شكاية الشعراني من صوفية عصره وتصدرهم بغير تأهل

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أشرف سهيل
    طالب علم
    • Aug 2006
    • 1845

    #1

    شكاية الشعراني من صوفية عصره وتصدرهم بغير تأهل

    بسم الله الرحمن الرحيم
    هذه نقولات كنت وقفت عليها أثناء قرائتي في بعض كتب الإمام الشعراني رحمه الله ، فيها الشكالة من عصره



    قال الشعراني رحمه الله:
    وقد أدركنا بحمد الله تعالى جملة من أشياخ الطريق أول هذا القرن ، وكانوا على قدم عظيم في العبادة والنسك والورع والخشية وكف الجوارح الظاهرة والباطنة عن الآثام حتى لا تجد أحدهم قط يعمل شيئا يكتبه كاتب الشمال ، وكان للطريق حرمة وهيبة ، وكان الأمراء والملوك يتبركن بأهلها ويقبلون بطون أقدامهم ؛ لما يشهدونه من صفاتهم الحسنة.

    فلما ذهبوا زالت حرمة الطريق وأهلها ، وصار الناس يسخرون بأحدهم ويقولون لبعضهم :
    " ما دريتم ما جرى . فلان الآخر عمل شيخا " ، كأنهم لا يسلمون له ما يدعيه لما هو عليه من محبة الدنيا وشهواتها والتلذذ بمطاعمها وملابسها ومناكحها والسعي على تحصيلها ، حتى إني قلت لبعض التجار :
    لم لا تجتمع بالشيخ الفلاني
    فقال : إن كان شيخا فأن الآخر شيخ ، فإنه يحب الدنيا كما أحبها ، ويسعى في تحصيلها كما أسعى ، بل هو أشد مني سعيا على الدينا ؛ لأنه يسافر إلى الروم في طلبها ، وأنا لم أسافر ، وربما أكل الدنيا بصلاحه ، وانا لم آكلها بصلاحي ، فأنا أحسن حالا منه
    فأردت أن أجيب عنه فرأيت الحس يكذبني .

    وقد رأيت بعيني السلطان الغوري وهو يقبل يد سيدي محمد بن عنان ، ورأيت السلطان طومان باي الذي تولى بعده يقبل بطن رجله ، وطلعت مرة مع سيدي الشيخ أبي الحسن الغمري للسلطان الغوري في شفاعه ، فقام للشيخ وعضده من تحت ابطه وقال :
    يا سيدي عززتني في هذا النهار ، فإني ومملكتي كلها لا تفي حق طريقك .

    وكان آخر الأشياخ الذين أدركناهم سيدي الشيخ علي المرصفي رضي الله تعالى عنه ، فلما توفي في جمادى الأولى سنة ثلاثين وتسعمائة انحل نظام الطريق في مصر وقراها ، وجلس كثير للمشيخة بأنفسهم من غير إذن من أشياخهم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله
    اهـ



    ثم قال :
    فإن من جلس للمشيخة بغير إذن من شيخه ضل وأضل اهـ


    وقال في العهود الصغرى :
    وقد طلب جماعة من الفقراء كرامة من سيدي عبد العزيز الديريني ليقوى يقينهم ويأخذوا عنه الطريق فقال :
    يا أولادي ، وهل بقي لأمثالنا كرامة أعظم من أن الله تعالى يمسك بنا الأرض لنمشي عليها ولا يخسفها بنا ، ووالله يا أولادي إني لأرى المنة لله تعالى كلما رفعت قدمي ووضعتها على الأرض انتهى

    وهذا الأمر ما علمته من أحد من إخواننا إلا سيدي أفضل الدين رحمه الله ، وقد دخلت أن وإياه على شخص من مشايخ مصر ، فلما أردنا الانصراف وقرأنا الفاتحة قال الشيخ :
    ادعوا أنتم
    فقال سيدي أفضل الدين : اللهم إنا قد استحقينا الخسف بنا نحن وأخونا هذا
    فقطب الشيخ وجهه ، وذلك لأن غالب هؤلاء الذين تصدروا للمشيخة جلسوا بغير إذن شيخ
    بل رأيت من رأى في منامه قائلا يقول له : ابرز للناس ، فبرز ، فنازعه شخص في ذلك ، فارشى جماعة ، فشهدوا له ، وأثبت مشيخته عند قاضي مالكي ، فالله يغفر لنا وله بمنه وكرمه

    اهـ البحر المودود في المواثيق والعهود ، ( العهود الصغرى ) 79


    وقال رحمه الله
    فقال [ الشيخ تاج الدين الذاكر ] لهؤلاء المدعين الذين جلسوا في زماننا هذا بغير إذن من أشياخهم :
    بالله عليكم هل شممتم رائحة من ورع هؤلاء القوم أوخوفهم من الله أو هضمهم نفوسهم ؟
    لا والله ما شم أحد منهم ذلك ، إنما هي دعاوى كاذبة .
    ولو أن هؤلاء كان لهم شيخ لبين لأحدهم عيوبه ونقائصه ، وكان يخاف من الله تعالى أن يدعي كما مقام الإسلام فضلا عن غيره .

    وقد درج السلف الصالح الذين لم ندركهم ومن أدركناهم من مشايخ مصر على ضهم نفوسهم مع شدة الاجتهاد في العبادة ليلا ونهارا ، حتى لو أنه قيل لأحدهم : " غدا تقوم القيامة " ما وجد زيادة من استغراقه الزمان كله بالعبادة .
    ومع ذلك كان الحسن البصري يقول :
    والله لو حلف حالف أن أعمال الحسن أعمال من لا يؤمن بيوم الحساب لقلت له : " صدقت لا أخي لا تكفر عن يمينك "
    وسئل الإمام أبو حنيفة عن الأسود وعلقمة : أيهما أفضل
    فقال : والله ما نحن بأهل أن نذكرهم ، فكيف نفاضل بينهم ؟!
    وقال رجل لإبراهيم التيمي : ما تقول في هذه المسئلة يا فقيه ؟
    فقال إبراهيم : والله إن زمانا صار مثلي فيه ينادي بالفقيه لزمان سوء .

    وبلغ مالك ابن دينار أن بعض الناس يصفه بالصلاح فقال :
    والله إن زمانا صار مثلي فيه موصوفا بالصلاح لزمان ما بقي لأهله صلاح .
    وكان ابن أبي رواد يقول : إذا ذكرت أحوال الصالحين بين أمثالنا افتضحوا .

    فعلم من جميع ما قررناه من أحوال السلف الصالح أن غالب هؤلاء المدعين الذين برزوا في هذا الزمان عن طريق الصالحين بمعزل .
    وما بسطت لك يا أخي هذا المحل إلا مبالغة في زجر هؤلاء المدعين عن الدعوى لإرادة للطريق فضلا عن كونهم من المشايخ ، فضلا عن كون أحدهم فطبا .
    وقد أفتى بعض المتأخرين بأنه لا يجوز لنا الاقتداء بغالب هؤلاء المشايخ الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العاشر ، ولا الوقوف عن أقوالهم ؛ لجهلهم بقواعد طريق القوم ، فإن من قواعدها التضلع من الكتاب والسنة حتى يصير يقطع مشايخ الإسلام بالحجج في مجلس المناظرة .

    وأما هؤلاء فهم كما ترى [ يعجز ] أحدهم أن يقرأ مثل كتاب أبي شجاع في الفقه ، وعلم التصوف الذين يزعمون فقد أجمع مشايخهم على أنه مشيد بالكتاب والسنة
    . اهـ الأخلاق المتبولية 141-142


    فائدة:

    وقال رحمه الله:
    وكان شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول :
    لا يخلو كلام القوم من ثلاثة أحوال :
    إما أن يوافق صريح السنة ، فهذا لا كلام لأحد فيه
    وإما أن يخالف صريح السنة ، فهذا لا يجوز لأحد العمل به
    وإما أن لا يظهر لنا موافقته ، ولا مخالفته ، فأحسن أحواله التوقف
    انتهى الأخلاف المتبولية 144- 145
    اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين
  • عثمان عمر عثمان
    طالب علم
    • May 2005
    • 459

    #2
    بوركتم سيدي أشرف

    ولشيخ كتاب فريد يرد فيه علي مدعي التصوف وجهلة المتصوفة ما خالفوا فيه سلفهم الصالح

    وهو كتابه
    تنبيه المغترين أوائل القرن العاشر علي ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر

    وهو كتاب فريد جدا يكتب بالذهب! يجب علي كل سالك ان يقرأه ويتأمل ما فيه

    قال رحمه الله عن كتابه هذا " فهو كالكتاب المسمي بالمنهاج لإمام النووي في الفقه فكما أن علماء العصر يفتون الناس بما فيه وما حوي من الترجيحات كذلك علماء الصوفية رضي الله عنهم يفتون بما في هذا الكتاب من النقول المحررات الجيدات فإني شيدت أخلاقه بأفعال السلف الصالح من الصحابة انتهي



    ومما قاله فيه
    وهو كالسيف القاطع لعنق كل مدع للمشيخة في هذا الزمان وبغير حق لأنه يفلسه حتي يري نفسه منسلخة من اخلاق القوم كما تنسلخ الحية من ثوبها واني اعرف بعض جماعة بلغهم أمر هذا الكتاب فتكدروا ولو أمكنهم سرقته وغسله لفعلوا خوفا أن ينظر فيه احد ممن يعتقدهم فيتغير اعتقاده فيهم حين يراهم بمعزل عن التخلق بأخلاق القوم الذين يزعمون انهم خلفاؤهم انتهي

    تراه ماذا سيقول لو عاش هذا الزمن !

    قال الإمام العلامة ابن رسلان
    دواء قلبك خمس عند قسوته = فادأب عليها تفز بالخير و الظفر
    خلاء بطن و قرآن تدبـره = كذا تضرّع باك ساعة السحـر
    ثم التهجد جنح الليل أوسطه=و أن تجالس أهل الخير و الخيـر

    تعليق

    • إنصاف بنت محمد الشامي
      طالب علم
      • Sep 2010
      • 1620

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة أشرف سهيل
      ... ... ... ... ...
      فعلم من جميع ما قررناه من أحوال السلف الصالح أن غالب هؤلاء المدعين الذين برزوا في هذا الزمان هُم عن طريق الصالحين بمعزل .
      وما بسطت لك يا أخي هذا المحل إلا مبالغة في زجر هؤلاء المدعين عن الدعوى لإرادة للطريق فضلا عن كونهم من المشايخ ، فضلا عن كون أحدهم فطبا .
      وقد أفتى بعض المتأخرين بأنه لا يجوز لنا الاقتداء بغالب هؤلاء المشايخ الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العاشر ، ولا الوقوف عن أقوالهم ؛ لجهلهم بقواعد طريق القوم ، فإن من قواعدها التضلع من الكتاب والسنة حتى يصير يقطع مشايخ الإسلام بالحجج في مجلس المناظرة .
      وأما هؤلاء فهم كما ترى [ يعجز ] أحدهم أن يقرأ مثل كتاب أبي شجاع في الفقه ، وعلم التصوف الذين يزعمون فقد أجمع مشايخهم على أنه مشيد بالكتاب والسنة [/COLOR]. اهـ الأخلاق المتبولية 141-142
      فائدة: و قال رحمه الله:
      وكان شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول :
      لا يخلو كلام القوم من ثلاثة أحوال :
      إما أن يوافق صريح السنة ، فهذا لا كلام لأحد فيه
      وإما أن يخالف صريح السنة ، فهذا لا يجوز لأحد العمل به
      وإما أن لا يظهر لنا موافقته ، و لا مخالفته ، فأحسن أحواله التوقف
      انتهى الأخلاف المتبولية 144- 145
      رائع ... مُهِمّ .. أسـاس .. ضرورِيّ ...
      ما شــآء الله .. اختيار موفّق وَ عرض ممتاز ... جزاكم الله خيراً حضرة الفاضل مولانا الشيخ أشرف .. وَ زادكم هدىً وَ نوراً وَ توفيقاً ...
      وَ فساد أحوال مُدّعِي الطريق في الأزمنة المتأخّرة من جملة أكبر أسباب حزني وَ غَمِّي وَ زيادة همومي وَ اللهُ المستعان .
      وَ مِمّا يؤَيِّدُ ما تفضّلتُم بِهِ هنا ما أشارتُ إليه هذه الأمة الضعيفة بإِيجازٍ شديد في المشاركة ذات رقم (13) على الرابط التالي :
      http://www.aslein.net/showthread.php?t=16504
      وَ لم أقصِد بما ذكرتُ هناك من ذلك الشرط في الشـاذلِيّة العلِيّة ، أدام اللهُ نورها وَ مجدها ، أنَّهُ الشرط الوحيد في سلوكِها وَ لكنْ للتمثيل بِذلك على جهل أكثر المنتسبين إليها اليوم بِحقيقة المقام ... و اللهُ أعلم .
      وَ أرجو المعذرة ... لكِنّها أمانة ، و اللهُ المستعان ...
      ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
      خادمة الطالبات
      ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

      إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

      تعليق

      • إنصاف بنت محمد الشامي
        طالب علم
        • Sep 2010
        • 1620

        #4

        وَ هذه قبسات من شرح سيّدي ابن عبّاد على الحِكَم العطائِيّة رأيتُ أنْ أُعيدَها هنا لنعرِضَ حالنا عليها عسى أنْ تُفيدَنا تنبيهاً جديداً وَ أَنْ تعمَّ الفائدة إِنْ شـاء الله ..
        قال رحمه الله :

        " ... ... و قد تكلم صاحب كتاب "عوارف المعارف" في "القبض" و "البسـط" بكلام بديعٍ طويل ، تركت نقله ههنا اختصارا ، فمن أراده فلينظره هناك.
        [قال في الحِكَم] ( العَارِفونَ إِذَا بُسِطُوا ، أَخْوَفُ مِنْهُم إِذا قُبِضُوا ، و لا يَقِفُ على حُدُودِ الأدبِ في البَسْطِ إلا قَليلٌ ):
        [قال الشارح ابن عبّاد] إنما اشتد خوف العارفين في البسطِ، ما لم يشتد في القبضِ مِنْ قِبَل مُلاءَمَتِهِ لِهَوى أَنفُسهم؛ بخلاف القبضِ كَما سـيقوله المؤلف الآن.
        فيخافونَ حِينَئِذٍ من رُجُوعهم إليهِ و ذَوقِهم لِطَعمِ نُفوسِهِم ، و في ذلكَ الطَّردُ و البُعدُ.
        و قد كتب يوسف بن الحسين الرازي إلى الجنيد رضي الله تعالى عنهما : " لا أذاقكَ الله طعمَ نفسِـكَ ، فإنك إِن ذُقتَها لا تذوقُ بعدَها خَيْراً أَبداً ".
        و مِنْ ثمَّ يتأكَّدُ عليهم في ذلك مُلازَمَةُ الأدبِ و دَوامُ الانقباضِ و الانكسارِ، و ذلك أمرٌ عسيرٌ في هذهِ الحالِ؛ و لذلك لا يَقِفُ على حدودِ الأدبِ في البسطِ، إلا قليلٌ، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى.
        و قد قيل: " قف على البساطِ، و إياك و الانبساطَ ".
        و قال رجلٌ لأبي محمد الجُرَيْرِيّ رضي الله تعالى عنه : " كنتُ على بساطِ الأنسِ و فَتَحَ عليَّ طريقَ البسطِ ، فزلَلْتُ زَلّةً فحُجِبتُ عن مَقامي ، فكيف السبيل إليهِ ، دُلَّني على الوصولِ إلى ما كنتُ عليهِ ؛ فبكى أبو محمد، و قال: يا أخي ، الكلُّ في قهرِ هذه الحيطة ، لَكِنِّي أنشدت أبياتاً لبعضهم، و أنشـأَ يقولُ:

        قِفْ بالديارِ فهذهِ آثارُهمْ *** تبْكِي الأحبةَ حَسْـرَةً و تَشَـوُّقَا
        كم قد وقفتُ برَبْعِها مُسْـتَخبِراً *** عن أهلِها و مُسَائِلاً أو مُشْـفِقا
        فأجابَنِي دَاعي الْهَوَى في رَسْـمِها: *** فارقتَ مَنْ تَهْوَى فَعَزَّ الْمُلتَقَى
        ." .
        و سُـئِل بعضُ المشايخِ عن هذه الزلَّةِ فقال: " انبِسـاطٌ مع الحقِّ بغيرِ أدبٍ ".
        قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه: " و من هذا خشِيَ الأكابرُ و السادةُ ... ".
        قال في "لطائف المِنَن" : " البَسْـطُ مزَلَّةُ أقدامِ الرجالِ ، فهو مُوجِبٌ لِمَزيدِ حَذَرِهمْ و كثْرةِ لَجَأِهِمْ . و القبضُ أقربُ إلى وجودِ السلامةِ لأنَّه وَطَنُ العَبْد [ أو العبْدِيّة] إذْ هو في أَسْـرِ قبضةِ اللهِ و إِحاطةُ الحقِّ مُحيطَةٌ بهِ ؛ و من أين يكون للعبد البسطُ و هذا شأنهُ ؟!!. و البَسْطُ خُروجٌ عن حُكمِ وقتهِ.
        و القبضُ، هو اللائقُ بهذهِ الدارِ ، إذ هِيَ وطنُ التكليفِ ، و إِبْهام الخاتمةِ و عَدمُ العلمِ بالسابقةِ و الْمُطالبةُ بحقوقِ اللهِ تعالى.
        قال: و أخبرني بعض الصوفية قال : رأى شـيخنا شـيخهُ في المنامِ بعد موتهِ مقبوضاً، فقال له: يا أسـتاذ، مالك مَقْبوضاً ؟ فقال له: يا بُنَيَّ ، القبضُ و البسطُ مقامانِ مَنْ لم يُوفِّهِما في الدُّنيا وَفَّاهُما في الآخرةِ . قال: و كان هذا الشيخُ الغالبُ عليه في حياتهِ البسط " . انتهى.
        [قال في الحِكَم]( البسطُ، تأخذ النفسُ منه حظَّهَا بوجود الفرحِ ، و القبضُ لا حَظَّ للنفسِ فيهِ ):
        [قال الشارح ابن عبّاد] في هذا إشارةٌ لما تقدمَ ، من أن مراعاة الأدبِ في البسطِ أمرٌ عسـيرٌ.
        و ذلك أن في البسطِ وجودَ حظِّ النفسِ ، فـيستولِي عليها الفرحُ بذلك ، فلا تَتمالكُ حتى تَقعَ في سُــوءِ الأدبِ . و القبضُ ليس فيه حظٌّ للنفسِ ، فلذلكَ كانَ أسْــلمَ.
        و كان الأسـتاذ أبو عليّ الدقاق رضي الله تعالى عنه يقول: " القبضُ حَقُّ الحقِّ منكَ و البسطُ حظُّ العبدِ منهُ ، و لَأَنْ تَكونَ بحقهِ مِنْكَ أَتَمّ من أن تَكونَ بِحظِّكَ منهُ ".

        و أما آداب القبضِ و البسطِ ، فلا أعلم الآن من اسـتوفى الكلام فيهما مِنْ علماء الصوفيةِ و مُصَنّـفِـيهم ؛ و إنما وجدنا لهم من ذلك إشارات إلى أمور جُمْلِيَّةٍ.
        كـقول الإمام أبي القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه ، بعد أن تكلم على لفظتي "القبض" و "البسط" و بيّن معانيهما ، إلى أن قال:
        " و قد يكون قبضٌ يُشْـكِلُ على صاحبهِ سَــبَبُهُ .. يجدُ في قلبهِ قَبْضاً لا يَدْري ما مُوجِبُه و سَــبَبُهُ.
        و سـبيلُ صاحبِ هذا القبضِ التسليمُ حتى يمضِيَ ذلكَ الوقتُ ؛ لأنهُ لو تَكَلَّفَ نفيَهُ أو اسْـتَقْبلَ الوقتَ قبْلَ هُجومِهِ عليهِ باختيارهِ ، زادَ في قَبْضِهِ ، و لعلَّه يفيدُ ذلكَ منهُ سُــوءَ أدَبٍ ، و إذا استسلمَ لحكمِ الوقتِ فعَنْ قريبٍ يزولُ القبضُ ، فإن الحق سبحانه قالَ: { وَ اللّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْسُطُ } [البقرة:245].
        و قد يكون بسْــطٌ يَرِدُ بَغتةً و يُصادفُ صاحِبَهُ فَلْتَةً ، لا يَعرِفُ لهُ سَبباً ، يهُزُّ صاحبَهُ و يسْـتَـفِـزُّه ، فســبيل صاحِبِهِ السُّـكونُ و مُراعاةُ الأدبِ ؛ فإنَّهُ في هذا الوقتِ لهُ خَطرٌ عَظيمٌ ، فلْيحْذَر صاحِبُهُ مَكْـراً خَفِياًّ.
        كما قال بعضهم: " فُتِحَ علي بابٌ منَ البسطِ فزَلَلْتُ زَلَّةً فحُجِبْتُ عن مَقَامِي " . اهـ . كلامُ الإمامِ أبي القاسم رضي الله عنه .
        و قد رأيتُ كلاماً مَبسـوطاً متسـوفىً في آداب القبض و البسـط لسيدي الإمام الشيخ أبي الحسنِ الشاذلي رضي الله تعالى عنهُ ، فأحبَبتُ أن أَذْكُرَه هَهُنا ، لِتَتِمَّ بهِ الفائِدةُ الَّتي تَعرَّضَ لها المؤلفُ رحمهُ الله تعالى ، و إنْ كانَ كلامُ الشـيخِ أبي الحسنِ في ذلكَ أعمَّ مِمَّا هو عندَ غيرِهِ مِن أئمةِ الصوفيةِ.
        قال رضيَ الله تعالى عنهُ: " القبضُ و البسـطُ قلَّما يخلو العبدُ منهما ، و هما يَتعاقَبانِ كـتعاقبِ الليلِ و النهارِ ، و الحقُّ سـُـبحانَه يرتضي منك العبوديةَ فيهِمَا.
        - فمن كان وقتَهُ القبضُ ، فلا يخلُو من أن يعلمَ سـبَبَهُ أوْ لا يعلمَ .. و أسـبابُ القبضِ ثلاثةٌ:
        ذَنْبٌ أحدَثْتَهُ.
        أو دُنْيا ذَهَبَتْ عنْكَ ، أو نقَصَت لكَ.
        أو ظالمٌ يؤذيكَ في نفسِكَ ، أو في عِرضِك ، أو يَنْسبك لغير دينِ ، أو غيرَ ذلك.
        فإذا ورد عليك القبضُ من أحد هذه الأسبابِ فالعبوديةُ تقتَضِي أن ترجِعَ إلى العِلمِ ، مُسـتَعمِلاً لهُ ، كما أمركَ الله تعالى.
        أما في الذنبِ ، فبالتوبةِ و الإنابةِ و طلبِ الإقالةِ.
        و أما فيما ذهبَ عنكَ من الدُّنيَا أو نَقَصَ ، فبِالتَّسليمِ و الرِّضَا و الاحتسـابِ.
        و أما فيما يؤذيكَ بهِ ظالمٌ ، فبالصبرِ و الاحتمالِ ؛
        و احذرْ أن تظلِمَ نفسَـكَ ، فيجتَمِعَ عليكَ ظُلمانِ ، ظلمُ غيركَ لكَ و ظلمُكَ لِنَفسكَ ؛ فإنْ فعلتَ ما التزمتَ بهِ من الصبرِ و الاحتمالِ ، أثابكَ سَـعَةَ الصدرِ حتَّى تَعفُو و تَصْفَحَ ؛ و رُبَّما أثابكَ من نُورِ الرِّضَا ما ترْحَمُ بهِ من ظَلَمكَ ، فتَدْعوَ لهُ فتُجابَ فيهِ دعوَتُكَ .
        و ما أحسنَ ذلكَ ، إذا رحِمَ الله بِكَ من ظَلَمَكَ ، فتلكَ درجاتُ الصدِّيقينَ الرُّحماءِ ؛ و تَوكَّل على اللهِ ، إنَّ اللهَ يُحبُّ المتوكلينَ .
        و أما إذا ورد عليك القبضُ و لم تعلمْ لهُ سَــبَباً:
        فالوقتُ وقتانِ : ليلٌ و نهارٌ ؛ فالقبضُ أشــبهُ شيءٍ بالليلِ ، و البسْـطُ أشـبهُ شيءٍ بالنهارِ ؛ فإذا ورَدَ القبضُ بغير ســبَبٍ تعلَمُهُ فالواجبُ عليكَ السُـكونُ .
        و السُـكون على ثلاثة أشـياءَ : عن الأقوالِ و الحركاتِ و الإراداتِ.
        فإن فعلت ذلكَ فعن قريبٍ يذهبْ عنك الليلُ بطلوعِ شمسِ نهاركَ ، أو ببَدْرِ نجْمٍ تهتدي بهِ ، أو قمَرٍ تسـتضيءُ بهِ ، أو شـمسٍ تتَبصَّرُ بِها.
        و النجومُ نجومُ العِلْمِ ، و القمرُ قمَرُ التوحيدِ ، و الشمسُ شـمسُ المعرفةِ ؛ و إن تحرَّكْتَ في ظلمةِ لَيْلِكَ فقلَّما تسْــلَمُ من الهلاكِ ، و اعتبرْ بقولهِ تعالى { وَ مِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ لِتَسْـكـُنُوا فِيهِ وَ لِـتَـبْـتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْـكُرُونَ} [القصص:73] ؛ فهذا حكمُ العبوديةِ في القبضتينِ جَمِيعاً.
        - و أمّا مَنْ كان وقتُهُ البَسْـطَ ، فلا يخلو من أن يعلمَ له سَــبَباً أوْ لا .. و الأسْــباب ثلاثة:
        الأولُ : زيادةٌ في الطاعةِ ، أو نوالٌ في الْمُطاعِ [مِنَ المُطاعِ] ، كالعِلْمِ و المَعرِفةِ.
        و الســببُ الثاني: زيادةٌ من دُنياً بكَسْـبٍ أو كَـرامةِ أوْ هِبَةٍ أو صِلَةٍ.
        و السـبب الثالثُ: بالمدحِ و الثناءِ مِنَ الناسِ ، و إِقبالِهِم عليكَ بـطلَبِ الدُعاءِ منكَ و تقبيلِ يديكَ .
        فإذا ورد عليك البسطُ من أحد هذه الأسـبابِ فالعبوديةُ تقتضي أن ترى أثرَ النِعمَةِ و المِنَّةِ من اللهِ عليكَ.
        و احذَرْ أن تَرَى شَـيْئاً من ذلكَ لِنفْسِـك ، وَ حَصِّنْها أنْ لا يُلَازِمَهَا خَوْفُ السَّـلْبِ ، مِمّا بهِ أنعمَ عليكَ ، فتكونَ مَمْقوتاً .
        هذا في جانبِ الطاعةِ و النَوالِ مِنَ اللهِ تعالى.
        و أمّا الزيادةُ من الدنيا ، فهيَ نعمةٌ أيْضاً ، كَالأولى ، و خَفْ مِمَّا بَطَنَ مِن آفاتِهَا.
        و أما مدحُ الناسِ لكَ ، و ثناؤُهُم عليكَ ، فالعبوديةُ تقتضي شُـكرَ النعمةِ بما سـترَهُ عليكَ .
        و خَفْ من اللهِ تعالى أن يُظهِرَ ذَرَّةً مما بَطَنَ منكَ فيَمقُتَك أقربُ الناس إليكَ.
        فهذه آداب القبض و البسطِ، في العُبُوديّةِ.
        و أما البَـسْـطُ الذي لا تَـعْـلمُ له سَــبَـباً ، فحقُّ العبودية فيهِ ترك المسؤولِ [السُؤْلِ] و الإدلالِ و الصولةِ على النساءِ و الرجالِ.
        اللهم إلا أن تقول: " سَـلِّمْ سَـلِّمْ " إلى المماتِ ؛ فهذهِ آدابُ القبضِ و البسْـطِ في العبوديةِ جَميعاً ، إن عَـقـلْتَ ، و السَّلام . " . انتهى ما ذكَـره الشـيْخُ أبو الحَسَـنِ رضي الله عنه ، وَ كلَامهُ في ذلكَ حَسَـنٌ ، و الحمدُ لله الذي بيده سَـوابغ المِنَن ." ...
        ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
        خادمة الطالبات
        ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

        إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

        تعليق

        • إنصاف بنت محمد الشامي
          طالب علم
          • Sep 2010
          • 1620

          #5
          خَيْرُ ما تطْلُبُ مِنْهُ *** هُوَّ ما يَطْلُبُ مِنْكا
          فاسْـأَلِ التوفيقَ مِنْهُ *** لِلّذِي يُرْضِيهِ عنْكا
          ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
          خادمة الطالبات
          ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

          إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

          تعليق

          يعمل...