دفع الهرطقة بالقول بأن التصوف الحق من زندقة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسام الدين رامي نقشبند
    طالب علم
    • Apr 2011
    • 231

    #1

    دفع الهرطقة بالقول بأن التصوف الحق من زندقة

    دفع الهرطقة بالقول بأن التصوف الحق من زندقة

    بالقول بأن التصوف الحق من زندقة
    مقدمة:
    أنا العبد الفقير لرضا مولاه، في هذا الطرح وعلى غير عادتي في مجال البحث العلمي الديني، مختلف قليلاً، ذلك أن الحجة والدلالة النقلية فيه، تكون بالإشارة إلى مضمون المنقول السني، دون صريح العبارة أصولاً بالنص راوي ومروي عنه، ومتن الرواية، مع تفصيل تخريجها من ناحية درجة الصحة والتحقيق، وذلك لسببين: الأول التسهيل على القارئ، وثانياً، لأني فصلت هذا الأدلة في بحث مشابه، أكثر تخصيص، وهو موضوع: "رفع الغشية عن نقد دمشقية للطريقة النقشبندية"، أما ما لم أورده في ذلك البحث الأخير، فسوف أعرضه أصولاً ودون هوامش للتخريج أو العزو، ولن أرد على كل ما ورد في كتاب الناقد، إلا بعض اللباب النقلي، وبالعودة إلى مادة البحث، أقول:
    يروج كثير من الأثريين والسلفيين، أبو لنقل التيمية المعاصرين ذلك لأنهم استمرار وتجديد، لمنهاج من عرف أو اشتهر بشيخ الإسلام وهو الإمام الحافظ ابن تيمية الحراني، فهؤلاء غفر لنا ولهم الله، وشملنا برحمته، وهدانا إلى الرشاد، يروجون بالإشارة وفي بعض الأحيان بصريح العبارة، بأن علم التصوف علم مبتدع على علوم الدين الأصلية الأصولية، وأنه علم لم يأتي به أحد من أهل السلف المتقدمين من صحابة وتابعين رضوان الله عنهم أجمعين ..
    ونحن غفر الله لنا نقول، هذا الظن ما هو إلا سوء فهم كبير من قبل كل أثري عدل منصف، مع تأييد أن كثير مما جاء به هؤلاء النقاد الأفاضل، صحيح على التحقيق!، لكنه ليس من فعل أئمة التصوف المعترين، إنما نسب إلهم بهتناً وزوراً ..
    وأنا العبد لله بصدد الدفاع عن التصوف الرشيد ليس إلا وهو التصوف الأصولي الصحيح ..
    ولكن قبل الرد أريد أن أقول أن هذا الرد على أحد أفراد التيمية المعاصرين، أتباع المصلح النجدي ابن عبد الوهاب رحمه وإيانا الله ..
    فالكثير من هؤلاء التيمية المعاصرين، أو نقل الأثريين الحنابلة بالتبعية، هم معتدلين، يؤخذ من علمهم في مجال تخصصهم كحُمال أو حُفاظ محدثين، اجتهدوا في نقل صحيح السنة، مثلهم مثل أسلافهم من أهل الحديث الأصحاء المعتبرين، من حفظة السنة الشريفة الشرفاء ..
    إلا أن في التيمية أتباع ابن عبد الوهاب النجدي، من هم المتشددين الذين غالوا بالنقد في الدين، ونطقوا بالكفر دون بلوغ يقين، والنطق بالكفر دون علم، وقوع بالهرطقة، معتمدين على ظاهر الفعل والقول والنقل، شأنهم شأن عوام المسلمين، إلا أن هؤلاء صنفوا رغم قصورهم في فهم بعض حقائق الدين، عند كثير من دهماء العامة مع العلماء المعتبرين!، والكفر بالقول هو معادة الأولياء دون وجه حق مبين، إلا النقل الأثيم، فقد نص الأثر القدسي الصحيح، على لسان الحق تعالى، أن من عادى لله ولياً فقد آذنه الله بحرب منه ..
    فمن وقع بذلك، فهو لقلة درايته وضعف تحقيقه، أضحى مع نظراءه كالأفاعي التي تحيط بالجواهر، الظاهر أنها تحفظها، والواقع أنها لا تنتفع منها ولا تترك أحد ينتفع! ..
    مثل هؤلاء مثل من حملوا السنة نقلاً، ولم يحيطوا بجوهر متونها عقلاً، فالله تعالى شبه حامل العلم دون علم، في كتابه العزيز بالحمار ..
    فالتصوف الحق الصحيح هو التصوف القرآني: الذي يستمد أركانه وأصوله من كتاب الله، أصل الأصول والحق المبين الأعلى الذي يعلو ولا يعلى عليه ..
    وقد قلت عنهم القرآنيين، ولم أقل السنيين، لأن النقال والنقاد المحدثين والرواة الموقرين الموثوقين، اهتموا واعتنوا وتابعوا: أحاديث أحكام الشريعة وفقه المعاملات وثوابت أصول العقيدة، الخاصة بمجمع المسلمين، وليس الحديث الخاص بخواص المتقين والمؤمنين، وهذا ما جعل أكثر أحاديث رقائق الإيمان، وفضائل الأخلاق ومراقي التقوى ومعالي الإحسان، في مصاف ضعيف الحديث، وبعضهم اجتهدوا واعتبروه في الموضوعات ..
    حتى أن متشددي النقد الحديثي طعنوا بصحة كثير مما صح نقلاً، في هذا المجال، فجرحوا صحته، فكيف بما دون ذلك بموثوق السند النقلي، أصولاً؟! ..
    ورغم أن السنة الشريفة هي بيان القرآن، إلا أن أفضل البيان تفسير القرآن بالقرآن، وأصح السنة بل السنة الصحيحة ما وافق القرآن أو كان أصله فيه، وقد صدق الصادق الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، حين قال بما معناه: بأن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، وهم المؤهلين لذلك، كما ورد في صحيح السنة المرفوع ..

    يتبع ..
  • حسام الدين رامي نقشبند
    طالب علم
    • Apr 2011
    • 231

    #2
    دفع الهرطقة بالقول بأن التصوف الحق زندقة

    موضوع البحث:
    هذا الطرح هو رد عن بعض الأخطاء التي وقع بها الناقد التيمي الأثري عبد القادر بن حبيب الله السندي غفر الله له ولنا، في طرحه النقدي: "التصوف في ميزان البحث والتحقيق" ..
    وقد اعتمد ناقدنا الكريم، في أول بحثه على ما جاء واجتهد به من يعرف عند أتباعه بشيخ الإسلام وهو الإمام الحافظ ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى، في كتابه: "الصوفية والفقراء" [ص: 11و12] ..
    والذي نفى به ابن تيمية، أن يكون الأصل للفظ صوفي أهل الصفة، لأنه سوف يسمى حينها صَفِيِ، أو من الصف المتقدم من أهل السبق، لأنه حيناها يسمى صَفَوِيِ، وهذا استنتاج صائب صحيح، نثمنه لشيخ الإسلام ..
    لأن الصوفي هو الصافي القلب من الأغيار، المصطفى مع الأخيار، لذلك سمي بالصوفي ..
    فالتصوف كلمة عربية محدثة اللفظ جامعة لمعنين متلازمين لا ينفك أحدهم عن الأخر وهما الصفاء والاصطفاء، ويوازيه بالاصطلاح الديني النقاء والارتقاء، وهما منطويا مفهوم التزكية النفسية، التي تعني نقاء النفس من تبعات المعاصي ومكتسبات الذنوب ومغبات الآثام، الذي يتبعه في حال النقاء، الارتقاء بتحقيق الإيمان والترقي بالتقوى من الناحية السلوكية، ومن الناحية التربوية: هو التخلي عن كل خلق مذموم، والتحلي بكل خلق محمود ..
    والصوفي كما عرفه بعض كبار الأجلاء العارفين: هو من صفت نفسه من الكدر [أي: من أمراض القلب الناتجة عن الذنوب والآثام]، وامتلئ قلبه بالعبر [أي: معرفة معاني الربوبية الموصلة لمحبة الله، ومعاني الألوهية الموصلة إلى مهابة الله عز وجل وإجلاله]، واستوى عنده التبر [أي: الذهب] والحجر [وهي علامة الزهد بالدنيا]، وانشغل بالله عن البشر؛ فما الصوفي إلا التقي المؤمن، الذي لا يرتجي بعمله الخالص إلا وجه الله وحده ..
    وتعويل الناقد على لبس الصوف، ونقد الخبر بذلك كما في الصفحة: 37 إلى الصفحة: 41 ..
    لا أثر كبير له فليس الصوفي صوفي لأنه لبس الصوف، مطلقاً فالقشور قد تعكس الجوهر ولكن لا تمثله، فلبس الخرق أو الصوف؛ علامة زهد، وليست جوهر الزهد، فالزهد حقيقته هو ترقي القلب بالتقوى لله والقرب من الله، بعد ترك مغريات الدنيا ..
    فالله تعالى كما ورد في صحيح السنة، يخبرنا على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: أن الله لا ينظر إلى الصور والأشكال أو اللباس، إنما ينظر إلى جواهر الأنفس، وهي القلوب التي عقلت الحق واتبعته بعد أن عرفته، وحملت الخير، والأعمال الخالصة الصالحة المقربة من الحق سبحانه:
    عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ )؛ رواه مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 337/ر:6489]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 482/ر:4143]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3359]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 554/ر:7768]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 284]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 119/ر:394]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1832]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1862]، وحكمه: [صحيح] ..

    يتبع ..

    تعليق

    • حسام الدين رامي نقشبند
      طالب علم
      • Apr 2011
      • 231

      #3
      دفع الهرطقة بالقول بأن التصوف الحق زندقة ..

      وإني أعذر الناقد بما ذهب إليه من نقد، فإنه لا يُعرف الحق بأهله، إنما من عرف الحق، عرف أهله، والناقد ونأسف لذلك عن الحق المكنون عند الصوفية الأصحاء بعيد، فإنه لا يعرف أهل الفضل إلا أهل الفضل، وإن أهل الدرجات العلا كما ورد في الحديث المرفوع الصحيح، يراهم من هم دونهم بالدرجة، كما يُرى الكوكب الطالع بالأفق ..
      فنجد الناقد السندي حفظه الله، في الصفحة 111 من كتابه يطرح موضوع الأعلام المنحرفين من الصوفية، فيبدأ من أسماه الناقد بابن الرفاعي، وهو الإمام أحمد الرفاعي أو الرفاعي الكبير أبو العلمين قدس سره ..
      وقولنا نحن أهل التصوف قدس سره، أي تطهرت ذاته الإنسانية من كل ما يحجبها عن الحق تعالى من ذنوب وآثام، أو أفات نفسية وأمراض قلبية ..
      فأبو العلمين أحمد الرفاعي قدس سره، من كبار الأولياء الأطهار والعارفين الأبرار، إلا أن كثير من أتباعه الذين ربما أفرطوا بمحبته، أو من ادعى تبعيته لأغراض شخصية دنيوية، بالغوا فيه، وغالوا بغير الحق بما هو ليس فيه أو من سوكه أو أخلاقه رحمه الله تعالى، فضلوا بذلك وأضلوا من كان هواه على شاكلتهم ..
      فهؤلاء الزمرة من الرفاعية أو لنقل كثير ممن ادعوا الترفع بالتبعية، يُعْتَبَرون الحلقة الأضعف عند الصوفية، وموطن النقد الأسمى والأنجع بعد الشيخ الأكبر ابن عربي قدس سره، والحلاج، عند التيمية السلفية ..
      وربما يكون السبب أن أكثر هؤلاء المدعي التبعية، كانوا من السوقة الدهماء: سواء من بدو الصحراء وفلاحي القرى الأميين الفقراء، الذين غلبت على كثير منهم العواطف والأوهام، ولم يكن للضوابط الشرعية والقواعد العقدية مأثرة عندهم ومستودع، في صدورهم الهشة، التي غلب عليها للأسف الشديد الجهل، وضعف الفهم العلمي، والفقه الشرعي، فقد وصف الله هذه الفئة الضالة المضلة، في كتابه الكريم بأنها أشد كفراً ونفاقاً، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ..
      لذلك نجد أن النقد قد وقع عليهم حتى من قبل بعض أقرانهم الصوفية، فهذا الحافظ الغماري المغربي الصوفي، ينقد حادثة تقبيل اليد المنسوبة للرفاعي الكبير، من ناحية القول بأن روايتها تواتريه، وهي رواية آحاد لم يرويها إلا أربعة، وأنها مادية لا معنوية، وينقد قولهم بأن الرفاعي الكبير من آل بيت النبوة نسباً، وهو قدس سره قحطاني يماني من قبيلة رفاعة!، وفق تتبع النسب، عند أهل التخصص، وأنا العبد لله لا أجزم بذلك، فقيل أن بعض علماء الرفاعية أثبتوا نسبه الطاهر أصولاً لبيت النبوة العلوية ..
      والغريب أن الإمام الرفاعي قدس الله سره، نشأ نشأة شرعية حيث حفظ كتاب الله منذ نعومة أظفاره، وتعمق في فهم فقه التشريع الشافعي حتى أصبح أحد مراجعه وأقطابه في بلاد الرافدين، وكان مجازاً بعلم الحديث أيضاً عن جدارة واستحقاق منهجي صحيح ..
      وكان قدس سره أشعري المعتقد، فأين كثير مم ادعى تبعيته من هذا الالتزام الرائع، كان قدس سره، شديد التواضع كثير المحاسبة والمراقبة لنفسه ..
      لا يقول قول ليس موزون بميزان الشريعة وأصول العقل العقدي، وكان رحمه الله تعالى، من أهل الاجتهاد الفقهي، حتى وصل درجة الاجتهاد المطلق بالمذهب الشافعي، وأضحى مرجع عادل بالحديث والتفسير، كما نوهنا أعلاه ..
      ومن أوجه تواضعه قدس سره، أنه عندما كان يقعد مع الناس يقول لهم: أي سادة لست بشيخ عليكم لست مقدّماً على هذا الجمع، وكان يذهب إلى المرضى المصابين بالجذام، يبحث عنهم فيقعد معهم يُطعمهم ويأكل معهم ويتعهدهم بالدواء والطعام ثم يأخذ ثيابهم فيغسلها لهم من قوة يقينه، بأن الدين تواضع وخدمة ورحمة لعباد الله ..
      طبعاً، عند ناقدنا هذا التصرف الأخير، منافي لمطالب السنة الشريفة، فقد نصت السنة الشريفة على الفرار من المجذوم، كالفرار من الأسد:
      عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَاّلَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( لا عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ، وَلا هَامَّةَ، وَلا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ )؛ رواه البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2158/ر:5380]، وحكمه: [صحيح] ..
      نعم هذا صحيح، عند غير المتحققين بشكل عملي بحقيق كلمة التوحيد، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يصل ولا يقطع بالحقيقة إلا الله ..
      ويؤيد ذلك ما جاء في أول الحديث الشريف أعلاه: لا عَدْوَى ..
      وأن مبعث هذا الفعل الذي ظاهره مخالف للمشرع الأكبر، نبل الأخلاق، وتعالي الرحمة في قلب هذا الإمام التقي، وصدق التوكل على الله بأنه تعالى يدفع الضرر، فمن توكل على الله فهو حسبه ..
      ويتجسد علمه الشرعي قدس سره، وميزانه العقدي، ومعرفته بالحديث، بكتابه الشامل في الدين: "الميزان العادل" ..

      يتبع ..

      تعليق

      • حسام الدين رامي نقشبند
        طالب علم
        • Apr 2011
        • 231

        #4
        دفع الهرطقة بالقول بأن التصوف الحق زندقة ..

        وتقوم الطريقة الرفاعية على العمل بمقتضى ظاهر الكتاب والسنة، ثم أخذ النفس بالمجاهدة والمكابدة، والإكثار من الذكر، وقراءة الورد، وذلك وفق إرشادات الشيخ وتوجيهاته، مع ضرورة التسليم والانقياد له والانصياع لأوامره؛ وعلى المريد أن يتمسك بالكتاب والسنة ثم تعاليم الشيخ الملتزم بأصول القرآن والسنة، ويعمل بما قاله من الالتزام بالسنة، وموافقة السلف الصالح على حالهم، ولباس ثوب التعرية من الدنيا والنفس، وتحمل البلاء، ولبس الوقار واجتناب الجفاء؛ وقد اشتهر عن بعض من تدعى تبعية الإمام الرفاعي حديثاً، القيام بأفعال عجيبة كاللعب بالثعابين وأكلها حية، وركوب الأُسود، والدخول في النيران المشتعلة دون أن تحرقهم أو تؤثر فيهم، وغيرها، فهذه مما لم تكن معروفة عند الإمام الرفاعي، وهو رحمه الله تعالى، منها براء، لكنها استُحدثت بعد وفاته من بعض المغرضين الذين اشتغلوا بالقشور واتبعوا خطوات الشياطين واستدرجوا منه، وتركوا جوهر الدين الحنيف، وقد كان الرفاعي الكبير قد عُرف بحنانه الشديد على الإنسان والحيوان، وكان أشد ما يكون رحمةً ورعاية للحيوانات الضالة والمريضة ..
        ولكن ناقدنا الكريم شأنه شأن علماء الرسوم أو علماء الظاهر، يأخذ بظاهر الشيء؛ ويبدأ بنقد الإمام الرفاعي بأنه كان عاشق لمن هي غير محرم له، وهي أم عمرو ..
        فنحن نسأله من هي أم عمرو هذه، ما أسمها وما نسبها وما حسبها، لما لم تعرف وهي معشوقة قطب كبير من أقطاب التصوف؟!، فهكذا رجل علم، حُسادهِ كُثر، ونُقادهِ أكثر؛ ومُتتبعي هفواتهِ أكثر وأكثر، ولما لم ينهي هذا الفعل قدره ومكانته عند أصحابه وأتباعه وهو باب إرشادهم، ولما تنتهي وتنحل قطبية هذا الإمام وشهرته، وطريقته، ما دام بهذا الانحراف؟! ..
        وحتى نوفر على ناقدنا التعب والجهد، دون جدوى، نقول أم عمرو هذه، ما هي إلا كناية مجازية عن الليالي العمرة بذكر الله عز وجل وعلو معرفته، فقد كان يتغزل بها لما عمرت في قلبه من محبة الحق تعالى، ومن مواجيد نور وقاده أحرقت فؤاده بعلو الشوق، ولما تركت في هذا القلب السليم المستنير من أثر لا ينسى ولا يوصف، فكان يقول: سلوا أم عمرو عن لياليها ..
        أما موطن النقد الثاني عند ناقدنا، وهو قوله قدس سره، الذي أورده ابن الملقن في "طبقات الأولياء" [ص: 98]: الشيخ من يمحو أسم مريده من ديوان الأشقياء ..
        فمعناه صحيح: أي لا يستحق المشيخة من لم يكن بسلوكه واستقامته وحسن دعوته، سبباً لهداية مريديه، بحسن تبعيته، والاقتداء به لمحبته ..
        ففي القرآن والسنة، المتعارف عليه أن الهادي هو الله، ولكن يجعل الله الولي المرشد، سبباً ظاهراً للهداية، لقوله تعالى: { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } [الكهف : 17] ..
        والله تعالى يقول: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الشورى : 52] ..
        فكل من جعل الله له نور هادي، فهو هادي لصراط الله المستقيم، ومن لو يجعل الله له نور فمال له هداية ولا نور: { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } [النور : 40] ..
        عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ جُلَسَائِكُمْ؟: مَنْ ذَكَّرَكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وَزَادَكُمْ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِالآخِرَةِ عَمَلُهُ )؛ رواه أبو يعلى في "مسنده" [ج4/ص: 326/ر:2437]؛ والبيهقي في "شعب الإيمان" [ج7/ص: 57/ر:9446] ..
        وبرواية: عبدالله بن عمرو وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وسلامان بن عامر رضي الله عنهم أجمعين: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( خِيَارُكُم مَن ذَكَّرَكُمْ باللهِ رُؤْيَتُهُ، وزاد في عَمَلِكُم مَنْطِقُهُ، ورَغَّبَكُم في الآخِرَةِ عَمَلُهُ )؛ صححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3995]؛ ووافقه المناوي في "فيض القدير" [ج3/ص: 467]؛ ورواه الحسيني في "البيان والتعريف" [ج1/ص: 326/ر:994] ..
        وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي اله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ )؛ رواه أبو داود في "سننه" [ج4/ص: 259/ر:4832]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4832]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 600/ر:2395]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2395]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 140/ر:2057]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 143/ر:7169]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج4/ص: 125]، وقال: صحيح ..

        يتبع ..

        تعليق

        • حسام الدين رامي نقشبند
          طالب علم
          • Apr 2011
          • 231

          #5
          أم القول بأنه اشتهى السمك المشوي، كما روى ابن الملقن في "طبقات الأولياء" [ص: 99]: فهنا إن صحت هذه الرواية، وهذا محال، فبهذا تنتهي قصة المشيخة بالدين، لأنه لا يبلغ الرجل مقام المشيخة، حتى يتخلص من كل الشهوات الدنيوية، والأهواء النفسية، حتى ولو كانت من المباح، فنفسه لم تعد تطلب إلا الله والاستزادة من أنوار القرب، وهذا ورع الصديقين والأتقياء، فكبار الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يتركون تسعة أعشار المباح، أو ثلثي الحلال على الأقل، خشية أن يدخل إلى قلوبهم شيء من حب الدنيا، فمن انشغل قلبه بالله لا يلتفت إلى سواه، فهل رأى أحدنا عاشق متيم دنيوي يشتهى الطعام، وقد عشق ناقصة، فكيف بمن عشق الكمال المطلق؟! ..
          وقد روى الحسن البصري أن الصحابة البدين رضوان الله عليهم إذا رءوا خيار مريدي الحسن البصري، لقالوا ما يؤمن هؤلاء باليوم الأخر، لما قد يروا في قلوبهم من دنيا ..
          فإن قلنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان يأكل الشواء ويأكل من أطايب الطعام، كما طلب عز وجل أن نأكل من طيبات الرزق، نقول نعم هذا صحيح؛ ولكن إن حضر ووجد، دون طلب، فلا يوجد نص صريح وصحيح، يدل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو أجلاء أصحابه رضوان الله عليهم، طلبوا أطايب الطعام، إلا لضيفه أو أهله، إنما أكلوه وتخيروه إن وجد، وكانوا يتخيرون الأزكى في الشراء إن توفر لديهم سعة من مال، من باب الدافع الغيري، للأهل والأخوة والضيافة ..
          فالولي العارف يأكل مما حضر ووجد ولا يتطلب أبداً، ليس له مطلب إلا الله ورضاه ..
          ونختصر فنقول إن عين كرامة الولي الصالح هي الاستقامة، فكرامته بقلبه، وكما ورد في صحيح الحديث المتفق عليه، بأن الكريم هو قلب المؤمن، وهذا لا يعني أنه ليس هناك كرامات كونية، فقد ورد بالسنة الصحيحة بأن الأشعث الأغبر التقي إذا أقسم على الله أبره، ولكن الولي الصادق يخفي كرامته كما يخفي عورته، والرفاعي الكبير، كان على التحقيق من كبار الأولياء الصادقين المتواضعين الأبرار ..
          وكان رضي الله رحيم حتى مع أضعف الحيوانات والحشرات، فقد روى التاج السبكي في "طبقات الشافعية" [ج6/ص: 23 27]: أن هرة صغيرة كانت نائمة على كمه ويبدو أن هذا الكم كان واسع، فأدركته صلاة الفجر، فخاف أن يزعجها، فقص كمه عن ثوبه وذهب وصلى؛ وعندما عاد خاط ذاك الكم؛ وكان ذات مرة ماداً يده دون حراك، فأتاه أحد مريديه وقبلها، فقال له: شوشت على هذه الضعيفة، وكان يقصد بعوضة وقفت على يده تتغذى منه، فوجد أن في دمه رزق ساقه الله لها منه، وفضل من الله ساقه إليه، لأنه تبين بالبحث العلمي، أن البعوضة عادتاً تدفع ضرراً، إذا ما سلطت كعدو، لأنها تذيب الدم المتجلط وتذهب بالدم الفاسد الأزرق المتأكسد المشبع بغاز الكربون، أي كل الحجامة المصغرة ..
          وكان بنور بصيرته يعلم أن هذه الدابة الصغيرة، ما أرسلها الله إلا لخير، أتت لتأخذ من دمه نفع لها، وضر ممرض إذا بقي بدمه، وهذه أكدته الكشوفات الطبية المعاصرة الحديثة كما أسلفنا؛ واعتذر قدس سره، مرة لجرادة علقت على ثوبه لأنه أبعدها عن موطنها دون أن يدري ..
          الغريب أن ناقدنا ينقد هذا الفعل الرحيم، إنما بالحقيقة ينقد نفسه وقلبه الخالي من الرفق والرحمة؛ متناسياً ما ورد في صحيح السنة، أن الله يحب الرفق بالأمر كله، وأنه لا يدخل الجنة إلا رحيم، ومن شروط هذا الرحيم أن تكون رحمته عامه، وأن من لا يرحم لا يرحم، وأن الراحمون يرحمهم الله، وغير ذلك من صحيح السنة في هذا المضمار ..
          وأنه كما في صحيح الشيخين: أن باغية من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة بشربة ماء لكلب أصابه عطش شديد، وأن عابدة دخلت النار بحبس هرة حتى ماتت، دون أن تطعمها، أو تتركها تحصل رزقها من خشاش الأرض ..
          عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ )؛ رواه الشيخين: البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1279/ر:3280]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج14/ص: 461/ر:5822]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
          ونقد له الناقد كما ورد في "طبقات السبكي" [ج6/ص: 26]: أنه وجد في غرفة الطعام كلاب تأكل من قوصرة، فوقف عند الباب حتى لا يضايقها أحد مريديه فيبعدهم ويقطع عليهم رزقهم من طعامه ..
          فكان نقد الناقد أن الاناء الذي يلغ به الكلب يجب أن يغسل وفق السنة الشريفة سبعاً إحداهن بالتراب ..
          نقول لناقدنا من قال أنه لم يغسلها، وفق السنة المشرفة، وما حصل أمر واقع قد حصل، فأراده قدس سره أن يتم ما دام قد حصل دون إرادته، إنما هي مشيئة الله، من باب الرفق والرحمة، فالراحمون يرحمهم الله، كما ورد في صحيح السنة ..
          وللأسف يتعدى الناقد السندي في الصفحة: 119 من كتابه، ويصف الإمام الرفاعي بالجنون لماذا؟، لأنه كان رفيقاً رحيماً بأضعف مخلوقات الله، فلا غرابة، أن يبدر ذلك ممن لم يذق قلبه التقوى، وتعاظمت آفة الكبر بالعلم في ريع نفسه، وهو لم يتعدى الشبر الأول من العلم، وهو شبر الكبر، فهو لم يخضع لتربية صوفية أخلاقية دينية مثالية ..


          يتبع ..

          تعليق

          • حسام الدين رامي نقشبند
            طالب علم
            • Apr 2011
            • 231

            #6
            وتكلم حول محاورة نقلها ابن الملقن في "طبقات الأولياء" [ص: 95]؛ حول الفرق بين تصوف الأبرار وتصوف المقربين، حيث قال للسائل عن تصوف الأبرار، هو: أن تصفي أسرارك، وتطيب أخبارك، وتطيع جبارك، وتقوم ليلك، وتصوم نهارك ..
            وقال عن تصوف المقربين: ليس التصوف بِالْخِرَقْ، فمن قال هذا: فقد مَرَقْ؛ إن التصوف يا فتى: حِرْقُ يُمَاّزِجُهَا قَلَقْ ..
            ناقدنا الكريم لم يعي الأثر القائل: أن حسنات الأبرار، هي سيئات المقربين ..
            ومعنى قوله الأخير أن العبد مهما بلغ القرب من الله فلا يأمن مكره، وتزداد رؤيته لتقصيره، ألم يرد في صحيح السنة أن المؤمن الحق يرى ذنبه أو تقصيره مهما صغر كأنه جبل يريد أن ينتقض عليه، والمنافق يرى ذنبه مهما كبر، كأنه ذبابة قد وقفت على أنفه ..
            وفي حديث صحيح آخر أنه ما من مؤمن وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو يكون مقيم عليه حتى يفارق ..
            ألم يعرف ناقدنا المختص بعلم الأحاديث هذه الأحاديث، أم أنه ترك جواهر المتون العقلية، وانشغل بأحوال رواته النقلية! ..
            إن من لم يكن يتحرى سوء الخاتمة، ويصدع لها، ويتورع عن كل ما يوصل إليها، ويصيبه المرض من شدة اهتمامه بهذه الخاتمة، فهو ليس بمؤمن:
            عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عن، قَالَ: ( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( هَلْ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ ؟ ))، قَالَ: وَمَا أُمُّ مِلْدَمٍ؟، قَالَ: (( حَرٌّ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ ))، قَالَ: لا، قَالَ: (( فَهَلْ صُدِعْتَ؟ ))، قَالَ: وَمَا الصُّدَاعُ؟ قَالَ: (( رِيحٌ تَعْتَرِضُ فِي الرَّأْسِ، تَضْرِبُ الْعُرُوقَ ))، قَالَ: لا، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ، قَالَ: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ))، أَيْ: فَلْيَنْظُرْهُ )؛ رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 332/ر:8376]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الأرناؤوط؛ وبإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج16/ص: 168]؛ ورواه البخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 174/ر:495]، بإسناد حسن صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:381]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 498/ر:1283]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 347]؛ وحسنه الوادعي في "صحيح المسند" [ر:1281]؛ وحكمه: [حسن] ..
            عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ لَا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى خَاتِمَةِ أَمْرِهِ )؛ رواه السمرقندي في "تنبه الغافلين" [ج1/ص: 352/ر:418] ..
            أنسي ناقدنا أن الفاروق عمر عندما كان في نزعه الأخير، كان يبكي لأنه كان يخشى أن يكون قد وقع بذنب يحسبه هو هين وهو عند الله عظيم ..
            أنسى الناقد أن الصديق الأكبر كان يقول أنه لو كان له قدم بالجنة والثانية خارجها ما أمن مكر الله ..
            ويدعم ذلك قوله تعالى: { َالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [المؤمنون : 60] ..
            أي أن المؤمن مهما قدم في جنب الله، يبقى مضطرب القلب خوف تقصيره في جنب الحق تعالى ..
            قد يضعف ناقدنا أثر الصديق، فما قوله بإمام مذهبه الفقهي وحاكم الحديث وإمام أهل السنة ابن حنبل، عندما قال له الشيطان وهو يموت فتني يا أحمد، أي: نجوت مني؛ وكان يرد عليه ويقول: ليس بعد حتى أموت ..
            وأما أتباع الإمام الرفاعي، فأقول إن فيهم الأخيار وفيهم الأبرار وفيهم المنحرفين وفيهم الجهلة وفيهم الفجار ..
            والتابع الحقيقي من كان على ما كان عليه الإمام الرفاعي الكبير ..

            يتبع ..

            تعليق

            • حسام الدين رامي نقشبند
              طالب علم
              • Apr 2011
              • 231

              #7
              لكنه المنحرف الثاني عشر، بمنظار الناقد، هو سلطان العارفين: أبو يزيد البسطامي! ..
              الناقد الكريم ينقد أقول سلطان العارفين:
              فيقول عن قوله الأول: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك ..
              ينقد الناقد هذا القول، بأنه لم يصدر مثله من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته، وليس موافق للواقع والعقل والنقل! ..
              الحق أن صاحبنا السندي أي نعم يتكلم بقول خير البرية، إلا أنه يمرق في الدين كما تمرق السهم في الرمية، فالاستقامة عنده جل سهله، وهو ممن أول حديث: استقيموا ولن تحصوا، أي لن تستطيعوا أن تستقيموا فالاستقامة عندهم شيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، حين قال شيبتني هود وأخواتها، بقوله تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [هود : 112] ..
              ثم يجيء الناقد الكريم ويتعجب من معاناة ومجاهدة السلطان لنفسه حتى استقامت على ما يرضي الله ..
              ونقل أن السلطان سئل: بأي شيء وجدت هذه المعرفة؟، فقال: ببطن جائع، وبدن عار ..
              وكان نقده على هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحبه الكرام، لم يفعلوا ذلك، وأن هذا يخالف قوله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [الأعراف : 32] ..
              نقول لناقدنا الكريم، أقوال العارفين تقدم بها دلالتها المعنوية، على تصريحها المادي الظاهر ..
              فقوله بطن جائع تعني طلب جاد مخلص صادق للحق والتقوى، وبدن عار، أي نفس مجردة خالية صافية من كل آفة نفسية ومرض قلبي، أو ذنب وأثم ..
              ومن الناحية المادية أيضاً يصح ولكن ليس بحرفية اللفظ على ظاهره، فبطن جائع إشارة مادية إلى قلة الطعام، فالبطنة تذهب الفطنة، والخير مجموع في ثنايا الجوع، وهذا ترياق مجرب؛ وجسوم أهل العلم ليست بسمان كما يخبر القحطاني السلفي في نونيته المعتمدة عند ناقدنا ..
              ورغم أن الأثار النقلية في النهي عن السمنة والشبع معلولة بمفاريد روايتها، إلا أنها بمجموع روايات متونها النقلية المرفوعة والموقوفة والمقطوعة، صحيحة ..
              أما البدن العار فهي إشارة إلى الزهد وقلة الملبس والاستزادة من الدنيا، وفي هذا نصوص سنية مرفوعة ومواقيف صحيحة ..
              أما عن قوله عن نفسه: دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني، فمنعتها الماء سنة ..
              نقول ليس منع الماء العيني لأن المرء يموت إن مضى عليه من غير ماء ثلاثة أيام وليس سنة ..
              إنما منعها معين حياة شهواتها وأهوائها وراحتها حتى قتلها العطش، بالكلية وبهذا روضها فأذعنت له وأطاعته ..
              أما عن وصفه للفقير، بأنه: لا يملك شيئاً، ولا يملكه شيء ..
              فنقد ذلك ناقدنا بأن الصحابة تعوذوا بالله من الفقر، نعم ولكن الفقر الذي تكلم عنه السلطان، شيء آخر ..
              فهو الفقير لعون ربه ورضاه كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [فاطر : 15] ..
              فالفقير الرباني لا يملك شيء، لأنه لا مطلب له إلا الله، ولا يملكه شيء لأنه ملك نفسه، فلم يعد ملكاً لهوى النفس ووسواس الشيطان، وهو عبد لله الذي ليس كمثله شيء ..
              أما عن تمني السلطان أن يحاسبه الله، لرغبته أن يقول له يا عبدي، وبعد ذلك يفعل به ما يشاء ..
              فهذا لسان حال المحب العاشق، مع محبوبه المعشوق تعالى، وليس لسان قاله المبني على ضوابط عقل التقوى، وحدود الشريعة، إنما مبعث ذلك هيام المحب العاشق الولهان للقاء محبوبه بأي صورة كانت ..
              أما نقد الناقد على محاسبة نفسه، وقوله أن المرأة إذا حاضت تطهر في فترة أقصاها عشرة أيام، وهو أمضى في تطهير نفسه نحو ثلاثين سنة ولم تطهر ..
              بأن هذا القول محض جنون، فلا وزن له، وأنه يُحترم من ناقدنا ويتقبل منه، لجهله بحقيقة مواجيد رجال الحق أصحاب القلوب النيرة بنور التقوى والإيمان..
              وسبب سوء الفهم هذا هو الكبر والوهم، والقناعة المصطنعة بقلة العلم، وضحالة الفهم، لأنهم غرهم بالله الغرور، واستولى عليهم سوء الخلق، لأنهم سفاء الأحلام، أي حليمهم سفيه، وكل ذلك لأن إيمانهم لا يتعدى حناجرهم، أي الإيمان عندهم بالتحلي، وليس بالتحقيق لا الفكري ولا العقلي العلمي أو القلبي الشعوري ..
              أما عن المقولة السابعة وهي إخبار السلطان أن من أعمال التقرب من الله، محبة الأولياء والتودد إليهم حتى ينال محبتهم، فإن أحبوه كما أحبهم غفر الله له وأرقاه في مراقي التقوى، بعد تحقيق الإيمان ..
              والغريب أن ناقدنا بارك الله به، يصف هذا الفعل بالكفر!، والبطلان والفساد في الدين، متناسياً ما صح بالسنة بأن المرء يكون مع من أحب، وأن المرء على دين خليله ..
              ومتناسياً أن من شروط تمام التقوى صحبة الأتقياء الصادقين، كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة : 119] ..
              فالله يأمرنا هنا أن نكون مع الصادقين، لما؟، من باب المرح!، أم أن المصير الأخروي مرتبط مع وجود هذا الارتباط؟ ..
              وفي الصفحة 229 من كتاب الناقد نجده ينقد السلطان أبا يزيد البسطامي، لمكاشفة حالة أحد المسافرين، والإسرار له بهذه المكاشفة، بأن يتوضأ بعد تيمم لأنه تيمم في الحضر [أي: في المدينة]، ووجد الماء وبقي على تيممه، فأسر له السلطان بأن هذا لا يصح؛ ووجه النقد، أن الناقد وجد بهذه المكاشفة تعامل من قبل أبي يزيد مع الجان! ..
              نقول:
              أولاً: الجان أو الشياطين لا تدل على موجب شرعي أو طهارة، فالذي يأمر بالخير هو ملاك الإلهام الذي وكله الله بكل مؤمن ..
              ثانياً: لقد حَسُنَ بالسند المرفوع عن سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أن لله عباد يعرفون الناس بالتوسم، مؤيد ذلك جانب من دلالة قول الحق تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ } [الحجر : 75] ..
              عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ )؛ رواه الطبراني في "الأوسط" [ج3/ص: 285/ر:2956]؛ ورواه البزار في "مسنده البحر الزخار" [ج10/ص: 13/ر:2436]؛ ورواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج10/ص: 271/ر:17939]؛ بإسناد حسن؛ ورواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ج9/ص: 378/ر:3931]؛ بإسناد حسن؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2168]؛ ورواه الألباني في "الصحيحة" [ج4/ص: 267/ر:1693]؛ بإسناد حسن؛ ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" [ج2/ص: 116/ر:944]، بإسناد حسن؛ بتحقيق السفاريني في "شرح الشهاب" [ر:420]؛وحكمه: [حسن] ..
              طبعاً وفق طريقة تخريج الناقد هذا الأثر لا بد أن يكون ضعيف!، لأنه لا يوافق هواه في دينه الأجوف ..
              ويعود الناقد الكريم في الصفحة: 232 من كتابه، فيذكر العارف النخشبي، أو أبو تراب النخشبي، أنه تفرس بأحد مريديه خصوصية بالإخلاص والاجتهاد وحسن التقوى، إلا أنه لا يتعدى مقامه أو بشرح أخر، كان على حال ثابت مع الحق دون زيادة أو نقصان، فأراد أبو تراب أن يربط قلب مريده بمن إذا صحبه ارتقى حاله، وقربه إلى الله مقاله، وذلك بفتح أفاق جديدة مع الحق تعالى ..
              فقال له أبو تراب: لو رأيت أبو يزيد؟ ..
              أي: عرفت أبو يزيد ومقامه من الحق تعالى ..
              فقال المريد: إني عنه مشغول ..
              أي: انشغل قلبي بالله، وارتبط بك كولي مرشد للحق ..
              فكرر أبو تراب قوله إشارة إلى أهمية وأفاق الارتباط الجديد ..
              إلا أن المريد لم يعي بعد هذه الإشارة ظناً منه أنه على أحسن حال من القرب من الحق، أي وقع بدائرة الوهم ..
              فهاج طبع المريد، وقال لشيخه أبي تراب: ما أصنع بأبي يزيد قد عرفت الله، فأغناني عن أبي يزيد ..
              هنا خرج أبو تراب عن لطفه، فهاج طبعه ولم يملك نفسه، غضباً لدين الله وأهل دينه، فقال: ويلك تفتري على الله عز وجل!، لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة، كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة ..
              أي: إن رأيت حقيقة أبو يزيد عرفت مقامه من الله، فعرفت أنك لم تعرف الله بعد حق المعرفة، ولم ترتقي إلى الله حق الرقيا، إلا إن سرى من قلب أبي يزيد إلى قلبك، إذا ما ارتبط به برابطة المحبة، فيض من أنوار التقوى ترقي قلبك في مقامات التقوى والإحسان ..
              وقد وضح أبو تراب النخشبي للمريد هذا، عندما سأله مندهش من قوله: وكيف ذلك؟! ..
              فقال النخشبي: إنك بمعرفتك لله، معرفة لقدرك عند الله، فأنت تعرفه على قدرك وقدرتك على معرفة الله، وإذا عرفت مقام أبا يزيد عند الله، عرفت قدره عنده، فعلى قدرك بقدره ..
              ففهم المريد المقصد من قول النخشبي، فقال: احملني إليه ..
              فلما رآه صعق فمات، فقال النخشبي بعد دفن الفتى، لأبي يزيد: يا سيدي، نظرة إليك قتله؟ ..
              قال السلطان: لا ولك كان صاحبكم صادق، فقد استكن في قلبه سر، لم ينكشف له بقدره وقدرته، فلما رأى قدرنا، انكشف له سر قلبه، إلا أنه لم يقدر على حمله بقدره، فقتله ..
              هذا القول تجسد بالعلم المعاصر بواقع مادي تجريبي، في علم ما وراء علم النفس، المعروف بعلم "الباراسيكوجي"، والذي ينص على وجود مساحات صامته بالدماغ البشري من الخلايا العصبية الدماغية الاستنادية، تفوق بعددها الخلايا الدماغية القشرية العاملة بعشرة أضعاف مع تجهيز مماثل، في حالة عملها سوف تظهر طاقات إدراكية يصعب وصفها، وتبين أن في القلب البشري وجود نحو 40 ألف خلية دماغية أم أو قيادية كبيرة أكثر تتطور وتعقيد تتحكم بهذه الخلايا النبيلة بالدماغ، ويتعكس ما تكشفه وتدركه وتعقله في خلايا القلب الدماغية العصبية ..
              أي تفجر هذه المدارك القلبية أشبه بالولدة الجديدة أو الخروج المحدود القوقعة إلى العالم الأكبر ..
              والغريب العجيب كل الغرابة أن الناقد الكريم، يطالب بسند هذه القصة التي وصفها بالكفرية، لا ليبرئ، ساحة سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي أو تلميذه العارف أبو تراب النخشبي، أبداً ..
              إنما ليوسع دائرة التكفير لتشمل ثلاثة من كبار الأعلم منهم الإمامين الغزالي والسبكي ..

              يتبع ..

              تعليق

              • حسام الدين رامي نقشبند
                طالب علم
                • Apr 2011
                • 231

                #8
                مع تتبع صفحات كتاب الناقد نجده تحول من النقد السلوكي، إلى مسائل النقد الحديثي من ناحية درجة صحة الأسانيد الروائية؛ والخلافات العقيدة الكلامية مع الأشاعرة والماتريدية ..

                ثم يعاود في الصفحة: 598 بالعودة إلى جوهر طرحة ونقده ..

                ويتكلم عن سلطان العاشقين ابن الفارض، ويصفه بالزنديق الماجن، ثم يسوق جملة من نقود الحافظ الذهبي، الذي وصفه في "ميزان الاعتدال" [ج3/ص: 214/ت:6173]: بأنه يتكلم بشبهة الاتحاد الصريح في شعره، وكرر مثل هذا القول من حيث المضمون في عدد من كتبه مثل كتاب: "المغني في الضعفاء والمتروكين" كما عزى الناقد وكذلك في "تاريخ الإسلام" ..

                ما أقوله بابن الفارض أن كثير من أشعاره عندي، وقف، لم أبحث بتأويلها ولا معانيها، ولا أحكم على ظاهر اللفظ فيها، ولم يكن لي طاقة على فهم أكثر مقاصده الشعرية، لأنها ذوقية لا يدركها إلا ساد مفهوم العشق الإلهي ..

                لكن المجمع عليه عند أهل التخصص الصوفي أن الرجل من أكثر أهل عصره: محبة لله ورسوله وكان سلطان من عشق للحضرة الإلهية ومعاني الربوبية، وظاهر الحالة الاتحادية، هي حالة فناء المحب بمحبوبه فلغى وجود ذاته بذكر رب الذوات، الذي من يعرفه ويحبه يدرك أن كل وجود باطل من غير واجد لكل موجود، وهو ما وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بأصدق الشعر: ألا كل ما خلا الله باطل؛ أي أصدق مشاعر الإيمان هو هذا الكشف والشعور، وهذا الحديث متفق على صحته عند الشيخين؛ وكذلك أفضل ما بحديث من ذاق طعم الإيمان الذي أخرجه البخاري في "صحيحة"، والنسائي في صحيح سننه "المجتبى"، بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سوهما ..

                ثم يتكلم ناقدنا الكريم بالرقم 17 صفحة 636؛ أن ما وصفه بشيخ وإمام الزندقة: أبو منصور الحلاج ..

                نقول هذا الوصف من قبل الناقد للحلاج، صحيح؛ إن كان ثابت عليه وليس ملفق طبعاً، ولكن الواقع عند من حقق بأمر هذا الرجل، وجد أن الأمر قد لفق عليه لأسباب سياسية من قبل بعض أركان السلطة العباسية، لأن الرجل حارب ترف المترفين، وتجاوزات المسؤولين، وكان محباً لآل بيت النبوة من آل علي كرم الله وجهه، وكان داعم لثورة الحنابلة وشدتهم في الدين، ضد فساد أركان وأعوان دولة بني عباس الإسلامية ..

                وأكبر دليل أن محاكمته وقصاصه لم يكن حول زندقة الحلول والاتحاد، لأنه رد هذه الشبهة أصولاً، فقام بتأويل وتبيان الحق في كل ما ثبت عنه فيه شبهة أصولاً، وإنما قصاصه كان حول حالة البدلية الأجرية التي تغني بالأجر عن فريضة الحج لمن لم يملك الاستطاعة على الحج، ففرض الحج في الشرع شرطي، فحورت هذه الحالة سياسياً بأنها تحريض على ترك فريضة، تركاً مطلقاً للمستطيع وغير المستطيع، وفي هذا موافقة وتأييد ودعم لعقيدة القرامطة الحشاشين الزنادقة، أعداء الدولة العباسية المارقين البغاة ..


                يتبع ..

                تعليق

                • حسام الدين رامي نقشبند
                  طالب علم
                  • Apr 2011
                  • 231

                  #9
                  وكل من نقد حال الحلاج، نقده على أساس نقلي دون التدقيق بالجانب العقلي، في حالة التناقض السلوكي لأخبار هذا الرجل، وعرف وجه التلفيق إن كان باحث ومحقق، وممن صحح حالة كان العارف بحقيقته النبيلة، ومنهم عليه من المتعصب لرأيه أو لحزبه، دون تحقق بحقيقة شبهة حالة الافتراء عليه والتلفيق، بل وجد التيمية والظاهرية ومن عاد الصوفية، في ظاهر حالته، مادة خصبة لضرب أهل التصوف ..
                  وحنق الإمام الجنيد من الإمام الحلاج، أن ذاك الأخير تكلم في الحقائق بما يقطع به الحلقوم، كما روى البخاري عن الوعاء الأخر من النقل الذي لو نطق به أبو هريرة لقطع عنه الحلقوم ..
                  وعَنِ الْمَدَائِنِيِّ، قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ [الفارسي] رضي الله عنه: ( لَوْ حَدَّثْتُ النَّاسَ بِكُلِّ مَا أَعْلَمُ، لَقَالُوا: رَحِمَ اللَّهُ قَاتِلَ سَلْمَانَ )؛ رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" [ج21/ص: 424/ر:20735]؛ والدينوري في "المجالسة" [ج1/ص: 377/ر:1757]؛ وورد في "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج3/ص: 516]؛ وفي "مختصر دمشق" لابن منظور [ج3/ص: 341]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج3/ص: 341] ..
                  كما أن الحلاج اختار أن يغير المنكر بلسانه كعالم له شعبية كبيرة عند الناس، وبيده كرجل له تأثير ثوري على الناس، ولم يرتضي أضعف الإيمان ..
                  عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِ رَضِيِ اللهُ عَنْهُ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ )؛ رواه مسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 211/ر:175]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 526/ر:4340]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4340]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 407/ر:2172]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ ووافقه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2172]، وقال: صحيح؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 483/ر:1275]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:1060]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 297/ر:10766]، بإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 20]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:8687]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6250]؛ وحكمه: [صحيح] ..
                  والحق أن الصوفية قبل الحلاج كانوا مسالمين محبوبين لا نقد صارخ لهم على أحد متفردين بالسعي إلى نجاة أنفسهم، ومن تبعهم وآمن بمنهجهم الزهدي ووالاهم، إلى أن أتى الحلاج وأخرجهم عن هذا الصمت بجراءته على السلطان، وعلى المداهنين والأعوان، وقد ساء هذا الفعل الإمام الجنيد، لأنه كان يرى بهذا التجريء، فتح مجال لأهل السلطة والمال والنفوذ وعلماء الرسوم بالتجريء على الصوفية، فلم يكن موقف الجنيد في هذا المضمار محصور بتلميذه الحلاج، إنما سبق مع تلميذه النوري، الذي أمره أن يبتعد عن عاصمة الخلافة بغداد بعد أن تجرء كمحتسب مرة على سلطة الخلافة بشخص الخليفة العباسي المعتضد، وكان هذا رغم إذعان المعتضد لحسبة النوري، وإكبار موعظة النوري، ولكن الخوف كان من الأعوان، الذين أدخلوا الجنيد ومجموعته في محنة شهرية كادت تودي برؤوسهم ..
                  يقول العلَّامة الحافظ ابن الأثير الجزري في "نظام الكنجوي" [ج1/ص: 65]، بعد أن شرح الموقف في الإمبراطورية العباسية والصراع الناشب بين الفِرَق والطوائف ما نصه: ( ولكن فرقةٌ واحدةٌ بقيت بعيدةً عن التعصب، ألا وهي فرقة الصوفية، فقد كانوا يمتازون بسلامة الفكر والعفة والأخلاق الحميدة، كما كان أفق تفكيرهم أوسع بكثير من غيرهم فأكسبهم هذا حبَّ كثيرٍ من الناس، وأخذ نفوذهم يزداد ويقوى، وهرع كثيرٌ من الناس إلى حظيرتهم بعد أن رأوا جور الزمان وقسوته، وكثرت مجالس الصوفية وأقبل الناس عليها ) اهـ
                  وربما سبب خروج الحلاج عن منهج القوم شخصيته الثائرة القوية الحنبلية الشديدة بالحق، وقوة شعبيته ونفوذه عند السلطان، ولو لم يكن صادق في مسعاه ويبتغي وجه ربه، لما خسر نفوذه ومكانته عند السلطان، وقلب آل عباس عليه نقمه بعد أن كان مقرباً محبوباً لديهم، وقد كان له محبين من أعوان السلطة كالوزراء أمثال: الكنائي والدولابي؛ والأمراء أمثال: ابن حمدان والقشوري حاجب الخليفة؛ ومن ولاة الأمصار: الماذرائي والطولوني ..
                  ولم ينصف الحلاج من قبل المؤرخين لأن أسياد التأريخ كان أكثرهم من الحنابلة الذين خاصموا منهج التصوف جملة، ولكن للأمانة فإن الحنابلة المعتدلين أنصفوا إلى حد ما مع الصوفية المتقدمين الذين كانوا بعصر التابعين، وأجحفوا بحق كثير من المتأخرين، ورغم أن الحلاج من الناحية الشرعية كان على مذهب ابن حنبل!، إلا أنه صوفي التربية والسلوك، لذلك لم يحققوا بحقيقة محنته وتوجهه، ولم ينصفوه كما أنصفوا الإمام الجيلاني لأنه كان حنبلي المذهب أيضاً، ورغم أنه كان من المتقدمين ..
                  واتهم الحلاج أنه كان على عقيدة وحدة الوجود الفاسدة، كما في قوله: "ما رأيت شيء إلا ورأيت الله فيه"، وهذه تسمى وحدة الشهود وهي رؤية الحق بلا خلق، وهو مقام التفريد للحق في القلب ففي السنة الصحيحة كما أسلفنا كل شيء ما عدا الله باطل، وقد ورد بالسنة الصحيحة أن السبق للمفردين، والذين وصفوا ببعض المتون السنية بالمستهلكين بذكر الله:
                  وقد قيل لشيخ الطائفة الجنيد: إنَّ أبا يزيد يسرف في الكلام، فقال: وما بلغكم من إسرافه في كلامه؟ قالوا: سمعناه يقول: سبحاني!، في خلوته ..
                  فقال الجنيد: "إن الرجل مستهلكٌ في شهود الإجلال، فنطق بما استهلكه لذهوله عن رؤيته إياه، فلم يشهد إلا الحق تعالى، فنعته فنطق به" ..
                  ومثال ذلك الشهود كمن يشهد الذهب في الحجر، أو الجوهرة الثمينة بين الحجارة فحينها هل يبقى للحجر في نظره وجود؟! ..
                  وهذا يفسر جانب من مبعث قول أبو المغيث الحلاج: "ما في الجبة سوى الحق"؛ لكن الحلاج فسر هذا القول بمنحى أكثر شرعية، بقوله كما ورد بسيرته الشعبية: "ما أنا إلا صنعة من مصنوعات الحق، فصنعة الله حق، والله تعالى حق، فما في الجبة سوى الحق"، أي أنه أشار إلى مفهوم الحق في الخلق، ولولا ذلك لبطل الخلق وما كان له وجود، وهو أمر لا خلاف عليه، وليس المقصود انصهار أو حلول أو اتحاد كنه ذات الحق تعالى في خلقه، حيث حصل سوء الفهم، والالتباس ..
                  أبو منصور الحلاج تتلمذ على يد كبار الأئمة العارفين، أمثال التستري والجنيد والنوري والثوري، وقبوله عند هؤلاء دلالة على نبوغه وتميزه، وتوازنه بين العقل والنقل ..
                  ومن أول الأمور التي لم تكن مقبولة سياسياً، من قبل الساسة تجاه الحلاج، أنه تفرد بدعوة جديدة يعيد بها جسد الأمة الإسلامية إلى سابق عهدها، وهو دعوته إلى الأخوة بالله، وكان ألف مألوف لكل الطبقات فيعاشر الفقير بفقره، ويغدق عليه العطية، ويعاشر الغني بقدره، ويقبل منه الصدقات، ليعطيها لأهلها من أهل البلاء والفقر، وهي أحد أسباب تعاظم شعبيته عند كافة الطبقات، إلا أنه كان يتخير نخبة الطبقتين من حيث الالتزام الديني العام، والأهلية للسلوك المستقيم، فهو لا يقبل مال من أحد في ماله شبهة ..
                  وهذا يؤكده ثورته على المترفين المفسدين، وأصحاب النفوذ المنحرفين، وهو الذي صنع له بغضاء وعداوة تعاظمت حتى بلغت أوجها عند هؤلاء، ومن ثم أنهت حياته في آخر المطاف ..
                  وكان لا يتغاضى عن عثرات من حملوا العلم، وحسبوا على أهل الولاية ..
                  وكان يتجنب ذكر التسميات الدينية المحدثة، حتى لا يظن أنه يميل لفرقة دينية دون أخرى، كان لا يميل إلا لأعلاء كلمة الحق وحده تحت تسمية الإسلام المطلق، والعودة إلى المحجة البيضاء، وفق ما كان عليه السلف من الصحابة الكرام رضي الله عنه، لذلك أحبه الحنابلة وسودوه، لأن دعواه ودعواهم كانت واحده، وكان يرى أن الخلافة بالحكم والعلم يحب أن تكون بأئمة آل البيت، لذلك اتهمه أعدائه بالتشيع ..
                  وكان رحمه الله دعواه لا مذهبي رغم أنه حنبلي المذهب، حيث كان يقول عن المذاهب: "إن هي إلَّا وسائطُ، يجب اجتيازها إلى روح الإسلامِ"؛ ورد في "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 42] ..
                  هدد الحلاج بدعوته الأصولية هذه العمائم على اختلاف توجهاتها، حتى استحوذ أكبر مجموعة من مريديه وأنصاره، وكان يلزمه على الدوام حتى بالأسفار أربعمائة من صفوة أو نخبة من المريدين السالكين، ممن استحقوا العمائم، وله في أمصار كثيرة مجاميع مخلصة، وشعبية كبيرة، لذلك عندما توجه توجهاً سياسياً، هدد عروش الساسة، والمترفين الفاسدين، فقاموا عليه قيام رجل واحد، حتى نالوا منه ..

                  يتبع ..

                  تعليق

                  • حسام الدين رامي نقشبند
                    طالب علم
                    • Apr 2011
                    • 231

                    #10
                    أما عن شيخه المكي [عمرو بن عثمان المكي]، فقصة خلافه معه كقصة الإمام الغزالي مع شيخه الجويني إمام الحرمين، فهي قصة تفوق التلميذ على أستاذه وتهديد مكانته بين الناس، فقد كشف ضعف حاله غير مرة، فعضب منه ونقم عليه ..
                    وأول المكي هذا السبق للحلاج بالحجة المحكمة والفتح الرباني، إلى سرقته بعض كتبه، ودعا عليه بأن تقطع يديه؛ وهذا ليس بصحيح، إنما أراد أن ينال من سمعته حتى لا يسمع له بالحق كلام، ونتيجة حنقه هذا لو كان صادق لشكاه للحسبة وقطعت يداه وشفا غليله منه ..
                    أما نقد الناقد بأن الشيخ المكي كان يلعنه، ويقول لو قدرت عليه لقتلته، وعلل السبب بأنه ذات مرة كان يقرأ القرآن، فقال له الحلاج: "يمكنني أن أتكلم مثله"، فوصف ذلك القول بأنه يمكنه أن يؤلف أو يكتب مثله، أي يكتب قرآناً، ولكن كان قصد الحلاج، أي يمكنني أن أتكلم مثله أي بيانه، وفقاً لحديث النبي الصحيح: أنه صلى الله عليه وآله وسلم، أوتيا القرآن ومثله معه؛ أي شرحه وبيانه، أي أن الشيخ لا ينشغل بقراءة ظاهر حروف القرآن، بل يقرئ، أيضاً معانيها، وقد ثبت أن للحلاج تفسيراً للقرآن، كما ثبت للتستري تفسير، فقد تعلم أصول التفسير من أستاذه الأول العارف التستري ..
                    واتهام المكي والأقطع وهو حمى الحلاج أبو زوجه، للحلاج بأنه ساحر محتال خبيث، من باب محاولة ثانية لإطفاء نجمه، والحد من شهرته، فمشركي قريش عندما عجزوا عن بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقوة حجته، اتهموه بالسحر والجنون؛ هذا بالنسبة للمكي، أما الأقطع فذلك لأن الحلاج كان إذا ما غضب كان يكشف آفات القلوب لأنه كان بفرط ذكاءه وعلو صفاءه وتقواه وحسن فراسته، لكن الحلاج لم يكن يغضب لنفسه إنما يغضب للحق، فهو ممن يعرفون الناس بالتوسم؛ فكان حلاج أسرار القلوب بما يتفرسه بسيمات الوجوه من منعكس المشاعر الداخلية، فالوجه يعبر على دفينة صاحبه، وفق ما ذكر الخطيب في "تاريخ بغداد" [ج8/ص: 113] ..
                    ولو كان المكي والأقطع صادقين، لكان وافقه من هم أقوم منهم، وأعلم أمثال التستري والنوري والثوري ..
                    أما إمام الطائفتين الجنيد، فأنكر عليه إضافة لجراءته بالحق، ولشدة نقده للأعلام، فهو لم ينجو من نقد الحلاج، ولشجاعته بالحق، فقد كان لا يداري السفهاء، حتى جرئ أصحاب السلطة الدينية والسياسية على جماعة الصوفية بسببه، بل وهدد بثورته الإصلاحية عرش الخليفة المقتدر بالله العباسي، بثورة الحنابلة التي جعلته زعيمها الروحي، والتي تلاءمت مع ثورة ابن المعتز العباسي، الذي كان يرى أنه أحق بالخلافة من المقتدر، والتي فشلت بعد أن اعتلى ابن المعتز الخلافة ليوم واحد، ولولا نفوذ الحلاج عند الأعيان، وبيت الخلافة، وسعة شعبيته لهلك حينها، ولم ينجو من ثورته العلمية حتى الرافضة الباطنية، والمعتزلة الكلامية ..
                    لذلك قال فيه الإمام الجنيد: ( إنني أرى كثيراً من فضول الكلام، فيما يقوله الحسين بن منصور )؛ ورد في "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 35] ..
                    كما أن الحلاج كان مخالفاً لأستاذه الجنيد في فهم رسالة نشر التصوف، حتى لقبه الجنيد، برجل المطامع ..
                    أما القول الذي نقله الناقد عن الذهبي في "السير" [ج14/ص: 337]، بأنه حاول أن يزني بكنته أو خادمته، وادعى حينما تيقظت أنه يريد أن يوقظها على صلاة الفجر، وأنه أمرها بالسجود له، فهي رواية آحاد لناقصة لا عدالة لها، ربما قالت ذلك زوراً، بترغيب وترهيب من وزير العباسيين حامد أعدى أعداء الحلاج، وفق ما ثبت عند بعض المحققين، فهكذا فعل إن صح فلا بد له أن يتكرر، إلا أنه لم يتكرر مطلقاً، وهي علامة بطلانه، إلا أنه هو إن صح مجازاً ما قالته، فهو لوسواس في نفسها، فمظنتي بالناس مظنتي بنفسي، كما أن هكذا فعل له مقدمات، من غمز وهمز ولمز، أما مسألة السجود لغير الله، فتجوز ولا يعمل ولا يؤمر بها، لشبهتها الشركية، فهو سجود لمقام الخليفة عند الله، فقد أمر الله الملائكة أن تسجد لمقام آدم من الله، أو بشكل أصح لمقام الله عند آدم، ولم يعترض على هذا الأمر إبليس ومن كان على شاكلته من قرائنه وقرانه، والله تعالى صرح بالاتخاذ من مقام إبراهيم عنده مصلى، ولا يكون الصلاة إلا بالسجود، دون انكار الفعل في كتابه الكريم أيضاً، فهو سجود لمقام المؤمن عند الله، وجلال الحق فيه، وقد ورد في السنة، أن المؤمن أعظم شأناً عند الله من الكعبة التي يسجد لمقام تجلي الحق فيها، ومع ذلك هذا مستبعد كل البعد، أن يأمر الحلاج من دهماء بلاهاء فعل ذلك مطلقاً، إضافة إن من المحال أن يأتي هكذا شبهة لأنه كان حنبلي متشدد ..
                    أما ما نقله الناقد عن الذهبي في "السير" [ج14/ص: 328]، والذي نصه:
                    أخبرنا المسلم بن محمد القيسي كتابة، أخبرنا الكندي، أخبرنا ابن زريق، أخبرنا أبو بكر الخطيب، حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي، عن أحمد بن محمد النسوي، سمعت محمد بن الحسين الحافظ، سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ يقول: قال أبو القاسم الرازي: ( قال أبو بكر بن ممشاذ: حضر عندنا بالدينور رجل معه مخلاة، ففتشوها، فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه: "من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان". فوجه إلى بغداد، فأحضر، وعرض عليه، فقال: "هذا خطي، وأنا كتبته". فقالوا: كنت تدعي النبوة، صرت تدعي الربوبية؟! قال: "لا، ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله وأنا؟ فاليد فيه آلة". فقيل: هل معك أحد، قال: نعم، ابن عطاء، وأبو محمد الحريري، والشبلي، فأحضر الجريري، وسئل، فقال: هذا كافر، يقتل من يقول هذا. وسئل الشبلي، فقال: من يقول هذا يمنع. وسئل ابن عطاء، فوافق الحلاج، فكان سبب قتله ) اهـ
                    ما تقدم أعلاه في الرسالة أو الخطاب تنويه على أن فحوى الكتاب بإلهام وموافقة من الحق سبحانه، وأنه لا يتحرك ساكن إلا بأمر الله، ومسوغه ومؤيده الشرعي، قوله تعالى: { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [النمل : 30]؛ أي أنه من رسول الله سليمان عليه السلام، ظاهراً، وأنه في الحقيقة من الله الرحمن الرحيم، والحلاج كما أسلفنا كان قرآني إلا أنه استحى أن يذكر أسمه مع اسم الله تعالى، فألغى ذكر الوسيط فيما هو في الحقيقة مرسل من الله، ومكنون خطابه أنه جعل نفسه بموطن العبودية الحقة، بأن جعل من كيان ذاته آلة يحركها الله كيف يشاء، عملاً بمكنون العبودية والولاية بالموافقة المطلقة في مفهوم قوله تعالى: { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } [الإنسان : 30]، ولو كنا اطلعنا على باقي فحوى الرسالة لأدركنا هذا جلياً، والحق أننا جميعاً عرفاً وشرعاً نبدأ خطابنا باسم الله الرحمن الرحيم ..
                    وقد شهد كل من الباز الجيلاني وابن خفيف الشيرازي، بأن الحلاج كان عالم رباني، وفق ما ذكره السلمي في "طبقات الصوفية" [ج1/2ص: 308]، وغيره ..

                    يتبع ..

                    تعليق

                    • حسام الدين رامي نقشبند
                      طالب علم
                      • Apr 2011
                      • 231

                      #11
                      وقد نقل الناقد السندي حيلة من الحيل نسبة للحلاج، قيل احتال بها الحلاج على ناس لا يعرفوه، رواها الخطيب بسنده في "تاريخ بغداد" [ج8/ص: 122 125]؛ ورواها برواية الخطيب التنوخي في "نواشر المحاضرة" [ج6/ص: 76 78]، وذكرها الذهبي في "سير الأعلام" [ج14/ص: 319 320]، ابن كثير مع زيادة في التوضيح في "البداية والنهاية" [ج11/ص: 126 126] ..
                      وفحوى القصة أن الحلاج أرسل مريداً له إلى بلد من بلدان الجبل ..
                      وهنا السؤال ما دامت أصل الرواية من ثقة فلما لم يتحرى هذا الثقة الدقة بمعرفة اسم هذا البلد، أو اسم الجبل الذي فيه البلد على أقل تقدير ..
                      ونتابع ملخص القصة ونقول أن هذا المريد كان عابداً ناسكاً بهذا البلد، فلما أحبه الناس أدعى أنه قد عمي ..
                      فاخبر الناس أن شفاءه سوف يكون على يد عبد صالح بدعائه، وفق ما بشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..
                      ووفق القصة بعد انقضاء الأجل المتفق عليه مع المريد أتى الحلاج البلد واعتكف بالمسجد وظهر للناس صلاحه، فأخبروا المريد الأعمى بوجوده فطلب منهم أن يحملوه إليه، ففعلوا، فطلب من الحلاج الدعاء بشفائه، فتورع الحلاج وتواضع أن يكون عنده شفاء بدعاء، إلا أن الغلام أصر عليه فدعا له فكان الشفاء بمشيئة الله، فعندما قرر الحلاج ترك البلد زوده أهل البلد بمال كثير يستعين به على غربته، ويكون منه لهم دعاء وأجر، فلحق به الغلام وتقاسم المال معه ..
                      نقول: إن صحة الرواية عقلاً، وإن تنبهت لإهمال الناقد لتخريج صحة الرواية على غير عادته ..
                      فإن الرواية لا تصح عقلاً ..
                      لأسباب منها:
                      1- لا يعقل أن الحلاج قد تجرد من كثرة مشاكله في بغداد التي أخرجته ليرتب، هذه الحيلة! ..
                      2- لما لا يكون هذا الأعمى قد لحق بالحلاج لإيمانه بصدق تقواه وصلاحه، كما فعل المئات، فأراده أن يكون له مرشداً ومربياً ..
                      3- كيف عرف الراوي ما حصل بين المريد والحلاج، ولم يعلم غيره بذلك، ذلك أن القصة برواية آحاد، فلو علم غير الراوي المنفرد، لكان هناك مخارج أخرى للرواية، لأنه من المفترض أن تكون البلدة كلها علمت بهذه الحيلة ..
                      4- إن صدق وحصلت القسمة فلما لا تكون عطية من الحلاج إلى مريده، لأنه لو كانت حيلة لما لزم المريد الحلاج، ما دام قد حصل على ثروة، إنما لزمه لنيل آخرته والدليل على ذلك، عدم تكرر مثل هذا المكر والحيلة مع الحلاج ومريده هذا، في أي مكان آخر ..
                      والغريب أن ناقدنا روى حيلة أخرى راويها منجم! ..
                      متناسياً الحديث المرفوع الصحيح، بأن الكاهن لا شيء، وأن المنجمون كذابون ولو صدفوا، أي صدقوا بالصدفة، لأنهم دجالون كذابون ..
                      الأثري الناقد السندي يأخذ برواية مفرد منجم، ويصدقها!، وهو من نقاد الحديث، أو الرواية، نصرة لهواه متناسياً أمانته العلمية في تحري السند الصحيح، وشدته بذلك ..
                      إلى أن قال أن ابن كثير ذكر هذه الحيلة ولم يطعن بها في "البداية والنهاية" [ج14/ص: 137] ..
                      في الصفحة 706 اتهم الناقد الحلاج بأن كفره فاق كفر فرعون!؛ وذلك لأنه قال: "يا إله الآلهة ويا رب الأرباب، ويا من لا تأخذه سنة ولا نوم رد إلى نفسي لئلا يفتن بي عبادك، يا من هو أنا، وأنا هو لا فرق بين أنيتي وهويتك، إلا الحدث والقدم"؛ ورفق ما رودي في "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 307]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج14/ص: 351] ..
                      نقول لناقدنا الكريم ببساطة واختصار الفرق بين فرعون والحلاج، أن فرعون قال أنا ربكم الأعلى، فقد قال أنا ولم يخرج عن أنا ذاته التي فرت من عون الله لذلك سمي فرعون ..
                      أما الحلاج فقال: أنت ربي الأعلى، رب الأرباب، وإله الآلهة، ولا وجود لي أنا، فألغى وجوده وأثبت وجود الله وحده، أي أثبت أنا اللاهوتية، لا الناسوتية الفانية عشقاً في الله، وهذا لا يسع الناقد ومن كان على شاكلته ممن حرم ذوق وشهود حقيقة التوحيد، بأن لا وجود بالحقيقة إلا لله، وأن كل وجود غير الله هو محدث فاني، لم يكن ليوجد لولا الموجد الواجد الأحد، دون تواصل أو اتحاد حسي فبصلت بالحق تعالى هو موجود بإنسانيته، فالله أعلى من أن يكون داخل المحدث عموماً أو خارجه، أي أنه بذاته لا هو في الأرض ولا هو في السماء، إلا بألوهيته أي بتدبير الأمر وتصريفه، وبأنوار ربوبيته فهو القائم على شؤون الكون، أي أن الله متجلي على الكون أو العالم الأكبر بأنوار أسماء الألوهية والربوبية الحسنى، وصفاته الفضلى، لا بكنه ذاته العلية، سبحانه وتعالى عما يصفون ..
                      يوازي ذلك قول الحلاج أعلاه، قول نبي الله ذي النون عليه السلام، في كتاب الحق تعالى: { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء : 87]
                      وهذا هو التوحيد المطلق، أي نفي الألوهية والمشيئة بالإطلاق إلا لله، أما ما نطق به فرعون فهو الكفر الأكبر ..
                      وكتاب "الطواسين" الذي كتبه بحبسه، صودر من قبل موته، وأظهره الوزير حامد وأعوانه ومن والاه بعد وفاة الحلاج!، علماً أنه لم يكن له أي ذكر قبل أن يقام عليه الحد؟! ..
                      وهو ما يعني أنه إما حرف به، أو تم تلفيقه بالكلية على أنه من كتابات الحلاج؟! ..
                      وأكبر دليل على ذلك أنه لم يحاكموه على ما في "الطواسين"، وسبب نشرهم له رغم احتوائه على الطلاسم وما دس من شعوذه وسحريات لتوثيق الحكم أنه عادل دون أثر رجعي شعبي ثائر ..
                      وقد جاء في مطلع كتاب "مفاتيح الغيوب وتعمير القلوب في تثليب المحبوب" للأبشيهي: ( اعلم أن الحلَّاج عند محققي العلماء، مجمعٌ على ولايته، ومعرفته بربه عزَّ وجلَّ، ما يُنسب إليه من غير هذا كذبٌ وبهتانٌ عليه، فيجب اعتقاد ولايته وصدقه، وأنه ركنٌ من أركان طريق الحق سبحانه، وإمامٌ من أئمة المسلمين، ولكنه كان له أعداء أغراهم إبليس به، فآذوه وافتروا عليه، ولا تلتفت إلى هذه المخالفات المزورة عليه، وقد وصفه بالولاية، والجمع بين العلم، والعمل غير واحدٍ من أكابر الأئمة )؛ اهـ

                      يتبع ..

                      تعليق

                      • حسام الدين رامي نقشبند
                        طالب علم
                        • Apr 2011
                        • 231

                        #12
                        وقد بالغ الناقد السندي بقوله بالصفحة 665 من كتابه أنه حصل إجماع على كفره، أي تكفير الحلاج، وهذا قول مبالغ فيه، فمن كفره من نقاد النقل والمؤرخين هم الحنابلة، وخاصة التيمية على وجه الخصوص، أمثال الذهبي وابن كثير، أم الشافعية أمثال الحافظ والخطيب، فقد نقلوا أكثرهم ما رويا عنه دون نقد ظاهر أو لاسع، أو قناعة ذاتيه بزندقته ..
                        وقد ورد في دائرة المعارف الإسلامية في المجلد الثامن [ج8/ص: 17]: سجلٍّا شاملًا لمن كفَّره، ولمن اعتقد بولايته، ولمن توقف، أو جعل أمره موقوفاً في ذمة الله، فمن عدَّه من الأولياء من جمهور الفقهاء: الشوشتري، والعاملي، والعبدري، والدلنجاوي، والنابلسي، والمقدسي، واليافعي، والشعراني، والهيتمي، وابن عقيلة، وسيد مرتضى الزبيدي ..
                        ومن المتكلمين، علماء الأصول: ابن خفيف، والغزالي، وفخر الدين الرازي، والمدرستان السالمية، والماتريدية الحنفية ..
                        ومن الحكماء: ابن طفيل، والسهروردي، والحلبي ..
                        ومن الصوفية: الشبلي، وفارس، والكلاباذي، والنصراباذي، والسلمي، والدقاق، والقشيري، والصيدلاني، والهجويري، وأبو سعيد الهروي، والفارمذي، وعبد القادر الجيلاني، والبقلي، والعطار، وابن عربي، وجلال الدين الرومي، وغيرهم ..
                        وأما الذين تنادوا بتكفيره: فابن داود، وابن حزم، وابن تيمية، والطوسي، والحلي، وابن خلدون، والجبائي، والباقلاني ..
                        يقول اليافعي: ( الحلَّاج ثالث ثلاثةٍ، أحبهم قومٌ فكفروا بحبهم، وأبغضهم قومٌ فكفروا ببغضهم، والاثنان الآخران، عيسى ابن مريم، وعلي بن أبي طالب )؛ اهـ
                        ومشكلة الحلاج أنه كان هو المحب المتيم بالحق تعالى، الذي لم يستطع أن يخفي أسرار محبته لربه، فهو القائل: "حَقِيقَةِ الْمَحَبَةِ، قِيَاّمُكَ مَعَ مَحْبُوّبَكَ، بِخَلْعِ أّوْصَاّفِكَ، وَالْاِتِصَاّفِ بِأّوُصَاّفِهِ"؛ ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 145] ..
                        والجدير بالذكر أن الظروف التي تعرض لها الشيخ الأكبر للناقد السندي وأعني شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، مشابهة لدرجة كبيرة للظروف العدائية التي تعرض لها الحلاج، حتى أنه نطق بالزندقة غير مرة في المسجد حتى استثار الناس عليه في الجامع الأموي فانقضوا عليه ضرباً باللكم والنعال بعد أن أنزلوه من على المنبر، كما روى الإمام ابن حجر الهيتمي المكي مفتي الحجاز، في كتابه "الجوهر المنتظم" [ج1/ص: 65]، ونقله شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الدرر الكامنة" [ج1/ص: 180]، والحصني الدمشقي في "دفع شبه من شبه وتمرد" [ج1/ص: 41]، كما أن الحاكم سجنه مرتين مرة في مصر ومرة في سوريا، واستتيب من الزندقة في مصر فتابّ!، ومات بالسجن في دمشق دون أن يستتاب، وقامت له جنازة صوفية!، وفق وصف تلميذه الحافظ والمفسر والمؤرخ ابن كثير الدمشقي في "البداية والنهاية" [ج14/ص: 131]، ودفن في مقابر الصوفية!! ..
                        وعلى كل الأحوال أنا العبد لمولاه، لي بحث قديم في شأن الحلاج، موجود في صفحات النت، من عدة أجزاء تحت عنوان: "معضلة الحلاج بين الواقع والتلفيق"، لمن أراد أن يتبين حقيقة هذا الرجل وحقيقة ما حصل معه، مدعماً بالأدلة النقلية والقرائن العقلية، ولي همه إن شاء المولى، أن أكتب بحث جديد أكثر تبيان وتسديد بأسلوب جديد، تحت عنوان: "التصحيح والعلاج لما قيل في الحلاج" ..
                        وبهذا القدر أكتفي بالرد على الجزء الأول لناقدنا الكريم، وأنتقل إلى الجزء الثاني من كتاب الناقد والذي هو تحت عنوان: "كتاب ابن عربي الصوفي في ميزان البحث والتحقيق" ..

                        تعليق

                        • حسام الدين رامي نقشبند
                          طالب علم
                          • Apr 2011
                          • 231

                          #13
                          أقول كلمة حق فإن من ينتمي إليهم ناقدنا الكريم، للأسف هم معاول لهدم الدين، لأنهم يُخوون الدين من روحه الأصيل، وذلك بادعاء بطلان وبدعية الطريقة لتحقيق الإيمان والوصول لحق التقوى ..
                          والمتطرفين من هؤلاء جلبوا للإسلام تسمية الإرهاب، وحشدوا عداء العالم ضده، فهم يدعون إلى الحق وليسوا بأهله، وأهم أهدافهم الضرب بالمثل العلية في غير أعلام المحدثين، إلا من كان له انتماء صوفي أو عقدي أصولي أشعري وماتريدي، من هؤلاء الحفاظ المحدثين أيضاً ..

                          وننتقل إلى الجز الثاني من بحث الناقد السندي:
                          والعجيب أن هذا الجزء فيه نقد لمن اتبعه رجل من المحدثين بلغ درجة الحافظ، وكان من أكبر نقاد عصره في تحقيق السند أيضاً، وهو الحافظ الغماري المغربي، والذي لم ينجو من نقده أحد لا القرنية وهي تسميته للتيمية المعاصرين، ولا الأشاعرة ولا حتى كثير من الصوفية، فكيف نجى الشيخ الأكبر من نقده؟! ..
                          والأشد غرابة أن مذهب الشيخ الأكبر ابن عربي كان مذهب ظاهري، أي على مذهب الإمام الحافظ ابن حزم الأندلسي، وهو مذهب مقبول عند ناقدنا الكريم ..
                          وفي هذا الجزء سوف أرد بتأويل بعض أقول ابن عربي المشتبه فيها لا أكثر، وأترك ما دس عليه، وهو منه براء، وخير الكلام ما قل ودل ..
                          في الصفحة 103 من بحث الناقد الكريم، يتهم ناقدنا الشيخ الأكبر، بتحريفه القرآن، واتهمه أن فعل ذلك اقتداء باليهود الذين يحرفون الكلم عن موضعه؛ والحق أن الأمر قد هالني، وفجعت بهذه المعلومة خاصة وأن رواتها من الثقاة وهو الشافعي الثاني، وأعني الإمام المزي ..
                          ولكن تبين لي أن الأمر أمر تأويلي خاص لكتاب الله تعالى، وكأن الناقد الكريم تناسا أن القرآن حمال أوجه، وأنه كما ورد في الكتاب الكريم أن البحار لو كانت مداد أو حبر لمعاني كلمات الله، لما كفى لتدوين مقاصد كلمات وآيات كتاب الله، فالناقد ومن هو على شاكلته من التيمية المعاصرين من أتباع ابن عبد الوهاب النجدي، في أول نشأتهم أنكروا التفسير مطلقاً، كما ينكرون ذلك في تفسير الحديث الشريف، وقبول متنه دون السند، ولكن عندما أدركوا شذوذهم في الأمة، اعتمدوا على تفاسير معينة دون غيرها، وحذو بذلك حذو اليهود باعتماد سفور معينة دون غيرها، بما يخدم مصلحتهم فحرفوا بذلك الكلم عن موضعه، وقيدوا معاني القرآن وحجروا واسعاً ..
                          والآية موطن النقد ظاهر معناها: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [البقرة : 6] ..
                          الذين كفروا تقال لكل من ستر الحق وأعرض عنه، لذلك فهو لا يصغي للحق مطلقاً، فليس للإيمان إلى قلبه منفذ لأنه لا يقبل الحق البتة ..
                          أما تفسير الشيخ الأكبر الباطني فهو يتكلم على فئة خاصة وصفهم الله في كتابه بالسابقين المقربين أو المحسنين، كما في سورة الواقعة وغيرها، وهم العارفين والأولياء وكفر هؤلاء كفر نوراني وهو ستر خصوصيتهم وعلو معرفتهم ومحبتهم لله؛ لأنه فوق مستوى إدراك عموم المسلمين، لذا يقول الشيخ الأكبر في تفسير مطلع الآية: "ستروا محبتهم"، لأن الناس لم تذق أو تشهد هذه الأذواق العالية فسوف تنكر عليهم حالهم فالمرء عدو ما يجهل: { ِإِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً } [الكهف : 20]، فقد أصبحوا متصلين بالحق بقربهم ملهمين منه، فلم يعد هناك داعي لإنذارهم من قبلك يا محمد لأنهم يلهمون العلم من الله، فهم على الدوام منذرين من الحق سبحانه بما فهمومه وتبصروه في كتاب الله، ووقر في قلوبهم من موعظة، مخافة من الله، وقد أضحى مشربهم من الحق تعالى، الملهم الحافظ لهم من كل سوء وضر؛ وهنا يقول الشيخ الأكبر: "استوى عندهم انذارك وعدم انذارك، لما جعلناه عنهم، لا يؤمنون بك ولا يأخذون عنك إنما يأخذون عنا [أي: عن الله]"، ونضيف فهم لا يؤمنون، لأنهم هم بالأصل مؤمنين، فبما يؤمن المؤمن ما دام بأصل مؤمن ..
                          وحول قوله تعالى: { خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [البقرة : 7] ..
                          فالظاهر الختم هو الخاتم والطابع من الله بأن ليس للإيمان إلى قلوبهم منفذ، وليس لهم الكفر منجى ..
                          أما الباطن عند الشيخ الأكبر: أي لا يعون ويعقلون الحق إلا عن الحق تعالى؛ يقول الشيخ الأكبر بهذا: "فلا يعقلون إلا عنه" [أي: عن الله]، لأن أهل الله كما ورد بالحديث الصحيح، هم أهل القرآن يفهمون الحق بما فتح الله عليهم من مقاصد الكتاب، وهم أهل الله وخاصته كما في الحديث، فإن من أحسن وجهة قلبه إلى الله، ينبغي أن لا يكون له وجهة لغير الله، وهذه هي العبودية الحق، لأن النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وكتاب الله الكريم، هما وسيلة توصل إلى الحق تعالى، وليست غاية الوصول ..
                          والختم الإيجابي هو حفظ الإيمان والتقوى في تلك القلوب، بضمان أحوال الجنة في القلب في الدنيا قبل الآخرة، ويكون ذلك بمراقي الإيمان والتقوى، وهذا لا يكون إلا للمتقين، لأنهم دائمي الإقبال على الحق، وهم متلذذين بقربه تعالى ورضاه ..
                          فهم بذلك لا يسمعون إلا من الحق، ولا يبصرون إلا الحق، فليس للشيطان عليهم سلطان، فقذ غشيتهم السكينة والرحمة وعذبت أنفسهم وقلوبهم أي صفت صفاء عظيماً للحق العلي، وعظيم هنا أي لا يحاط أو يحصى؛ وبهذا يقول الشيخ الأكبر: "فلا يسمعون إلا منه، ولا يبصرون إلا منه، ولا يلتفتون إليك، ولا إلى ما عندك، بما جعلناه عندهم، وألقيناه إليهم من عذوبة" ..
                          فهذا تفسير أو تأويل مقبول لأن الله تعالى بدأ صورة البقرة بالكلام عن المؤمنين ثم الكفار ثم المنافقين، ولم يصرح بالمتقين أو المحسنين، بينما في سورة الواقعة صنف أصناف الناس إلى ثلاثة أصناف: أصحاب اليمين وهم المؤمنين والمسلمين، وأصحاب المشئمة وهم المنافقين والكافرين، والصنف الثالث هم السابقون وهم الأولياء والعارفين، فأين هم في أوائل سورة البقرة؟! ..

                          فالفئة الأولى أنهاها الحق بحد اليقين وهو وفق الأثر الصحيح الإيمان كله، أما التقوى فلا حد لها ولا لمقام الإحسان ..

                          تعليق

                          • حسام الدين رامي نقشبند
                            طالب علم
                            • Apr 2011
                            • 231

                            #14
                            في الصفحة 116؛ نقل لنا الناقد السندي رؤيا رواها الشيخ الأكبر، وفق ما ورد في "الوافي بالوفيات" للصفدي [ج4/ص: 177]: سأل فيها الشيخ الأكبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أيهما أفضل الملائكة أم الأنبياء، فوفق الرؤيا المزعوم أنها منسوبة للشيخ الأكبر، فضل النبي الملائكة على الأنبياء، وهذا إن صح فلا يصح بهذا الشكل الظاهري الصوري ..
                            الصواب أن الملائكة خير من عوام البشر طائعين وعصاة، وهم يوازون أو يقلون عن الأولياء بالقدر، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإن قلوا عن الأولياء وذلك أنهم اختاروا أن يكونوا طائعين منذ الأزل، أما الأولياء فاختاروا أن يكونوا مخيرين وعادوا طوعاً بعد مجاهدة إلى ما الملائكة عليه من طاعة مطلقة، ويستثنى من ذلك ملائكة القدس فهم فوق الأولياء لا محالة، لكنهم أيضاً دون الأنبياء، لأن الملائكة بكل أطيافها سجدت لآدم عليه السلام، أبو الأنبياء، وهو نبي، كما ورد في كتاب الله، وهي أي الملائكة دون ورثة الأنبياء وخلفائهم، وهم العلماء الصديقين، لأنهم يضعون أجنحتهم لهم رضاً منهم بما يفعلوا بالعلم، كما ورد في صحيح السنة ..
                            فالله تعالى يقول: { وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ } [الأنعام : 86] ..
                            أما ابن آدم فقد كُرم وفُضل على كثير من خلق الله وليس كافة العوالم كما هو حال الأنبياء، بقوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء : 70] ..
                            أما تفضيل بني إسرائيل كما في هذه الآية: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } [البقرة : 47]
                            فهنا التفضيل أن جعل فيهم ومنهم الأنبياء، أكثر من غيرهم من الأقوام الأخرى ..
                            أما الدليل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على فضل الملائكة على البشر دون الأنبياء، الأثر القدسي المتفق عليه: ( وَإِنْ ذَكَرَنِي في مَلإٍ، ذَكَرْتُهُ في مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ) ..
                            فهو خاص من يحسن الظن بالله، وليس لمن تجاوز اليقين وأعني الأنبياء والصديقين ..
                            وذلك أن الملائكة دائمي الذكر لله لا يفترون عن ذكر الله ..
                            يقول الله تعالى: { وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [19] يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ } [الأنبياء : 20]
                            والحديث القدسي الضعيف السند الذي رواه الطبراني في "الكبير" [ج6/ص: 367/ر:6634]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( قَالَ اللَّهُ: (( عَبْدِي الْمُؤْمِنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ مَلائِكَتِي )) ) ..
                            إلا أن المؤمن دون النبي ووصي النبي أي الصديق أو العالم الرباني ..
                            وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( أَيُّهَا الشَّابُ التَّارِكُ شَهْوَتَهُ لِي الْمُبْتَذِلُ شَبَابَهُ مِنْ أَجْلِي، أَنْتَ عِنْدِي كَبَعْضِ مَلائِكَتِي، وَلَكَ عِنْدِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَجْرُ الصِّدِّيقِ )؛ رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج5/ص: 237/ر:5202]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج5/ص: 2256/ر:3577]؛ وقال" إسناده ضعيف ..
                            فالسؤال يجب أن يكون: أيهما أفضل الملائكة أم البشر، أي على وجه العموم دون التخصيص، والله ورسوله أعلم ..
                            إلا أن أغلب الظن أن هذا من دسوس زنادقة الكلام، ذوي الأصول أو التبعية اليهودية، وليس من قول أعلام الإسلام ..

                            يتبع ..

                            تعليق

                            • حسام الدين رامي نقشبند
                              طالب علم
                              • Apr 2011
                              • 231

                              #15
                              في الصفحة 118 أشار ناقدنا السندي، نقلاً عن ما نقله المقبلي في "العلم الشامخ" [ص: 556]، عن الشيخ الأكبر أنه قدس سره، نقل بسنده قول الشيخ أبو الغيث بن جميل: "خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله" ..
                              نقول هذا القول اشتهر بالأصل عن سلطان العارفين أبو يزي
                              البسطامي، وهو لا يعني تفضيل الأولياء على الأنبياء البتة، إنما المقصد أنهم خاضوا ببحر، انتهى الأنبياء من الخوض فيه، بعصمتهم وعلو تفانيهم في جنب الحق تعالى، والدعوة إليه ..
                              وبمقصد أخر أنهم خاضوا بلُج بحر الحقيقة أو بحر اللدنية خوضاً عميقاً، بينما اختار الأنبياء أطراف هذا البحر حتى لا يثقلوا بدعوتهم إلى الحق من وكلوا بهم لهذه الدعوة، فهم مأمورين كما ورد في الأثر أن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم ..

                              في الصفحة 136 أشار ناقدنا السندي نقلاً عن ما نقله المقبلي في "العلم الشامخ" [ص: 558]، عن الشيخ الأكبر أنه قدس سره، أشار إلى تفضيل الولاية على النبوة ..
                              وهذا خطئ في فهم القصد من كلام ابن عربي، فهو لم يفضل، ولكن قدس سره أشار إلى أن بقاء الجانب السلوكي والعقدي في الدين بعد غياب المشرع. وهو المشرع، بانقطاع النبوة، منوط بالأولياء بالخلفية، لأن السلوك الإيماني يحتاج إلى ولي مرشد قلبي، وليس ذلك إلا للأولياء والعارفين بعد النبوة ..
                              وحول ما قال ابن عربي في "فصوصه" [ج1/ص: 58]: ( إنه لا شيء للأنبياء من النظر بل عقولهم ساذجة قال: يدلك على ذك قول عزيز: { أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ٌ} [البقرة : 259] ليس لهم إلا ما يتلقونه من الملك ثم يلقونه ) اهـ
                              نقول قد وصف الله تعالى نبيه بالأمي! ولم يكن هذا ذم أو انقاص من قدره، أو نعت بسذاجة أبداً، إنما توصيف بكمال، لأنه هو وكل نبي ووصي، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وسذاجة العقل الذاتي دلالة أن النبي لا علم عنده إلا علم الله وفهمه، لقوله تعالى: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ } [الأنبياء : 79] ..
                              أي أن علم النبي وخليفة النبي وأعني الصديق المهدي، علمُ رباني، متى ما احتاجوه وجدوه، دون مكتسب عقلي ذاتي مأثور لأنهم دائمي الذهول بحضرة الحق تعالى، دائمي الحضور مع الله، فهم ينامون وقلوبهم لا تنام، لدوام اتصالهم مع الحق تعالى، وحياً وإلهاماً، وهذا ما سماه ابن تيمية بفناء الكاملين، وصنف فناء الأولياء بفناء القاصرين، لأن الفناء بالله والبقاء به تعالى التامان عصمة، وهي عصمة الأنبياء، أما الأولياء فهم دون التمام بذاتهم، فهم محفوظون، ولولا حفظ الله لهم، لتاهوا بهيامه بالحق وغرقوا بالفناء بالخالق دون أدنى حضور مع الخلق ..
                              عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأنصاري رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ )؛ رواه البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1308/ر:3570]؛ وحكمه: [صحيح] ..
                              وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي )؛ رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 285/ر:1096]؛ مسلم في "صحيحة" [ج6/ص: 260/ر:1720]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 426/ر:1341]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:1341]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج2/ص: 320/ر:439]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ ووافقه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:439]، وقال: صحيح؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
                              وَعَنْ عَطَاءٍ بن أبي رباح، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا، وَلا تَنَامُ قُلُوبُنَا )؛ رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" [ج1/ص: 171/ر:419]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2526]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2287]؛ وحكمه: [صحيح] ..
                              وأكثر من نقد هذا القول لابن عربي في "الفصوص" هم الأثريين الظاهرين والتيميين الذي يأخذون بظاهر القول، مما يجعلهم قاصرين عن فهم كثير من المعاني والمقاصد الإيمانية العلية ..
                              وخلاصة القول أعلاه، أن النبي قلبه دائم الوصل بالله، وعصمة النبي بذلك، أما الولي فيعمل بكسبه القلبي حيناً، وما يلهمه الحق تعالى من الحق حيناً آخر، فإذا مسه طائف من الشيطان كما ورد بالآية: 201 من سورة الأعراف؛ تذكروا الحق فإذا هم مبصرين ..
                              وبناء على ما تقدم نرد على ما أورده الناقد في الصفحة 135 نقلاً عن ما أورده المقبلي في "العلم الشامخ" [ص: 557]، عن ابن عربي حول الأخذ بالشرائع بالاجتهاد والتلقي عن الله ..
                              نقول قال ابن عربي أن هذا لا يكون إلا لخليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو بالوحي فقط ..
                              وفي ذلك أدلة قرآنية، ومنها قوله عز من قائل: { وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [الزمر : 33]، فتعالى يقول جاء بالصدق، فلم يقل بلغ الصدق، أو حمل أو نقل، أو قال الصدق، إنما جاء به أي تفرد به بهبة من الحق أوحاها أو ألهمه إيها، ودليل ذلك قوله تعالى: { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } [النمل : 22]، أي تفردت به دون غيري، ولا يكون ذلك لواحد بذاته أو صفته، إنما للمتقين أنبياء كانوا أم صديقين أم صالحين، وأدلة أخرى سنية: فالنبي أمر فيما صح عند العلماء بالاتفاق، أمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين من بعده، لأنهم ملهمون من الحق تعالى، واجتهادهم مطابق لما جاء في كتاب الله، فهم ينظرون بنور الله، وينطقون بتوفيق منه تعالى ..
                              وقد ذكر في السنة المشرفة في صحيح البخاري: أن أناس في بني إسرائيل كانوا مكلمين محدثين من الحق في قلوبهم، ولم يكونوا أنبياء، ومن أمثلتهم الفاروق عمر رضي الله عنه، ومثله من شابهه في فيما من تبع وخلف مقام العلم النبوي الشريف ..

                              يتبع ..

                              تعليق

                              يعمل...