما جرى . فلان الآخر عمل شيخا " ، كأنهم لا يسلمون له ما يدعيه لما هو عليه من محبة الدنيا وشهواتها والتلذذ بمطاعمها وملابسها ومناكحها والسعي على تحصيلها ، حتى إني قلت لبعض التجار :
لم لا تجتمع بالشيخ الفلاني
فقال : إن كان شيخا فأن الآخر شيخ ، فإنه يحب الدنيا كما أحبها ، ويسعى في تحصيلها كما أسعى ، بل هو أشد مني سعيا على الدينا ؛ لأنه يسافر إلى الروم في طلبها ، وأنا لم أسافر ، وربما أكل الدنيا بصلاحه ، وانا لم آكلها بصلاحي ، فأنا أحسن حالا منه
فأردت أن أجيب عنه فرأيت الحس يكذبني .
وقد رأيت بعيني السلطان الغوري وهو يقبل يد سيدي محمد بن عنان ، ورأيت السلطان طومان باي الذي تولى بعده يقبل بطن رجله ، وطلعت مرة مع سيدي الشيخ أبي الحسن الغمري للسلطان الغوري في شفاعه ، فقام للشيخ وعضده من تحت ابطه وقال :
يا سيدي عززتني في هذا النهار ، فإني ومملكتي كلها لا تفي حق طريقك .
وكان آخر الأشياخ الذين أدركناهم سيدي الشيخ علي المرصفي رضي الله تعالى عنه ، فلما توفي في جمادى الأولى سنة ثلاثين وتسعمائة انحل نظام الطريق في مصر وقراها ، وجلس كثير للمشيخة بأنفسهم من غير إذن من أشياخهم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله اهـ
ثم قال :
فإن من جلس للمشيخة بغير إذن من شيخه ضل وأضل اهـ
وقال في العهود الصغرى :
وقد طلب جماعة من الفقراء كرامة من سيدي عبد العزيز الديريني ليقوى يقينهم ويأخذوا عنه الطريق فقال :
يا أولادي ، وهل بقي لأمثالنا كرامة أعظم من أن الله تعالى يمسك بنا الأرض لنمشي عليها ولا يخسفها بنا ، ووالله يا أولادي إني لأرى المنة لله تعالى كلما رفعت قدمي ووضعتها على الأرض انتهى
وهذا الأمر ما علمته من أحد من إخواننا إلا سيدي أفضل الدين رحمه الله ، وقد دخلت أن وإياه على شخص من مشايخ مصر ، فلما أردنا الانصراف وقرأنا الفاتحة قال الشيخ :
ادعوا أنتم
فقال سيدي أفضل الدين : اللهم إنا قد استحقينا الخسف بنا نحن وأخونا هذا
فقطب الشيخ وجهه ، وذلك لأن غالب هؤلاء الذين تصدروا للمشيخة جلسوا بغير إذن شيخ
بل رأيت من رأى في منامه قائلا يقول له : ابرز للناس ، فبرز ، فنازعه شخص في ذلك ، فارشى جماعة ، فشهدوا له ، وأثبت مشيخته عند قاضي مالكي ، فالله يغفر لنا وله بمنه وكرمه
اهـ البحر المودود في المواثيق والعهود ، ( العهود الصغرى ) 79
وقال رحمه الله
فقال [ الشيخ تاج الدين الذاكر ] لهؤلاء المدعين الذين جلسوا في زماننا هذا بغير إذن من أشياخهم :
بالله عليكم هل شممتم رائحة من ورع هؤلاء القوم أوخوفهم من الله أو هضمهم نفوسهم ؟
لا والله ما شم أحد منهم ذلك ، إنما هي دعاوى كاذبة .
ولو أن هؤلاء كان لهم شيخ لبين لأحدهم عيوبه ونقائصه ، وكان يخاف من الله تعالى أن يدعي كما مقام الإسلام فضلا عن غيره .
وقد درج السلف الصالح الذين لم ندركهم ومن أدركناهم من مشايخ مصر على ضهم نفوسهم مع شدة الاجتهاد في العبادة ليلا ونهارا ، حتى لو أنه قيل لأحدهم : " غدا تقوم القيامة " ما وجد زيادة من استغراقه الزمان كله بالعبادة .
ومع ذلك كان الحسن البصري يقول :
والله لو حلف حالف أن أعمال الحسن أعمال من لا يؤمن بيوم الحساب لقلت له : " صدقت لا أخي لا تكفر عن يمينك "
وسئل الإمام أبو حنيفة عن الأسود وعلقمة : أيهما أفضل
فقال : والله ما نحن بأهل أن نذكرهم ، فكيف نفاضل بينهم ؟!
وقال رجل لإبراهيم التيمي : ما تقول في هذه المسئلة يا فقيه ؟
فقال إبراهيم : والله إن زمانا صار مثلي فيه ينادي بالفقيه لزمان سوء .
وبلغ مالك ابن دينار أن بعض الناس يصفه بالصلاح فقال :
والله إن زمانا صار مثلي فيه موصوفا بالصلاح لزمان ما بقي لأهله صلاح .
وكان ابن أبي رواد يقول : إذا ذكرت أحوال الصالحين بين أمثالنا افتضحوا .
فعلم من جميع ما قررناه من أحوال السلف الصالح أن غالب هؤلاء المدعين الذين برزوا في هذا الزمان عن طريق الصالحين بمعزل .
وما بسطت لك يا أخي هذا المحل إلا مبالغة في زجر هؤلاء المدعين عن الدعوى لإرادة للطريق فضلا عن كونهم من المشايخ ، فضلا عن كون أحدهم فطبا .
وقد أفتى بعض المتأخرين بأنه لا يجوز لنا الاقتداء بغالب هؤلاء المشايخ الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العاشر ، ولا الوقوف عن أقوالهم ؛ لجهلهم بقواعد طريق القوم ، فإن من قواعدها التضلع من الكتاب والسنة حتى يصير يقطع مشايخ الإسلام بالحجج في مجلس المناظرة .
وأما هؤلاء فهم كما ترى [ يعجز ] أحدهم أن يقرأ مثل كتاب أبي شجاع في الفقه ، وعلم التصوف الذين يزعمون فقد أجمع مشايخهم على أنه مشيد بالكتاب والسنة . اهـ الأخلاق المتبولية 141-142
فائدة:
وقال رحمه الله:
وكان شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول :
لا يخلو كلام القوم من ثلاثة أحوال :
إما أن يوافق صريح السنة ، فهذا لا كلام لأحد فيه
وإما أن يخالف صريح السنة ، فهذا لا يجوز لأحد العمل به
وإما أن لا يظهر لنا موافقته ، ولا مخالفته ، فأحسن أحواله التوقف انتهى الأخلاف المتبولية 144- 145
هذه نقولات كنت وقفت عليها أثناء قرائتي في بعض كتب الإمام الشعراني رحمه الله ، فيها الشكالة من عصره
قال الشعراني رحمه الله:
وقد أدركنا بحمد الله تعالى جملة من أشياخ الطريق أول هذا القرن ، وكانوا على قدم عظيم في العبادة والنسك والورع والخشية وكف الجوارح الظاهرة والباطنة عن الآثام حتى لا تجد أحدهم قط يعمل شيئا يكتبه كاتب الشمال ، وكان للطريق حرمة وهيبة ، وكان الأمراء والملوك يتبركن بأهلها ويقبلون بطون أقدامهم ؛ لما يشهدونه من صفاتهم الحسنة.
فلما ذهبوا زالت حرمة الطريق وأهلها ، وصار الناس يسخرون بأحدهم ويقولون لبعضهم :
" ما دريتم ما جرى . فلان الآخر عمل شيخا " ، كأنهم لا يسلمون له ما يدعيه لما هو عليه من محبة الدنيا وشهواتها والتلذذ بمطاعمها وملابسها ومناكحها والسعي على تحصيلها ، حتى إني قلت لبعض التجار :
لم لا تجتمع بالشيخ الفلاني
فقال : إن كان شيخا فأن الآخر شيخ ، فإنه يحب الدنيا كما أحبها ، ويسعى في تحصيلها كما أسعى ، بل هو أشد مني سعيا على الدينا ؛ لأنه يسافر إلى الروم في طلبها ، وأنا لم أسافر ، وربما أكل الدنيا بصلاحه ، وانا لم آكلها بصلاحي ، فأنا أحسن حالا منه
فأردت أن أجيب عنه فرأيت الحس يكذبني .
وقد رأيت بعيني السلطان الغوري وهو يقبل يد سيدي محمد بن عنان ، ورأيت السلطان طومان باي الذي تولى بعده يقبل بطن رجله ، وطلعت مرة مع سيدي الشيخ أبي الحسن الغمري للسلطان الغوري في شفاعه ، فقام للشيخ وعضده من تحت ابطه وقال :
يا سيدي عززتني في هذا النهار ، فإني ومملكتي كلها لا تفي حق طريقك .
وكان آخر الأشياخ الذين أدركناهم سيدي الشيخ علي المرصفي رضي الله تعالى عنه ، فلما توفي في جمادى الأولى سنة ثلاثين وتسعمائة انحل نظام الطريق في مصر وقراها ، وجلس كثير للمشيخة بأنفسهم من غير إذن من أشياخهم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله اهـ
ثم قال :
فإن من جلس للمشيخة بغير إذن من شيخه ضل وأضل اهـ
وقال في العهود الصغرى :
وقد طلب جماعة من الفقراء كرامة من سيدي عبد العزيز الديريني ليقوى يقينهم ويأخذوا عنه الطريق فقال :
يا أولادي ، وهل بقي لأمثالنا كرامة أعظم من أن الله تعالى يمسك بنا الأرض لنمشي عليها ولا يخسفها بنا ، ووالله يا أولادي إني لأرى المنة لله تعالى كلما رفعت قدمي ووضعتها على الأرض انتهى
وهذا الأمر ما علمته من أحد من إخواننا إلا سيدي أفضل الدين رحمه الله ، وقد دخلت أن وإياه على شخص من مشايخ مصر ، فلما أردنا الانصراف وقرأنا الفاتحة قال الشيخ :
ادعوا أنتم
فقال سيدي أفضل الدين : اللهم إنا قد استحقينا الخسف بنا نحن وأخونا هذا
فقطب الشيخ وجهه ، وذلك لأن غالب هؤلاء الذين تصدروا للمشيخة جلسوا بغير إذن شيخ
بل رأيت من رأى في منامه قائلا يقول له : ابرز للناس ، فبرز ، فنازعه شخص في ذلك ، فارشى جماعة ، فشهدوا له ، وأثبت مشيخته عند قاضي مالكي ، فالله يغفر لنا وله بمنه وكرمه
اهـ البحر المودود في المواثيق والعهود ، ( العهود الصغرى ) 79
وقال رحمه الله
فقال [ الشيخ تاج الدين الذاكر ] لهؤلاء المدعين الذين جلسوا في زماننا هذا بغير إذن من أشياخهم :
بالله عليكم هل شممتم رائحة من ورع هؤلاء القوم أوخوفهم من الله أو هضمهم نفوسهم ؟
لا والله ما شم أحد منهم ذلك ، إنما هي دعاوى كاذبة .
ولو أن هؤلاء كان لهم شيخ لبين لأحدهم عيوبه ونقائصه ، وكان يخاف من الله تعالى أن يدعي كما مقام الإسلام فضلا عن غيره .
وقد درج السلف الصالح الذين لم ندركهم ومن أدركناهم من مشايخ مصر على ضهم نفوسهم مع شدة الاجتهاد في العبادة ليلا ونهارا ، حتى لو أنه قيل لأحدهم : " غدا تقوم القيامة " ما وجد زيادة من استغراقه الزمان كله بالعبادة .
ومع ذلك كان الحسن البصري يقول :
والله لو حلف حالف أن أعمال الحسن أعمال من لا يؤمن بيوم الحساب لقلت له : " صدقت لا أخي لا تكفر عن يمينك "
وسئل الإمام أبو حنيفة عن الأسود وعلقمة : أيهما أفضل
فقال : والله ما نحن بأهل أن نذكرهم ، فكيف نفاضل بينهم ؟!
وقال رجل لإبراهيم التيمي : ما تقول في هذه المسئلة يا فقيه ؟
فقال إبراهيم : والله إن زمانا صار مثلي فيه ينادي بالفقيه لزمان سوء .
وبلغ مالك ابن دينار أن بعض الناس يصفه بالصلاح فقال :
والله إن زمانا صار مثلي فيه موصوفا بالصلاح لزمان ما بقي لأهله صلاح .
وكان ابن أبي رواد يقول : إذا ذكرت أحوال الصالحين بين أمثالنا افتضحوا .
فعلم من جميع ما قررناه من أحوال السلف الصالح أن غالب هؤلاء المدعين الذين برزوا في هذا الزمان عن طريق الصالحين بمعزل .
وما بسطت لك يا أخي هذا المحل إلا مبالغة في زجر هؤلاء المدعين عن الدعوى لإرادة للطريق فضلا عن كونهم من المشايخ ، فضلا عن كون أحدهم فطبا .
وقد أفتى بعض المتأخرين بأنه لا يجوز لنا الاقتداء بغالب هؤلاء المشايخ الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العاشر ، ولا الوقوف عن أقوالهم ؛ لجهلهم بقواعد طريق القوم ، فإن من قواعدها التضلع من الكتاب والسنة حتى يصير يقطع مشايخ الإسلام بالحجج في مجلس المناظرة .
وأما هؤلاء فهم كما ترى [ يعجز ] أحدهم أن يقرأ مثل كتاب أبي شجاع في الفقه ، وعلم التصوف الذين يزعمون فقد أجمع مشايخهم على أنه مشيد بالكتاب والسنة . اهـ الأخلاق المتبولية 141-142
فائدة:
وقال رحمه الله:
وكان شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول :
لا يخلو كلام القوم من ثلاثة أحوال :
إما أن يوافق صريح السنة ، فهذا لا كلام لأحد فيه
وإما أن يخالف صريح السنة ، فهذا لا يجوز لأحد العمل به
وإما أن لا يظهر لنا موافقته ، ولا مخالفته ، فأحسن أحواله التوقف انتهى الأخلاف المتبولية 144- 145
تعليق