أما نقد الناقد:
"زعمهم أن الله يتشكل بأشكال الحيوانات"
حكى صاحب الرشحات أن الشيخ بهاء الدين عمر كان يركب فرسا أبيض في كل الأوقات فسئل عن ذلك فأجاب بأن اختياره للفرس الأبيض لأن بعض التجليات الصورية مشهودا له كذلك. فمثلا وقع التجلي الصوري لموسى في شكل شجرة بالوادي المقدس ووقع التجلي الصوري لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في صورة شاب مخطط الوجه، وقال الشيخ محي الدين ابن عربي: رأيت ربي على صورة الفرس.
قال: وهكذا فالسالكون يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وإنسان... وغاية التجلي الصوري وأفضله أن يتجلى الله للسالك في صورة صاحب التجلي... ومنشأ هذا الظهور قول القائل: سبحاني وأنا الحق، وما في الجبة إلا الله، وهل في الدارين غيري، وأمثال ذلك من أدلة حصول التجلي؛ اهـ
فجوابه:
في قوله تعالى: { ِإنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ } [البقرة : 26] ..
ففي الآية يبين الله تعالى، أن المؤمنين يعلمون أن هذا المثال الخلقي الدلالي هو الحق من الله عز وجل ..
فالمنعكس أو التجلي الصوري، لمعاني الربوبية وآيات الألوهية للحق في الخلق، منعكس يقوي الإيمان الاستدلالي في قلب المؤمن عندما تتجلى صفات الربوبية في الخلق، أي تدل الصناعة الخلقية على عظمة الخالق، وأمر بديهي للصفات الصورية الدلالية للحق في الخلق، وليس ذات الحق، وهذا جانب الشرك الذي لا وجود له هنا أبداً ..
ألم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )؛ (1) ..
أليس في ذلك لفتة كريمة من النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ..
ألم يقل تعالى: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [30] إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ [31] فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } [صـ : 32] ..
أي أن نبي الله سليمان تجلت معرفة الله عنده بدوام الذكر، فغلب عليه حب الخير بالعناية بالخيل من هذه التجليات ..
والدليل قول صاحب الرشحات: ( وهكذا فالسالكون يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وإنسان )؛ اهـ
وهذا أمر بديهي: فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ )؛ (2) ..
يقول الله تعالى: { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [القصص : 88] ..
وقد نوهنا قبلاً لمقام الفناء وهو مقام التفريد، أو وحدة الشهود، حيث تغرق مدارك الْمُعظم أو الْمُحب في بحر عين وحدة الشهود فلا يعود يدرك من الْخَلْقِ إلا الحق الخالق لكل شيء ..
وهذا مبعث قول نبي الله ذي النون في الظلمات الثلاث: { .... فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء : 87]
يروي أبو نعيم الأصفهاني في "الحلية" عن سلطان العارفين: أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، أنه قال: ( طَلَّقْتُ الدُّنْيَا ثَلاثًا بَتَاتًا لا رَجْعَةَ فِيهَا، وَصِرْتُ إِلَى رَبِّي وَحْدِي فَنَادَيْتُهُ بِالاسْتِغَاثَةِ، إِلَهِي أَدْعُوكَ دُعَاءً لَمْ يَبْقَ لَهُ غَيْرُكَ، فَلَمَّا عَرَفَ صِدْقَ الدُّعَاءِ مِنْ قَلْبِي وَالإِيَاسَ مِنْ نَفْسِي، كَانَ أَوَّلُ مَا وَرَدَ عَلَيَّ مِنْ إِجَابَةِ هَذَا الدُّعَاءِ، أَنْ أَنْسَانِي نَفْسِي بِالْكُلِّيَّةِ، وَنَصَبَ الْخَلائِقَ بَيْنَ يَدَيَّ مَعَ إِعْرَاضِي عَنْهُمْ )؛ (3) ..
فوفقا لما تقدم ولما نسي سلطان العارفين ذاته بالكلية نطق الحق بلسانه: فقال: سبحاني ما أعظم شأني! ..
وهذا ما قاله إمام الطائفتين بـتأويل حال أبو يزيد: بقوله: ( نَطَقَ الحَقُ بِلِسَاّنِه )؛ اهـ
وعبر الإمام الجنيد عن حالة سلطان العارفين فيها، بقوله: ( الْرْجْلِ اسْتُهِلكْ فنْطَق ما هْلِك بهْ، لْذُهولِه فْي الْحْقِ عْن رْؤيتهِ إْيْاه، فْلْم يشْهد فْي الْحقِ إلا الحقُ )؛ (4) ..
ويقول أبو يزيد الأكبر عن هذا: ( إِلَىّ كَمْ بِيّنِيّ وَبِيْنَكَ هَذِهِ الأَنَاّنِيِةَ؟، أَسّأْلَكَ أَنْ تَمْحُوّ أَنَاّنِيَتِيّ عَنِّيِ، حَتْىّ تَكُوّنَ أَنَاّنِيّتِيّ أَنْتَ، فَتَبْقَىّ وَحّدَكَ، وَلَاّ تَرَىّ إِلَاّ وَحْدَكَ يَاّ عَزِيّزْ، فَاِسْتَجَاْبَ دُعَاّئِيّ غَيْرّ أَنْهُ هَيَّجَنِّي )؛ ورد في "المجموعة الكاملة" لعباس [ج1/ص: 46] ..
ومصداق وحدة الشهود في كتاب الله، قوله تعالى: { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [17] شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ .... } [آل عمران : 18] ..
فمقومات فناء الشهود، من الآية 17 من سورة آل عمران، هي: الصبر على البلاء والصدق بالأداء، والقنوت بالرجاء، والإنفاق بالخفاء، والاستغفار بالسر حتى الفناء ..
فيأتي التعقيب بالفناء بالشهود بشهادة الله المشهود عنهما، بتفرد وحدانيته هو ..
إذ متى كان الله لا يعلم وحدانيته ليشهدها؟! ..
إنما شهدها بعبيده المؤمنين، لأن المؤمن العبد مرآة المومن المعبود ..
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال : ( الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ )؛ (5) ..
فالأولياء والأصفياء هم المرآة التي تعكس هوية الحق وأسماءه الحسنى وصفاته الفضل سلوكهم وسيماهم، وذلك بصفائهم بعد فنائهم، ومنه نفهم قول الحق تعالى: { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } [الفتح : 29]..
وصدق النوري حين قال: ( لَاّ تَصِحُ لِلْعَبّدِ الْمُشَاّهَدَةِ، وَقَدّ بَقِي لَهُ عِرْقُ قَاّئِمُ )؛ (6) ..
وهو ما يوضح لنا الأثر أنبياء بني اسرائيل القدسي المأثور، الذي نصه: ( لَمْ تَسَعْنِي سَمَائِي وَلا أَرْضِي، وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، النَّقيِّ التَّقيِّ اللَّيِّنِ الْوَادِعِ )؛ (7) ..
يؤيد ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } [النور : 36] ..
وهذه البيوت هي قلوب المؤمنين، لأن القلب بيت الرب ..
يتبع ..
--------------------------------------------------
(1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1047/ر:2695]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج13/ص: 20/ر:4826]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 148/ر:1636]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1636]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج6/ص: 531/ر:3576]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:3576]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 506/ر:2788]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:2265]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 146/ر:5082]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج7/ص: 117]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(2) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1395/ر:3628]، ومسلم في "صحيحة" [ج15/ص: 15/ر:5849]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 128/ر:2849]، وقال: هذا حديث صحيح؛ ووافقه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2849]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 325/ر:3757]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3040]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1081]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1013]؛ ورواه أبو نعيم في "الحلية" [ج7/ص: 236/ر:12281]، وقال: مشهور من حديث شعبة ثابت متفق عليه [أي: بين العلماء]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(3) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج10/ص: 36/ر:14962]؛ وورد في "صفوة الصفوة" لابن الجوزي [ج2/ص: 306] ..
(4) ورد في "تاج العارفين" لابنة الحكيم [ج1/ص: 108]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 195] ..
(5) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص:697/ر:4918]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4918]؛ ورواه البخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 83/ر:239]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:177]؛ ورواه البيهقي في "الشعب" [ج6/ص: 113/ر:7645]، والطبراني في "الأوسط" [ج2/ص: 387/ر:2135]، وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:9141]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6656]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج2/ص: 227/ر: 1811]، بإسناد حسن؛ وحسنه ابن حجر في "تخريج المشكاة" [ج4/ص: 432]، وحسنه الألباني في "تخريج المصابيح" [ر:4917]، وفي "صحيح الجامع" [ر:6656]، وصححه برواية أنس في "صحيح الجامع" [ر:6655]، وخلاصة حكمه : [حسن صحيح] ..
(6) ورد في "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج11/ص: 139]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 39] ..
(7) رواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج6/ص: 231/ر:2582]؛ ورواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 99ر:1884]؛ ورواه الإمام أحمد في "الزهد" [ج1/ص: 129/ر:421]؛ والسخاوي في "المقاصد الحسنة" [ج1/ص: 373/ر:990]؛ ورواه السيوطي في "الدرر المنتثرة" [ج1/ص: 217/ر: 361]؛ والقاري في "الأسرار المرفوعة" [ج1/ص: 301/ر: 423]؛ ورواه السنيكي في "أسنى المطالب" [ج1/ص: 399/ر:1290]؛ وورد في "الإحياء" للغزالي [ج3/ص: 16]؛ وفي "الطبقات الكبرى" للسبكي [ج6/ص: 331]؛ وذكره ابن عربي: في "التراجم" [ج1/ص: 224]؛ وفي "التجليات" [ج1/ص: 331]؛ وورد في "جواهر المعاني" لحرازم [ج2/ص: 181]؛ وورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج2/ص: 382]، وقال: مأثور؛ وورد في "الإتقان" للنجم الغزي [ج2/ص: 515]، وقال: له شاهد حسن ..
منسق وملون على الرابط:
"زعمهم أن الله يتشكل بأشكال الحيوانات"
حكى صاحب الرشحات أن الشيخ بهاء الدين عمر كان يركب فرسا أبيض في كل الأوقات فسئل عن ذلك فأجاب بأن اختياره للفرس الأبيض لأن بعض التجليات الصورية مشهودا له كذلك. فمثلا وقع التجلي الصوري لموسى في شكل شجرة بالوادي المقدس ووقع التجلي الصوري لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في صورة شاب مخطط الوجه، وقال الشيخ محي الدين ابن عربي: رأيت ربي على صورة الفرس.
قال: وهكذا فالسالكون يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وإنسان... وغاية التجلي الصوري وأفضله أن يتجلى الله للسالك في صورة صاحب التجلي... ومنشأ هذا الظهور قول القائل: سبحاني وأنا الحق، وما في الجبة إلا الله، وهل في الدارين غيري، وأمثال ذلك من أدلة حصول التجلي؛ اهـ
فجوابه:
في قوله تعالى: { ِإنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ } [البقرة : 26] ..
ففي الآية يبين الله تعالى، أن المؤمنين يعلمون أن هذا المثال الخلقي الدلالي هو الحق من الله عز وجل ..
فالمنعكس أو التجلي الصوري، لمعاني الربوبية وآيات الألوهية للحق في الخلق، منعكس يقوي الإيمان الاستدلالي في قلب المؤمن عندما تتجلى صفات الربوبية في الخلق، أي تدل الصناعة الخلقية على عظمة الخالق، وأمر بديهي للصفات الصورية الدلالية للحق في الخلق، وليس ذات الحق، وهذا جانب الشرك الذي لا وجود له هنا أبداً ..
ألم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )؛ (1) ..
أليس في ذلك لفتة كريمة من النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ..
ألم يقل تعالى: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [30] إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ [31] فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } [صـ : 32] ..
أي أن نبي الله سليمان تجلت معرفة الله عنده بدوام الذكر، فغلب عليه حب الخير بالعناية بالخيل من هذه التجليات ..
والدليل قول صاحب الرشحات: ( وهكذا فالسالكون يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وإنسان )؛ اهـ
وهذا أمر بديهي: فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ )؛ (2) ..
يقول الله تعالى: { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [القصص : 88] ..
وقد نوهنا قبلاً لمقام الفناء وهو مقام التفريد، أو وحدة الشهود، حيث تغرق مدارك الْمُعظم أو الْمُحب في بحر عين وحدة الشهود فلا يعود يدرك من الْخَلْقِ إلا الحق الخالق لكل شيء ..
وهذا مبعث قول نبي الله ذي النون في الظلمات الثلاث: { .... فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء : 87]
يروي أبو نعيم الأصفهاني في "الحلية" عن سلطان العارفين: أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، أنه قال: ( طَلَّقْتُ الدُّنْيَا ثَلاثًا بَتَاتًا لا رَجْعَةَ فِيهَا، وَصِرْتُ إِلَى رَبِّي وَحْدِي فَنَادَيْتُهُ بِالاسْتِغَاثَةِ، إِلَهِي أَدْعُوكَ دُعَاءً لَمْ يَبْقَ لَهُ غَيْرُكَ، فَلَمَّا عَرَفَ صِدْقَ الدُّعَاءِ مِنْ قَلْبِي وَالإِيَاسَ مِنْ نَفْسِي، كَانَ أَوَّلُ مَا وَرَدَ عَلَيَّ مِنْ إِجَابَةِ هَذَا الدُّعَاءِ، أَنْ أَنْسَانِي نَفْسِي بِالْكُلِّيَّةِ، وَنَصَبَ الْخَلائِقَ بَيْنَ يَدَيَّ مَعَ إِعْرَاضِي عَنْهُمْ )؛ (3) ..
فوفقا لما تقدم ولما نسي سلطان العارفين ذاته بالكلية نطق الحق بلسانه: فقال: سبحاني ما أعظم شأني! ..
وهذا ما قاله إمام الطائفتين بـتأويل حال أبو يزيد: بقوله: ( نَطَقَ الحَقُ بِلِسَاّنِه )؛ اهـ
وعبر الإمام الجنيد عن حالة سلطان العارفين فيها، بقوله: ( الْرْجْلِ اسْتُهِلكْ فنْطَق ما هْلِك بهْ، لْذُهولِه فْي الْحْقِ عْن رْؤيتهِ إْيْاه، فْلْم يشْهد فْي الْحقِ إلا الحقُ )؛ (4) ..
ويقول أبو يزيد الأكبر عن هذا: ( إِلَىّ كَمْ بِيّنِيّ وَبِيْنَكَ هَذِهِ الأَنَاّنِيِةَ؟، أَسّأْلَكَ أَنْ تَمْحُوّ أَنَاّنِيَتِيّ عَنِّيِ، حَتْىّ تَكُوّنَ أَنَاّنِيّتِيّ أَنْتَ، فَتَبْقَىّ وَحّدَكَ، وَلَاّ تَرَىّ إِلَاّ وَحْدَكَ يَاّ عَزِيّزْ، فَاِسْتَجَاْبَ دُعَاّئِيّ غَيْرّ أَنْهُ هَيَّجَنِّي )؛ ورد في "المجموعة الكاملة" لعباس [ج1/ص: 46] ..
ومصداق وحدة الشهود في كتاب الله، قوله تعالى: { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [17] شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ .... } [آل عمران : 18] ..
فمقومات فناء الشهود، من الآية 17 من سورة آل عمران، هي: الصبر على البلاء والصدق بالأداء، والقنوت بالرجاء، والإنفاق بالخفاء، والاستغفار بالسر حتى الفناء ..
فيأتي التعقيب بالفناء بالشهود بشهادة الله المشهود عنهما، بتفرد وحدانيته هو ..
إذ متى كان الله لا يعلم وحدانيته ليشهدها؟! ..
إنما شهدها بعبيده المؤمنين، لأن المؤمن العبد مرآة المومن المعبود ..
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال : ( الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ )؛ (5) ..
فالأولياء والأصفياء هم المرآة التي تعكس هوية الحق وأسماءه الحسنى وصفاته الفضل سلوكهم وسيماهم، وذلك بصفائهم بعد فنائهم، ومنه نفهم قول الحق تعالى: { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } [الفتح : 29]..
وصدق النوري حين قال: ( لَاّ تَصِحُ لِلْعَبّدِ الْمُشَاّهَدَةِ، وَقَدّ بَقِي لَهُ عِرْقُ قَاّئِمُ )؛ (6) ..
وهو ما يوضح لنا الأثر أنبياء بني اسرائيل القدسي المأثور، الذي نصه: ( لَمْ تَسَعْنِي سَمَائِي وَلا أَرْضِي، وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، النَّقيِّ التَّقيِّ اللَّيِّنِ الْوَادِعِ )؛ (7) ..
يؤيد ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } [النور : 36] ..
وهذه البيوت هي قلوب المؤمنين، لأن القلب بيت الرب ..
يتبع ..
--------------------------------------------------
(1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1047/ر:2695]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج13/ص: 20/ر:4826]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 148/ر:1636]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1636]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج6/ص: 531/ر:3576]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:3576]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 506/ر:2788]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:2265]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 146/ر:5082]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج7/ص: 117]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(2) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1395/ر:3628]، ومسلم في "صحيحة" [ج15/ص: 15/ر:5849]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 128/ر:2849]، وقال: هذا حديث صحيح؛ ووافقه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2849]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 325/ر:3757]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3040]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1081]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1013]؛ ورواه أبو نعيم في "الحلية" [ج7/ص: 236/ر:12281]، وقال: مشهور من حديث شعبة ثابت متفق عليه [أي: بين العلماء]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(3) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج10/ص: 36/ر:14962]؛ وورد في "صفوة الصفوة" لابن الجوزي [ج2/ص: 306] ..
(4) ورد في "تاج العارفين" لابنة الحكيم [ج1/ص: 108]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 195] ..
(5) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص:697/ر:4918]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4918]؛ ورواه البخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 83/ر:239]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:177]؛ ورواه البيهقي في "الشعب" [ج6/ص: 113/ر:7645]، والطبراني في "الأوسط" [ج2/ص: 387/ر:2135]، وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:9141]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6656]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج2/ص: 227/ر: 1811]، بإسناد حسن؛ وحسنه ابن حجر في "تخريج المشكاة" [ج4/ص: 432]، وحسنه الألباني في "تخريج المصابيح" [ر:4917]، وفي "صحيح الجامع" [ر:6656]، وصححه برواية أنس في "صحيح الجامع" [ر:6655]، وخلاصة حكمه : [حسن صحيح] ..
(6) ورد في "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج11/ص: 139]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 39] ..
(7) رواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج6/ص: 231/ر:2582]؛ ورواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 99ر:1884]؛ ورواه الإمام أحمد في "الزهد" [ج1/ص: 129/ر:421]؛ والسخاوي في "المقاصد الحسنة" [ج1/ص: 373/ر:990]؛ ورواه السيوطي في "الدرر المنتثرة" [ج1/ص: 217/ر: 361]؛ والقاري في "الأسرار المرفوعة" [ج1/ص: 301/ر: 423]؛ ورواه السنيكي في "أسنى المطالب" [ج1/ص: 399/ر:1290]؛ وورد في "الإحياء" للغزالي [ج3/ص: 16]؛ وفي "الطبقات الكبرى" للسبكي [ج6/ص: 331]؛ وذكره ابن عربي: في "التراجم" [ج1/ص: 224]؛ وفي "التجليات" [ج1/ص: 331]؛ وورد في "جواهر المعاني" لحرازم [ج2/ص: 181]؛ وورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج2/ص: 382]، وقال: مأثور؛ وورد في "الإتقان" للنجم الغزي [ج2/ص: 515]، وقال: له شاهد حسن ..
منسق وملون على الرابط:
تعليق