الخطيب الناجح مواصفاته ـ وآدابــه الخطيب الناجح
مواصفاته ـ وآدابــه
للأستاذ الدكتور
محمد عبد الغفار الشريــف
الأمين العام للأوقاف - بدولة الكويت
والعميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية
بجامعة الكويت
الحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام ، والصلاة والسلام على خير الأنام ، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحابته الكرام .. وبعد ..
فإن الخطابة تعتبر من أقدم وأنجح وسائل الإعلام في الاتصال بالجماهير . وقد عرفها الإنسان منذ القدم ، فلا يخلو كتاب من كتب الحضارة القديمة من آثارها . وكذلك العرب كانوا يعطون للخطابة مكانتها المرموقة ، فلما جاء الإسلام وضعها في مكانتها ، وجعلها من شعائر الإسلام الأسبوعية ـ خطبة الجمعة ـ وشعاراً لبعض المناسبات المهمة ـ كالأعياد ـ والاستسقاء ، وصلاة الكسوف ، وتولي المناصب المهمة في الدولة .. وغيرها.
وما زال للخطبة دورها العظيم ضمن وسائل الاتصال الجماهيرية ، بل تعتبر من أنجحها، حيث يتسطيع المرسل ـ الخطيب ـ تلقي رجع الصدى من الجمهور مباشرة ، ليعدل في الرسالة المؤداة.
تعريف الخطبة :
الخطبة لغة الموعظة ، والكلام المنثور يخاطب به فصيح جمعا من الناس لإقناعهم ، ولا يخرج التعريف الاصطلاحي عن هذا . وقيل سميت الخطبة خطبة ، لأنهم كانوا يجعلونها في الخطب وهو الأمر العظيم.
أركان الخطبة :
أركانها هي : الخطيب ، الموضوع ، الجمهور .
ولتطوير الخطبة ورفع مستواها ، يجب دراسة أركانها والعمل على تطويرها ، حتى نصل بالخطبة إلى المستوى المطلوب.
وأهم هذه الأركان هو الخطيب ، ولذلك سأركز كلمتي على الخطيب وشروطه وسبل تطويره.
الخطيب هو الشخص الذي يقوم بإلقاء الخطبة ، وهو يحتاج إلى أمور عديدة ليستطيع القيام بمهمته بنجاح . منها : صفات شخصية ، وصفات خلقية ، وعلوم أساسية ، وعلوم تكميلية.
أما صفاته الشخصية فهي :
1- الاستعداد الفطري ، فليس كل إنسان يصلح للخطابة ، مهما علا شأنه وارتفعت مكانته ، فالخطيب هو الذي يتفاعل مع الأحداث ، فينطلق لسانه للتعبير عنها . ولذا قيل قديماً " ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة "
2- الذكاء ، وحضور الذهن ، ليستطيع أن يلمح مدى تفاعل الجمهور معه ، فيغير نغمته في الوقت المناسب ، ويتكلم بالكلام في الزمان والمكان المناسبين . وقديماً قالت العرب " فأرسل حكيماً ولا توصيه ".
3- رباطة الجأش ، والتحكم في النفس ، لأن للمنبر رهبة، وللناس مهابة ، سئل عبد الملك بن مروان ، ما الذي أسرع بالشيب إليك ؟ قال كيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس كل أسبوع مرة .
فالخطيب يجب أن يتحكم في مشاعره ، لأن الذي لايكون سيداً على أهواء نفسه لا يستطيع أن يتحكم بأهواء من سواه . وكثيراً ما نرى بعضاً من الخطباء عندما يرى حماس الجمهوري يتمادى فيما لا تحمد عقباه . ولذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ " كم أطار صفق النعال حول الرجال من رأس " .
4- صدق الحس والعاطفة .
سئل الحسن البصري عن الخطباء والوعاظ ، ما بال بعضهم تؤثر فيك موعظته بينما الآخر لا يهز منك شعرة ، فقال : إذ خرج الكلام من القلب بلغ إلى الجنان ، وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان . ولذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا خطب كان كمنذر جيش ـ صبحكم مساكم " .
5- القدرة على التمثيل ، بحيث يستطيع أن يعبر بقسمات وجهه ، وحركات يديه ، عن كثير من المعاني التي يعجز عنها اللسان . فإذا احتاج إلى الغضب كان غضبه خطابياً لا انفعاليا ، لأن الغضب الانفعالي يمنع المرء من الحكمة ، لذا كان المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يغضب إلا لله ، ويوصي أصحابه بعدم الغضب .
6- الفصاحة والبلاغة الفطرية .
ومن البلاغة الإيجاز في موضعه والإطناب في موضعه . ولما سأل خطيب أطال في الخطبة أعرابياً ما تعدون العي فيكم ؟ قال : ما كنت فيه منذ اليوم .
7- حسن الصورة ، وكمال الهيئة . وكان العرب يحرصون في خطيبهم على أن يكون مهيباً ، لذا كان صلى الله عليه وسلم يختار عباده بن الصامت للخطابة بين أيدي الوفود ، لمهابته في النفوس ، ويختار سفراءه من حسان الوجوه ، الذين يحسنون التصرف في المواقف.
8- قوة الشخصية ، ليؤثر في الآخرين ، دون أن يتأثر بغيره إلا على سبيل المشورة والنصح . وكثيراً ما نرى بعض الخطباء أو المفتين والموجهين يكونون أبواق دعاية لما يريده بعض الناس ، وهذا من أكبر الخطأ.
أما الصفات الخلقية التي يحتاج إليها:
1- فأولها الإخلاص لله تعالى ، لأن كل عمل نزع منه الإخلاص كان عديم البركة ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال الله تعالى ( من عمل عملاً مما يبتغي به وجهي ، أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) .
2- حب الخير للناس ، والحرص على نصحهم ، لذا كان المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبذل جهده وطاقته في الدعوة حتى قال له ربه ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ).
3- التواضع لله ، والتواضع للناس ، لأن الغرور هو الذي أخرج إبليس من الجنة والتكبر على الناس يجلب مقتهم وكرههم . فقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخدم أصحابه وهو سيدهم ، ويحدثهم كحديث أحدهم .
4- صدق الحديث ، لأن من عرف بالكذب تجنبه الناس ولم يسمعوا له . ( قال صلى الله عليه وسلم : عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا).
5- العمل بما يقول ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ) . قال مالك بن دينار ، إذ ا خالف عمل الواعظ قوله ، زلت موعظته عن القلوب ، كما تزل القطرة على الصفا .
6- نظافة الملبس ، وحسن التجمل في الثياب دون إسراف . قال الشافعي :
حسن ثيابك ما استطعت فإنها . . . زيــــن الرجـــال بهــا يعــــز ويكـــــرم
لذا كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلبس الثياب البيض في المناسبات.
7- الابتعاد عن خسائس الأمور ، وسقوط الهمة ، فلا يصلح أن يكون الخطيب جشعاً ، أكولاً بشراهة ، يخوض فيما هب ودب ، ينازع الناس في سفاسف الأمور ، لأن من كان كذلك سقطت حرمته من أعين الناس ، لذا ورد في صفات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ " ليس بفاحش ولا متفحش ولا صخاب في الأسواق ، يجزي بالحسنة الحسنة ، ولا يجزي بالسيئة السيئة "
8- الشجاعة في الحق ، دون تهور ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " وقال عليه الصلاة والسلام " ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب " .
والخطيب يحتاج إلى علوم كثيرة تثري عقله ، وتصقل موهبته وتهذب لسانه ، وترفع مكانه بين أقرانه . منها ما هو أساسي له لا يستغني عنه ، ومنها ما هو تكميلي .
أما العلوم الأساسية التي يحتاج إليها :
1- القرآن الكريم ، حسن تلاوة ، وجودة أداء ، ودقة حفظ ، مع القدرة على الاستشهاد بالآيات القرآنية في مواضعها المناسبة . فالخطبة تعلو قيمتها ويقوى تأثيرها بشواهدها القرآنية . مع الأخذ بحظ لا بأس به من علم التفسير .
2- الحديث الشريف ، ويقال عنه مثلما يقال عن القرآن الكريم ، ويحفظ جوامع الكلم ، ويتجنب الاستشهاد بالموضوعات والإسرائيليات ، فإن في الصحيح غناء .
3- اللغة العربية نحواً وصرفاً وبلاغة ، فما أقبح الخطيب الذي يقف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ويلحن في لغة القرآن ، قد يقول كفراً وهو لا يعلم ، كالذي قال ( إن الله بريء من المشركين ورسوله ) بالجر . إن الخطيب لتعلو بين الناس مكانته بمقدار تمكنه من اللغة العربية ، وتسقط مهابته بمقدار لحنه .
4- علم السيرة ، فالقصص لها تأثير بليغ في إيصال المعاني المطلوبة إلى القلوب ، لذا كثر إيرادها في القرآن الكريم ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) وأحسن القصص سيرة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه تفسير عملي للقرآن .
5- علم الفقه ، لأن الخطيب يعتبر قائداً دينياً ، يتوجه إليه الناس بأسئلتهم الشرعية ومشكلاتهم الاجتماعية ، فإن لم يستطع الإجابة عليها نزلت مكانته في قلوبهم ، ولا يعني هذا أن يتكلف علم ما لا يعلم ، بل يجب عليه أن يتعلم " لا أدري " فمن لم يتعلم لا أدري أصيبت مقاتله.
6- علم النفس لأن وظيفته الأساسية هي القدرة على التأثير في النفوس وتوجيهها إلى الخير ، فإذا لم يعرف خصائص النفوس ،ومفاتيح أقفالها ، لم يستطع إيصال كلمته إلى سويداء قلوب الناس ، ومن أحسن كتب علم النفس الإسلامي إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.
7- معرفة أوضاع مجتمعه وهموم الناس وعاداتهم ليستطيع أن يختار الموضوعات المناسبة والأوقات المناسبة لعرضها . فليس من الحكمة مخاطبة الفقراء بالزهد ، وهم لا يملكون ما يأكلونه، بل الواجب على الخطيب أن يحثهم على العمل وكسب الرزق مع الرضا بما يقدر لهم.
أما العلوم التكميلية التي يحتاج إليها :
فإن الخطيب لا بد أن يلم من كل علم ولو برشفه، ومن كل فن ولو بزهرة . ولكن أهم هذه العلوم التكميلية :
1- علم الأدب ، لأن من تعلم الأدب جزل طبعه ، ورقت مشاعره ، وتهذب لسانه، وقد جبل الناس على حب الشعر والطرائف.
2- علم التاريخ، ليستطيع نقل الناس من عصر إلى عصر ، ومن أمة إلى أخرى ، فالتاريخ سجل تجارب الأمم ، ووثيقة شاهدة على العصور الماضية.
3- الأوضاع الراهنة في العالم ، حتى لا يظهر أمام الناس كالمغفل الذي يعيش في غير دنياه .
وهناك ملاحظة هامة أحب أن أنبه إليها نفسي وإخواني الكرام ، وهي أن وظيفة الخطيب ليست هى تيئيس الناس ، وتصوير الحياة لهم بمنظار أسود ، وصب اللعنات والعذاب عليهم . بل وظيفته الأولى هي رفع هممهم ، وجذب قلوبهم إلى الخير وإلى العمل للدين والدنيا ، وحثهم على التمسك بالأخلاق الحميدة بصورة محببة إلى النفس كالذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي جاء ليسأله عن الإسلام فخرج وهو يقول : لو لم يكن هذا دينا ، لكفى به خلقاً كريماً .
لا يعني هذا أن لا نذكر الناس بين الحين والآخر ، وأن لا نلفت أنظارهم إلى أخطائهم ، ولكن فليكن ذلك بحسن أدب ، وحلاوة لسان ، ولنعرض الترغيب مع الترهيب والصورة البيضاء بجانب الصورة السوداء ، حتى لا نزيد الناس يأساً إلى يأسهم ، ونفوراً من الدين إلى نفورهم .
وليعلم الخطيب أن دوره التوجيه الصحيح إلى تعاليم الدين ومكارم الأخلاق ،لا مجاراة الناس فيما يطلبون ، ولو كان باطلاً ، كما نرى من أحوال كثير من الخطباء في أوقات الأزمات والعواصف المهلكات ، فيصير مسعراً للفتن بدلاً من إطفائها . قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " .
وصلى الله وسلم على الحبيب محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
مواصفاته ـ وآدابــه
للأستاذ الدكتور
محمد عبد الغفار الشريــف
الأمين العام للأوقاف - بدولة الكويت
والعميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية
بجامعة الكويت
الحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام ، والصلاة والسلام على خير الأنام ، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحابته الكرام .. وبعد ..
فإن الخطابة تعتبر من أقدم وأنجح وسائل الإعلام في الاتصال بالجماهير . وقد عرفها الإنسان منذ القدم ، فلا يخلو كتاب من كتب الحضارة القديمة من آثارها . وكذلك العرب كانوا يعطون للخطابة مكانتها المرموقة ، فلما جاء الإسلام وضعها في مكانتها ، وجعلها من شعائر الإسلام الأسبوعية ـ خطبة الجمعة ـ وشعاراً لبعض المناسبات المهمة ـ كالأعياد ـ والاستسقاء ، وصلاة الكسوف ، وتولي المناصب المهمة في الدولة .. وغيرها.
وما زال للخطبة دورها العظيم ضمن وسائل الاتصال الجماهيرية ، بل تعتبر من أنجحها، حيث يتسطيع المرسل ـ الخطيب ـ تلقي رجع الصدى من الجمهور مباشرة ، ليعدل في الرسالة المؤداة.
تعريف الخطبة :
الخطبة لغة الموعظة ، والكلام المنثور يخاطب به فصيح جمعا من الناس لإقناعهم ، ولا يخرج التعريف الاصطلاحي عن هذا . وقيل سميت الخطبة خطبة ، لأنهم كانوا يجعلونها في الخطب وهو الأمر العظيم.
أركان الخطبة :
أركانها هي : الخطيب ، الموضوع ، الجمهور .
ولتطوير الخطبة ورفع مستواها ، يجب دراسة أركانها والعمل على تطويرها ، حتى نصل بالخطبة إلى المستوى المطلوب.
وأهم هذه الأركان هو الخطيب ، ولذلك سأركز كلمتي على الخطيب وشروطه وسبل تطويره.
الخطيب هو الشخص الذي يقوم بإلقاء الخطبة ، وهو يحتاج إلى أمور عديدة ليستطيع القيام بمهمته بنجاح . منها : صفات شخصية ، وصفات خلقية ، وعلوم أساسية ، وعلوم تكميلية.
أما صفاته الشخصية فهي :
1- الاستعداد الفطري ، فليس كل إنسان يصلح للخطابة ، مهما علا شأنه وارتفعت مكانته ، فالخطيب هو الذي يتفاعل مع الأحداث ، فينطلق لسانه للتعبير عنها . ولذا قيل قديماً " ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة "
2- الذكاء ، وحضور الذهن ، ليستطيع أن يلمح مدى تفاعل الجمهور معه ، فيغير نغمته في الوقت المناسب ، ويتكلم بالكلام في الزمان والمكان المناسبين . وقديماً قالت العرب " فأرسل حكيماً ولا توصيه ".
3- رباطة الجأش ، والتحكم في النفس ، لأن للمنبر رهبة، وللناس مهابة ، سئل عبد الملك بن مروان ، ما الذي أسرع بالشيب إليك ؟ قال كيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس كل أسبوع مرة .
فالخطيب يجب أن يتحكم في مشاعره ، لأن الذي لايكون سيداً على أهواء نفسه لا يستطيع أن يتحكم بأهواء من سواه . وكثيراً ما نرى بعضاً من الخطباء عندما يرى حماس الجمهوري يتمادى فيما لا تحمد عقباه . ولذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ " كم أطار صفق النعال حول الرجال من رأس " .
4- صدق الحس والعاطفة .
سئل الحسن البصري عن الخطباء والوعاظ ، ما بال بعضهم تؤثر فيك موعظته بينما الآخر لا يهز منك شعرة ، فقال : إذ خرج الكلام من القلب بلغ إلى الجنان ، وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان . ولذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا خطب كان كمنذر جيش ـ صبحكم مساكم " .
5- القدرة على التمثيل ، بحيث يستطيع أن يعبر بقسمات وجهه ، وحركات يديه ، عن كثير من المعاني التي يعجز عنها اللسان . فإذا احتاج إلى الغضب كان غضبه خطابياً لا انفعاليا ، لأن الغضب الانفعالي يمنع المرء من الحكمة ، لذا كان المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يغضب إلا لله ، ويوصي أصحابه بعدم الغضب .
6- الفصاحة والبلاغة الفطرية .
ومن البلاغة الإيجاز في موضعه والإطناب في موضعه . ولما سأل خطيب أطال في الخطبة أعرابياً ما تعدون العي فيكم ؟ قال : ما كنت فيه منذ اليوم .
7- حسن الصورة ، وكمال الهيئة . وكان العرب يحرصون في خطيبهم على أن يكون مهيباً ، لذا كان صلى الله عليه وسلم يختار عباده بن الصامت للخطابة بين أيدي الوفود ، لمهابته في النفوس ، ويختار سفراءه من حسان الوجوه ، الذين يحسنون التصرف في المواقف.
8- قوة الشخصية ، ليؤثر في الآخرين ، دون أن يتأثر بغيره إلا على سبيل المشورة والنصح . وكثيراً ما نرى بعض الخطباء أو المفتين والموجهين يكونون أبواق دعاية لما يريده بعض الناس ، وهذا من أكبر الخطأ.
أما الصفات الخلقية التي يحتاج إليها:
1- فأولها الإخلاص لله تعالى ، لأن كل عمل نزع منه الإخلاص كان عديم البركة ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال الله تعالى ( من عمل عملاً مما يبتغي به وجهي ، أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) .
2- حب الخير للناس ، والحرص على نصحهم ، لذا كان المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبذل جهده وطاقته في الدعوة حتى قال له ربه ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ).
3- التواضع لله ، والتواضع للناس ، لأن الغرور هو الذي أخرج إبليس من الجنة والتكبر على الناس يجلب مقتهم وكرههم . فقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخدم أصحابه وهو سيدهم ، ويحدثهم كحديث أحدهم .
4- صدق الحديث ، لأن من عرف بالكذب تجنبه الناس ولم يسمعوا له . ( قال صلى الله عليه وسلم : عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا).
5- العمل بما يقول ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ) . قال مالك بن دينار ، إذ ا خالف عمل الواعظ قوله ، زلت موعظته عن القلوب ، كما تزل القطرة على الصفا .
6- نظافة الملبس ، وحسن التجمل في الثياب دون إسراف . قال الشافعي :
حسن ثيابك ما استطعت فإنها . . . زيــــن الرجـــال بهــا يعــــز ويكـــــرم
لذا كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلبس الثياب البيض في المناسبات.
7- الابتعاد عن خسائس الأمور ، وسقوط الهمة ، فلا يصلح أن يكون الخطيب جشعاً ، أكولاً بشراهة ، يخوض فيما هب ودب ، ينازع الناس في سفاسف الأمور ، لأن من كان كذلك سقطت حرمته من أعين الناس ، لذا ورد في صفات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ " ليس بفاحش ولا متفحش ولا صخاب في الأسواق ، يجزي بالحسنة الحسنة ، ولا يجزي بالسيئة السيئة "
8- الشجاعة في الحق ، دون تهور ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " وقال عليه الصلاة والسلام " ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب " .
والخطيب يحتاج إلى علوم كثيرة تثري عقله ، وتصقل موهبته وتهذب لسانه ، وترفع مكانه بين أقرانه . منها ما هو أساسي له لا يستغني عنه ، ومنها ما هو تكميلي .
أما العلوم الأساسية التي يحتاج إليها :
1- القرآن الكريم ، حسن تلاوة ، وجودة أداء ، ودقة حفظ ، مع القدرة على الاستشهاد بالآيات القرآنية في مواضعها المناسبة . فالخطبة تعلو قيمتها ويقوى تأثيرها بشواهدها القرآنية . مع الأخذ بحظ لا بأس به من علم التفسير .
2- الحديث الشريف ، ويقال عنه مثلما يقال عن القرآن الكريم ، ويحفظ جوامع الكلم ، ويتجنب الاستشهاد بالموضوعات والإسرائيليات ، فإن في الصحيح غناء .
3- اللغة العربية نحواً وصرفاً وبلاغة ، فما أقبح الخطيب الذي يقف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ويلحن في لغة القرآن ، قد يقول كفراً وهو لا يعلم ، كالذي قال ( إن الله بريء من المشركين ورسوله ) بالجر . إن الخطيب لتعلو بين الناس مكانته بمقدار تمكنه من اللغة العربية ، وتسقط مهابته بمقدار لحنه .
4- علم السيرة ، فالقصص لها تأثير بليغ في إيصال المعاني المطلوبة إلى القلوب ، لذا كثر إيرادها في القرآن الكريم ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) وأحسن القصص سيرة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه تفسير عملي للقرآن .
5- علم الفقه ، لأن الخطيب يعتبر قائداً دينياً ، يتوجه إليه الناس بأسئلتهم الشرعية ومشكلاتهم الاجتماعية ، فإن لم يستطع الإجابة عليها نزلت مكانته في قلوبهم ، ولا يعني هذا أن يتكلف علم ما لا يعلم ، بل يجب عليه أن يتعلم " لا أدري " فمن لم يتعلم لا أدري أصيبت مقاتله.
6- علم النفس لأن وظيفته الأساسية هي القدرة على التأثير في النفوس وتوجيهها إلى الخير ، فإذا لم يعرف خصائص النفوس ،ومفاتيح أقفالها ، لم يستطع إيصال كلمته إلى سويداء قلوب الناس ، ومن أحسن كتب علم النفس الإسلامي إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.
7- معرفة أوضاع مجتمعه وهموم الناس وعاداتهم ليستطيع أن يختار الموضوعات المناسبة والأوقات المناسبة لعرضها . فليس من الحكمة مخاطبة الفقراء بالزهد ، وهم لا يملكون ما يأكلونه، بل الواجب على الخطيب أن يحثهم على العمل وكسب الرزق مع الرضا بما يقدر لهم.
أما العلوم التكميلية التي يحتاج إليها :
فإن الخطيب لا بد أن يلم من كل علم ولو برشفه، ومن كل فن ولو بزهرة . ولكن أهم هذه العلوم التكميلية :
1- علم الأدب ، لأن من تعلم الأدب جزل طبعه ، ورقت مشاعره ، وتهذب لسانه، وقد جبل الناس على حب الشعر والطرائف.
2- علم التاريخ، ليستطيع نقل الناس من عصر إلى عصر ، ومن أمة إلى أخرى ، فالتاريخ سجل تجارب الأمم ، ووثيقة شاهدة على العصور الماضية.
3- الأوضاع الراهنة في العالم ، حتى لا يظهر أمام الناس كالمغفل الذي يعيش في غير دنياه .
وهناك ملاحظة هامة أحب أن أنبه إليها نفسي وإخواني الكرام ، وهي أن وظيفة الخطيب ليست هى تيئيس الناس ، وتصوير الحياة لهم بمنظار أسود ، وصب اللعنات والعذاب عليهم . بل وظيفته الأولى هي رفع هممهم ، وجذب قلوبهم إلى الخير وإلى العمل للدين والدنيا ، وحثهم على التمسك بالأخلاق الحميدة بصورة محببة إلى النفس كالذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي جاء ليسأله عن الإسلام فخرج وهو يقول : لو لم يكن هذا دينا ، لكفى به خلقاً كريماً .
لا يعني هذا أن لا نذكر الناس بين الحين والآخر ، وأن لا نلفت أنظارهم إلى أخطائهم ، ولكن فليكن ذلك بحسن أدب ، وحلاوة لسان ، ولنعرض الترغيب مع الترهيب والصورة البيضاء بجانب الصورة السوداء ، حتى لا نزيد الناس يأساً إلى يأسهم ، ونفوراً من الدين إلى نفورهم .
وليعلم الخطيب أن دوره التوجيه الصحيح إلى تعاليم الدين ومكارم الأخلاق ،لا مجاراة الناس فيما يطلبون ، ولو كان باطلاً ، كما نرى من أحوال كثير من الخطباء في أوقات الأزمات والعواصف المهلكات ، فيصير مسعراً للفتن بدلاً من إطفائها . قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " .
وصلى الله وسلم على الحبيب محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
تعليق