ذكر الله تعالى والأحكام المتعلقة به / بحث مفصل /

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد حبيب الفندي
    طالب علم
    • Jul 2005
    • 91

    #16
    [ALIGN=CENTER]


    ما هو حكم من يأخذ أورادا وأذكارا معينة من شيخه بعدد وصيغ معينة مثل التوحيد مئة مرة أو الاستغفار أو الصلاة على النبي أو اسم من أسماء الله تعالى ؟؟

    الورد يحمل في ذاته قيمة جليلة ، والسنة النبوية مليئة بالأحاديث الدالة على فضل الذكر وعظم ثوابه عند الله ، فهو عبادة شرعها الله تعالى ورغـّب فيها رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم كثيرًا . فمن هذه الناحية لا ينكر فضل الورد والأذكار الشرعية التي يستعملها الطالب .
    لكن كل ورد له وارد ، أو بعبارة أخرى : كل ذكر له أثر في الروح والباطن ، فالتهليل له فائدة في نفس الذاكر وخاصية تختلف عن الاستغفار والصلاة على النبي والتسبيح مثلاً . فهنا يكون دور للشيخ في اختيار الورد الذي يرى أنه يعود على الذاكر بدواء عيبه وسد نقصه ، فتجده مثلاً يحث المبتدئ على الإكثار من التهليل ليقوى توحيده الشهودي ويستولي سلطان الخوف من الله تعالى على قلبه ، فيحجزه هذا عن الآثام التي اعتادها ؛ ثم قد يأمره بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وءاله وسلم فيقوى في قلبه محبة النبي والسعي للاقتداء به في فعله ونهيه وأمره وءادابه وسننه ، وهكذا .
    فالانتقال من ورد إلى ورد ـ إن كان على يد الشيخ الأول أو الثاني ـ لا يكون انتقاصًا للورد الأول أو الشيخ الأول ، إنما سببه تحول المريد من حال إلى حال فيختار له مرشده ما يناسبه في وقته . كالطبيب الذي يعالجك من المرض ، قد لا يلتزم دواء واحدًا في كل فترة العلاج ، إنما يعطيك دواءً يناسبك في ذروة مرضك ، ثم يأمرك بتركه إلى دواء يناسبك في أواسط مرضك ، إلى أن يعافيك الله سبحانه فتستغني عن الطبيب
    الأدعية والأوراد فى العبادة ابتداءا سنة إقرارية متى كانت من جنسها والآثار الصحيحة المتواترة فى ذلك كثيرة حيث ابتدأ الصحابة الكثير من الأدعية والعبادات فأقرها النبى e وصارت أمورا تتعبد بها وبمثلها الأمة المحمدية، ومن ذلك لفظ (ربنا ولك الحمد والشكر) عند القيام من الركوع حيث ابتدأه سيدنا أبوبكر الصديق عندما جاء متأخرا إلى الصلاة حتى أدرك النبى e عند الركوع فحمد الله فأوحى للنبى e من ربه أن يقول (سمع الله لمن حمده) فرد عليها بذلك فأقرها النبى e وصارت سنة مؤكدة.
    ومن ذلك ما ذكره أيضا مرويا فى صحيح البخارى عن سيدنا رفاعة بن رافع الزرقى t قال: كنا يوما نصلى وراء النبى e فلما رفع رأسه من الركعة قال: (سمع الله لمن حمده) فقال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا مباركا فيه. فلما انصرف قال: من المتكلم قال: أنا .. قال: (رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرون أيهم يكتبها أول) ومنها ما روى فى سنن أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه عن سيدنا بريدة t أن رسول الله e سمع رجلا يقول: (اللهم إنى أسألك بأنى أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) فقال النبى e (لقد سألت الله بالإسم - أو باسمه الأعظم - الذى إذا سئل به أعطى وإذا دعى به أجاب).
    ومن هذا الباب جرى فعل ساداتنا ومشايخنا رضى الله عنهم أجمعين حيث اقتبسوا بنور العلم النافع والفهم الثاقب والبصيرة النافذة والهبات النفيسة والفضل الإلهى الواسع والكرم النبوى العالى أنوارا وعلوما أودعوها فى أذكارهم حتى إنهم رزقوا أسرار الحروف وآثارهم فركبوها بما فتح الله عليهم به لينتفع بها من صفت سريرته وأراد ذلك
    [/ALIGN]
    صغير هواك عذبني ..فكيف به إذا احتنكَ .

    تعليق

    • محمد حبيب الفندي
      طالب علم
      • Jul 2005
      • 91

      #17
      [ALIGN=CENTER]

      هل صحيح أ نه يمكن ان تحضر روح النبي صلى الله عليه وسلم أو أرواح الصالحين مجالس الذكر ..؟؟


      أنقل لكم جوابا كتبه أحد الإخوة :
      إن سبب استبشاع المنكرين لمسألة حضور الأرواح للمجالس هو تأثرهم بما حواليهم من الحياة المادية والدراسة النظامية التي تحمل في طياتها كثيراً من الأفكار العلمانية من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون وصار إيمانهم بما جاء عن الله من أمور الغيب إيمان تقليدياً متلقفاً عن الوالدين غير مؤيد بالبرهان الذي هو علم اليقين فضلاً عن أن يرتقي إلى العيان الذي هو عين اليقين.

      ولهذا إذا سألتهم عن أمور هي من الغيبيات التي لا يستطيع العقل إدراكها تجدهم مؤمنين بها ومقرين وإذا سألتهم عن أمور غيبية مثلها أو أبسط منها تجدهم ينكرونها بحجة أنها لا تدخل العقل.

      ونحن نقول لهم أن عقلكم الذي ادعيتم أن هذه الأمور لا تدخل فيه من أين لكم به؟ فإن قالوا من عند الله. نقول لهم وهل عقولكم التي من الله هل هي محيطة بقدرة الله؟ وهل أمور الغيب تقاس بالعقل؟ إن الله أعطانا العقل لنستعمله في أمور معينة لا لنستعمله في كل شئ فإن لكل شئ ميزاناً كما قال إمام الإمام الغزالي.

      وهناك أطوار فوق العقل إذا أردت أن تقيمها بالعقل تجدها لا تستقيم معك فهناك ميزان للذهب وهناك ميزان للشعر وهناك ميزان صرفي للكلمات وهكذا.

      فأنت إذا جئت إلى هؤلاء المنكرين تجدهم مؤمنين بأن النبي صلى الله عليه وسلم أسري بروحه وجسده الشريفين إلى بيت المقدس ومنه إلى السماوات السبع ومنه إلى سدرة المنتهى ومنه إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام ومنه العرش.

      كل هذا في بعض ليله مع أن الإسراء بالروح الجسد أصعب من أن تحضر الروح الشريفة إلى مجلس، وهل عدم مشاهدتنا لها دليل على عدم حضورها؟ فإن أرواح الملائكة تحضر كما صح في الأحاديث فلماذا لا نجعل عدم مشاهدتنا دليل على عدم حضورها؟ وقد جاء في الحديث أن الأنبياء والمرسلين كلهم حضروا في بيت المقدس وصلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فهل حضروا بأرواحهم وأجسادهم؟، أم بأرواحهم فقط؟. الجواب أنهم حضروا بأرواحهم، لأن الأرض لا تنشق عن أحد قبل نبينا صلى الله عليه وسلم.

      وجاء في الحديث الذي رواه الطبراني والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيت جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم وفاته فقال وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ثم قال لزوجته : يا أسماء هذا جعفر في ملأ من الملائكة قد سلم علي فرددت عليه السلام.
      فسيدنا جعفر مات في مؤته ولكن روحه جاءت إلى المدينة وسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

      وجاء في سنن الترمذي عن سلمى البكرية قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟، قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني في المنام- وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟، قال شهدت مقتل الحسين آنفاً.

      فالحسين قتل في كربلاء وهذه أم سلمة تخبر أنه شهد مقتل الحسين.

      ورد حديث سلام سيدنا جعفر الطيار عليه في نفر من الملائكة قاصدين بيشة وأن الله أبدله جناحين بدل يديه رضوان الله عليه .. رد السلام وقد رأى ما رأى صلى الله عليه وسلم ولم ير من كان معه منه سوى رده السلام .. حتى أخبرهم الخبر .. ثم خرج فقام خطيبا يبلغ الناس ما كان .. صلى الله عليه وسلم

      من أشهر الأولياء والعارفين الذين نقل عنهم كثرة اجتماعهم بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدي أبي المواهب الشاذلي رضي الله عنه .. وأقول كثرة الإجتماع به ..

      ومنهم أيضا سيدي أبي العباس المرسي ومقامه مشهور بالإسكندرية بمصر الحسين .. قال رضي الله عنه صافحت بكفي هذا كف رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ألف مرة ..

      وسيدي ومولاي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قال .. والله لو غاب عني طرفة عين ما عددت نفسي في الأحياء .. وقال ما عددت نفسي في المسلمين ..

      وشوهد الأنبياء والمرسلون جهارا نهارا يقاتلون الكفار مع المسلمين .. وكذا الأولياء والصالحون ..

      أنقل لكم من الطبقات للإمام الشعراني .. بعض ما ذكره في ترجمة سيدي أبي المواهب الشاذلي .. مما له تعلق بهذا المقام .. ونقلته كما هو استئناسا بذكره الشريف رضي الله عنه ..

      وكان رضي الله عنه كثير الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول: قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الناس يكذبونني في صحة رؤيتي لك فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أو كذبك فيها لا يموت إلا يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً هذا منقول من خط الشيخ أبي المواهب رضي الله تعالى عنه.
      وكان رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على سطح الجامع الأزهر عام خمسة وعشرين وثمانمائة فوضع يده على قلبي وقال: يا ولدي الغيبة حرام ألم تسمع قول الله تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضاً " وكان قد جلس عندي جماعة فاغتابوا بعض الناس ثم قال صلى الله عليه وسلم فإن كان ولا بد من سماعك غيبة الناس فاقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين وأهد ثوابها للمغتاب فإن الغيبة والثواب يتوارثان ويتوافقان إن شاء الله تعالى.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لي هات يدك أبايعك فقلت: يا رسول الله لا قدرة لي أخاف أن يقع مني معصية بعد المبايعة فقال: هات يدك فبايعني ولا تضرك الفلتة والزلة إن وقعت وتبت منها وكأنه يشير صلى الله عليه وسلم إلى أن العبد قد يصلح الله تعالى حاله ليسد عنه بها ثلمة تقع في دينه بعجب أو كبر ونحوهما هذا منقول من خطه رضي الله تعالى عنه.
      وكان رضي الله تعالى عنه يقول: جاءني جماعة يأخذون عني الطريق فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: الجماعة غير مؤمنين بك إلا واحداً بعض الإيمان فهو يراك بالعين العوراء وسيختم الله له بخاتمة الخير والموت على الإسلام.
      وكان رضي الله عنه يقول: ألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة التصوف.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: قل: عند النوم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم خمساً بسم الله الرحمن الرحيم خمساً ثم قل: اللهم بحق محمد أرني وجه محمد حالا ومآلا فإذا قلتها عند النوم فإني آتي إليك ولا أتخلف عنك أصلا ثم قال: وما أحسنها من رقية ومن معنى لمن آمن به هذا منقول من لفظه رضي الله عنه.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله لا تدعني فقال: لا ندعك حتى ترد علي الكوثر وتشرب منه لأنك تقرأ سورة الكوثر وتصلي علي أما ثواب الصلاة فقد وهبته لك وأما ثواب الكوثر فأبقه لك ثم قال: ولا تدع أن تقول أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه وأسأله التوبة والمغفرة إنه هو التواب الرحيم مهما رأيت عملك أو وقع خلل في كلامك هذا منقول من لفظه رضي الله عنه.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لي: أنت تشفع لمائة ألف قلت: له بم استوجبت ذلك يا رسول الله قال: بإعطائك لي ثواب الصلاة علي.
      وكان رضي الله عنه يقول: استعجلت مرة في صلاتي عليه صلى الله عليه وسلم وسلم لأكمل وردي وكان ألفاً فقال لي: صلى الله عليه وسلم أما علمت أن العجلة من الشيطان ثم قال: قل: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد بتمهل وترتيل إلا إذا ضاق الوقت فما عليك إذا عجلت ثم قال: وهذا الذي ذكرته لك على جهة الأفضل وإلا فكيفما صليت فهي صلاة والأحسن أن تبتدئ بالصلاة التامة أول صلاتك ولو مرة واحدة وكذلك في آخرها تختم بها قال لي: صلى الله عليه وسلم والصلاة التامة هي اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته هذا منقول من لفظه رضي الله عنه.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: إن شيخك أبا سعيد الصفوري يصلي علي الصلاة التامة ويكثر منها وقل له إذا ختم الصلاة أن يحمد الله عز وجل.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا كان لك حاجة وأردت قضاءها فانذر لنفيسة الطاهرة ولو فلساً فإن حاجتك تقضي.
      وكان رضي الله عنه يقول: خذوا من مال السلطان دون حواشيه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أطلع إلى السلطان جقمق وأسأله من الدنيا شيئاً فطلعت له فأعطاني مائة دينار واعتذر إلي بأن ما عنده غيرها.
      وكان رضي الله عنه كثير البكاء والحزن قريب الخشية قل من سمعه يبكي إلا ويبكي معه وكان يقول: رأيت امرأة بمصر تدور على الأبواب وهي تغني في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: هي ولية كبيرة ولكنها تتستر بذكر محبوبها ألا تراها لا تذكر في كلامها إلا جداً.
      وكان يقول: وقع بيني وبين شخص من الجامع الأزهر مجادلة في قول: صاحب البردة رحمه الله تعالى: فمبلغ العلم فيه أنه بشروأنه خير خلق الله كلهم وقال لي ليس له دليل على ذلك فقلت له: قد انعقد الإجماع على ذلك فلم يرجع فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر جالساً عند منبر الجامع الأزهر وقال لي: مرحباً بحبيبنا ثم قال: لأصحابه أتدرون ما حدث اليوم قالوا: لا يا رسول الله فقال: إن فلاناً التعيس يعتقد أن الملائكة أفضل مني فقالوا بأجمعهم لا يا رسول الله ما على وجه الأرض أفضل منك فقال لهم: فما بال فلان التعيس الذي لا يعيش وإن عاش عاش ذليلا خمولا مضيقاً عليه خامل الذكر في الدنيا والآخرة يعتقد أن الإجماع لم يقع على تفضيلي أما علم أن مخالفة المعتزلة لأهل السنة لا تقدح في الإجماع.
      قال رضي الله عنه ورأيته صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقلت: يا رسول الله قول الأبوصيري فمبلغ العلم فيه أنه بشر معناه منتهى العلم فيك عند من لا علم عنده بحقيقتك أنك بشر وإلا فأنت وراء ذلك كله بالروح القدسي والقالب النبوي قال صلى الله عليه وسلم: صدقت وفهمت مرادك ".
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: ما أحسن مجلسك قد غفر الله لكل من حضره بذكركم لله تعالى عقب فراغ القارئ.
      وكان يقول: رأيت مرة كأن حنشاً دخل بين ثيابي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: الحنش هو صاحبك فلان قد بدا له فيك ورجع يؤذيك ولولا خوفه منك لعمل جهده في إيذائك فكان الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم.
      وكان رضي الله عنه يقول: كناني سيدي يحيى بن أبي الوفاء بأبي عابد فرأيت سيدي علياً رضي الله عنه وقال لي: هذه الكنية لا تصلح لك إنما تصلح لأرباب الأثقال وإنما كنيتك أبو حامد قال: ثم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كنيتك عندنا أبو حامد وكذلك في السماء وقد دخلت في دائرة بني الوفاء ومقامك كبير وأنت ولي.
      وكان رضي الله عنه يقول: كنت أطلب من شيخي أبي سعيد الصفروي رضي الله عنه أن أقبل قدميه فكان يوعدني بذلك ويقول لي: حتى يجيء الوقت فلما مات سنة إحدى وخمسين وثمانمائة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: اطلب من شيخك وعدته فأخذت قدميه رضي الله عنه بعد وفاته وقبلتهما وقلت له: يا سيدي هذا إنجاز وعدك وحرمتك ميتاً كحرمتك حياً.
      وكان يقول: قلت: لسيدي وشيخي أبي سعيد الصفروي رضي الله عنه هل أترك أصحابي وأعتزل عنهم خصوصاً الذين يؤذونني فقال: لا تتركهم وخالطهم بحسن الظاهر وجاملهم وابق على ما أنت عليه ثم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن قول شيخي فقال: هو صحيح وامش على طريق شيخك.
      وكان رضي الله عنه يقول: انقطعت عني رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة فحصل لي غم بذلك فتوجهت بقلبي إلى شيخي يشفع في عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضر عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ها أنا فنظرت فلم أره ففلت ما رأيته فقال: عليه الصلاة والسلام سبحان الله غلبت عليه الظلمة وكنت قد اشتغلت بقراءة جماعة في الفقه ووقع بيني وبينهم جدال في إدحاض حجج بعض العلماء فتركت الاشتغال بالفقه فرأيته فقلت: يا رسول الله الفقه من شريعتك فقال: بلى ولكن يحتاج إلى أدب بين الأئمة.
      وكان رضي الله عنه يقول: تفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في فمي فقلت: يا رسول الله ما فائدة هذا التفل فقال: لا تتفل بعدها على مريض إلا ويبرأ.

      وكان رضي الله عنه يقول: امتنعت عني الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رأيته فقلت: يا رسول الله ما ذنبي فقال: إنك لست بأهل لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا وقد كنت قد أخبرت شخصاً من إخواني بشيء من الرؤيا فتبت إلى الله تعالى فرأيته بعد ذلك.
      وكان رضي الله عنه يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا لا أجتمع بمن يجلس مجالس الغيبة مع الناس ولا يقوم منها.
      وكان يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا محمد ما هذه الغفلة وما هذه الرقدة وما هذا الإعراض مالك تركت تلاوة القرآن وما هذه الوريدات في جانب تلاوة القرآن لا تفعل ذلك أصلاً بل اتل كل يوم ولو حزبين لا أقل من ذلك كل يوم قال: بعض أصحاب الشيخ فما ترك الشيخ تلاوة القرآن من ذلك اليوم وكان يردد بعض الآيات مراراً كثيرة يبكي وتنحدر دموعه على خديه ولحيته ويتأوه حتى لا يقدر أحد أن يتكلم بحضرته لما يرى من وجده وكثرة بكائه.
      وكان رضي الله عنه كثيراً ما يسجد بعد السلام من النافلة سجود الشكر بعد ما يدعو.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد وهبت لك ثواب صلاتي عليك وثواب كذا وكذا من أعمالي إن كان ذلك ما أردته بقولك للسائل الذي قال لك: " أفأجعل لك ثواب صلاتي كلها فقلت له إذا تكفي همك ويغفر لك ذنبك ". فقال لي: رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ذلك أردت ولكن أبق لنفسك ثواب الكذا والكذا فإني غني عنه.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل فمي وقال: أقبل هذا الفم الذي يصلي على ألفاً بالنهار وألفاً بالليل ثم قال لي وما أحسن " إنا أعطيناك الكوثر " لو كانت وردك بالليل ثم قال لي: ويكون دعاؤك اللهم فرج كرباتنا اللهم أقل عثراتنا اللهم اغفر زلاتنا وتصلي علي وتقول وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
      وكان يقول: لا يأتي النصر قط إلا بعد حصول الذل قال تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ".
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله صلاة الله تعالى عشراً على من صلى عليك مرة واحدة هل ذلك لمن كان حاضر القلب ؟ قال : لا بل هو لكل مصل علي غافلاً ويعطيه الله تعالى أمثال الجبال من الملائكة تدعو له وتستغفر له وأما إذا كان حاضر القلب فيها فلا يعلم ذلك إلا الله.
      وكان رضي الله عنه يقول: قلت: مرة في مجلس محمد بشر لا كالبشر بل هو ياقوت بين الحجر فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: قد غفر الله لك ولكل من قالها معك وكان رضي الله عنه لم يزل يقولها في كل مجلس إلى أن مات.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لي: كن أصحابك فلانً كذا وفلاناً كذا وكن فلاناً أبا الظهور لأنه يتبع ظهور النساء ببصره ولا عليك منه.
      كان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله إني متطفل في علم التصوف فقال: صلى الله عليه وسلم اقرأ كلام القوم فإن المتطفل على هذا العلم هو الولي وأما العالم به فهو النجم الذي لا يدرك هذا منقول من لفظه رضي الله عنه.
      وكان يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: عن نفسه لست بميت وإنما موتي عبارة عن تستري عمن لا يفقه عن الله وأما من يفقه عن الله فها أنا أراه ويراني.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن الحديث المشهور " اذكروا الله حتى يقولوا مجنون " وفي صحيح ابن حبان " أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون " فقال: صلى الله عليه وسلم صدق ابن حبان في روايته وصدق راوي اذكروا الله فإني قلتهما معاً مرة قلت هذا ومرة قلت هذا.
      وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: لا تخف من الحساد فإنهم إن كادوك فإن الله عز وجل يكيدهم ألم تسمع قول الله عز وجل " إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً فمهل الكافرين أمهلهم رويداً " "
      ورأى بعض العارفين رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في مكان فدخل عليه الشيخ أبو المواهب. فقام له صلى الله عليه وسلم فقص ذلك على سيدي أبي المواهب فقال له: يا فلان اكتم ما معك فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو روح الوجود وما قام لأحد إلا قام له الوجود.
      وكان رضي الله عنه يقول: من أراد أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم فليكثر من ذكره ليلاً ونهاراً مع محبته في الساعة الأولياء وإلا فباب الرؤيا عنه مسدود لأنهم سادات الناس وربنا يغضب لغضبهم وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

      وما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ..

      أورد فيما يلي بعض الحقائق ..

      1- الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت.

      2- أرواح المؤمنين تتزاور.

      3- أرواح الشهداء تسرح في هذا الكون الفسيح أو في الجنة بالتخصيص ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش.

      4- أرواح الشهداء في حواصل طير خضر.

      5- تعرض على أرواح المؤمنين ( الأموات ) أعمال أقربائهم فيسرون بها إن كانت خيرا ويحمدون الله على ذلك ويسوءهم الشر ويستغفرون الله لأقربائهم.

      6- ورد عن جمع غفير من السلف اجتماعهم بأرواح الصالحين وسؤالهم عن أحوالهم في البرزخ نقل من ذلك ابن القيم في كتابه الروح وتوسع فيه ..

      7- في حديث الإسراء مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على سيدنا موسى ورآه قائما في قبره يصلي ثم جمع له الأنبياء فصلى بهم وسيدنا موسى من الأنبياء ثم رآه في السماء السادسة .. فأين كان موسى ؟

      8- في رسالة تنوير الحلك نقل الإمام السيوطي الكثير عن السلف والأولياء الصالحين مما ذكروه بخصوص رؤيتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما وما دار بينهم في ذلك.

      9- نقل عن كثير من الأعلام الأثبات ممن يحتج به من أئمة المذاهب الأربعة تقريرهم وقوع كرامات الأولياء في حياتهم وبعد مماتهم ومنه اجتماع أتباعهم بهم وذودهم عنهم وفك الأسارى من أيدي الإفرنج والجهاد مع المسلمين ورؤيتهم في الحج والعمرة والزيارة وغير ذلك.

      10- تحدث ابن القيم في كتابه الروح عن أرواح الخاصة من المؤمنين وأن أحوالهم في البرزخ تختلف باختلاف درجاتهم ومراتبهم
      فما الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

      11- نقل عن سيدي بن عطاء الله السكندري قوله في القطب وأنه يملأ الكون حتى قال لو نودي في حجر لأجاب من الحجر فما الظن بقطب دائرة الوجود صلى الله عليه وسلم.

      12- في رسالة تنوير الحلك نقل الإمام السيوطي نقلا عن سيدي عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام سلطان العلماء .. تحدث فيه عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة وأن ذلك أصبح بابا ضيقا في زمانهم غير أنهم لا ينكرون ذلك من خلص المؤمنين من الأولياء والصالحين ممن تكفل بحفظهم مولاهم عز وجل.
      فيا ترى كيف ستكون هذه الرؤيا في اليقظة ؟ وإن كانت في زمانهم أصبحت بابا ضيقا فهذا مؤداه أنها كانت أوسع من ذلك فيمن سبق ولا شك أنها اليوم أضيق وأندر حدوثا.

      13- نقل عن عدد كبير من أولياء هذه الأمة المجمع على ولايتهم حوادث الاجتماع به صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما.
      فمن هذا الذي يكذب أولياء الله في تحديثهم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما ؟
      من هذا الذي يكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ؟

      14- نقل بالأسانيد العالية تقبيل سيدي أحمد الرفاعي ليد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجت من القبر الشريف ينظر لها الناظرون وتتملى من حسنها العيون صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله وشي لله يا رفاعي قال رضي الله عنه :

      في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأرض عني فهي نائبتي

      وهذه دولة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
      [/ALIGN]
      صغير هواك عذبني ..فكيف به إذا احتنكَ .

      تعليق

      • علي محمدالقادري
        طالب علم
        • Apr 2005
        • 99

        #18
        بارك الله بجهدك أخي الكريم ... لو أنزلت ما كتبت في ملف ورد

        تعليق

        • محمد حبيب الفندي
          طالب علم
          • Jul 2005
          • 91

          #19
          الرسالة الأصلية كتبت بواسطة علي محمدالقادري
          بارك الله بجهدك أخي الكريم ... لو أنزلت ما كتبت في ملف ورد



          [ALIGN=CENTER]استاذنا الكريم محمد ...

          شكرا لك ..

          وأسأل الله أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم [/ALIGN]
          صغير هواك عذبني ..فكيف به إذا احتنكَ .

          تعليق

          • محمد حبيب الفندي
            طالب علم
            • Jul 2005
            • 91

            #20
            [ALIGN=CENTER]
            هل يجوز الذكر بالإسم المفرد " الله الله " ..؟؟

            وهنا أضع جوابا للدكتور محمد بنعيش من كتاب البعد التوحيدي للذكر في الإسلام

            (الوسيلة والغاية)


            خصوصية الإسم « الله» ومشروعية الذكر به

            وكنموذج على هذا المنحى الذي تميل إليه بعض الفئات الإسلامية المعاصرة ذات البعد السياسي أو الحركي كما يسمونه نجد جذوره في الآراء الفقهية لابن تيمية من حيث التعامل مع النوافل وخاصة ذكر الله تعالى يقول في بعضها : « إن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلاما تاما مفيدا مثل «لا إله إلا الله» ومثل «الله أكبر» ومثل « سبحان الله والحمد لله». ومثل «لا حول ولا قوة إلا بالله» ومثل « تبارك إسم ربك» « تبارك الذي بيده الملك » « سبح لله ما في السموات والأرض» « تبارك الذي نزل الفرقان ».

            فأما «الإسم المفرد» مظهرا مثل « الله الله» أو «مضمرا» مثل «هوهو» فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة!!! ولا هو مأثور أيضا عن أحد من الأمة، ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم، وإنما لهـج به قوم من ضلال المتأخرين!!!. فأما ذكر «الإسم المفرد» فلم يشرع بحال وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على استحبابه وإنما الغرض بيان حكم ذكر الإسم وحده من غير كلام تام، وقد ظهر بالأدلة الشرعية أنه غير مستحب»[ابن تيمية . مجموع فتاوي علم السلوك 10 ص 561
            ].

            بعد هذا يذهب إلى قياس الأدنى وتوظيفه في غير محله، معتبرا أن ذلك يدخل ضمن الأدلة العقلية الذوقية في نظره! إذ يرى « أن الإسم وحده لايعطي إيمانا ولا كفرا ولا هدى ولا ضلالة ولا علما ولا جهلا وقد يذكر الذاكر إسم نبي من الأنبياء أو فرعون من الفراعنة أو صنم من الأصنام، ولايتعلق بمجرد إسم حكم إلا أن يقرن به مايدل على نفي أو إثبات أو حب أو بغض وقد يذكر الموجود والمعدوم»[ابن تيمية المصدر السابق].

            وهذا قياس فاسد لايليق بمقام الذكر بل ينافي الذوق والعقل والشرع أولا وأخيرا. لكنه لكي يدعم هذا القياس ينتقل إلى تحكيم اللغة العادية والعامية - أقصد بها عامة العربية- في النص الديني فيقول، «ولهذا اتفق أهل العلم بلغة العرب وسائر اللغات على أن الإسم وحده لا يحسن السكوت عليه ولا هو جملة تامة ولا كلاما مفيدا، ولهذا سمع بعض العرب مؤذنا يقول أشهد أن محمدا رسول الله، (بنصب رسول) فقال فعل ماذا؟! فإنه لما نصب الإسم صار صفة والصفة من تمام الإسم الموصوف. فطلب بصحة طبعه الخبر المفيد، ولكن المؤذن قصد الخبر فلحن.» بل ذهـب الانجراف التضييقي به والتكلف الفتوي إلى أن قال : « ولو كرر الإنسان إسم «الله» ألف ألف مرة لم يصر بذلك مؤمنا ولم يستحق ثواب الله ولا جنته...».

            وهذه عثرة من عثرات ابن تيمية في فتاواه إذ لكل جواد كبوة، فالفتوى فيها تضييق لمجال الذكر وبعده التوحيدي. كما أنها تتضمن إقصاء واضحا لروح التعامل مع الدين ألا وهو مبدأ النية في الأعمال. وبالتالي إقصاء لمفهوم الحب الإلهي. ودلائله، لأن القاعدة : « من أحب شيئا أكثر من ذكره» وحيث أن الذاكر ركز على تكرار إسم «الله». فإنه لولا حبه إياه وإيمانه به لما استطاع الاستمرار في ذكره إلى مستوى العدد الذي ذكره ابن تيمية فرضا. مع العلم أن الحكم بالإيمان قد اعتبره الرسول صلى الله عليه وسلم بمجرد الإماءة أو الإشارة للتوحيد بالأصبع أو رفع البصر إلى أعلى مع نفي الجهة والعلو المكاني عن الله تعالى وإنما التعبير عن علو الذات يتم بالإشارة إلى الفوق مجازا.

            وبهذا كان حكمه صلى الله عليه وسلم بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء. فقد انكشف به أيضا إذ ظهر أن لاسبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو، فقد كانت خرساء كما حكي. وقد كان يظن بها أنها من عباد الأوثان ومن يعتقد الإله في بيت الأصنام فاستنطقت عن معتقدها فعرفت بالإشارة الى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقده أولئك[الغزالي الاقتصاد في الاعتقاد : مكتبة الجندي ص49].

            بالإضافة إلى هذه التجاوزات التي تخبطت فيها فتوى ابن تيمية حول تضييق موضوع ذكر الله تعالى وإقصاء الإسم المفرد «الله» من دائرته يوجد تجاوز صارخ لنصوص شرعية دالة على جواز الذكر بالإسم المفرد «الله» وتكراره دلالة صريحة أعرض لنموذجين منها كلاهما صريح وصحيح ثابت على شرط المحدثين :

            روى مسلم عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تقوم الساعة حتى لا يقال الله الله»، وفي رواية أخرى : « لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله». وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال : «كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا، فقال ما كنتم تقولون ؟ قلنا نذكر الله الله. قال : إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها، ثم قال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم».

            وهذان الحديثان فيهما الكفاية اللازمة لدحض آراء أصحاب الاتجاه التضييقي في تعاملهم مع النصوص الدينية وإسقاطاتهم اللغوية العفوية على المفاهيم التعبدية وأبعادها التوحيدية.

            إذ أنهما يتضمنان الأحكام التالية لا على سبيل الحصر:

            أ) مشروعية الذكر بالإسم المفرد «الله» واستحبابه بل ضرورته. وذلك لأن الحديثين جاءا في معرض مدح الذاكرين بهذا الإسم دون أن يضيفوا إليه كلاما يتم معناه حسب زعم ابن تيمية ، بل ورد في كلي الحديثين مكررا للدلالة على أن المقصود منه تكرار اللفظ للعبادة والتقرب إلى الله لا للإجابة عن شرط أو استفهام أو ما إلى ذلك مما يريد أن يعلل وروده ابن تيمية كما في قول الله تعالى : «قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون».

            كما أن الحديثين فيهما دلالة على استحباب توظيف هذا الذكر على مستوى فردي أو جماعي في مجالس الذكر وحلقه. كما نصت عليها أحاديث أخرى.

            ب) يتضمن الحديثان أفضلية الذاكرين لله بالإسم المفرد. وأنهم ما داموا موجودين على الأرض وخاصة في حديث أنس فإن الإنسانية تكون في أمان واطمئنان من قيام الساعة المباغث.... إذ يكون وجودهم علامة على وجود الصالحين وهذا يتعضد بحديث آخر يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس« أو»شرار الخلق» حسب رواية مسلم.

            ج) إن اسم « الله» فيه الدليل والمدلول وهو لايحتاج إلى من يكمله بالفعل أو النعت أو الإضافة، بل هذه المكملات في اللغة المتداولة لا تكمل إلا به، إذ لولاه لما كان فاعل ولا فعل ولا مفعول ولا نعت ولا منعوت ولا مضاف ولا مضاف إليه.

            وهو بهذا المعنى التوحيدي الخالص لا يخضع للغة العادية وتراكيبها، لأنه فوق اللـغة واشتقـاقـاتها واشتراكاتها، إذ الأسماء الأخرى قد تعرف اشتراكات لفظية مجازية دون الاشتراك المعنوي والحقيقي بين أسماء الله وبعض أسماء مخلوقاته. ولهذا تحتاج إلى تمييز مجازا أيضا. وإلا فاللفظ يحمل معناه بحسب نية وتوجه قائله.

            أما إسم «الله» فهو كما ذهب إليه بعض المفسرين لا يعرف اشتقاقا في اللغة أواشتراكا لفظيا. لهذا فهو غير محتاج إلى من يدل عليه كما أنه لا أحد يسمى باسم الله في هذا الوجود إلا الله سبحانه وتعالى. ولهذا فحينما يذكر إسم الله لايخطر في الذهن أو القلب إلا هو كما أنه ضمنا تعود إليه كل الأسماء والمعاني التوحيدية. إذ التركيز على ذكر هذا الإسم هو في نفــس الــوقت إثبـات للوجـود وللـوحدانية، وللتفـرد ومخالفة الحوادث، وفيه تحقيق للعبودية وإخلاص المحبة له من طـرف الذاكر. فإسم «الله» هو أسمى الكلمات والمعاني وهو الذات التي لا يتسمى أحــد من المخلوقـات باسمها وهو هو « الأول والآخر والظاهر والباطن» لا معبود سواه.

            ولهذا المعنى التوحيدي الذي يفيده إسم «الله» عند ذكره فإنه عند التعبير بأفضليته لم يورده الشرع متبوعا بالمفضول. وإنما أورد الاسم مقصد التفضيل وأسند إلـيه اسم التفضيل دون اعتبار المفضول وذلك في قول الشارع : « الله أكبر». فأكبر على صيغة إسم التفضيل. والقاعدة العادية في هذا الباب تقول بأن « إسم التفضيل صفة تؤخذ من الفعل لتدل على أن شيئين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها. وقد يكون التفضيل بين شيئين في صفتين مختلفتين فيراد بالتفضيل حينئذ ان أحد الشيئين قد زاد في صفته على الشيء الآخر في صفته.

            وقد يستعمل إسم التفضيل عاريا عن معنى التفضيل لكنه مع ذلك يسند إلى أشخاص يشتركون في مقارنة ما كقـولك « أكرمت القوم أصغرهم وأكبرهم»[مصطفى الغلاييني جامع الدروس العربية المكتبة العصرية للطباعة والنشر ج1 ص201].

            وهذه القواعد اللغوية لا تنطبق على قولنا «الله أكبر» إذ التساؤل حول «أكبر ممن؟» في هذا المقام غير وارد لأنه لا مقارنة في هذه الصفة بين الخالق والمخلوق، ولهذا أقصي المخلوق من المقارنة لدفع أي تشبيه أو تقدير أو مقايسة. فالله أكبر لا نهاية لذاته ولا حد لها، ولايشبه ذاته أي مخلوق في أي شيء مهما تسامت أو دقت بنية هذا المخلوق ووظيفته، إذن فالمفضول في هذا التفضيل لا وجود له ولا مكان لاعتباره لعلو مقام التفضيل بحسب علو ذات الفضيل الأفضل، وبهذا المعنى التوحيدي كان ذكر «الله أكبر». كلاما كاملا رغم أنه يتخطى القواعد اللغوية العادية في إسم التفضيل لأنه مرتبط بالإسم الذي هو فوق الاشتقاق وفوق النعت والإضافة. وهذا مما لم ينتبه إليه ابن تيمية رغم أنه استشهد بهذه الكلمة «الله أكبر». للدلالة على رفضه الذكر بالإسم المفرد «الله». إذ أن الكلمة تنقض فتواه في مهدها ومن أساسها كما أنها لم ترد في نهاية سياق أو كلام سابق وإنما التعبير بها يكون ابتداءا لا جوابا ولا بيانا لشرط أو ثنيا أو مبتدإ أو تكميلا لجملة ومعناها.

            وإذا كانت هذه المعاني قد فهمناها بحسب معطيات النص وصريح ظاهره و أيضا بحسب ذوقنا العملي ومزاولتنا الشخصية للذكر بالإسم المفرد أو المجرد على يد شيخنا سيدي حمزة القادري بودشيش تلقينا، فإننا قد نجد توافقا بيننا وبين ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين بن عربي بسبب وحدة المشرب واتصال السند، وذلك بأسلوبه الفقهي والذوقي الصوفي، نورد بعض مقتطفات أقواله في هذا المقام، خاصة وأن ابن تيمة يعد من أشد المعارضين والمتحاملين عليه لنتبين الفرق بين الأسلوبين علما وذوقا وأخلاقا، حيث يقول في الفتوحات المكية: "كل ذكر مقيد لا ينتج إلا ما تقيد به لا يمكن أن يجني منه ثمرة عامة، فإن حالة الذكر تقيده، وقد عرفنا الله أنه ما يعطيه إلا بحسب حاله في قوله "إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" الحديث، فلهذا رجحت طائفة ذكر لفظة "الله" وحدها أو ضميرها "هو". من غير تقييد، فما قصدوا اللفظة دون استحضار ما يستحقه المسمى، وبهذا المعنى يكون ذكر الحق عبده بإسم عام لجميع الفضائل اللائقة به فتكون في مقابلة ذكر العبد ربه بالاسم "الله"، فالذكر من العبد باستحضار والذكر من الحق بحضور لأنا مشهودون له معلومون، وهو لنا معلوم لا مشهود، فلهذا كان لنا الاستحضار وله الحضور، فالعلماء يستحضرونه في القوة الذاكرة والعامة تستحضره في القوة المتخيلة، ومن عباد الله العلماء بالله من يستحضره في القوتين، يستحضره في القوة الذاكرة عقلا وشرعا وفي القوة المتخيلة شرعا وكشفا، وهذا أتم الذكر لأنه ذكره بكله، ومن ذلك الباب يكون ذكر الله له، ثم إن الله ما وصف بالكثرة شيئا إلا الذكر، وما أمر بالكثرة من شيء إلا من الذكر، قال: «والذاكرين الله كثيـرا والذاكـرات» وقال:

            « واذكروا الله ذكرا كثيرا»وما أتى الذكر قط إلا بالإسم "الله" خاصة معرى عن التقييد فقال : "اذكروا الله" وما قال بكذا، وقال: "ولذكر الله أكبر" ولم يقل بكذا، وقال: "اذكروا الله في أيام معدودات" ولم يقل بكذا، وقال: "اذكروا اسم الله عليها" ولم يقل بكذا، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض من يقول الله الله»، فما قيده بأمر زائد على هذا اللفظ لأنه ذكر الخاصة من عباده الذين يحفظ الله بهم عالم الدنيا وكل دار يكونون فيها، فإذا لم يبق في الدنيا منهم أحد لم يبق للدنيا سبب حافظ يحفظها الله من أجله، فتزول وتخرب، وكم من قائل "الله" باق في ذلك الوقت ولكن ما هو ذاكر بالاستحضار الذي ذكرناه، فلهذا يعتبر اللفظ دون الاستحضار: «وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا» لأنهم لم يسمعوا بذكر شركائهم واشمأزت قلوبهم، هذا مع علمهم بأنهم هم الذين وضعوها آلهة، ولهذا قال:" قل سموهم" فإنهم إن سموهم قامت الحجة عليهم فلا يسمى الله إلا الله"[ابن عربي: الفتوحات الملكية ج 2 ص 229].
            [/ALIGN]
            صغير هواك عذبني ..فكيف به إذا احتنكَ .

            تعليق

            • محمد حبيب الفندي
              طالب علم
              • Jul 2005
              • 91

              #21
              [align=center]

              يقوم الصوفية بالذكر الخفي فيذكرون الله باسم " هو هو " هل يجوز ذلك ..؟؟


              2) "هوهو" ذكر الخواص وسبيل إلى الإخلاص:

              وحينما نتعقب فتاوى ابن تيمية نجده يوظف نفس الاسلوب الذي أفتى به في الذكر بالاسم المفرد "الله" في اعتراضه على الذكر بالاسم المضمر "هو" نورد بعض أقوالَه مختصرة في هذا المجال، حيث تتبين خطورة هذا المنحى السلبي في نظرنا والذي سلكه ابن تيمية بدون تحفظ يقول: «والذكر بالإسم المضمر ابعد عن السنة وأدخل في البدعة وأقرب إلى إضلال الشيطان، فإن من قال: "ياهو ياهو، أو هوهو، ونحو ذلك لم يكن الضمير عائدا إلا إلى مايصوره قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل»[مجموع فتاوى ابن تيمية، علم السلوك ج 10].

              ويقول بعدما انتهى من اعتراضه على الذكر بالإسم المفرد "الله":«وأبعد من ذلك ذكر "الإسم المضمر". وهو "هو" فإن هذا بنفسه لا يدل على معين وإنما هو بحسب ما يفسره من مذكور أو معلوم، فيبقى معناه بحسب قصد المتكلم ونيته، ولهذا قد يذكر به من يعتقد أن الحق الوجود المطلق، وقد يقول: "لاهو إلا هو" ويسري قلبه في وحدة الوجود، ومذهب فرعون والإسماعلية وزنادقة هؤلاء المتصوفة المتأخرين، بحيث يكون قوله:"هو" كقوله:"وجوده" وقد يعني بقوله:"لاهو إلا هو" أي أنه هو الوجود، أنه ما تم خلق اصلا. وأن الرب والعبد والحق والخلق شيء واحد، كما بينته من مذهب الإتحادية في غير هذا الموضع».[مجموع فتاوى ابن تيمية ج 10 ص ]

              ويبدو الخلل واعتلال فتاوي ابن تيمية هاته من الجوانب التالية:

              أ- إسقاط مفهوم البدعة على ما له أصل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى،«هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور، له الاسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم».[سورة الحشر آية 22-24]

              إذ "هو" يتكرر في سياق الآية كلها للتاكيد على أنه اسم ضمير يعود على ذات الله وصفاته، وقد جاء في جملة من الآية بضمير وحده غير مقترن باسم الذات أو الصفات. لأن السياق هو الذي يحدد معناه ومقتضاه، وذلك عند قوله تعالى "له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض" الآية.

              ثم إن "هو" إسم ضمير يتضمن حرفين من القرآن الكريم يجازى العبد بقرائته على كل حرف بعشر حسنات كما ورد النص النبوي الصحيح بذلك.

              ب -الحكم بالظن على ظن الذاكر في قوله "ياهو" أو "هوهو"، والله تعالى يقول: «ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم»، واي إثم أشد على المسلمين من إساءة الظن بمعتقداتهم وبدون قرينة واضحة وبينة؟.

              ج- عدم اعتبار القرائن والسياق الذي يأتي فيه الذكر بالإسم المضمر "هو" لأن الذاكر إذا كان يقول : "لا إله إلا الله" ثم يقتصر على قوله "الله الله" وبعد ذلك يقول "هوهو" فبحكم السياق والقرائن ومقتضيات العقل والسلوك يكون الضمير عائدا ضرورة على الله تعالى.

              د- القول بأن " القلب قد يهتدي وقد يضل" لا معنى له كذريعة لمنع الذكر بالإسم المضمر، إذ الذين تطمئن قلوبهم بذكر الله تعالى قد يصبح الثبات هو السمة الغالبة على قلوبهم واستقرار عقيدتهم «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة» كما أن اللسان رغم خفته ولحميته قد يصبح رطبا من ذكر الله تعالى مستقرا على ألفاظه، وهو دليل القلب في غالب الأحيان.

              هـ- قول ابن تيمية:"فيبقى معناه بحسب قصد المتكلم ونيته" يناقض آخره أوله، لأنه إما أن نسلم للناس في نواياهم بحسب أعمالهم، وإما أن نتعقب أنفاسهم ونسيء الظن بهم ونمنعهم من أعمالهم بحسب سوء ظنوننا بهم،و هذا الأخير هو الغالب على مظاهر فتوى ابن تيمية.

              ومن هنا كاعتراض على هذا المسلك نقول بأنه لا يجوز أن نتحكم في النوايا أو أن نمنع الناس من القيام بأعمال غير ممنوعة شرعا عبارة أو نصا باتهام نواياهم ومصادرتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر»أو كما قال، وفي حديث آخر عن جابر قال: «قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ "إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر"[رواه مسلم في كتاب الإيمان

              إذن فقصد المتكلم ونيته لا يعلمها إلا الله. فربما يرى شخص على هيئة سجود فيظن به أنه ساجد لله بينما يكون مجرد منبطح أو مستريح أو قد يكون ساجدا لحائط أو شيطان يتخيله، فيكون بحسب منطق ابن تيمية وتداخل النوايا في هذه الحالة من الواجب أن نمنعه من السجود مطلقا لأن شخصا سجد لغير الله من مخلوقاته، وبهذا الأسلوب يكون علينا أن نتعقب كل الساجدين ونفحص أو نشق قلوبهم لنتبين لمن سجدوا هل لله أم لغيره من مخلوقاته، كما أنه بحسب وهم ابن تيمية ينبغي أن نمنع الناس من استلام الحجر الأسود خوفا من أن يصبح معبودا عند بعض المهووسين والمختلين، وكذلك يمنع الطواف حول الكعبة أو التوجه نحوها لهذا الظن المريض أيضا.

              ومن هذا المنطق المختل والمهوس كان غلو كثير من المتشددين في غير الدين ومقتضى أحكامه السليمة ممن سلكوا هذا الأسلوب على غير ضوابط شرعية وأخلاقية في هدم الأضرحة والمعالم الدالة على الصالحين والأولياء، بل قد يطال حتى معالم الأنبياء لو وجدوا إلى ذلك سبيلا، وهذا هو عين الابتداع والغلو في غير مصلحة الدين ما أنزل الله به من سلطان.

              ومن هذا الفهم الضيق أيضا يكون علينا أن نتعتب ماذا يقصد المقسم بقوله "والذي نفسي بيده" إذ القلب قد يضل وقد يهتدي في باب الضمائر حسب رأي ابن تيمية، ويبقى لدينا التكلف في فهم المفهوم تساؤلا من هو "الذي" وعلى من تعود الهاء كضمير في هذا الخطاب، إذ المسمى ذاتا وصفة غير وارد في السياق، فيبقى فحوى الخطاب بحسب نية قائله، ونحن إذا أسأنا ظننا بقائله فلنمنعه حسبب رأي ابن تيمية من هذا القول، بينما النص النبوي صريح وصحيح في هذا الباب وهو القسم بالضمير "هو" الذي يعود على الإسم الموصول و"الذي" يعود على ذات الله وصفاته من بيده نفوس عباده.

              ويكفي الضمير "هو" شرفا على مستوى النحو واللغة والرمز والعدد أنه لا يدل إلا على الواحد وهو غاية الدين وبه يتوحد قلب العبد في تحديد خطابه وقصده:

              "هو الله الذي لا إله إلا هو"

              وفي هذا السياق وما تضمنه من المعاني أورد مقتطفات للإمام فخر الدين الرازي حول الهوية يقول فيها «اعلم أن لفظ "هو" فيه أسرار عجيبة وأحوال عالية، فبعضها يمكن شرحه وتقريره وبيانه، وبعضها لا يمكن قال مصنف الكتاب: أنا بتوفيق الله كتبت أسرارا لطيفة إلا أني كلما أقابل تلك الكلمات المكتوبة بما أجده في القلب من البهجة والسعادة عند ذكر كلمة "هو" أجد المكتوب بالنسبة إلى تلك الأحوال المشاهدة حقيرا. فعند هذا عرفت أن لهذه الكلمة تأثيرا عجيبا في القلب لا يصل البيان إليه، ولا ينتهي الشرح إليه» ثم بعد هذا يذكر فوائد الذكر بالهوية قد وصلت إلى إحدى عشرة فائدة، نذكر من بينها على سبيل الاختصار والإختيار الفائدة الثالثة والخامسة والحادية عشر.

              فيقول في الفائدة الثالثة: "أن العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته لم يكن مستغرقا في معرفة الله تعالى، لأنه إذا قال "يارحمان" فحينئذ يتذكر رحمته فيميل طبعه إلى طلبها، فيكون طالبا للحصة، وكذلك إذا قال: "ياكريم، يا محسن، ياغفار، يا وهاب، يا فتاح" وإذا قال "ياملك" فحينئذ يتذكر ملكه وملكوته وما فيه من أقسام النعم فيميل طبعه إليه فيطلب شيئا منها، وقس عليه سائر الاسماء أما إذا قال "ياهو" فإنه يعرف أنه "هو"، وهذا الذكر لا يدل على شيء غيره البتة فحينئذ يحصل في قلبه نور ذكره، ولا يتكدر ذلك النور بالظلمة المتولدة عن ذكر غير الله، وهناك يحصل في قلبه النور التام والكشف الكامل

              والفائدة الخامسة في هذا الذكر: "أن المواظبة على هذا الذكر تفيد الشوق إلى الله تعالى، والشوق إلى الله ألذ المقامات وأكثرها بهجة وسعادة، إنما قلنا أن المواظبة على هذا الذكر تورث الشوق إلى الله، وذلك لأن كلمة "هو" ضمير الغائب، فالعبد إذا ذكر هذه الكلمة علم أنه غائب عن الحق لم يعلم أن هذه الغيبة ليست بسبب المكان والجهة، وإنما كانت بسبب أنه موصوف بنقصانات الحدوث والإمكان، ومعيوب بعيب الكون في إحاطة المكان والزمان، فإذا تنبه العقل لهذه الدقيقة وعلم أن هذه الصفة حاصلة في جميع الممكنات والمحدثات فعند هذا يعلم أن كل المحدثات والإبداعات غائبة عن عتبة علو الحق سبحانه وتعالى، وعرف أن هذه الغيبة إنما حصلت بسبب المفارقة في النقصان والكمال والحاجة والاستغناء.

              فعند هذا يعتقد أن الحق موصوف بأنواع من الكمال متعالية عن مشابهة هذه الكمالات ومقدسة عن مناسبة هذه المحدثات، واعتقد أن تصوره غائب عن العقل والفكر والذكر. فصارت تلك الكمالات مشعورا بها من وجه دون وجه، والشعور بها من بعض الوجوه يشوق إلى الشعور بدرجاتها ومراتبها، وإذا كان لا نهاية لتلك المراتب والدرجات فكذلك لا نهاية لمراتب هذا الشوق، وكلما كان وصول العبد إلى مرتبة أعلى مما كان أسهل كان شوقه إلى الترقي عن تلك الدرجة أقوى وأكمل، فثبت أن لفظ "هو" يفيد الشوق إلى الله تعالى، وإنما قلنا إن الشوق إلى الله أعظم المقامات، وذلك لأن الشوق يفيد حصول آلام ولذات متوالية متعاقبة، لأن بقدر ما يصل يلتذ وبقدر ما يمتنع وصوله إليه يتألم. والشعور باللذة حال زوال الألم يوجب مزيد الالتذاذ والابتهاج والسرور، وذلك يدل على أن مقام الشوق إلى الله أعظم المقامات، فثبت أن المواظبة على ذكر كلمة "هو" تورث الشوق إلى الله، وثبت أن الشوق إلى الله أعظم المقامات وأكثرها بهجة وسعادة فيلزم أن يقال: «المواظبة على ذكر هذه الكلمة تفيد أعلى المقامات وأسمى الدرجات».

              الفائدة الحادية عشرة: «إن الذكر أشرف المقامات قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى: "إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه". وإذا ثبت هذا فنقول: أفضل الأذكار ذكر الله بالثناء الخالي عن السؤال، قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".

              إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: العبد فقير محتاج والفقير المحتاج إذا نادى مخدومه بخطاب يناسب الطلب والسؤال كان ذلك محمولا على السؤال، فإذا قال الفقير للغني "يا كريم" كان معناه أكرم، وإذا قال له "يا نفاع" كان معناه طلب النفع، وإذا قال "يارحمان" كان معناه ارحم فكانت هذه الأذكار جارية مجرى السؤال وقد بينا أن الذكر إنما يعظم شرفه إذا كان خاليا عن السؤال والطلب، أما إذا قال "ياهو" كان معناه خاليا عن الإشعار بالسؤال والطلب فوجب ان يكون قولنا "هو" أعظم الأذكار .ويضيف الرازي مبينا خصوصية هذا الذكر بالقول «ومن لطائف هذا الفصل أن الشيخ الغزالي رحمة الله عليه كان يقول: "لا إله إلا الله" توحيد العوام، و "لا إله إلا هو" توحيد الخواص، ولقد استحسنت هذا الكلام وقررته بالقرآن والبرهان.

              أما القرآن فإنه تعالى قال: "ولا تدع مع الله إله آخر لا إله إلا هو" ثم قال بعده "كل شيء هالك إلا وجهه" معناه إلا هو. فذكر قوله إلا هو بعد قوله لا إله فدل ذلك على أن غاية التوحيد هي هذه الكلمة.

              وأما البرهان فهو أن من الناس من قال: إن تأثير الفاعل ليس في تحقيق الماهية وتكوينها، بل لا تأثير له إلا في إعطاء صفة الوجود لها.

              فقلت، فالوجود أيضا ماهية، فوجب أن لا يكون الوجود واقعا بتأثيره، فإن التزموا ذلك وقالوا: الواقع بتأثير الفاعل موصوفية الماهية بالوجود فنقول: تلك الموصوفية إن لم تكن مفهوما مغايرا للماهية والوجود امتنع إسنادها إلى الفاعل، وإن كانت مفهوما مغايرا فذلك المفهوم المغاير لا بد وأن يكون له ماهية، وحينئذ يعود الكلام، فثبت أن القول بأن المؤثر لا تاثير له في الماهيات ينفي التأثير والمؤثر، وينفي الصنع والصانع بالكلية، وذلك باطل، فثبت أن المؤثر يؤثر في الماهيات، فكل ما بالغير فإنه يرتفع بارتفاع الغير، فلولا المؤثر لم تكن تلك الماهية ماهية ولا حقيقة، فبقدرته صارت الماهيات ماهيات وصارت الحقائق حقائق، وقبل تأثير قدرته فلا ماهية ولا وجود ولا حقيقة ولا ثبوت وعند هذا يظهر صدق قولنا "لا هو إلا هو". والله أعلم».[فخر الدين الرازي: التفسير الكبير. ج 1 انظر من ص 146 إلى ص 152]

              وفي استعراضنا لهذه التفسيرات المستنيرة بالذكر من طرف بعض الراسخين في علمي الظاهر والباطن من الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال أقوالهم عن مشروعية الذكر بالإسم المفرد "الله" أو الإسم المضمر "هو" فإننا نسعى إلى أن نبين بالحجة العلمية الموثقة وعلى مستوى النص التراثي وتفسيراته للنص الديني في عبارته ومعناه ما هو مستوى التمايز والامتياز الذي يحظى به أهل الفكر المستنير بالذكر والذوق وسعة التدقيق على أهل التشديد والتضييق في رياض التحقيق، ويبقى للقارئ وطالب الحقيقة أن يوازن ويقارن بعين الصدق والاستبصار ومن ثم يدرك ما هو الأولى شرعا في الاعتبار.

              كما أن هذا الذكر يمتاز بالخصوصية كما عبر عنه كل من الغزالي وابن عربي والرازي وغيرهم من أقطاب العلم والمعرفة في هذه الأمة، ولهذا فهو يحتاج لمريد الذكر به إلى فقه الأذكار وبالتالي فلا بد له من فقيه خبير في ميدانه له الخصوصية في الأسوة الحسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المجال على مستوى الظاهر والباطن واستعداداته لتقبل أنوار الأذكار، وهذا الفقيه هو ما يعبر عنه الصوفية بالشيخ المربي أو الملقن، وهو مصطلح أيضا شرعي وسني نشأة ومعنى، ظهر في صدر الأمة الإسلامية ولقب به من هم في أعلى المستويات رجالها شخصية وعقيدة وسلوكا.

              وهذه الخصوصية الفقهية في علم الذكر وأهله سبق وتحدثنا عنها في كتاب "الطريقة القادرية البودشيشية: شيخ ومنهج تربية" فليرجع إليه من يريد زيادة اطلاع.

              إن هذا المنحى في التعامل مع العبادات التي تدخل في حكم النوافل وخاصة ذكر الله والدعوات، قد أثر سلبا على أغلب الاتجاهات الإسلامية المتشبثة بالطرح التيمي وهو ما انعكس على سلوكاتها بل على روحانياتها مما أضفى عليها طابعا جافا وتقحلا وجدانيا، بل غياب تواصل معنوي بينها وبين روحانية رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدر الأسوة الحسنة كما سنرى. وذلك لأنها تتعامل مع النصوص الشرعية من وجهة نظر عقدية ضيقة ومن وجهة إطلاع ناقص على النصوص نفسها والمفيدة لطرق التعامل مع ذكر الله تعالى. وهذا في نظرنا من بين أسباب الاختلافات بين الفئات الإسلامية المعاصرة وعدم تناسقها. لأنها تفتقد الوحدة الوجدانية والتعارف الروحي الذي يؤسسه الذكر. وكذلك التمكين العلمي المفيد للوعي العميق بأبعاد الشريعة الإسلامية وروحها.
              من كتاب التوحيدي للذكر في الإسلام(الوسيلة والغاية) للدكتور محمد بنعيش
              [/align]
              صغير هواك عذبني ..فكيف به إذا احتنكَ .

              تعليق

              • محمد حبيب الفندي
                طالب علم
                • Jul 2005
                • 91

                #22
                [align=center]


                نرى بعض الصوفية عندما يذكرون الله أو يسمعون المدائح والأناشيد تصيبهم أحوال كانما يصعقون أو يغمى عليهم أو يضطربون ويرتجفون ويفقدون أحيانا السيطرة على أنفسهم .. فهل هذا جائز ..؟؟



                قال تعالى :"الذين آمنوا وتطمئن قـلوبهـم بذكر اللـه، ألا بذكـر اللــه تطمئن القلــوب، الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب»
                فالاطمئنان عند الصنف الأول يحصل بسبب الاكتفاء والثقة التي تكتسبها القلوب عن طريق إشباعها بالغذاء الخاص بها. وذلك لوجود فقر ذاتي لديها إلى الله تعالى. وإنطباع فطري على عقيدة التوحيد كانت قد اكتسبته في عالم الذر، كما نجد تقريرا عنه في قول الله تعالى: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى! شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون»[سورة الاعراف آية 173 - 172
                ].

                وهذه الفطرة لما تعرضت للاغفال المفتعل كما دل عليه النص القرآني بسبب التهميش والصرف الذاتي لها عن تحقيق وظيفتها الأصلية تحت ضغط الشهوات وتمويه الشبهات نتج عنه انحصار واقتصار على مستويات دونية من اللذات الجسدية والنفسية المتمثلة في الأنانية وعزة النفس وما إلى ذلك من الحجب المؤدية إلى الانطوائية والتطلع الدائري التمركزي على نمط دوران الحمار حول الرحى. وهذا ما أدى بالانسانية في أغلب حالاتها إلى نسيان الميثاق الذي أقرت به في عالم الذر عند إشهاد العدالة . مما استوجب وسيلة فعالة للتذكير به ورفع الحجب الحائلة دون ذلك. فكان ذكر الله هو الركن الأساسي المحقق لتلك العودة إلى الفطرة الأصيلة. لأن الذكر هو التذكر ذاته. وهو ضد النسيان. وما عملية تكرار الذكر سوى إعادة التذكر الروحي في عالم الذر الذي يعني العودة إلى الفطرة الأصلية والحفاظ على رسوخها وريادتها لسائر الفطر والغرائز على نحو ما كانت عليه في ذلك العالم التجريدي حيث لا زمان ولا مكان ولا أجرام. وإنما خطاب الله الواحد القهار في إشهاده للأرواح مجردة على توحيده وإقرارها بذلك عقيدة وعبودية لا ركوع فيها ولا سجود وإنما هي خطاب بين إله واحد أحد ليس كمثله شيء ومألوهين مأخوذين في قبضته يتصرف فيهم كيف يشاء، أي أن أول عبادة في الوجود هي ذكر قولي تم مباشرة بين رب العالمين وأرواح عباده. ولهذا الخطاب المباشر الذي تحقق بالذكر المجرد كان جزاء الذاكر أن يقابل بذكر المذكور. -أي يصير الذاكـر مذكـورا- مصداقـا لقـول اللـه تعـالى: «فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولاتكفرون»، وكما في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» الحديث[رواه مسلم في باب الحث على ذكر الله تعالى].

                وذكر الله لعباده ينبغي أن يفهم بمعنى الاحاطة والمعية المعنوية وبتعويض الفقر بالغنى، أي غنى النفس بواسطة الامداد الروحي المفيد للاطمئنان « كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك».

                وإذا كان المدد عاما فالذاكر له خصوصيته في الاستمداد من العطاء الالهي للنصوص الدالة على ذلك، وللواقع التجريبي الذي يعيشه الذاكرون الله تعالى والمتمثل في الأحوال والمواجيد الطارئة عليهم عند ذكر الله تعالى بالصفة والشروط الواردة في آية الأسوة.

                فالاطمئنان هو قمة الأحوال ومنتهاها كما تدل على ذلك عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية. كما أنه يأتي بعد المرور بأحوال ممهدة له كوجل القلوب، وقشعريرة الجلد، والخر بالبكاء، وانشراح الصدر والصعق عند رؤية آية كونية أو سماع آية قرآنية. وكنموذج على هذا التلازم بين الاطمئنان والأحوال وذكر الله تعالى، نجد مثلا قول الله تعالى، « إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون»[سورة الأنفال آية 2.
                ].

                وقوله تعالى : « الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشعون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله».

                وهذه الأحوال الناتجة عن الذكر تعتبر دليلا قويا على أن الذاكر قد وصل إلى مستوى المباشرة الإيمانية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «اللهم ارزقني إيمانا يباشر قلبي» أي أن الإيمان لم يعد يقتصر على مجرد التصور الذهني والاعتقاد القلبي الصامت. وإنما أصبح خطابا نورانيا محركا للقلوب والأجساد. وبالتالي مؤسسا للثقة الكاملة والاطمئنان كنتيجة قطعية دالة على صحة الإيمان ورسوخه في قلب المؤمن.

                والحال في مصطلح الصوفية هو « معنى يرد على القلب من غير تعمد منهم ولا اجتلاب ولا اكتساب لهم من طرب أو حزن أو قبض أو شوق أو انزعاج أو هيبة أو احتياج »[أبو القاسم القشيري الرسالة القشيرية دار الكتاب العربي بيروت ص 32 - 34] وقد يراد بالحال الوجد الناتج عن المعنى الوارد على القلب. أي أن الوجد هو ما يجده الذاكر من حلاوة وذوق تلك الأحوال الواردة عليه، ولهذا فالتلازم بين الحال والوجد تلازم ذاتي لايمكن فصلهما عن بعضهما بسهولة. لأنه إذا وجد الحال ترتب عنه وجد. وإذا وجد وجد دل على الحال. إلا أن الحال يختص بالوجد الباطني. والوجد يختص بالحال الظاهري، ولهذا أمكن استدعاء الوجد اختيارا[القشيري الرسالة القشيرية
                ] للحصول على الحـال الظاهري وهو ما يسمى بالتواجد. وهـو درجة أقل من الوجد الذي له سبب وارد على القلب وهو الحال الباطني. وكلاهما مشروع ومطلوب كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم :

                « ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» أو كما قال.

                إن هذه الظواهر القلبية الجسدية المترتبة عن ذكر الله تعالى قد كانت تطرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك على أصحابه بصور متفاوتة. ففيما يخص النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كانت تعرض له أحوال ومواجيد على رأسها البكاء. وتصبب العرق في اليوم أو الليلة الباردة خاصة عند نزول الوحي، وتبدل أسارير وجهه من حالة إلى حالة عند ورود بشارة أو نذارة أو غير ذلك مما له علاقة بأحوال القلوب والإيمان والتقوى. حتى أنه كان توصف أسارير وجهه مرة بفلق الصبح ومرة بالبدر في كماله... إلخ.

                كما نجد صورا من هذه الأحوال وتفاعل القلوب معها عند ذكر الله أوسماع آية قرآنية عند الصحابة كأبي بكر الذي كان لايستطيع إمامة المسلمين في الصلاة في بعض الأحوال لرقة قلبه وغلبة البكاء عليه حتى كان يسمع له أزيز، ونفس الشيء عن حال عمر ذي الخطين السوداوين من كثرة البكاء بل إنه سقط طريح الفراش لوجد أصابه حتى ظن البعض أنه مريض. وكذلك حال عثمان وعلي رضي الله عنهما. وكنموذج مقرب لمفهوم الحال المؤدي إلى الوجد الذي لايدخل في حكم البكاء فقط نجد هذا الحديث الذي رواه البخاري عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية:

                « أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون، أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون» كاد قلبي أن يطير» رواه الشيخان.

                فطيران القلب عند سماع الآية بالنسبة إلى هذا الصحابي لايمكن وصفه إلا بالإيمان المباشر للقلب. ولهذا فكانت هذه الحالة التي طرأت عليه عند سماع الآية الكريمة سببا قويا وجدانيا دعاه إلى التصديق والإيمان بالله وبرسوله، لأنه مبدئيا لايمكن أن يحدث حادث إلا ولحدوثه سبب وهذا الحادث هو طروء الحال على القلب عند سماع الآية. والآية هي كلام الله تعالى. إذن فالمستمع قد باشر كلام الله قلبه، فاهتز عند هذه المباشرة وكاد أن يطير، ولربما تحرك ظاهره لهذا الأثر الباطني ضرورة.

                ومن هنا يأتي الحكم العقلي لصياغة هذه البرهنة الوجدانية وهي أنه لو لم يكن للكلام صلة وغذاء للقلب لما تفاعل معه، لكن الكلام باشر القلب وحركه : إذن فالقلب له فقر وإقرار مباشر بالكلام لصلة ما. وهذا له ارتباط بآية الذر وتأسيس الفطرة الأولى عند الإنسان .

                وحسب هذا الاستنتاج فكلما ورد الحال على القلب وجدا إلا وكان بالنسبة إلى الذاكر دليلا قويا مباشرا على وجود الله سبحانه وتعالى لأنه يمثل تعاملا وجدانيا مع الله تعالى وتكيفا ذاتيا مع الكلام الذي يكرره ذكرا أو تلاوة.

                ولهذا كان الذاكر الواجد لايحتاج إلى الحجج أو البراهين إلا اكتفاء بما باشره قلبه من النص القرآني والحديثي وما أعطاه له الذكر من المواجيد والأحوال التي ترد عليه بحسب استعداد قلبه وقوة توجهه إلى الله تعالى ورجائه وظنه به.

                فالوجد أو الحال الذي يعبر عنه الصوفية ليس سوى مباشرة الإيمان للقلب كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، وبما أن المباشرة حاضرة فإن الاستدلال بالوسائط الكونية تبقى بعد ذلك ثانوية مادام الذاكر مطمئنا إلى مذكوره يعيش قربه بقلبه ويتحرك قلبه بل جسده عند ذكره. كما عبر الجنيد عن هذا الايقان الوجداني بالذكر في قوله :

                حاضر في الـقلب يـعـمـره لــست أنـسـاه فـأذكــره.

                فهـو مـولاي ومعتـمــدي ونـصيـبي مـنـه أوفـــره
                [القشيري الرسالة القشيرية ص 139]

                ويقول الشبلي :

                ذكرتـك لا أني نسيتــك لمحــة وأيسر ما في الذكــر ذكر لســاني

                وكدت بلا وجـد أموت من الهـوى وهــام عــلى القــلب بالخفقان.

                فلما أراني الوجد أنـك حـاضـري شــهدتك موجـودا بكل مكــان

                فخـاطبت موجودا بغـير تكلــم ولاحظــت معلومـا بغير عيــان.


                وقال آخر :

                ما أن ذكرتك إلا هم يزجرنـي قلبي وسرى وروحي عند ذكراكا

                حتى كأن رقيبا منك يهتف بـي إياك ويحك والتذكر إيــاكــا[القشيري الرسالة القشيرية ص 139]

                وعند ذكر الأحوال والمواجيد المترتبة عن الذكر وبعدها التوحيدي كمعيار إيماني وأداة استدلالية، يطرح جدل مفتعل من طرف بعض الفئات الإسلامية الفاقدة لهذا النموذج أو العنصر من التفاعل مع النص سماعا أو مع العبادات ممارسة وخاصة ذكر الله تعالى.

                ويتلخص هذا الجدل في رفض البعض من المتقدمين وهم قلة والبعض من المتأخرين المعاصرين وهم كثرة لبعض صور الأحوال الطارئة على بعض الذاكرين الله بالأسلوب الشرعي والمؤسس على آية الأسوة.

                وهذا الرفض ينصب إما على الصعق أو التأوه أو اضطراب الأعضاء أو الصياح والتلفظ بألفاظ غير مفهومة إلى غير ذلك من الأحوال التي يكثر وجودها بصفة خاصة عند الصوفية المركزيين - أي الذين تجمعهم طريقة ما، إما تحقيقية أو وراثية- وأقصد بالتحقيقية أي المنتمية إلى شيخ محقق حي ومؤهل للتلقين الروحي وصياغة الأوراد، كما أن الوراثية هي عبارة عن طريقة موروثة عن شيخ كان محققا في زمانه. ولم يبق لدى أتباعه سوى المنهج الظاهري، لكنهم يفتقدون الأستاذ المربي الروحي والمؤهل لتلقين الأحوال والوجد الباطني الحقيقي، بحيث يغلب على هؤلاء ظاهرة التواجد دون الوجد والحال.

                وهذا الرفض يتأسس لديهم إما على أسلوب الإفراط أو التفريط كما سبق وعبرنا . ففيما يخص أسلوب الإفراط فإن البعض ممن يعتمدونه ربما قد لايستسيغون الأحوال والمواجيد بصورة كلية، وحتى إذا سلموا ببعضها فإنهم يحصرونهافي حال واحد لايكاد يتعداه وهو البكاء، ولكن في حدود تصورهم الذاتي له، لكنهم إذا تطرقوا إلى موضوع الصياح والاضطراب البدني والصعق والعمارة... إلخ، فإنهم إما أن ينسبوها إلى افتعالات ومحاولات ذات خلفية أنانية للتظاهر والرياء وإما أن يسقطوا على أصحابها صفات مرضية هستيرية ذات خلفية عصبية أو نفسية وما إلى ذلك. ولكننا نرى الذاكرين الصوفية في هذه الحالة « ينطقون أو يتلفظون بنظريات ميتافيزيقية وفيزيقية وأخلاقية - حسب تعبير علي سامي النشار- بل « إن كثيرا من أرق الشعر الصوفي قد انطلق من الصوفية وهم في حالة الشطح أو الفناء أو خلع العذار بينما يفترض في أصحاب حالة الصرع عدم القدرة على الانتاج الفني أو الخلقي أو الابداع الروحي أو الجمالي»[علي سامي النشار : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام دار المعارف مصر ط 7 ج 3 ص 22.].

                وهذا الموقف موضوعي بالنظر إلى الآثار الروحية والفكرية والسلوكية التي يؤسسها الذكر كما سبق واستدللنا على ذلك من خلال تفسيرنا لآية الأسوة وشرط تحصيلها. كما أن الاعتراض على الأحوال بمجرد هذه الادعاءات والأقوال الظنية لحد التوهم قد يجعل أصحابه عرضة للاشتباه في إيمانهم والتزامهم بالنصوص الإسلامية. وذلك إما أن المعترضين يطعنون في نجاعة الوسيلة المؤدية إلى تلك الأحوال كأداة إيجابية محضة كما دل عليها النص وإما أنهم ينظرون إلى تلك الوسيلة كما سبق وعبرنا نظرة مادية سطحية لا أثر لها مضبوطا سوى ما تعطيه الرياضات البدنية حسب درجات وظائفها المحدودة بالاعتدال أو الافراط أو التفريط. وهذا التصور يتنافى مع موضوع الذكر وفعاليته إذ لا مجال للقول بالإفراط في الذكر. لأنه أصلا مطلوب بصفة التكثير ولا حد له، مادامت الإرادة صحيحة ومخلصة، بل الإفراط أو التفريط لايكون إلا عند تغييب الذكر عن اللسان والوجدان وهو ما دلت عليه الآية في قول الله تعالى : « واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولاتطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا»[سورة الكهف آية 28].

                وهذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة عن موضوع الذكر كما يروى عن ابن عباس في قول الله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا». «إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه. ولم يعذر أحد في تركه إلا مغلوبا على تركه فقال : « اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم» بالليل والنهار في البر والبحر وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة والسر والعلانية وعلى كل حال«[ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 49553].

                وعلى هذا فالحال الناتج عن الاكثار من ذكر الله تعالى لايمكن اعتباره حالا مرضيا كيفما كانت أعراضه اللهم إلا ما كان من الذاكر الذي لايلتزم الشروط الواردة في آية الأسوة، وهي إخلاص التوجه إلى الله تعالى وسلامة النية والإرادة قصد الائتساء روحيا وظاهريا برسول الله صلى الله عليه وسلم كنموذج أعلى لاخلاص العبودية لله تعالى. ولتحقيق هذا الائتساء بعناصره الظاهرية والباطنية ينبغي أن يكون تسلسليا وراثيا كما أشرنا إلى ذلك، أي مأخوذا بالسند الروحي المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. مصداقا لقوله : « طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن رأى من رآني وآمن بي وطوبى لمن رأى من رأى من رآني وآمن بي. طوبى لهم وحسن مآب». وكذلك الحديث الذي مر بنا عن أبي سعيد الخدري حول تسلسل الصحبة.

                وعند هذا ينبغي التمييز بين الذكر كوسيلة للسلوك إلى الله تعالى بقطع المراحل والعقبات لغاية واحدة وهي معرفة الله تعالى معرفة قرب وحضور واستمداد، وبين الذكر كوسيلة جزائية غايتها جمع الحسنات ومحو السيئات والحفظ من الأذى وتحقيق الأغراض ذات التعلق بالمخلوقات كيفما كان نوعها وإن كان المرجو لتحقيقها هو الله تعالى.

                فالذكر المفيد للحال هو المراد منه الغاية الأولى لأنه تعامل مع المذكور كمطلوب لذاته ابتداء وانتهاء «وأن إلى ربك المنتهى».

                ولهذا المعنى كان الذكر شرطا لاخلاص العبودية وكان أيضا معيارا للقوة الايمانية لأنه سلوكي وتعبدي جزائي في آن واحد، وسلوكيته تتجلى في الأحوال الباطنية الناتجة عنه وفعاليته في تحصيل القرب من الله تعالى لحد الوجد والصعق والخوف والرجاء والمحبة وما إلى ذلك من الأحوال والمقامات المؤدي إليها ذكر الله تعالى. ولهذه الأحوال كما قلنا كان الذكر وسيلة استدلالية وميزانا روحيا يزن به الذاكر مستوى قربه أو بعده عن الله تعالى بحسب الحال الوارد عليه. ما بين حالة القبض والبسط والرضى والاطمئنان وما إلى ذلك مما اختص بالاصطلاح عليه الصوفية بالدرجة الأولى حتى أن بعضهم عبر من خلال هذا الميزان بقوله « حسنات الأبرار سيئات المقربين». وهذا ما لايدرك معناه إلا أهل الأذواق والمواجيد والأحوال الذين ذاقوا حلاوة العطاء ومرارة السلب، فأدركوا بقلوبهم أن معطيهم وسالبهم واحد فكان تذرعهم إليه روحياب «اللهم احفظنا من السلب بعد العطاء».
                [/align]
                صغير هواك عذبني ..فكيف به إذا احتنكَ .

                تعليق

                • محمد حبيب الفندي
                  طالب علم
                  • Jul 2005
                  • 91

                  #23
                  [align=center]

                  الحال بين مشروعية الوسيلة والغاية:
                  ولكي لا يتشعب بنا الحديث عن الأحوال أكثر مما يقتضيه الاعتراض الافراطي، نعالج مواقف بعض أساليب أصحاب التفريط في نفس الموضوع رغم وجود قواسم مشتركة بين هؤلاء وأولئك في اعتراضاتهم على أحوال الذاكرين ومواجيدهم، ويتلخص اعتراض هؤلاء الأخيرين في الادعاء بأن بعض الأحوال الطارئة على الذاكرين الله تعالى ليست من السنة وأن السلف الصالح لم يحصل لديهم مثلها. ولهذا فإنها تدخل في حكم البدعة، وذلك بدعوى الالتزام بالسلفية والتقيد بظاهر النص وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته.

                  وهذه كما قلنا كلمات حق أريد بها تضييق مجالاته، غير أن الاعتراض على هذه التضييقات في هذه المرة سيكون بواسطة أبرز رواد هذا الأسلوب والذي سبق واعترضنا عليه في مواقفه من الذكر بالاسم المفرد.

                  فحينما نطالع فتاوى ابن تيمية حول موضوع الأحوال نجده أكثر موضوعية وانضباطا فتويا مما مضى، وقد أودع فتاواه الخاصة في كتاب علم السلوم وكتاب التصوف (ج10 و11).

                  فذهب في كتاب السلوك إلى تقسيم موضوعي يحدد من خلاله الذي يسلم له حاله والذي لايسلم له حاله : فالذي يسلم له حاله يشترط أن لايكون سببه بمحرم وأنه مغلوب عليه[ابن تيمية، مجموع فتاوى كتاب علم السلوك ج 10 ص 381
                  ]، وأما الذي لايسلم إليه حاله فمثله أن يعرف منه أنه عاقل يتوله ليسقط عنه اللوم... أو يعرف منه أنه يتواجد ويتساكر في وجده ليظن به خيرا ويرفع عنه الملام فيما يقع من الأمور المنكرة، أو يعرف منه أن الحق قد تبين له وأنه متبع لهواه، أو يعرف منه تجويز الانحراف عن موجب الشريعة المحمدية وأنه قد يتفوه بما يخالفها...»[ابن تيمية، مجموع فتاوى كتاب علم السلوك ج 10 ص 384
                  ].

                  بل قد ذهب إلى الاعتراض على المعترضين ومحددا موقفه منهم في كتاب التصوف حيث يقول : « المنكرون -أي لأهل الأحوال- لهم مأخذان: منهم من ظن ذلك تكلفا وتصنعا. يذكر عن محمد بن سيرين أنه قال: ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على أحدهم وهو على حائط فإن خر فهو صادق.

                  ومنهم من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفا لما عرف من هدي الصحابة كما نقل عن أسماء وابنها عبد الله.

                  والذي عليه جمهور العلماء أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه وإن كان حال الثابت أكمل منه ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا فقال: قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد فما رأيت أعقل منه، ونحو هذا وقد نقل عن الشافعي أنه أصابه ذلك وعلي بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة وبالجملة فهذا كثير ممن لايستراب في صدقه!!!»[ابن تيمية مجموع فتاوى كتاب التصوف ج 11 ص 8 -7].

                  وهذا النص تضمن اعتراضين في صورتين مختلفتين :

                  أما الاعتراض الأول فإنه يسلم بوجود الحال لكنه يخضع هذا التسليم إلى التجربة وتحري الصدق فيه. وهذا يعني أن الحال واقع مشاهدكما عبر عنه ابن تيمية في آخر النص بقوله : « وبالجملة فهذا كثير ممن لايستراب في صدقه» أي أصبح متواترا. تواتر أخبار ومعاينة. ولهذا فالواقع لايمكن إقصاؤه إذا ثبت أنه غير متكلف، إذ كيف يمكن رفض العطاس رغم غلبته على العاطس، كما أنه لا يجوز رفض الحال لأنه غلب على صاحبه ولكن يمكن اختباره من حيث أنه صادق أو كاذب في حاله.

                  إذن فالمسألة تعالج من منظور أخلاقي وليس من حيث هي واقع ومشاهد. كما أنه ينظر إليه من حيث باعثه هل هو مشروع أم ليس بمشروع، فإذا كان الباعث مشروعا فالحال المترتب عنه ينبغي أن يكون مشروعا. لأنه إذا كانت الوسيلة مشروعة وهي ذكر الله تعالى والغاية مشروعة وهي إرادة وجه الله تعالى، فما بين الوسيلة والغاية لايكون إلا مشروعا. لأن الحسن إذا قابله الحسن أو الجميل لايكون إلا حسنا، والنتاج لايكون إلا بحسب أصله ووسيلة سقيه و« البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لايخرج إلا نكدا». فذكر الله إذن هو المصدر في الأحوال، والتكليف يهم النية والأعمال وليس الأحوال إذ الأحوال غير اختيارية وهي تكون وسطا بين النية والعمل.

                  ولهذا فالغاية تحدد الوسيلة لا أن الغاية تبرر الوسيلة في هذا الميدان. إذ الغاية في ذكر الله تعالى ليست كسائر الغايات وإنما لها خصوصيتها التوحيدية التي لايقبل سواها. فكانت الأحوال بهذا توصيلا بين الموظف للوسيلة وغايته، ودليلا على صحة الإيمان ورسوخه.

                  وأما الاعتراض الثاني فهو الذي يريد أصحابه أن يضيقوا خناق الأحوال والتحكم في المشاعر. وتقييد الانفعالات، وهذا إسقاط وتحجر لاتقبله سعة الإسلام بل طبيعة القلوب واستعداداتها وتحملاتها المختلفة. كما أن نقل هذا الإنكار عن أسماء وابنها غير محددة صحته أو ظروفه.

                  * خروج الأحوال عن دائرة التكليف والتقليد:
                  فالسلفية يمكن أن تنطبق على الأقوال والأفعال وعلى جنس الأحوال كتكاليف ومطالب لأنها قابلة للتقليد والتحديد، أما الأحوال النوعية الخاصة فإنها لاتقبل التقليد، إذ لو قبلت التقليد لكانت مصطنعة ومتكلفة وهذا يدخل في حكم الذي لايسلم له حاله كما يرى ابن تيمية.

                  نعم ! قد تتحد المشاعر والأذواق كما سبق وعبرنا مرارا لكن التفاعل مع هذه المشاعر ذاتيا هو الذي لايمكن ضبطه وحصره في صورة معينة مقننة كالاقتصار على التسليم بحال البكاء وحده مثلا.

                  وانفلات الأحوال عن دائرة الحصر السلفي أو التقييد الزماني والمكاني والجماعي بالامكان اعتبار أنه يدخل ضمن الأعراض وحدوثها وتجددها مع الزمن والمكان والحيز وما إلى ذلك، وكذلك من حيث دلالتها على حدوث الجواهر. كما تدل الأحوال على إيمان القلوب، إذ أن الأعراض تتفاوت وتختلف مظاهرها بحسب تعلقها بالأجرام صغرا وكبرا، سرعة وبطء، حركة وسكونا... إلى غير ذلك. ورغم أن الأجسام تتحد كلها في صفة الحدوث، إلا أن الأعراض الدالة عليه تختلف من جرم أو جسم لآخر.

                  وبحسب هذا القياس يمكن القول بأن أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بالضرورة أن تكون على نفس مستوى أحوال أصحابه وأحوال صحابته ليس بالضرورة أن تكون على نفس المستوى فيما بينهم وأنفسهم أو فيما بينهم وبين التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وذلك لتفاوت استعدادات القلوب وقوة إيمانها زيادة ونقصانا، بل قد يقع التفاوت بين استعداد القلب الواحد من حيث قوة تفاعله أو ضعفه مع الواردات ومعانيها وصياغتها بالأحوال أو المواجيد. إذ رب شخص قرأ آية قرآنية فبكى واعتبر وخشع قلبه في فترة ما لكنه قد قرأ نفس الآية في فترة أخرى فلا يجد ذلك الشعور ولا يحدث لديه خشوع بحال وهذا ملاحظ ومجرب عند الممارسين لتلاوة القرآن الكريم والمواظبين عليها.

                  ولهذا فليس من السلفية أو الأصولية بمكان أن ندعي إمكانية تقليد أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم تقليدا كليا سواء الباطنية أو الظاهرة لأنه إذا ادعينا ذلك فنكون قد قارنا بين مستوانا الإيماني وبين مستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي بين فرع وهو نحن المسلمين وبين أصل وهو النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتان مابين الأصل والفرع من التفاوت بل لا وجود للفرع إلا بوجود الأصل، بحيث لا مجال للمقارنة هنا، لأنها ستوقعنا في خطأ تقديري وخلل روحي من أبرز مظاهره غياب التسليم المعرفي و التذبذب في الاعتراف بالتفوق الروحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

                  وكإلزام بالخلف أو اقتضاء المخالفة يمكن عكس الاعتراض على أصحاب الادعاء في الزامهم أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وإلزامهم كل الأحوال الواردة في القرآن الكريم من بينها اقشعرار الجلد، وصعق موسى، والخر للأذقان بالبكاء. والتي يلاحظ أنهم لايجدون منها لا ظاهرا ولا باطنا إلا ما نذر أو شذو الشاذ لايقاس عليه وخاصة في عصرنا الذي أصبح الحال فيه منكرا بعد ما كان معرفا. ودليلا على قوة الإيمان وصدقه. ولهذا التفاوت الذي يطبع حالة الحال أو الوجد قسناه بالأعراض وتغيراتها مع الزمان والمكان والاستعداد والتحملات. لأنها مثال مناسب للدلالة على أنها لا تخضع للتقنين العيني كما أنها تستند في إثبات جنسها على أصول شرعية تفيد إمكانية ورودها على شتى الهيئات والحركات بحسب استعداد الذاكرين الله تعالى وبحسب استمداداتهم الروحية. وهذا ما لخصه ابن تيمية بصورة موضوعية بقوله : « فهذه الأحوال التي يقترن بها الغشي أو الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء حتى لايشعر بنفسه ونحو ذلك، إذا كانت أسبابها مشروعة وصاحبهــا صــادقا عاجــزا عن دفعهـا كان محمودا على ما فعله من الخير وما ناله من الإيمان معذورا فيما عجز عنه وأصابه بغير اختياره. وهم أكمل ممن لم يبلغ منزلتهم لنقص إيمانهم وقسوة قلوبهم ونحو ذلك من الأسباب التي تتضمن ترك ما يحبه الله أو فعل مايكرهه الله، ولكن من لم يزل عقله مع أنه قد حصل له من الإيمان ما حصل لهم أو مثله أو أكمل منه فهو أفضل منهم وهذه حال الصحابة رضي الله عنهم وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه أسرى به إلى السماء وأراه الله ما أراه وأصبح كبائت لم يتغير عليه حاله، فحاله أفضل من حال موسى صلى الله عليه وسلم. الذي خر صعقا لما تجلى ربه للجبل وحال موسى حال جليلة علية فاضلة . لكن حال (سيدنا) محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأعلى وأفضل» فالحال إذن من ثمرة الذكر وهو دليل على كمال الإيمان وقوته. وإذا كان الأمر كذلك فالذكر يبقى معيارا قطعيا للقوة الإيمانية. وميزانا استدلاليا يرتكز عليه علم التوحيد في حججه وبراهينه
                  [/align]
                  صغير هواك عذبني ..فكيف به إذا احتنكَ .

                  تعليق

                  • محمد حبيب الفندي
                    طالب علم
                    • Jul 2005
                    • 91

                    #24
                    [align=center]

                    الوجد والحال في حقل النشيد والسماع:

                    * السند الصوفي في السماع نصا وفقها:


                    وقد يندرج في مجال الحال والوجد كجالب أو مهيء موضوع السماع، وهو تناغم الخطاب لإيصاله إلى السمع على صورة جمالية وذوقية فنية وروحية، وقد يكون قرآنا يتلى أو قصائد ومنظومات شعرية ونثرية لها ابعاد روحية ومعاني توحيدية وخاصة في باب السماع الصوفي، وفيه يقول أبو القاسم القشيري مفسرا قول الله تعالى: «فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» :"اللام في قوله" القول" تقتضي التعميم والاستغراق والدليل عليه أنه مدحهم بإتباع الأحسن. وقال تعالى: "«فهم في روضة يحبرون». جاء في التفسير أنه السماع.

                    واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة والنغم المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظورا ولم يسمع على مذموم في الشرع ولم يَنْجَر في زمام هواه، ولم ينخرط في ذلك لهوه مباح في الجملة.

                    ولا خلاف أن الاشعار أنشدت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها. فإذا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة، فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان، هذا ظاهر من الأمر، ثم يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات وتذكر ما أعد الله تعالى لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على متحرز من الزلات ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاء الواردات مستحب في الدين ومختار في الشرع، وقد جرى على لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو قريب من الشعر وإن لم يقصد أن يكون شعرا.

                    أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال: حدثنا الحرث بن ابي أسامة قال حدثنا ابو النضر قال: حدثنا شعبة عن حميد قال، سمعت أنسا يقول: كانت الأنصار يحفرون الخندق فجعلوا يقولون:

                    نحن اللذين بايعوا محمدا
                    على الجهاد ما بقينا ابدا


                    فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

                    اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة

                    ليس هذا اللفظ منه صلى الله عليه وسلم على وزن شعر لكنه قريب منه،

                    وقد سمع السلف والأكابر الأبيات بالألحان فمن قال بإباحته من السلف: مالك ابن أنس، وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء وأما الحداء فإجماع منهم على إجازته"[القشيري، الرسالة القشيرية دار الكتاب العربي، بيروت ص 152]

                    ويقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري:

                    "ونقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحذاء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلاف فيه، ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، ويلتحق بالحداء هنا الحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكين الولد في المهد".[ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، شرح صحيح البخاري دار الكتب العلمية بيروت - لبنان - الطبعة الأولى 1410-1989. ج 10ص 659..

                    وعند قول ابن حجر" وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلاف فيه" كأنه يشير إلى موقف ابن تيمية المتشدد في هذا الباب والمخالف لمذهب السلف بزعم السلفية.

                    بحيث يرى حسب دعواه أن لا سماع كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مشروعا سوى القرآن الكريم، وبشكل فردي غير جماعي، إذ كما يقول: «كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا رجلا منهم أن يقرأ وهم يستمعون، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون» وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته، وقال: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير داود» وقال: «مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمت أنك تسمعني لحبرته لك تحبيرا» أي لحسنته لك تحسينا

                    ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا؛ لا بالحجاز ولا باليمن ولا بالشام ولا بمصر والعراق وخراسان والمغرب، وإنما حدث السماع المبتدع بعد ذلك"[ابن تيمية: مجموع فتاوى ابن تيمية ج 11 -ص 626-627]

                    وفي كلام ابن تيمية هذا إسقاط وتكلف وتضييق ومخالفة لمقتضيات ونصوص شرعية والأقوال السابقة لعلماء الأمة السنيين من أهل الفقه والحديث والتصوف والسلوك.

                    إذ فيما يخص قراءة القرآن جماعة فإن ظاهر الخطاب يفيده كما نجده في قول الله تعالى: «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا، قل أفأنبئكم بشر من ذلكم، النار وعدها الله الذين كفروا، وبيس المصير[سورة الحج آية 70

                    كذلك قوله تعالى: «فاقرأوا ما تيسر من القرآن، علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا».[سورة المزمل آية 18

                    أما في الحديث فنجد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه» وايضا «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعر بين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» الحديث[رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن.]

                    فالحديثان بعبارتهما ومعانيهما قد يدلان على جواز بل استحباب قراءة القرآن جماعة بالأمر والندب والتقرير النبوي.

                    إذ في الحديث الأول يكون شرط الاجتماع على القرآن الكريم للتلاوة هو ائتلاف القلوب، وهو يحتمل إما أن يكون معناه الحفظ وإما الانسجام الذي يعطيه الذكر وتعارف الأرواح.

                    فبحسب المعنى الأول يكون لابد من إتباع صيغة معينة يؤم بها مستظهر لكتاب الله تعالى تسير بحسب قراءته الجماعة في الوقف والإمالة والمد وغيرها مما هو معروف في علم التجويد، وذلك حتى لا يختل نظام القراءة.

                    وأما الحديث الثاني فالمعنى فيه غالب على اعتبار الصوت الجماعي ونستشفه من قول النبي صلى الله عليه وسلم «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن» وهذه العبارة أكثر دلالة على القراءة الجماعية منها على القراءة الفردية، خاصة وأنهم لم يكونوا كلهم مجودين أو متغنين بالقرآن على نمط أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

                    ومن هنا فالقول بأن قراءة القرآن جماعة بدعة سلبية يعد مغالاة في غير مصلحة الدين، لأنه لا يميز بين ماهو موحد للأمة وما هو مشتت لها حينما لا تأتلف القلوب على قراءة القرآن.

                    وعلى فرض أن قراءة القرآن لم تكن جماعية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حسب دعوى ابن تيمية رغم النصوص وظواهرها المفيدة للعكس كما مر بنا، فإن القراءة الجماعية تبقى مشروعة، خاصة وأن القرآن في المرحلة الأولى لم يكن بعد قد جمع في مصحف واحد، لكنه بعدما جمع يكون من الأسهل الاجتماع على قراءته وذلك بعدما رسم بعلامات الوقف وما إلى ذلك مما سهل ضبط القراءة الجماعية وكان من اجتهاد علماء الأمة الذين هم ورثة الأنبياء.

                    ولا أريد أن اطيل في هذا الباب، إذ يكفيني أن قراءة القرآن جماعة لها بعدها التوحيدي لظواهر الأشخاص وقلوبهم كما نص عليه الحديث النبوي، إذ كان طرحنا لهذا الموضوع في هذا الباب مجرد تنبيه على أن ابن تيمية فتح بابا للذريعة دخله من جاء بعده فشوشوا على المسلمين اجتماعاتهم على ذكر الله وقراءة القرآن واستظهاره بالطريقة الجماعية وفي زمن قل الاهتمام بالكتاتيب القرآنية وقل حفظة القرآن ومعلموه، إذ القراءة الجماعية تكون تذكيرية وتشجيعية، وسماع القرآن يكون موعظة ورحمة سواء كان فرديا أو جماعيا كما تروي السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال: يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا»[

                    السماع بين المشروعية وتضييق مدعي السلفية:

                    ونعود إلى موضوع السماع الذي يعتبره ابن تيمية بدعة بأشكاله وأنواعه مع اضطراب فتاويه في هذا الباب وخلطه بين القراءة والسماع لغة واصطلاحا، فنقول: حينما يصرح بأنه «لم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا» يكون قد تكلف الحصر والاستثناء وضيق مجال السماع بإسقاطاته الذاتية فوقع في مخالفة نصوص شرعية دالة عليه.

                    ومن هذه النصوص الثابتة والصحيحة:

                    عن أنس رضي الله عنه قال: «جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ويقولون:

                    نحن الذين بايعوا محمدا
                    على الإسلام ما بقينا ابدا


                    والنبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم ويقول

                    اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة
                    فبارك في الأنصار والمهاجرة»


                    وعن البراء رضي الله عنه قال: « رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وكان رجلا كثير الشعر وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة:

                    اللهم لولا أنت ما اهتدينا
                    ولا تصدقنا ولا صلينا

                    فأنزلن سكينـة علينــا
                    وثبت الأقدام إن لاقينا

                    إن الأعداء قد بغوا علينا
                    إذا ارادوا فتنة أبينـا


                    يرفع بها صوته»

                    وعن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خبير فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر ابن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ قال وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول:

                    اللهم لولا أنت ما اهتدينا
                    ولا تصدقنا ولا صلينا

                    فاغفر فداء لك ما اقتفينا
                    وثبت الأقدام إن لاقينا

                    والقيـن سكينـة علينـا
                    إنا إذا صيح بنا أتينـا.


                    وبالصياح عولوا علينا.

                    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع فقال: يرحمه الله. فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولاأمتعتنا به؟.

                    فقال: فأتينا خبير فحاصرناهم حتى أصابتنا مخصمة شديدة. ثم إن الله فتحها عليهم فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر فتناول به يهوديا ليضربه ويرجع ذباب سيفه، فأصاب ركبة عامر فمات منه، فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم شاحبا فقال لي مالك؟ فقلت فدى لك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله، قال، من قاله؟ قلت: قاله فلان وفلان وأسيد بن الحضير الأنصاري،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله. إن له لأجرين -وجمع بين أصبعيه- إنه لجاهد مجاهد قل عربي نشأ بها مثله»[.

                    إذن فالسماع مشروع والمسمع مأجور إذا كان كلامه طيبا ومروّحا عن النفوس لغاية شريفة، وخاصة في زمن كثر فيه اللهو واللغو والجفاف والجفاء والفاحش من الغناء ونزوات الشعراء، مما يستدعي كتعويض وصرف بالمناسب إلى الإكثار من السماع النقي والتغني بالجميل من الشعر الصوفي الناتج عن الذكر وصحة الفكر وسلامة الصدر.

                    ومن هنا فالوسيلة تحددها الغاية والثمرة، كما تتحدد الأخيرة بها، والناتج ما بين الوسيلة والغاية يكون مشروعا كما سبق وبينا.

                    وعلى هذا فلا حجة لابن تيمية في أن يمنع استعمال السماع كوسيلة لتقريب معاني الإيمان والتوحيد إلى القلوب والنفوس من أجل إنقاذها وكسب ميلها وحبها للإسلام وأحكامه.

                    وقد يكون من الخطأ البين الذي لا يقبله الشرع أو العقل وكذا الذوق أن تمنع الوسيلة المشروعة من الاعتماد في الدعوة إذا كانت ستؤدي إلى غاية سليمة وهداية. ومن نموذج هذا الخطأ نجد فتوى ابن تيمية لما سئل «عن جماعة يجتمعون على قصد الكبائر: من القتل وقطع الطريق والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك، ثم إن شيخا من المشايخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك، فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعا يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل، وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابة، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي، يتورع عن الشبهات ويؤدي المفروضات ويتجنب المحرمات، فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه لما يترتب عليه من المصالح؟ مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا؟».

                    فأجاب بإسقاط ومن غير تحفظ أو إدراك للمصلحة وسد للذريعة: «إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي، يدل على أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة، أو عاجز عنها، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية»].

                    هكذا إذن يلقي ابن تيمية الكلام على عواهنه يجمع بين التبديع والتجهيل للآخر والتضييق في باب الدعوة وأسلوبها، ولا يراعي النتيجة والغاية بله مشروعية الوسيلة كما سبق وبيناها نصا.

                    وإذا رجعنا إلى أسلوب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فإننا نجده قد أقر للشعراء شعرهم وللمادحين مدحهم وللمنشدين إنشادهم وحدوهم، بل قدم في الدعوة الوليمة وأسباب الالفة وضرب المثال بالدنيا قبل الآخرة.

                    ومن هنا يكون ابن تيمية محجوجا كما قال ابن حجر، «وعند التنازع يجب الرد إلى الله والرسول وليس فعل غير الرسول حجة على الإطلاق» على حد تعبير وتعهد ابن تيمية نفسه.

                    إن السماع الصوفي يعتبر من أجمل ما أنتجته هذه الأمة من فن ونشيد كله ينشد معناه في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كتعبير عن صفاء القلوب وذوقها لحلاوة التوحيد الذي يربطها بعالم الذر والتجريد.

                    وما أجمله من تحليل وتفسير لعلاقة الوجد أو الحال بالسماع لا يستطيع علماء النفس على اختلاف مدارسهم وتقدمها أن تستنتج مثله مهما غاصوا في بحر ما خفي عن الشعور، هو هذا الذي عبر عنه الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى لما سئل: «ما بال الإنسان يكون هادئا فإذا سمع السماع اضطرب، فقال: إن الله تعالى لما خاطب الذر في الميثاق الأول بقوله: «ألست بربكم؟ قالوا: بلى». استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح فلما سمعوا السماع حركم ذكر ذلك!!!

                    للدكتور محمد بنعيش من كتاب البعد التوحيدي للذكر في الإسلام

                    (الوسيلة والغاية)

                    [/align]
                    صغير هواك عذبني ..فكيف به إذا احتنكَ .

                    تعليق

                    يعمل...