..........
كلام العلامة إبن عاشور
وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا .
لما ذكر انتزاع الذين هم أولى بالنار من بقية طوائف الكفر عطف عليه أن جميع طوائف الشرك يدخلون النار ، دفعا لتوهم أن انتزاع من هو أشد على الرحمن عتيا هو قصارى ما ينال تلك الطوائف من العذاب ، بأن يحسبوا أن كبراءهم يكونون فداء لهم من النار أو نحو ذلك ، أي وذلك الانتزاع لا يصرف بقية الشيع عن النار فإن الله أوجب على جميعهم النار . وهذه الجملة معترضة بين جملة ( فوربك لنحشرنهم ) إلخ . . . وجملة ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا ) إلخ . . .
فالخطاب في ( وإن منكم ) إلتفات عن الغيبة في قوله ( لنحشرنهم ) و ( لنحضرنهم ) عدل عن الغيبة إلى الخطاب ارتقاء في المواجهة بالتهديد حتى لا يبقى مجال للالتباس المراد من ضمير الغيبة فإن ضمير الخطاب أعرف من ضمير الغيبة . ومقتضى الظاهر أن يقال : وإن منهم إلا واردها . وعن ابن عباس أنه كان يقرأ ( وإن منهم ) . وكذلك قرأ عكرمة وجماعة . فالمعنى : وما منكم أحد ممن نزع من كل شيعة وغيره إلا وارد جهنم حتما قضاه الله فلا مبدل لكلماته ، أي فلا تحسبوا أن تنفعكم شفاعتهم أو تمنعكم عزة شيعكم ، أو تلقون التبعة على سادتكم وعظماء أهل ضلالكم ، أو يكونون فداء عنكم من النار . [ ص: 150 ] وهذا نظير قوله تعالى ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين) ، أي الغاوين وغيرهم . وحرف ( إن ) للنفي .
والورود : حقيقته الوصول إلى الماء للاستقاء . ويطلق على الوصول مطلقا مجازا شائعا ، وأما إطلاق الورود على الدخول فلا يعرف إلا أن يكون مجازا غير مشهور فلا بد له من قرينة . وجملة ( ثم ننجي الذين اتقوا ) زيادة في الارتقاء بالوعيد بأنهم خالدون في العذاب ، فليس ورودهم النار بموقت بأجل . و ( ثم ) للترتيب الرتبي ، تنويها بإنجاء الذين اتقوا ، وتشويها بحال الذين يبقون في جهنم جثيا . فالمعنى : وعلاوة على ذلك ننجي الذين اتقوا من ورود جهنم . وليس المعنى : ثم ينجي المتقين من بينهم بل المعنى أنهم نجوا من الورود إلى النار . وذكر إنجاء المتقين ، أي المؤمنين ، إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين . وجملة ( ونذر الظالمين فيها جثيا ) عطف على جملة ( وإن منكم إلا واردها ) . والظالمون : المشركون . والتعبير بالذين ظلموا إظهار في مقام الإضمار . والأصل : ونذركم أيها الظالمون . ونذر : نترك ، وهو مضارع ليس له ماض من لفظه ، أمات العرب ماضي نذر استغناء عنه بماضي " نترك " ، كما تقدم عند قوله تعالى ( ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) في سورة الأنعام .
فليس الخطاب في قوله ( وإن منكم إلا واردها ) لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم على معنى ابتداء كلام ؛ بحيث يقتضي أن المؤمنين [ ص: 151 ]يردون النار مع الكافرين ثم ينجون من عذابها ، لأن هذا معنى ثقيل ينبو عنه السياق ، إذ لا مناسبة بينه وبين سياق الآيات السابقة . ولأن فضل الله على المؤمنين بالجنة وتشريفهم بالمنازل الرفيعة ينافي أن يسوقهم مع المشركين مساقا واحدا ، كيف وقد صدر الكلام بقوله ( فوربك لنحشرنهم والشياطين ) وقال تعالى ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) ، وهو صريح في اختلاف حشر الفريقين . فموقع هذه الآية هنا كموقع قوله تعالى ( وإن جهنم لموعدهم أجمعين عقب قوله ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) . فلا يتوهم أن جهنم موعد عباد الله المخلصين مع تقدم ذكره لأنه ينبو عنه مقام الثناء .
وهذه الآية مثار إشكال ومحط قيل وقال ، واتفق جميع المفسرين على أن المتقين لا تنالهم نار جهنم . واختلفوا في محل الآية فمنهم من جعل ضمير منكم لجميع المخاطبين بالقرآن ، ورووه عن بعض السلف ؛ فصدمهم فساد المعنى ومنافاة حكمة الله والأدلة الدالة على سلامة المؤمنين يومئذ من لقاء أدنى عذاب ، فسلكوا مسالك من التأويل ، فمنهم من تأول الورود بالمرور المجرد دون أن يمس المؤمنين أذى ، وهذا بعد عن الاستعمال ، فإن الورود إنما يراد به حصول ما هو مودع في المورد لأن أصله من ورود الحوض . وفي آي القرآن ما جاء إلا لمعنى المصير إلى النار كقوله تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ) وقوله ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود ) وقوله ( ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) . على أن إيراد المؤمنين إلى النار لا جدوى له فيكون عبثا ، ولا اعتداد بما ذكره له الفخر مما سماه فوائد .
[ ص: 152 ] ومنهم من تأول ورود جهنم بمرور الصراط ، وهو جسر على جهنم ، فساقوا الأخبار المروية في مرور الناس على الصراط متفاوتين في سرعة الاجتياز . وهذا أقل بعدا من الذي قبله .
وروى الطبري وابن كثير في هذين المحملين أحاديث لا تخرج عن مرتبة الضعف مما رواه أحمد في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول . وأصح ما في الباب ما رواه أبو عيسى الترمذي قال يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم الحديث في مرور الصراط .
وبالتالي يتبين لنا موقف إبن عاشور الواضح في هذه الايه، وكذلك عدم احتجاجه باخبار الاحاد ولو جاءت من سند صحيح، حيث ذكر أصح حديث وهو عند الترمذي، فسكت عنه لان ترجيحه كان واضحا بالاعلى.. والحديث لا يبلغ حد التواتر حتى يعتد به ويضرب بمحكمات الكتاب عرض الحائط، لا شك أن هذا منهج متهور متخبط،
تعليق