أسرار اللام والباء فى كتاب الله

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #76
    الجوهرة السادسة عشر

    { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله: " بما يَنْفَعُ " في " ما " قولان " أحدُهما: أنَّها موصولةٌ اسميةٌ، وعلى هذا الباءُ للحال أي: تَجْري مصحوبةً بالأعيانِ التي تَنْفَعُ الناسَ. الثاني: أنها حرفيةٌ، وعلى هذا تكونُ الباءُ للسببِ أي: تَجْري بسببِ نَفْع الناسِ في التجارةِ وغيرِها.

    الجوهرة السابعة عشر

    { هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله: { بِغَيْظِكُمْ } يجوز أَنْ تكونَ الباءُ للحالِ أي: موتوا ملتبسين بغيظِكم لا يُزايلكم، وهو كنايةٌ عن كثرةِ الإِسلام وفُشُوِّه، لأنه كلما ازداد الإِيمان زاد غيظُهم. ويجوز أن تكونَ للسببية أي: بسبب غيظكم.

    الجوهرة الثامنة عشر

    { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }

    قال السمين

    قوله تعالى: { لِيُطَاعَ } هذه لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار " أن " وهذا استثناءٌ مفرغ من المفعول له، والتقدير: وما أرسلنا من رسولٍ لشيءٍ من الأشياء إلا للطاعة. "

    وبإذن الله " فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: [أنه] متعلقٌ بـ " يُطاع " ، والباء للسببية، وإليه ذهب أبو البقاء، قال: " وقيل: هو مفعولٌ به أي: بسبب أمر الله ".

    الثاني: أن يتعلق بـ " أرسلنا " أي: وما أَرْسلنا بأمر الله أي: بشريعته.

    الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من الضمير في " يطاعَ " ، وبه بدأ أبو البقاء. وقال ابن عطية: " وعلى التعليقين: أي: تعليِقِه بـ " يُطاعَ " أو بـ " أَرْسلنا " فالكلامُ عامُّ اللفظِ خاصُّ المعنى؛ لأنَّا نقطعُ أن الله تعالى قد أراد من بعضِهم ألاَّ يُطيعوه، ولذلك تَأوَّلَ بعضُهم الإِذنَ بالعلم وبعضُهم بالإِرشاد " قال الشيخ: " ولا يُحتاج لذلك لأن قوله " عامُّ اللفظ " ممنوعُ، وذلك أن " يُطاع " مبني للمفعول، فيقدَّر ذلك الفاعلُ المحذوفَ خاصاً، وتقديره: " إلا ليطيعَه مَنْ أراد اللَّهُ طاعتَه

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #77
      الجوهرة التاسعة عشر

      { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلٰوةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

      قال السمين الحلبي فى الدر المصون

      قوله: { بِرُؤُوسِكُمْ } في هذه الباء ثلاثةٌ أوجه،

      أحدها: أنها للإِلصاق أي: أَلْصِقوا المسحَ برؤوسكم. قال الزمخشري: " المراد إلصاقُ المسحِ بالرأس، وماسحُ بعضِه ومستوعبُه بالمسح كلاهما مُلْصِقٌ المسحَ برأسه " قال الشيخ: " وليس كما ذكر " يعني أنه لا يُطلق على الماسح بعضَ رأسِه أنه ملصقٌ المسحَ برأسِه/. وهذه مُشاحَّةٌ لا طائل تحتها.

      والثاني: أنها زائدةٌ، كقوله:
      { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ }
      [البقرة: 195]، وقوله:
      1699-........... ......... لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ
      وهو ظاهرُ كلام سيبويه، فإنه حكى: " خَشَّنْتُ صدرَه وبصدره " و " مَسَحْتُ رأسَه وبرأسِه " بمعنَى واحد، وقال الفراء: " تقول العرب: " خُذِ الخِطامَ وبالخطام " و " هَزَّه وهَزَّ به " و " خُذْ برأسِه ورأسَه "

      والثالث: أنها للتعيضِ كقوله:
      1700- شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثم ترفَّعَتْ ................
      وهذا قولٌ ضعيف، وقد تقدَّم القولُ في ذلك أولَ البسملة.

      وقال الشيخ الفقيه الامام القرطبي فى تفسيره:

      وأجمع العلماء على أن من مَسَح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه؛ والباء مؤكّدة زائدة ليست للتبعيض: والمعنى وٱمسحوا رؤوسكم. وقيل: دخولها هنا كدخولها في التيمّم في قوله: { فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ } فلو كان معناها التبعيض لأفادته في ذلك الموضع، وهذا قاطع. وقيل: إنما دخلت لتُفيد معنى بديعاً وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحاً به؛ فلو قال: وٱمسحوا رؤوسكم لأجزأ المسح باليد إمراراً من غير شيء على الرّأس؛ فدخلت الباء لتفيد ممسوحاً به وهو الماء، فكأنه قال: وٱمسحوا برؤوسكم الماء؛ وذلك فصيح في ٱللغة على وجهين؛ إما على القلب كما أنشد سيبويه:
      كنَوَاحِ رِيش حَمَامة بَخْدِيَّة ومسحتِ باللِّثتين عَصْفَ ٱلإثْمِد
      وٱللِّثة هي الممسوحة بعَصْف ٱلإثْمِد فقلب، وإما على الاشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر:
      مِثْل القَنَافِذ هَدّاجون قد بَلَغت نَجران أو بلغت سَوْءاتهم هَجَرُ
      فهذا ما لعلمائنا في معنى الباء. وقال الشافعي: ٱحتمل قول الله تعالى: { وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } بعض الرأس ومسح جميعه فدلّت السُّنّة أن مسح بعضه يُجزىء، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مَسحَ بناصِيته؛ وقال في موضع آخر: فإن قيل قد قال الله عزّ وجلّ: { فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ } في التّيمّم أيُجزِىء بعض الوجه فيه؟ قيل له: مسح الوجه في التيمم بدل من غسله؛ فلا بدّ أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه، ومسح الرأس أصل؛ فهذا فرق ما بينهما. أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا: لعلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيّما وكان هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مَظِنّة الأعذار، وموضع الاستعجال والاختصار، وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقّات والأخطار؛ ثم هو لم يكتف بالناصية: حتى مسح على العِمامة؛ أخرجه مسلم من حديث المُغيِرة بن شُعْبة؛ فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجباً لما مسَحَ على العِمامة؛ والله أعلم.

      وقال ابن كثير فى تفسيره:

      وقوله تعالى: { وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } اختلفوا في هذه الباء: هل هي للإلصاق؟ وهو الأظهر، أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين. ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل، فليرجع في بيانه إلى السنة، وقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: أن رجلاً قال لعبد الله ابن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.

      وفي حديث عبد خير عن علي في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن.

      وقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية،

      وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، ولا يقدر ذلك بحد، بل لو مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه، واحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة قال: تخلف النبي صلى الله عليه وسلم فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: هل معك ماء؟ فأتيته بمطهرة، فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعيه ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى خفيه، وذكر باقي الحديث، وهو في صحيح مسلم وغيره، فقال لهم أصحاب الإمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية؛ لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، ونحن نقول بذلك، وأنه يقع عن الموقع؛ كما وردت بذلك أحاديث كثيرة، وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية، أو بعض الرأس، من غير تكميل على العمامة، والله أعلم.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #78
        الجوهرة العشرون

        { وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

        قال السمين الحلبي فى الدر الصون
        وقوله { بِجَهَالَةٍ } فيه وجهان،

        أحدهما: أنه يتعلَّق بـ " عمل " على أن الباءَ للسببيةِ أي: عملُه بسبب الجهل. وعَبَّر أبو البقاء في هذا الوجه عن ذلك بالمفعول به وليس بواضح.

        والثاني - وهو الظاهر - أنها للحال أي: عملُه مصاحباً للجهالة

        الجوهرة الواحدة والعشرون

        { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ }

        قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

        والباء في " بها " فيها وجهان، أظهرهُما: أنها حاليةٌ أي: ما سَبَقكمْ أحدٌ مصاحِباً لها أي: ملتبساً بها.

        والثاني: أنها للتعديةِ. قال الزمخشري: " الباءُ للتعدية مِنْ قولك: " سَبَقْته بالكُرة " إذا ضربْتَها قبله. ومنه قوله عليه السلام: " سبقك بها عُكاشة "

        قال الشيخ: " والتعديةُ هنا قلقةٌ جداً؛ لأنَّ الباءَ المعدِّية في الفعل المتعدي لواحد [هي] بجَعْل المفعولِ الأولِ يَفْعل ذلك الفعلَ بما دَخَلَتْ عليه الباءُ فهي كالهمزة، وبيان ذلك أنك إذا قلت: " صَكَكْتُ الحجرَ بالحجر " كان معناه: أَصْكَكْت الحجرَ أي: جَعَلْت الحجر يَصُكُّ الحجر، فكذلك: دَفَعْتُ زيداً بعمرو عن خالد، معناه: أدفعت زيداً عمراً عن خالد أي: جَعَلْتُ زيداً يدفع عمراً عن خالد، فللمفعول الأول تأثيرٌ في الثاني، ولا يصحُّ هذا المعنى هنا إذ لا يَصِحُّ أن يقدَّر: أَسْبَقْتُ زيداً الكرة أي: جَعَلْتُ زيداً يَسْبِق الكرة إلا بمجازٍ متكلِّف، وهو أن تجعلَ ضربَك للكرة أولَ جَعْلٍ ضربةً قد سبقها أي تقدَّمها في الزمان فلم يجتمعا ". و " مِنْ " الأولى لتأكيد الاستغراق والثانية للتبعيض.

        الجوهرة الثانية والعشرون

        { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ }

        قال السمين الحلبي فى الدر المصون

        قوله: { بِٱلطَّاغِيَةِ } ، أي: بالصيحةِ المتجاوزةِ للحدِّ.

        وقيل: بالفَعْلةِ الطاغيةِ. وقيل: بالرجلِ الطاغيةِ، وهو عاقِرُ الناقةِ، والهاء للمبالغةِ، فالطاغيةُ على هذه الأوجه صفةٌ. وقيل: الطاغيةُ مصدرٌ ويُوَضِّحُه
        { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ }
        [الشمس: 11] والباءُ للسببيةِ على الأقوالِ كلِّها، إلاَّ القولَ الأولَ فإنها للاستعانةِ كـ " عَمِلْتُ بالقَدُوم ".

        وقال ابن عطية فى المحرر الوجيز:

        و { الطاغية } قال قتادة: معناه الصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة، وقال قوم: المراد بسبب الفئة الطاغية، وقال آخرون منهم مجاهد وابن زيد: المعنى بسبب الفعلة الطاغية التي فعلوها. وقال ابن زيد: ما معناه: { الطاغية } مصدر كالعاقبة فكأنه قال بطغيانهم، وقاله أبو عبيدة ويقوي هذا
        { كذبت ثمود بطغواها }
        [الشمس: 11] وأولى الأقوال وأصوبها الأول لأنه مناسب لما ذكر في عاد، إذ ذكر فيها الوجه الذي وقع به الهلاك، وعلى سائر الأقوال لا يتناسب الأمران لأن طغيان ثمود سبب والريح لا يناسب ذلك لأنها ليست سبب الإهلاك، بل هي آلة كما في الصيحة،

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #79
          الجوهرة الثالثة والعشرون

          { وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ }

          قال ابن عاشور فى التحرير

          وظاهر إسناد المسّ بالنُّصب والعذاب إلى الشيطان أن الشيطان مسّ أيوب بهما، أي أصابه بهما حقيقة مع أن النصب والعذاب هما الماسان أيوب، ففي سورةَ [الأنبياء: 83]
          { أني مسني الضر }
          فأسند المسّ إلى الضر، والضرّ هو النصب والعذاب. وتردّدت أفهام المفسرين في معنى إسناد المسّ بالنُّصب والعذاب إلى الشيطان، فإن الشيطان لا تأثير له في بني آدم بغير الوسوسة كما هو مقرر من مُكرر آيات القرآن وليس النُّصب والعذاب من الوسوسة ولا من آثارها.

          وتأولوا ذلك على أقوال تتجاوز العشرة وفي أكثرها سماجة وكلها مبني على حملهم الباء في قوله: { بِنُصبٍ } على أنها باء التعدية لتعدية فعل { مَسَّنِي } ، أو باء الآلة مثل: ضربه بالعصا، أو يؤول النُّصب والعذاب إلى معنى المفعول الثاني من باب أعطى.

          والوجه عندي: أن تحمل الباء على معنى السببية بجعل النُّصْب والعذاب مسببين لمسّ الشيطان إياه، أي مسنّي بوسواس سببه نُصْب وعذاب، فجعل الشيطان يوسوس إلى أيوب بتعظيم النُّصْب والعذاب عنده ويلقي إليه أنه لم يكن مستحقاً لذلك العذاب ليلقي في نفس أيوب سوء الظن بالله أو السخط من ذلك. أو تحمل البَاء على المصاحبة، أي مسّني بوسوسة مصاحبة لضرّ وعذاب، ففي قول أيوب { أني مسَّني الشيطانُ بنُصبٍ وعذابٍ } كناية لطيفة عن طلب لطف الله به ورفع النُّصب والعذاب عنه بأنهما صارا مدخلاً للشيطان إلى نفسه فطلب العصمة من ذلك على نحو قول يوسف عليه السّلام:
          { وإلاَّ تصرف عنّي كيدَهن أَصْبُ إليهن وأكنْ من الجاهلين }
          [يوسف: 33].

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #80
            الجوهرة الرابعة والعشرون

            { وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } * { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } * { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ }

            قال ابو حيان في بحره المحيط

            والضمير في نسلكه عائد على الذكر قاله الزمخشري، قال: والضمير للذكر أي: مثل ذلك السلك. ونحوه: نسلك الذكر في قلوب المجرمين على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأ به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام يعني: مثل هذا الإنزال أنزلها بهم، مردودة غير مقصية. ومحل قوله: لا يؤمنون النصب على الحال أي: غير مؤمن به، أو هو بيان لقوله: كذلك نسلكه انتهى. وما ذهب إليه من أنّ الضمير عائد على الذكر ذكره الغرنوي عن الحسن. قال الحسن: معناه نسلك الذكر إلزاماً للحجة.

            وقال ابن عطية: الضمير في نسلكه عائد على الاستهزاء والشرك ونحوه، وهو قول: الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد. ويكون الضمير في به يعود أيضاً على ذلك نفسه،

            وتكون باء السبب أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم،

            ويكون قوله: لا يؤمنون به في موضع الحال، ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائداً على الذكر المحفوظ المتقدم الذكر وهو القرآن أي: مكذباً به مردوداً مستهزأ به، يدخله في قلوب المجرمين. ويكون الضمير في به عائداً عليه، ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائداً على الاستهزاء والشرك، والضمير في به يعود على القرآن، فيختلف على هذا عود الضميرين انتهى. وروى ابن جريج عن مجاهد بذلك التكذيب، فعلى هذا تكون الباء في به للسبب. والذي يظهر عوده على الاستهزاء المفهوم من قوله: يستهزؤون، والباء في به للسبب.

            ملحوظة

            فى الاية نزاع بين اهل السنة والمعتزلة

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #81
              الجوهرة الخامسة والعشرون

              فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ }

              قال الالوسي

              { فَرَاغَ عَلَيْهِمْ } فمال مستعلياً عليهم وقوله تعالى: { ضَرْباً } مصدر لراغ عليهم باعتبار المعنى فإن المراد منه ضربهم أو لفعل مضمر هو مع فاعله حال من فاعله أي فراغ عليهم يضربهم ضرباً أو هو حال منه على أنه مصدر بمعنى الفاعل أي ضارباً أو مفعول له أي لأجل ضرب. وقرأ الحسن { سفقا } و { صفقاً } أيضاً (بِٱلْيَمِينِ) أي باليد اليمين كما روي عن ابن عباس، وتقييد الضرب باليمين للدلالة على شدته وقوته لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما في الغالب وقوة الآلة تقتضي شدة الفعل وقوته أو بالقوة على أن اليمين مجاز عنها. روي أنه عليه السلام كان يجمع يديه في الآلة التي يضربها بها وهي الفأس فيضربها بكمال قوته، وقيل المراد باليمين الحلف، وسمي الحلف يميناً إما لأن العادة كانت إذا حلف شخص لآخر جعل يمينه بيمينه فحلف أو لأن الحلف يقوي الكلام ويؤكده، وأريد باليمين قوله عليه السلام{ تَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ } [الأنبياء: 57] والباء عليه للسببية أي ضرباً بسبب اليمين الذي حلفه قبل وهي على ما تقدم للاستعانة أو للملابسة

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #82
                الجوهرة السادسة والعشرون

                فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }

                قال السمين

                قوله: { يَسَّرْنَاهُ }: أي: القرآن بلسانك أي بلغتك. والباءُ للمصاحبة

                الجوهرة السابعة والعشرون

                بِسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيـمِ }


                قال السمين

                والباء هنا للاستعانة كعَمِلت وبالقَدُوم، لأنَّ المعنى: أقرأ مستعيناً بالله، ولها معانٍ أُخَرُ تقدَّم الوعدُ بذكرها، وهي: الإِلصاقُ حقيقةً أو مجازاً، نحو: مَسَحْتُ برأسي، مررْتُ بزيدٍ، والسببية: [نحو]
                { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ }
                [النساء: 160]، أي بسببِ ظلمهم، والمصاحبة نحو: خرج زيدٌ بثيابه، أي مصاحباً لها، والبدلُ كقوله عليه السلام: " ما يَسُرُّنِي بها حُمْرُ النَّعَم " أي بدلها، وكقول الآخر:
                8ـ فليتَ لي بِهِمُ قوماً إذا ركبوا شَنُّوا الإِغارةَ فرساناً ورُكْبانا
                أي: بَدَلَهم، والقسم: أحلفُ باللهِ لأفعلنَّ، والظرفية نحو: زيد بمكة أي فيها، والتعدية نحو:
                { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ }
                [البقرة: 17]، والتبعيض كقول الشاعر:
                9ـ شَرِبْنَ بماءِ البحر ثم ترفَّعَتْ متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ
                أي من مائه، والمقابلة: " اشتريتهُ بألف " أي: قابلتُه بهذا الثمنِ، والمجاوزة مثلُ قولِه تعالى:
                { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ }
                [الفرقان: 25] أي عن الغمام، ومنهم مَنْ قال: لا تكون كذلك إلا مع السؤال خاصة نحو:
                { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً }
                [الفرقان: 59] أي عنه، وقول علقمة:
                10ـ فإنْ تَسْأَلوني بالنساءِ فإنني خبيرٌ بأَدْواءِ النساء طبيبُ
                إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه فليس له في وُدِّهِنَّ نَصيبُ
                والاستعلاء كقوله تعالى:
                { مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ }
                [آل عمران: 75]. والجمهورُ يأبَوْن جَعْلها إلا للإِلصاق أو التعديةِ، ويَرُدُّون جميعَ المواضعِ المذكورةِ إليهما، وليس هذا موضعَ استدلال وانفصال.....

                وقال الالوسي

                البحث الثالث في معناها: فالباء إما للاستعانة أو المصاحبة أو الإلصاق أو الاستعلاء أو زائدة أو قسمية والأربعة الأخيرة ليست بشيء وإن استؤنس لبعض ببعض الآيات واختلف في الأرجح من الأولين فالذي يشعر به كلام البيضاوي أرجحية الأول وأيد بأن جعله للاستعانة يشعر بأن له زيادة مدخل في الفعل حتى كأنه لا يتأتى ولا يوجد بدون اسم الله تعالى ولا يخلو عن لطف وما يدل عليه كلام الزمخشري أرجحية الثاني وأيد بأن باء المصاحبة أكثر في الاستعمال من باء الاستعانة لا سيما في المعاني وما يجري مجراها من الأفعال وبأن التبرك باسم الله تعالى تأدب معه وتعظيم له بخلاف جعله للآلة فإنها مبتذلة غير مقصودة بذاتها وأن ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم كان على وجه التبرك فينبغي أن يرد عليهم في ذلك، وأن الباء إذا حملت على المصاحبة كانت أدل على ملابسة جميع أجزاء الفعل لاسم الله تعالى منها إذا جعلت داخلة على الآلة ويناسبه ما روي في الحديث " تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم يسمي أو لم يسم " وأن التبرك باسم الله تعالى معنى ظاهر يفهمه كل أحد ممن يبتدىء به والتأويل المذكور في كونه آلة لا يهتدي إليه إلا بنظر دقيق وإن كون اسم الله تعالى آلة للفعل ليس إلا باعتبار أنه يوصل إليه ببركته فقد رجع بالآخرة إلى معنى التبرك فلنقل به أولاً وإن جعل اسمه تعالى آلة لقراءة الفاتحة لا يتأتى على مذهب من يقول: إن البسملة من السورة وأن قوله صلى الله عليه وسلم:

                بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء " مما يستأنس به له وإن في الأول جعل الموجود حساً كالمعدوم وإن بسم الله موجود في القراءة فإذا جعلت الباء للاستعانة كان سبيله سبيل القلم فلا يكون مقروءاً وهو مقروء وإن فيه الإيجاز والتوصل بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى لتقدير متبركاً وهو لكونه حالاً فيه بيان هيئة الفاعل وقد ثبت أن لا بد لكل فعل متقرب به إلى الله تعالى من إعانته جل شأنه فدل الحال على زائد.

                وعندي: أن الاستعانة أولى بل يكاد أن تكون متعينة إذ فيها من الأدب والاستكانة وإظهار العبودية ما ليس في دعوى المصاحبة ولأن فيها تلميحاً من أول وهلة إلى إسقاط الحول والقوة ونفي استقلال قدر العباد وتأثيرها وهو استفتاح لباب الرحمة وظفر بكنز لا حول ولا قوة إلا بالله ولأن هذا المعنى أمسّ بقوله تعالى { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ولأنه كالمتعين في قوله:
                { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ }
                [العلق: 1] ليكون جواباً لقوله صلى الله عليه وسلم " لست بقارىء " على أتم وجه وأكمله

                وما ذكروه في تأييد المصاحبة كله مردود

                أما الأول: فلأن دون إثبات الأكثرية خرط القتاد

                وأما الثاني: فلأنه توهم نشأ من تمثيلهم في الآلة بالمحسوسات وليست كل استعانة بآلة ممتهنة ولا شك في صحة استعنت بالله وقد ورد في الشرع قال تعالى:
                { ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُواْ }
                [الأعراف: 128] فهو إذن على أن جهة الابتذال مما لا تمر ببال والقلب قد أحاط بجهاته جهة أخرى وأيضاً في تخصيص الاستعانة بالآلة نظر لأنها قد تكون بها وبالقدرة ولو سلم فأي مانع من الإشارة بها هنا إلى أنه كما هو المقصود بالذات فهو المقصود بالعرض إذ لا حول ولا قوة إلا به.

                وأما الثالث: فلأن المشركين إلى الاستعانة بآلهتهم أقرب إذ هم وسائطهم في التقرب إليه تعالى وهي أشبه بالآلة.

                وأما الرابع: فلأن الآلة لا بد من وجودها في كل جزء إلى آخر الفعل وإلا لم يتم ولا نسلم اللزوم بين مصاحبة شيء لشيء وملابسته لجميع أجزائه وما ذكره من الحديث فهو بالاستعانة أنسب لأنها مشعرة بتبري العبد من حوله وقوته وإثبات الحول والقوة لله تعالى وهذا من باب العقائد التي عقد عليها قلب كل مسلم يسمي أو لم يسم.

                وأما الخامس: فلأنه إن أراد أن معنى المصاحبة التبرك فظاهر البطلان وقد رجع بخفي حنين وإن أراد أنه يفهم منها بالقرينة فندعيه نحن بها إذا قصد الآلية لتوقف الاعتداد الشرعي عليها وأما كون التبرك معنى ظاهراً لكل أحد فلا نسلم أنه من خصوص المصاحبة

                . وأما السادس: فلأن الانحصار فيه ممنوع.

                وأما السابع: فلأن ما يفتتح به الشيء لا مانع من كونه جزءاً فالفاتحة مفتتح القرآن وجزؤه ولو سلم فجعلها مفتتحاً بالنسبة إلى ما عداها قاله الشهاب ولا يضر الحنفي ما فيه.

                وأما الثامن: فلأن معنى الحديث أفعل كذا مستعيناً باسم الله الذي لا يضرني مع ذكر اسمه مستعيناً به شيء إذ من استعان بجنابه أعانه ومن لاذ ببابه حفظه وصانه، وإن استبعدت هذا ورددت ما قيل في الرد من أن المراد بالحديث الإخبار بأنه لا يضر مع ذكر اسمه شيء من مخلوق والمصاحبة تستدعي أمراً حاصلاً عندها نحو جاءكم الرسول بالحق والقراءة لم تحصل بعد فتعذرت حقيقة المصاحبة بأن المصاحبة هنا ليست محسوسة وكونها إخباراً بنفي صحبة الضرر يفهم منه صحبة النفع والبركة وهي دفع الوسوسة عن القارىء مع جزيل الثواب فلا ضير أيضاً لأنه مجرد استئناس ولا يوحشنا إذ ما نستأنس به كثير

                وأما التاسع: فلأن جعل الموجود كالمعدوم للجري لا على المقتضى من المحسنات والنكتة هٰهنا إن شبه اسم الله بناءً على يقين المؤمن بما ورد من السنة والقطع بمقتضاها بالأمر المحسوس وهو حصول الكتب بالقلم وعدم حصوله بعدمه ثم أخرج مخرج الاستعارة التبعية لوقوعها في الحرف.

                وأما العاشر: فلأنه لا يخفى حال التشبيه بالقلم

                وأما الحادي عشر: فلأنه لا نسلم أن التبرك معنى المصاحبة أو لازم معناه بل هو معلوم من أمر خارج هو أن مصاحبة اسمه سبحانه يوجد معها ذلك وهو جار في الاستعانة باسمه عز شأنه على أن في الاستعانة من اللطف ما لا يخفى ويمكن على بعد أن يكون عدم اختيار الزمخشري لها لنزغات الشيطان الاعتزالية من استقلال العبد بفعله فقد ذهب إليه هو وأصحابه وسيأتي إن شاء الله تعالى رده.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #83
                  الجوهرة الثامنة والعشرون

                  { فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ }

                  قال السمين

                  وفي الباء في " بماء " وجهان، أظهرهما: أنها للتعدية ويكونُ ذلك على المبالغة في أنه جَعَلَ الماءَ كالآلةِ المُفْتتحِ بها كما تقول: فَتَحْتُ بالمفتاح. والثاني: أنها للحال، أي: فَتَحْناها ملتبسةً بهذا الماء.

                  وقال الرازي

                  المسألة الثالثة: الباء في قوله: { بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } ما وجهه وكيف موقعه؟ نقول فيه وجهان أحدهما: كما هي في قول القائل فتحت الباب بالمفتاح وتقديره هو أن يجعل كأن الماء جاء وفتح الباب وعلى هذا تفسير قول من يقول: يفتح الله لك بخير أي يقدر خيراً يأتي ويفتح الباب، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي من بدائع المعاني، وهي أن يجعل المقصود مقدماً في الوجود، ويقول كأن مقصودك جاء إلى باب مغلق ففتحه وجاءك، وكذلك قول القائل: لعل الله يفتح برزق، أي يقدر رزقاً يأتي إلى الباب الذي كالمغلق فيدفعه ويفتحه، فيكون الله قد فتحه بالرزق ثانيهما: { فَتَحْنَا أَبْوابَ السَّمَاء } مقرونة { بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } والانهمار الانسكاب والانصباب صباً شديداً، والتحقيق فيه أن المطر يخرج من السماء التي هي السحاب خروج مترشح من ظرفه، وفي ذلك اليوم كان يخرج خروج مرسل خارج من باب.

                  الجوهرة التاسعة والعشرون

                  { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }

                  قال القرطبي

                  وقال الضحاك: { نُورُهُم } هداهم { وَبِأَيْمَانِهِم } كتبهم؛ واختاره الطبري.

                  أي يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم. فالباء على هذا بمعنى في. ويجوز على هذا أن يوقف على { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ولا يوقف إذا كانت بمعنى عن.

                  وقال السمين

                  قوله: { وَبِأَيْمَانِهِم } ، أي: وفي جهةِ أيمانهم. وهذه قراءةُ العامَّةِ أعني بفتح الهمزةِ جمع يَمين. وقيل: الباءُ بمعنى " عن " ، أي: عن جميعِ جهاتِهم، وإنما خَصَّ الأَيمانَ لأنها أشرفُ الجهاتِ. وقرأ أبو حيوة وسهلُ بن شعيب بكسرِها. وهذا المصدرُ معطوفٌ على الظرفِ قبلَه.

                  والباءُ سببيةٌ، أي: يسعى كائناً وكائناً بسبب إيمانهم. وقال أبو البقاء تقديرُه: وبإيمانِهم استحقُّوه، أو بإيمانهم يُقال لهم: بُشْراكم.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #84
                    الجوهرة الثلاثون

                    { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ }

                    قال السمين:

                    قوله: { بِٱلْمَوَدَّةِ } في الباء ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن الباءَ مزيدةٌ في المفعولِ به كقولِه:{ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } [البقرة: 195]. والثاني: أنها غيرُ مزيدةٍ والمفعولُ محذوفٌ، ويكون معنى الباءِ السببَ. كأنه قيل: تُلْقُوْن إليهم أسرارَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأخبارَه بسبب المودةِ التي بينكم./ والثالث: أنها متعلقةٌ بالمصدرِ الدالِّ عليه " تُلْقُون " أي: إلقاؤُهم بالمودَّةِ، نقله الحوفيُّ عن البصريين، وجَعَلَ القولَ بزيادةِ الباءِ قولَ الكوفيين. إلاَّ أن هذا الذي نَقَله عن البصريين لا يُوافقُ أصولَهم؛ إذ يَلْزَمُ منه حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معموله، وهو لا يجوزُ عندَهم. وأيضاً فإنَّ فيه حَذْفَ الجملةِ برأسِها، فإنَّ " إلقاءَهم " مبتدأ و " بالمودة " متعلقٌ به، والخبرُ أيضاً محذوفٌ. وهذا إجحافٌ.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #85
                      الجوهرة الواحدة والثلاثون

                      كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ }

                      قال السمين:

                      قوله: { بِطَغْوَاهَآ }: في هذه الباء ثلاثةُ أوجهٍ،

                      أحدُها: أنها للاستعانةِ مجازاً، كقولِه: " كتبتُ بالقلمِ " وبه بدأ الزمخشري ويعني فَعَلَتِ التكذيبَ بطُغْيانها، كقولك: " ظلمَني بجُرْأتِه على الله تعالى "

                      الثاني: أنها للتعدية، أي: كَذَبَتْ بما أُوْعِدَتْ به مِنْ عذابها ذي الطُّغيان، كقولِه تعالى
                      { فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ }
                      [الحاقة: 5].

                      والثالث: أنها للسببية، أي: بسبب طُغْيانِها

                      الجوهرة الثانية والثلاثون

                      إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ }

                      قال السمين

                      والباءُ في " بهم " فيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُهُما: أنَّها للحالِ أي: تَقَطَّعَتْ موصولةً بهم الأسبابُ نحو: " خَرَج بثيابه ". الثاني: أن تكونَ للتعديةِ، أي: قَطَّعَتْهُم الأسبابُ كما تقولُ: تَفَرَّقَتْ بهم الطرقُ " أي: فَرَّقَتْهم. الثالث: أن تكون للسببية، أي: تَقَطَّعتْ بسببِ كفرِهم الأسبابُ التي كانوا يَرْجُون بها النجاة. الرابع: أن تكونَ بمعنى " عن " ، أي: تَقَطَّعت عنهم

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #86
                        الجوهرة الثالثة والثلاثون

                        { وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ }

                        قال السمين

                        قوله: " بالإِثمِ " في هذه الباءِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنْ تكونَ للتعديةِ وهو قولُ الزمخشري فإنه قال: " أَخَذْتُهُ بكذا إذا حَملْتُهُ عليه وأَلْزَمْتُهُ إياه أي: حَمَلَتْهُ العِزَّةُ على الإِثْمِ وأَلْزَمَتْهُ ارتكابَه " قال الشيخ: " وباء التعدية بابُها الفعلُ اللازم نحو:{ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } [البقرة: 17]،{ [وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ] بِسَمْعِهِمْ } [البقرة: 20]، ونَدَرَتِ التعديةُ بالباءِ في المتعدِّي نحو: " صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ " أي: جَعَلْتُ أحدَهما يَصُكُّ الآخرَ. الثاني: أن تكونَ للسببيةِ بمعنى أنَّ إثمَه كان سبباً لأخْذِ العِزَّةِ له كما في قوله:
                        901 ـ أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ فَتَوَلَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضَّجِرْ
                        والثالث: أن تكونَ للمصاحبةِ فتكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفيها حينئذٍ وجهانِ، أحدُهما: أن تكونَ حالاً من " العزَّةُ " أي: ملتبسةً بالإِثمِ. والثاني: أن تكونَ حالاً من المفعولِ أي: أَخَذَتْهُ ملتبساً بالإِثمِ

                        وقال القرطبي

                        هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زَهْواً، ويُكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا. وقال عبد الله: كفى بالمرء إثماً أن يقول له أخوه: ٱتق الله، فيقول: عليك بنفسك مثلك يوصيني! والعزة: القوّة والغلبة من عزَّه يَعُزَّه إذا غلبه. ومنه:{ وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ } [ص: 23] وقيل: العزة هنا الْحَمِيَّة ومنه قول الشاعر:
                        أخذته عزة من جهله فتولَّى مُغْضَباً فعل الضَّجر
                        وقيل: العزة هنا المنَعَة وشدّة النفس، أي ٱعتز في نفسه وٱنتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه. وقال قتادة: المعنى إذا قيل له مَهْلاً ٱزداد إقداماً على المعصية والمعنى حملته العزة على الإثم. وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ٱرتكب الكفر للعزة وحمِيّة الجاهلية. ونظيره:{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } [ص: 2] وقيل: الباء في «بالإثم» بمعنى اللام، أي أخذته العزة والحَمِيّة عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق ومنه قول عَنْترة يصف عَرَق الناقة:
                        وكأنّ رُبًّا أو كُحَيلاً مُعْقَداً حَشَّ الوَقودُ به جوانبَ قُمْقِمُ
                        أي حَشَّ الوقود له. وقيل: الباء بمعنى مع، أي أخذته العزة مع الإثم فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات.

                        الجوهرة الرابعة والثلاثون

                        بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ }

                        قال السمين

                        قوله: { بِأَيِّكُمُ المَفْتُونُ }: فيه أربع أوجه،

                        أحدُها: أنَّ الباءَ مزيدةٌ في المبتدأ، والتقديرُ: أيُّكم المَفْتون فزِيدَتْ كزيادِتها، في نحو: بحَسْبك زيدٌ، وإلى هذا ذهب قتادةُ وأبو عبيدة معمرُ بن المثنى، إلاَّ أنَّه ضعيفٌ مِنْ حيث إنَّ الباءَ لا تُزاد في المبتدأ إلاَّ في " حَسْبُك " فقط. الثاني: أنَّ الباءَ بمعنى " في " ، فهي ظرفيةٌ، كقولك: " زيدٌ بالبصرة " ، أي: فيها، والمعنى: في أيِّ فرقةٍ وطائفةٍ منكم المفتونُ. وإليه ذهب مجاهدٌ والفراء، وتؤيِّدُه قراءةُ ابن أبي عبلةَ " في أيِّكم ". الثالث: أنَّه على حَذْفِ مضافٍ، أي: بأيكم فَتْنُ المَفْتونِ فَحُذِفَ المضافُ، وأقيم المضافُ إليه مُقامَه، وإليه ذهب الأخفش، وتكونُ الباءُ سببيَّةً، والرابع أنَّ " المفتون " مصدرٌ جاء على مَفْعول كالمَعْقول والمسيور والتقدير: بأيكم الفُتون. فعلى القول الأولِ يكونُ الكلامُ تامَّاً عند قولِه " ويُبْصِرون " ويُبْتَدأُ قولُه " بأيِّكم المفْتون " وعلى الأوجهِ بعدَه/ تكونُ الباءُ متعلِّقَةً بما قبلَها، ولا يُوْقَفُ على " يُبْصِرون " وعلى الأوجُهِ الأُوَلِ الثلاثةِ يكونُ " المفتون " اسمَ مفعولٍ على أصلِه، وعلى الوجهِ الرابعِ يكونُ مصدراً. وينبغي أَنْ يُقالَ: إنَّ الكلامَ إنما يَتِمُّ على قولِه " المفتون " سواءً قيل بأنَّ الباءَ مزيدةٌ أم لا؛ لأنَّ قولَه " فَسَتُبْصِرُ ويُبْصرون " مُعَلَّقٌ بالاستفهامِ بعدَه؛ لأنه فِعْلٌ بمعنى الرؤية، والرؤيةُ البصريةُ تُعَلَّقُ على الصحيح بدليلِ قولِهم: " أما ترى أيُّ بَرْقٍ ههنا " ، فكذلك الإِبصارُ لأنه هو الرؤيةُ بالعينِ. فعلى القولِ بزيادةِ الباءِ تكونُ الجملةُ الاستفهاميةُ في محلِّ نَصْبٍ لأنها واقعةٌ موقعَ مفعولِ الإِبصار

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #87
                          الجوهرة الخامسة والثلاثون

                          { فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }

                          قال السمين

                          قوله تعالى: { بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ }: في الباءِ أقوالٌ، أحدُها: أنها زائدةٌ كهي في قولِه{ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } [البقرة: 195] وقوله:{ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ } [مريم: 25] وقوله:
                          747 ـ.................. سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ
                          والثاني: أنها بمعنى " على، أي: فإنْ آمَنوا على مثلِ إيمانكم بالله ". والثالث: أنَّها للاستعانةِ كهي في " نَجَرْتُ بالقَدُوم " و " كَتَبْتُ بالقلم " والمعنى: فإنْ دَخَلوا في الإِيمانِ بشهادةٍ مثلِ شهادتِكم، وعلى هذه الأوجهِ فيكونُ المؤمَنُ به محذوفاً، و " ما " مصدريةً والضميرُ في " به " عائداً على الله تعالى، والتقديرُ: فإنْ آمنوا باللهِ إيماناً مثلَ إيمانِكم به، و " مثل " هنا فيها قولان، أحدُهما: أنَّها زائدةٌ والتقديرُ: بما آمنْتُم به، وهي قراءة عبدِ الله بنِ مسعودٍ وابن عباس، وذكر البيهقي عن ابن عباس: " لا تقولوا بمثلِ ما آمنتم [به] فإنَّ اللهَ لَيس لَه مِثْلٌ ولكن قولوا بالذين آمنتم به } وهذه تُرْوَى قراءةً [عن] أُبَيّ، ونظيرُها في الزيادةِ قولُ الشاعرِ:
                          748 ـ فَصُيِّروا مثلَ كعصفٍ مَأْكُولْ
                          وقال بعضهم: هذا من مجازِ الكلام تقولُ: هذا أمرٌ لا يَفْعَلُه مثلُك، أي لا تَفْعَلُه أنت، والمعنى: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، نَقَلَه ابنُ عطية، وهو يَؤُول إلى إلغاءِ " مثل " وزيادتِها، والثاني: أنها ليست بزائدةٍ، والمثليةُ متعلقةٌ بالاعتقادِ، أي: فإن اعتقدوا بمثلِ اعتقادكم، أو متعلقةٌ بالكتابِ أي: فإنْ آمنوا بكتاب مثلِ الكتابِ الذي آمنتُمْ به، والمعنى: فإنْ آمَنوا بالقرآنِ الذي هو مُصَدَّقٌ لِما في التوراةِ والإِنجيلِ، وهذا التأويلُ ينفي زيادةَ الباء.

                          و " ما " قولِه: { بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ } فيها وجهان، أحدُهما: أنَّها بمعنى الذي والمرادُ بها حينئذٍ: إمَّا اللهُ تعالى بالتأوِيل المتقدِّمِ عِندَ مَنْ يُجيز وقوعَ " ما " على أولي العلمِ نحو:{ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا } [الشمس: 5] وإمَّا الكتابُ المنزَّلُ. والثاني: أنَّها مصدريةٌ وقد تقدَّم ذلك. والضميرُ في " به " فيه أيضاً وجهان، أحدُهما: أنَّه يعودُ على اللهِ تعالى كما تقدَّم. والثاني: أن يعودَ على " ما " إذا قيل: إنَّها بمعنى الذي

                          الجوهرة السادسة والثلاثون

                          { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ }

                          قال السمين

                          قوله: { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ } في هذه الجملةِ وجهان، أحدهما: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب. وعلى الاستئنافِ يُحتمل أن تكونَ جواباً لسؤال وأَنْ لا تكونَ. قال الزمخشري: " فإن قلت: ما موضعُ هذه الجملة؟ قلت: لا مَحَلَّ لها لأنها مستأنفة، أنكر عليهم أولاً بقوله: { أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ } ثم وبَّخهم عليها فقال: أنتم أولُ مَنْ عَمِلَها. أو تكونُ جواباً لسؤال مقدَّر، كأنهم قالوا: لِمَ لا تأتيها؟ فقال: ما سبقكم بها أحدٌ فلا تفعلوا ما لم تُسْبَقوا به ".

                          والباء في " بها " فيها وجهان، أظهرهُما: أنها حاليةٌ أي: ما سَبَقكمْ أحدٌ مصاحِباً لها أي: ملتبساً بها. والثاني: أنها للتعديةِ. قال الزمخشري: " الباءُ للتعدية مِنْ قولك: " سَبَقْته بالكُرة " إذا ضربْتَها قبله. ومنه قوله عليه السلام: " سبقك بها عُكاشة " قال الشيخ: " والتعديةُ هنا قلقةٌ جداً؛ لأنَّ الباءَ المعدِّية في الفعل المتعدي لواحد [هي] بجَعْل المفعولِ الأولِ يَفْعل ذلك الفعلَ بما دَخَلَتْ عليه الباءُ فهي كالهمزة، وبيان ذلك أنك إذا قلت: " صَكَكْتُ الحجرَ بالحجر " كان معناه: أَصْكَكْت الحجرَ أي: جَعَلْت الحجر يَصُكُّ الحجر، فكذلك: دَفَعْتُ زيداً بعمرو عن خالد، معناه: أدفعت زيداً عمراً عن خالد أي: جَعَلْتُ زيداً يدفع عمراً عن خالد، فللمفعول الأول تأثيرٌ في الثاني، ولا يصحُّ هذا المعنى هنا إذ لا يَصِحُّ أن يقدَّر: أَسْبَقْتُ زيداً الكرة أي: جَعَلْتُ زيداً يَسْبِق الكرة إلا بمجازٍ متكلِّف، وهو أن تجعلَ ضربَك للكرة أولَ جَعْلٍ ضربةً قد سبقها أي تقدَّمها في الزمان فلم يجتمعا ". و " مِنْ " الأولى لتأكيد الاستغراق والثانية للتبعيض.

                          الوجه الثاني من وجهَيْ الجملة: أنها حال، وفي صاحبها وجهان أحدهما: هو الفاعل أي: أتأتون مبتدئين بها. والثاني: هو المفعول أي:/ أتأتونها مُبْتَدَأً بها غيرَ مسبوقةٍ من غيركم

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #88
                            الجوهرة السابعة والثلاثون

                            { وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ }

                            قال السمين

                            قوله تعالى: { بِمَا عَهِدَ }: يجوز في: هذه الباء وجهان أحدهما ـ وهو الظاهر ـ: أن يتعلق بـ ادْعُ أي: ادْعُه بالدعاء الذي عَلَّمك أن تدعوه به. والثاني: أنها باء القسم. وقد ذكر الزمخشري هذين الوجهين فقال: " والباء إمَّا أن تتعلق بـ " ادْعُ " على وجهين أحدهما: أَسْعِفْنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته إياك بالنبوة، أو ادعُ الله لنا متوسِّلاً إليه بعهده عندك، وإمَّا أن يكون قَسَماً مُجاباً بـ " لنؤمِنَنَّ " أي: أقسمنا بعهد الله عندك.

                            الجوهرة الثامنة والثلاثون

                            { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً }

                            قوله: { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ }: العاملُ في " يومَ ": إمَّا اذْكُرْ، وإمَّا: ينفردُ اللهُ بالمُلْك يومَ تَشَقَّقُ، لدلالة قوله:{ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } [الفرقان: 26] عليه.

                            وقرأ الكوفيون وأبو عمرو هنا وفي ق " تَشَقَّق " بالتخفيف. والباقون بالتشديدِ. وهما واضحتان. حَذَفَ الأَوَّلون تاءَ المضارعةِ، أو تاءَ التَّفَعُّلِ، على خلافٍ في ذلك. والباقون أَدْغموا تاء التَفَعُّل في الشين لِما بينهما من المقاربَةِ، وهما " كَتَظَاهَرون وتَظَّاهرون " حَذْفاً وإدغاماً. وقد مَضَىٰ في البقرة.

                            قوله: { بِٱلْغَمَامِ } في هذه الباء ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: على السببيَّة أي: بسببِ الغَمام، يعني بسببِ طُلوعِه منها. ونحو{ السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ } [المزمل: 18] كأنَّه الذي تَنْشَقُّ به السماءُ. الثاني: أنها للحالِ أي: ملتبسَةً بالغَمام. الثالث: أنها بمعنىٰ عَنْ أي: عن الغمامِ كقوله:{ يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ } [ق: 44

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #89
                              الجوهرة التاسعة والثلاثون

                              { وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ }

                              قال الالوسي

                              { وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ } ممن أشركوهم بالله سبحانه في العبادة ولذا أضيفوا إليهم، وقيل: إن الإضافة لإشراكهم إياهم بالله تعالى في أموالهم والمراد بهم الأوثان، وقال مقاتل: الملائكة عليهم السلام، وقيل: الشياطين، وقيل: رؤساؤهم { شُفَعَاء } يجيرونهم من عذاب الله تعالى كما كانوا يزعمون، وجىء بالمضارع منفياً بلم التي تقلبه ماضياً للتحقق، وصيغة الجمع لوقوعها في مقابلة الجمع أي لم يكن لواحد منهم شفيع أصلاً. وقرأ خارجة عن نافع، وابن سنان عن أبـي جعفر، والأنطاكي عن شيبة { وَلَمْ تَكُنْ } بالتاء الفوقية.

                              { وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ } أي بإلهيتهم وشركتهم كما يشير إليه العدول عن وكانوا بهم { كَـٰفِرِينَ } حيث يئسوا منهم ووقفوا على كنه أمرهم، { وَكَانُواْ } للدلالة على الاستمرار لا للمحافظة على رؤوس الفواصل كما توهم. وقيل: إنها للمضي كما هو الظاهر، والباء في { بِشُرَكَائِهِمْ } سببية أي وكانوا في الدنيا كافرين بالله تعالى بسببهم ولم يرتضه بعض الأجلة إذ ليس في الإخبار بذلك فائدة يعتد بها، ولأن المتبادر أن{ يَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } [الروم: 12] ظرف للإبلاس وما عطف عليه ولذا قيل: إن المناسب عليه جعل الواو حالية ليكون المعنى أنهم لم يشفعوا لهم مع أنهم سبب كفرهم في الدنيا وهو أحسن من جعله معطوفاً على مجموع الجملة مع الظرف، مع أنه عليه ينبغي القطع للاحتياط إلا أن يقال: إنه ترك تعويلاً على القرينة العقلية، وهو خلاف الظاهر

                              الجوهرة الاربعون

                              { وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً }

                              قال الالوسي:

                              قوله: { بِغَيْظِهِمْ }: يجوزُ أَنْ تكونَ سببيةً، وهو الذي عَبَّر عنه أبو البقاء بالمفعولِ أي: إنها مُعَدِّية. والثاني: أَنْ تكونَ للمصاحبة، فتكونَ حالاً أي/ مُغيظين

                              الجوهرة الواحدة والاربعون

                              { فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ }

                              قال السمين

                              قوله: { بِنِعْمَةِ رَبِّكَ }: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مُقْسَمٌ به متوسطٌ بين اسم " ما " وخبرها، ويكونُ الجوابُ حينئذٍ محذوفاً لدلالة هذا المذكورِ عليه، التقدير: ونعمةِ ربِّك ما أنت بكاهنٍ ولا مجنونٍ. الثاني: أنَّ الباءَ في موضع نصبٍ على الحالِ، والعامل فيها " بكاهن " أو " مجنون " والتقدير: ما أنت كاهناً ولا مجنوناً ملتبساً بنعمةِ ربِّك، قاله أبو البقاء، وعلى هذا فهي حالٌ لازمةٌ؛ لأنه عليه السلام لا يُفارِقْ هذه الحال. الثالث: أنَّ الباءَ متعلقةٌ بما دَلَّ عليه الكلامُ، وهو اعتراضٌ بين اسم " ما " وخبرِها. والتقدير: ما أنت في حالِ إذكارِك بنعمةِ ربك بكاهنٍ ولا مجنون، قاله الحوفي. ويظهر وجهٌ رابعٌ: وهو أَنْ تكونَ الباء سببيةً، وتتعلَّقُ حينئذٍ بمضمون الجملةِ المنفيةِ، وهذا هو مقصودُ الآيةِ الكريمةِ. والمعنى: انتفى عنك الكهانةُ والجنونُ بسبب نعمةِ اللَّهِ عليك، كما تقول: ما أنا بمُعْسِر بحمد الله وغَنائه

                              وقال الالوسي

                              واختلف في باء { بنعمة } فقال أبو البقاء: للملابسة؛ والجار والمجرور في موضع الحال والعامل فيه (كاهن) أو (مجنون)، والتقدير ما أنت كاهن ولا مجنون ملتبساً بنعمة ربك وهي حال لازمة لأنه عليه الصلاة والسلام ما زال ملتبساً بنعمة ربه عز وجل، وقيل: للقسم فنعمة ربك مقسم به، وجواب القسم ما علم من الكلام وهو ـ ما أنت بكاهن ولا مجنون ـ وهذا كما تقول: ما زيد والله بقائم وهو بعيد، والأقرب عندي أن الباء للسببية / وهو متعلق بمضمون الكلام، والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله تعالى عليك، وهذا كما تقول ما أنا معسر بحمد الله تعالى وإغنائه، والمراد الرد على قائل ذلك، وإبطال مقالتهم فيه عليه الصلاة والسلام وإلا فلا امتنان عليه صلى الله عليه وسلم بانتفاء ما ذكر مع انتفائه عن أكثر الناس، وقيل: الامتنان بانتفاء ذلك بسبب النعمة المراد بها ما أوتيه صلى الله عليه وسلم من صدق النبوة ورجاحة العقل التي لم يؤتها أحد قبله، والقائلون بذلك هم الكفرة قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون، وممن قال كاهن: شيبة بن ربيعة، وممن قال مجنون: عقبة بن أبـي معيط.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #90
                                الجوهرة الواحدة والاربعون

                                أَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ }

                                قال السمين:

                                قوله: { بِٱلْيَمِينِ }: يجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ على أصلِها غيرَ مزيدةٍ والمعنى: لأَخَذْناه بقوةٍ مِنَّا، فالباءُ حاليةٌ، والحالُ من الفاعلِ، وتكون في حكم الزائدةِ. واليمينُ هنا مَجازٌ عن القوةِ والغَلَبة، وأَنْ تكونَ مزيدةً، والمعنى: لأَخَذْنا منه يمينَه، والمرادُ باليمين الجارِحَةُ، كما يُفْعَلُ بالمقتول صَبْراً يُؤْخَذُ بيميِنه، ويُضرب بالسيفِ في جيده مواجهةً، وهو أشَدُّ عليه.

                                الجوهرة الثانية والاربعون

                                السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً }

                                قال الالوسي

                                { السَّمَاء مُنفَطِرٌ } أي منشق وقرىء (متفطر) أي متشقق { بِهِ } أي بذلك اليوم، والباء للآلة مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به، يعني أن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر بشدة ذلك اليوم وهو له كما ينفطر الشيء بما يفطر به فما ظنك بغيرها من الخلائق. وجوز أن يراد السماء مثقلة به الآن اثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه كقوله تعالى
                                { ثَقُلَتْ فِى السَّمَـوَاتِ }
                                [الأعراف: 187] فالكلام من باب التخييل، والانفطار كناية عن المبالغة في ثقل ذلك اليوم والمراد إفادة أنه الآن على هذا الوصف، والأول أظهر وأوفق لأكثر الآيات وكان الظاهر السماء منفطرة بتأنيث الخبر لأن المشهور أن السماء مؤنثة لكن اعتبر إجراء ذلك على موصوف مذكر فذكر أي شيء منفطر به والنكتة فيه التنبيه على أنه تبدلت حقيقتها وزال عنها اسمها ورسمها ولم يبق منها إلا / ما يعبر عنه بالشيء. وقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة والكسائي وتبعهم منذر بن سعيد التذكير لتأويل السماء بالسقف وكأن النكتة فيه تذكير معنى السقفية والإضلال ليكون أمر الانفطار أدهش وأهول. وقال أبو علي الفارسي التقدير ذات انفطار كقولهم امرأة مرضع أي ذات رضاع فجرى على طريق النسب وحُكيَ عنه أيضاً أن هذا من باب الجراد المنتشر والشجر الأخضر وأعجاز نخل منقعر يعني أن السماء من باب اسم الجنس الذي بينه وبين مفرده تاء التأنيث وأن مفرده سماءة واسم الجنس يجوز فيه التذكير والتأنيث فجاء منفطر على التذكير. وقال الفراء السماء يعني المظلة تذكر وتؤنث فجاء منفطر على التذكير ومنه قوله الشاعر:
                                فلو رفع السماء إليه قوماً لحقنا بالسماء وبالسحاب
                                وعليه لا حاجة إلى التأويل وإنما تطلب نكتة اعتبار التذكير مع أن الأكثر في الاستعمال اعتبار التأنيث ولعلها ظاهرة لمن له أدنى فهم. وحمل الباء في { بِهِ } على الآلة هو الأوفق لتهويل أمر ذلك اليوم، وجوز حملها على الظرفية أي السماء منفطر فيه وعود الضمير المجرور على اليوم هو الظاهر الذي عليه الجمهور وقال مجاهد يعود على الله تعالى أي بأمره سبحانه وسلطانه عز وجل فهو عنده كالضمير في قوله تعالى: { كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً } فإنه له تعالى لعلمه من السباق والمصدر مضاف إلى فاعله ويجوز أن يكون لليوم كضمير (به) عند الجمهور والمصدر مضاف إلى مفعوله

                                الجوهرة الثالثة والاربعون

                                بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا }

                                قال السمين

                                قوله: { بِأَنَّ رَبَّكَ }: متعلِّقٌ بـ " تُحَدِّثُ " أي: تُحَدِّثُ. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ " أخبارَها " وقيل: الباءُ زائدةٌ، وأنَّ وما في حَيِّزها بدلٌ من " أخبارَها " وقيل: الباءُ سببيةٌ، أي: بسبب إيحاءِ اللَّهِ تعالىٰ إليها. وقال الزمخشري: " فإنْ قلتَ: أين مفعولاً " تُحَدِّثُ "؟ قلت: حُذِفَ أَوَّلُهما، والثاني: " أخبارَها " ، وأصله: تُحَدِّث الخلقَ أخبارَها. إلاَّ أنَّ المقصودَ ذِكْرٌ تَحْديثِها الأخبارَ لا ذِكْرُ الخَلْقِ تعظيماً لليوم. فإنْ قلت: بمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ في قولِه " بأنَّ ربَّك "؟ قلت: بتُحَدِّثُ؛ لأنَّ معناه: تُحَدِّثُ أخبارَها بسببِ إيحاءِ رَبِّك. ويجوزُ أَنْ يكونَ االمعنىٰ: تُحَدِّثُ ربَّك بتحديثِ أنَّ ربَّك أوحىٰ لها أخبارَها، على أنَّ تَحْديثَها بأنَّ ربَّك أوحى لها تَحْديثٌ بأخبارِها، كما تقول: نَصَحْتَني كلَّ نصيحة بأَنْ نَصَحْتَني في الدين " قال الشيخ: " وهو كلامٌ فيه عَفْشٌ يُنَزَّه القرآنُ عنه ". قلت: وأيُّ عَفْشٍ فيه مع صِحَّته وفصاحتِه؟ ولكنْ لَمَّا طالَ تقديرُه مِنْ جهةِ إفادتِه هذا المعنى الحسنَ جَعَله عَفْشاً وحاشاه.

                                تعليق

                                يعمل...