المشاركة الأصلية بواسطة نزار بن علي
" و قبل الخوض في المقصود ، لا بد من شرح ماهية الخبر المتواتر . فنقول : الخبر المتواتر على قسمين :
القسم الأول : أن يخبر أهل التواتر عن وجود شيء شاهدوه ، أو كلام سمعوه . و هذا الخبر إنما يفيد العلم بشرطين :
الشرط الأول : أن يبلغ المخبرون في الكثرة إلى حيث يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب . مثاله : أنا إذا رأينا أهل البلدان المختلفة مع تباعد بلادهم و تباين أخلاقهم ، متفقين على الإخبار على أن في الدنيا بلدة ، يقال لها " طمعاج " حصل لنا العلم القطعي بوجود هذه البلدة ، و إن كنا ما رأيناها .
و الشرط الثاني : أن يكون المخبر عنه شيئا محسوسا . و ذلك لأن أهل الشرق و الغرب ، لو أخبروا عن حدوث العالم و وحدة الصانع ، لم يفد خبرهم العلم . أما إذا أخبروا عن وجود " طمعاج " أفاد خبرهم العلم ، لأن المخبر عنه شيء محسوس .
إذا عرفت هذا فنقول : إذا حصل الشرطان ـــ و هو أن يبلغ المخبرون في الكثرة إلى حيث يمتنع اتفاقهم على الكذب ، و كان المخبر عنه شيئا محسوسا ـــ كان هذا الخبر مفيدا للعلم اليقيني .
القسم الثاني : أن يكون المخبرون في الكمية و الكيفية بالوصف الذي ذكرناه إلا أنهم لا يقولون بأنا شاهدنا ذلك الشيء ، بل يقولون : إنا سمعنا قوما موصوفين بالصفة المذكورة ، أنهم قالوا : سمعنا أيضا قوما موصوفين بالصفة المذكورة ، أنهم قالوا : شاهدنا الشيء الفلاني . فهذا القسم من الخبر أيضا مفيد للعلم .
و الشرطان المعتبران في القسم الأول معتبران أيضا ههنا . إلا أن ههنا شرطا ثالثا ، و هو أن يكون حال جميع الطبقات في الكمية و الكيفية ، مساوية لحال الطبقة الأولى في الكمية و الكيفية ــ على الوجه الذي ذكرناه ـــ
و إذا عرفت هذا فنقول : إنما ثبت العلم بوجود محمد صلى الله عليه و سلم و بكونه مدعيا للرسالة بالقسم الثاني ، من خبر التواتر . " انتهى كلامه رحمه الله
ثم كعادته في أسلوبه الحجاجي ، بدأ بسرد اعتراضات و شبهات على كلامه ، ثم رد على جميعها بما نصه :
" و الجواب : اعلم أن العلماء اختلفوا في أن العلم الحاصل عقيب خبر التواتر علم ضروري أم نظري ؟؟ و الاختيار : أنه ضروري . و ذلك لأن الضروري هو الذي إذا شكك فيه صاحبه لا يتشكك ، و نحن نجرب أنفسنا عند سماع هذه الشبهات التي ذكرتموها ، فنجدها جازمة بأن محمدا صلى الله عليه و سلم كان موجودا ، و كان يدعي أنه رسول الله إلى الخلق ، و لا نجد هذه الشبهات التي ذكرتموها طاعنة في ذلك الجزم و قادحة فيه . فثبت أن العلم الحاصل عقيب خبر التواتر علم ضروري ، فكانت هذه الشبهات طاعنة في الضروريات ، فلم تكن مستحقة للجواب . لأن ذلك الجواب لا محالة يكون نظريا ، فيتوقف الضروري عليه ، فيقع الدور . و هو محال . فعلمنا أن أمثال هذه الشبهات لا يستحق الجواب . " انتهى كلامه رحمه الله .
الأكيد أن استعمال مثل هذه الكلمة فيه تعد سافر على مصطلحات أهل العلم ، فهل لو أنكرت بركات و كرامات الشيخ أبي الحسن الشاذلي رحمه الله أكون ممن أنكر الضروريات ؟؟!!!!
ملاحظة بسيطة : للرسول معجزات حسية ( و إن كانت معجزته الكبرى هي القرآن ) كثيرة كتسبيح الحصى و البركة التي تحصل في الطعام و بكاء الجذع و حنينه ، رغم ذلك فإنها لا تنطبق عليها شروط التواتر بل أغلبها أحاديث آحاد ، لمن يدري صنعة أهل الحديث .
و عليه ، فليعلم القارئ الكريم أن كرامات الصحابة الكرام ، لا تتجاوز عدد الأصابع ، و كذلك حال السلف رضوان الله عليهم أجمعين ، و الملاحظ الأريب يلحظ أن الكلام عن الأولياء و مخاريقهم و الأضرحة التي شيدت حول قبورهم لم تنتشر إلا قبيل الاستعمار و بعده ( على الأقل في تونس ) ، و هو ما يجعل المسلم سليم الفطرة يتساءل كيف لم تكن لكرامات السلف هذا القدر من الانتشار ، مع أنه لا خلاف في أن أولى الناس بها من كان أقرب إلى ربه .
فالأكيد أنه عندما تصبح الكرامة الخارقة للعادة و التي تكون لتثبيت قلوب المؤمنين هي العادة و السنن الكونية التي وضعها سبحانه هي النشاز ، و عندما تصبح قولة " قبر معروف الكرخي ترياق مجرب " طقوسا و شعائر و قاعدة لا استثناء ، فلا تسألني بعدها أيها المحب لما صرنا هكذا !!
تعليق