إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #676
    قال أبو جعفر: وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي معنى قوله { وجَعَلَ بَـيْنَهُما بَرْزخاً وحِجْراً مـحْجُوراً } دون القول الذي قاله من قال معناه: إنه جعل بـينهما حاجزاً من الأرض أو من الـيبس، لأن الله تعالـى ذكره أخبر فـي أوّل الآية أنه مرج البحرين، والـمرج: هو الـخـلط فـي كلام العرب علـى ما بـيَّنت قبل، فلو كان البرزخ الذي بـين العذب الفرات من البحرين، والـملـح الأجاج أرضاً أو يبساً لـم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جلّ ثناؤه أنه مرجهما، وإنـما عرفنا قدرته بحجزه هذا الـملـح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات، مع اختلاط كلّ واحد منهما بصاحبه. فأما إذا كان كلّ واحد منهما فـي حيز عن حيز صاحبه، فلـيس هناك مرج، ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه علـيه أهل الـجهل به من الناس، ويذكرون به، وإن كان كلّ ما ابتدعه ربنا عجيبـاً، وفـيه أعظم العبر والـمواعظ والـحجج البوالغ.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #677
      حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله { وكانَ الكافِرُ عَلـى رَبِّهِ ظَهِيراً } قال: علـى ربه عويناً. والظهير: العوين. وقرأ قول الله:
      { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً للكافِرينَ }
      قال: لا تكونن لهم عويناً. وقرأ أيضاً قول الله:
      { وأنْزلَ الَّذِين ظاهَرُوهُمْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ مِنْ صياصِيهِمْ }
      قال: ظاهروهم: أعانوهم.

      حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله { وكانَ الكافِرُ عَلـى رَبِّهِ ظَهِيراً } يعنـي: أبـا الـحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبـا جهل بن هشام.

      وقد كان بعضهم يوجه معنى قوله { وكانَ الكافِرُ عَلـى رَبِّهِ ظَهِيراً } أي وكان الكافر علـى ربه هيناً من قول العرب: ظهرت به، فلـم ألتفت إلـيه، إذا جعله خـلف ظهره فلـم يـلتفت إلـيه، وكأنّ الظهير كان عنده فعيـل صرف من مفعول إلـيه من مظهور به، كأنه قـيـل: وكان الكافر مظهوراً به. والقول الذي قلناه هو وجه الكلام، والـمعنى الصحيح، لأن الله تعالـى ذكره أخبر عن عبـادة هؤلاء الكفـار من دونه، فأولـى الكلام أن يتبع ذلك ذمّه إياهم، وذمّ فعلهم دون الـخبر عن هوانهم علـى ربهم، ولِـما يجر لاستكبـارهم علـيه ذكر، فـيتبع بـالـخبر عن هوانهم علـيه.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #678
        وقوله: { فـاسأَلْ بِهِ خَبِـيراً } يقول: فـاسأل يا مـحمد خبـيراً بـالرحمن، خبـيراً بخـلقه، فإنه خالق كلّ شيء، ولا يخفـى علـيه ما خـلق. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

        حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله { فـاسأَلْ بِهِ خَبِـيراً } قال: يقول لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتك شيئاً، فـاعلـم أنه كما أخبرتك، أنا الـخبـير والـخبـير فـي قوله: { فـاسأَلْ بِهِ خَبِـيراً } منصوب علـى الـحال من الهاء التـي فـي قوله به.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #679
          حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله { بُرُوجاً } قال: البروج: النـجوم.

          قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: هي قصور فـي السماء، لأن ذلك فـي كلام العرب { وَلَوْ كُنْتُـمْ فِـي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } وقول الأخطل:
          كأنَّهَا بُرْجُ رُوميّ يُشَيِّدُهُ بـانٍ بِحِصّ وآجُرَ وأحْجارِ
          يعنـي بـالبرج: القصر....

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #680
            حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا كعب بن فروخ، قال: ثنا قتادة، عن مطرِّف بن عبد الله، قال: خير هذه الأمور أوساطها، والـحسنة بـين السيئتـين. فقلت لقتادة: ما الـحسنة بـين السيئتـين؟ فقال: { الَّذِينَ إذَا أنْفَقُوا لَـمْ يُسْرِفُوا وَلَـمْ يَقْتُرُوا... } الآية.

            وقال آخرون: الإسرافُ هو أن تأكل مال غيرك بغير حقّ. ذكر من قال ذلك:

            حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا سالـم بن سعيد، عن أبـي مَعْدان، قال: كنت عند عون بن عبد الله بن عتبة، فقال: لـيس الـمسرف من يأكل ماله، إنـما الـمسرف من يأكل مال غيره.

            قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك، قول من قال: الإسراف فـي النفقة الذي عناه الله فـي هذا الـموضع: ما جاوز الـحدّ الذي أبـاحه الله لعبـاده إلـى ما فوقه، والإقتار: ما قصر عما أمر الله به، والقوام: بـين ذلك.

            وإنـما قلنا إن ذلك كذلك، لأن الـمسرف والـمقتر كذلك ولو كان الإسراف والإقتار فـي النفقة مرخصاً فـيهما ما كانا مذمومين، ولا كان الـمسرف ولا الـمقتر مذموماً، لأن ما أذن الله فـي فعله فغير مستـحقّ فـاعله الذمّ. فإن قال قائل: فهل لذلك من حدّ معروف تبـينه لنا؟ قـيـل: نعم، ذلك مفهوم فـي كلّ شيء من الـمطاعم والـمشارب والـملابس والصدقة وأعمال البرّ وغير ذلك، نكره تطويـل الكتاب بذكر كلّ نوع من ذلك مفصلاً، غير أن جملة ذلك هو ما بـيَّنا، وذلك نـحو أكل آكل من الطعام فوق الشبع ما يضعف بدنه، وينهك قواه، ويشغله عن طاعة ربه، وأداء فرائضه، فذلك من السرف، وأن يترك الأكل وله إلـيه سبـيـل حتـى يضعف ذلك جسمه، ويَنْهَك قواه، ويضعفه عن أداء فرائض ربه، فذلك من الإقتار، وبـين ذلك القَوام علـى هذا النـحو، كلّ ما جانس ما ذكرنا. فأما اتـخاذ الثوب للـجمال، يـلبسه عند اجتـماعه مع الناس، وحضوره الـمـحافل والـجمع والأعياد، دون ثوب مهنته، أو أكله من الطعام ما قوّاه علـى عبـادة ربه، مـما ارتفع عما قد يسدّ الـجوع، مـما هو دونه من الأغذية، غير أنه لا يعين البدن علـى القـيام لله بـالواجب معونته، فذلك خارج عن معنى الإسراف، بل ذلك من القَوام...

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #681
              والصواب من القراءة عندنا فـيه: جزم الـحرفـين كلـيهما: يضاعفْ، ويخـلدْ، وذلك أنه تفسير للأثام لا فعل له، ولو كان فعلاً له كان الوجه فـيه الرفع، كما قال الشاعر:
              مَتـى تأْتِهِ تَعْشُو إلـى ضَوْءِ نارِهِ تَـجِدْ خيرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ
              فرفع تعشو، لأنه فعل لقوله تأته، معناه: متـى تأته عاشياً....

              وقال آخرون: بل معنى ذلك، فأولئك يبدّل الله سيئاتهم فـي الدنـيا حسنات لهم يوم القـيامة. ذكر من قال ذلك:

              حدثنـي أحمد بن عمرو البصريّ، قال: ثنا قريش بن أنس أبو أنس، قال: ثنـي صالـح بن رستـم، عن عطاء الـخراسانـي، عن سعيد بن الـمسيب { فَأُولَئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ } قال: تصير سيئاتهم حسنات لهم يوم القـيامة.

              حدثنا الـحسن بن عرفة، قال: ثنا مـحمد بن حازم أبو معاوية، عن الأعمش، عن الـمعرور بن سويد، عن أبـي ذرّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّـي لأَعْرِفُ آخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ، وآخِرَ أهْلِ النَّارِ دُخُولاً الـجَنَّةَ، قال: يُؤْتَـى بِرَجُلٍ يَوْمَ القِـيامَةِ، فَـيُقالُ: نَـحُّوا كِبـارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغارِها، قال: فَـيُقالُ لَهُ: عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا، وَعملْتَ كَذَا وكَذَا، قال: فَـيَقُولُ: يا رَبّ لَقَدْ عَمِلْتُ أشْياءَ ما أرَاها هَا هُنا، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى بدت نواجذه، قال: فَـيُقالُ لَهُ: لَكَ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةِ حَسَنَةٌ "

              قال أبو جعفر: وأولَـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك تأويـل من تأوّله: فأولئك يبدّل الله سيئاتهم: أعمالهم فـي الشرك، حسنات فـي الإسلام، بنقلهم عما يسخطه الله من الأعمال إلـى ما يرضى


              وإنـما قلنا ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت علـى ما كانت علـيه من القُبح، وغير جائز تـحويـل عين قد مضت بصفة، إلـى خلاف ما كانت علـيه، إلا بتغيـيرها عما كانت علـيه من صفتها فـي حال أخرى، فـيجب إن فعل ذلك كذلك، أن يصير شرك الكافر الذي كان شركاً فـي الكفر بعينه إيـماناً يوم القـيامة بـالإسلام ومعاصيه كلها بأعيانها طاعة، وذلك ما لا يقوله ذو حجاً....

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #682
                وقال آخرون: هو قول الكذب. ذكر من قال ذلك:

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: { وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } قال: الكذب.

                قال أبو جعفر: وأصل الزُّور تـحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتـى يخيَّـل إلـى من يسمعه أو يراه، أنه خلاف ما هو به، والشرك قد يدخـل فـي ذلك، لأنه مـحسَّن لأهله، حتـى قد ظنوا أنه حقّ، وهو بـاطل، ويدخـل فـيه الغناء، لأنه أيضاً مـما يحسنه ترجيع الصوت، حتـى يستـحلـي سامعُه سماعَه، والكذب أيضاً قد يدخـل فـيه، لتـحسين صاحبه إياه، حتـى يظنّ صاحبه أنه حقّ، فكل ذلك مـما يدخـل فـي معنى الزُّور.

                فإذا كان ذلك كذلك، فأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئاً من البـاطل، لا شركاً، ولا غناء، ولا كذبـاً ولا غيره، وكلّ ما لزمه اسم الزور، لأن الله عمّ فـي وصفه إياهم، أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يُخَصّ من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسلـيـم لها، من خبر أو عقل....

                وقال آخرون: عُنى بـاللغو ها هنا: الـمعاصي كلها. ذكر من قال ذلك:

                حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن، فـي قوله: { وَإذَا مَرُّوا بـاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً } قال: اللغو كله: الـمعاصي.

                قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي، أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء الـمؤمنـين الذين مدحهم بأنهم إذا مرّوا بـاللغو مرّوا كراما، واللغو فـي كلام العرب هو كل كلام أو فعل بـاطل لا حقـيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح فسبّ الإنسان الإنسان بـالبـاطل الذي لا حقـيقة له من اللَّغو. وذكر النكاح بصريح اسمه مـما يُستقبح فـي بعض الأماكن، فهو من اللغو، وكذلك تعظيـم الـمشركين آلهتهم من البـاطل الذي لا حقـيقة لـما عظموه علـى نـحو ما عظموه، وسماع الغناء مـما هو مستقبح فـي أهل الدين، فكل ذلك يدخـل فـي معنى اللغو، فلا وجه إذ كان كل ذلك يـلزمه اسم اللغو، أن يقال: عُنـي به بعض ذلك دون بعض، إذ لـم يكن لـخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: وإذا مرّوا بـالبـاطل فسمعوه أو رأوه، مرّوا كراماً مرورهم كراماً فـي بعض ذلك بأن لا يسمعوه، وذلك كالغناء. وفـي بعض ذلك بأن يعرضوا عنه ويصفحوا، وذلك إذا أوذوا بإسماع القبـيح من القول. وفـي بعضه بأن يَنْهَوْا عن ذلك، وذلك بأن يروا من الـمنكر ما يغيَّر بـالقول فـيغيروه بـالقول. وفـي بعضه بأن يضاربوا علـيه بـالسيوف، وذلك بأن يروا قوماً يقطعون الطريق علـى قوم، فـيستصرخهم الـمراد ذلك منهم، فـيصرخونهم، وكلّ ذلك مرورهم كراماً. وقد:

                حدثنـي ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا مـحمد بن مسلـم، عن إبراهيـم بن ميسرة، قال: مرّ ابن مسعود بلهو مسرعاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَكَرِيـماً "

                وقـيـل: إن هذه الآية مكية. ذكر من قال ذلك:

                حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، قال: سمعت السديّ يقول: { وَإذَا مَرُّوا بـاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً } قال: هي مكية، وإنـما عنى السديّ بقوله هذا إن شاء الله، أن الله نسخ ذلك بأمره الـمؤمنـين بقتال الـمشركين بقوله:
                { فَـاقْتُلُوا الـمُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُـمُوهُمْ }
                وأمرهم إذا مرّوا بـاللَّغو الذي هو شرك، أن يُقاتلوا أمراءه، وإذا مرّوا بـاللغو، الذي هو معصية لله أن يغيروه، ولـم يكونوا أمروا بذلك بـمكة، وهذا القول نظير تأويـلنا الذي تأوّلناه فـي ذلك.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #683
                  وقال آخرون: بل معناه: واجعلنا للـمتقـين إماماً: نأتـمّ بهم، ويأتـمّ بنا من بعدنا. ذكر من قال ذلك:

                  حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا ابن عيـينة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { وَاجْعَلْنا للْـمُتَّقِـين إماماً } قال: أئمة نقتدي بـمن قبلنا، ونكون أئمة لـمن بعدنا.

                  حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن أبن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { وَاجْعَلْنا للـمُتَّقِـينَ إماماً } قال: اجعلنا مؤتـمين بهم، مقتدين بهم.

                  قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: واجعلنا للـمتقـين الذين يتقون معاصيك، ويخافون عقابك إماماً يأتـمون بنا فـي الـخيرات، لأنهم إنـما سألوا ربهم أن يجعلهم للـمتقـين أئمة، ولـم يسألوه أن يجعل الـمتقـين لهم إماماً، وقال { وَاجْعَلْنا للْـمُتَّقِـينَ إماماً } ولـم يقل أئمة. وقد قالوا: واجعلنا وهم جماعة، لأن الإمام مصدر من قول القائل: أمّ فلان فلاناً إماماً، كما يقال: قام فلان قـياماً، وصام يوم كذا صياماً. ومن جمع الإمام أئمة، جعل الإمام اسماً، كما يقال: أصحاب مـحمد إمام، وأئمة للناس. فمن وحَّد قال: يأتـمّ بهم الناس. وهذا القول الذي قلناه فـي ذلك قول بعض نـحويَّـي أهل الكوفة. وقال بعض أهل البصرة من أهل العربـية: الإمام فـي قوله: { للْـمُتَّقِـينَ إماماً } جماعة، كما تقول: كلهم عُدُول. قال: ويكون علـى الـحكاية، كما يقول القائل إذا قـيـل له: من أميركم: هؤلاء أميرنا. واستشهد لذلك بقول الشاعر:
                  يا عاذِلاتـي لا تُرِدْنَ مَلامَتِـي إنَّ العَوَاذلَ لَسْنَ لـي بأمِيرِ

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #684
                    يقول تعالـى ذكره: أولئك يجزون الغرفة بـما صبروا، خالدين فـي الغرفة، يعنـي أنهم ماكثون فـيها، لابثون إلـى غير أمد، حسنت تلك الغرفة قراراً لهم ومقاماً. يقول: وإقامة. وقوله: { قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ ربّـي } يقول جلّ ثناؤه لنبـيه: قل يا مـحمد لهؤلاء الذين أرسلت إلـيهم: أيّ شيء يَعُدّكم، وأيّ شيء يصنع بكم ربـي؟ يقال منه: عبأت به أعبأ عبئاً، وعبأت الطيب أعبؤه: إذا هيأته، كما قال الشاعر:
                    كأنَّ بِنَـحْرِهِ وبِـمَنْكِبَـيْهِ عَبِـيرا بـاتَ يَعْبَؤُهُ عَرُوسُ
                    يقول: يهيئه ويعمله يعبؤُه عبـا وعبوءاً، ومنه قولهم: عَبَّأت الـجيش بـالتشديد والتـخفـيف فأنا أعبئه: أُهَيِّئُهُ. والعِبءُ: الثقل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { قُلْ ما يَعْبأُ بِكُمْ رَبّـي } يصنع لولا دعاؤكم.

                    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله { قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّـي } قال: يعبأ: يفعل. وقوله: { لَوْلا دُعاؤُكُمْ } يقول: لولا عبـادة من يعبده منكم، وطاعة من يطيعه منكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبّـي لَوْلا دُعاؤُكُمْ } يقول: لولا إيـمانكم، وأخبر الله الكفـار أنه لا حاجة له بهم إذ لـم يخـلقهم مؤمنـين، ولو كان له بهم حاجة لـحبب إلـيهم الإيـمان كما حبَّبه إلـى الـمؤمنـين.

                    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله { لَوْلا دُعاؤُكُمْ } قال: لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وتطيعوه

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #685
                      سورة الشعراء

                      قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب وأشبهها بـما قال أهل التأويـل فـي ذلك أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذلـيـلة، للآية التـي ينزلها الله علـيهم من السماء، وأن يكون قوله «خاضعين» مذكراً، لأنه خبر عن الهاء والـميـم فـي الأعناق، فـيكون ذلك نظير قول جرير:
                      أرَى مَرَّ السِّنِـينَ أخَذْنَ مِنِّـي كمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ
                      وذلك أن قوله: مرّ، لو أسقط من الكلام، لأدى ما بقـي من الكلام عنه ولـم يفسد سقوطه معنى الكلام عما كان به قبل سقوطه، وكذلك لو أسقطت الأعناق من قوله: فظلت أعناقهم، لأدى ما بقـي من الكلام عنها، وذلك أن الرجال إذا ذلُّوا، فقد ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم فقد ذلوا.

                      فإن قـيـل فـي الكلام: فظلوا لها خاضعين، كان الكلام غير فـاسد، لسقوط الأعناق، ولا متغير معناه عما كان علـيه قبل سقوطها، فصرف الـخبر بـالـخضوع إلـى أصحاب الأعناق، وإن كان قد ابتدأ بذكر الأعناق لـما قد جرى به استعمال العرب فـي كلامهم، إذا كان الاسم الـمبتدأ به، وما أضيف إلـيه يؤدّي الـخبر كلّ واحد منهما عن الآخر....

                      وقوله: { وَإنَّ رَبِّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيـمُ } يقول: وإن ربك يا مـحمد لهو العزيز فـي نقمته، لا يـمتنع علـيه أحد أراد الانتقام منه. يقول تعالـى ذكره: وإنـي إن أحللت بهؤلاء الـمكذّبـين بك يا مـحمد، الـمعرِضين عما يأتـيهم من ذكر من عندي، عقوبتـي بتكذيبهم إياك، فلن يـمنعهم منـي مانع، لأنـي أنا العزيز الرحيـم، يعنـي أنه ذو الرحمة بـمن تاب من خـلقه من كفره ومعصيته، أن يعاقبه علـى ما سلف من جُرْمه بعد توبته. وكان ابن جُرَيج يقول فـي معنى ذلك، ما:

                      حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي الـحجاج، عن ابن جُرَيج قال: كلّ شيء فـي الشعراء من قوله «عَزِيزٌ رَحِيـمٌ» فهو ما أهلك مـمن مضى من الأمـم، يقول عزيز، حين انتقم من أعدائه، رحيـم بـالـمؤمنـين، حين أنـجاهم مـما أهلك به أعداءه.

                      قال أبو جعفر: وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي ذلك فـي هذا الـموضع، لأن قوله: { وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيـمُ } عقـيب وعيد الله قوماً من أهل الشرك والتكذيب بـالبعث، لـم يكونوا أهلكوا، فـيوجه إلـى أنه خبر من الله عن فعله بهم وإهلاكه. ولعلّ ابن جُرَيج بقوله هذا أراد ما كان من ذلك عقـيب خبر الله عن إهلاكه من أهلك من الأمـم، وذلك إن شاء الله إذا كان عقـيب خبرهم كذلك.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #686
                        وقوله: { وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ } اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأنت من الكافرين بـالله علـى ديننا. ذكر من قال ذلك:

                        حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التـي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ } يعنـي علـى ديننا هذا الذي تعيب.

                        وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت من الكافرين نعمتنا علـيك. ذكر من قال ذلك:

                        حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التـي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ } قال: ربـيناك فـينا ولـيداً، فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منا نفساً، وكفرت نعمتنا

                        حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس { وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ } يقول: كافراً للنعمة لأن فرعون لـم يكن يعلـم ما الكفر.

                        قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد أشبه بتأويـل الآية، لأن فرعون لـم يكن مقرّا لله بـالربوبـية وإنـما كان يزعم أنه هو الربّ، فغير جائز أن يقول لـموسى إن كان موسى كان عنده علـى دينه يوم قتل القتـيـل علـى ما قاله السديّ: فعلت الفعلة وأنت من الكافرين، الإيـمان عنده: هو دينه الذي كان علـيه موسى عنده، إلا أن يقول قائل: إنـما أراد: وأنت من الكافرين يومئذ يا موسى، علـى قولك الـيوم، فـيكون ذلك وجهاً يتوجه. فتأويـل الكلام إذن: وقتلت الذي قتلت منا وأنت من الكافرين نعمتنا علـيك، وإحساننا إلـيك فـي قتلك إياه. وقد قـيـل: معنى ذلك: وأنت الآن من الكافرين لنعمتـي علـيك، وتربـيتـي إياك.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #687
                          يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ } يقول: يريد أن يخرج بنـي إسرائيـل من أرضكم إلـى الشأم بقهره إياكم بـالسحر. وإنـما قال: يريد أن يخرجكم فجعل الـخطاب للـملإ حوله من القبط، والـمعنـيّ به بنو إسرائيـل، لأن القبط كان قد استعبدوا بنـي إسرائيـل، واتـخذوهم خدماً لأنفسهم ومُهَّاناً، فلذلك قال لهم: { يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ } وهو يريد: أن يخرج خدمكم وعبـيدكم من أرض مصر إلـى الشأم.

                          وإنـما قلت معنى ذلك كذلك، لأن الله إنـما أرسل موسى إلـى فرعون يأمره بإرسال بنـي إسرائيـل معه، فقال له ولأخيه
                          { فَأْتِـيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنَّا رَسُولُ رَبّ العالَـمِينَ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنـي إسْرائِيـلَ }...

                          يقول تعالـى ذكره: فجمع الـحاشرون الذين بعثهم فرعون بحشر السحرة { لِـميقاتِ يَوْم مَعْلُومٍ } يقول: لوقت واعد فرعون لـموسى الاجتـماع معه فـيه من يوم معلوم، وذلك يوم الزِّينة
                          { وَأَنْ يُحْشرَ النَّاسُ ضُحَى }
                          وقـيـل للناس: هل أنتـم مـجتـمعون لتنظروا إلـى ما يفعل الفريقان، ولـمن تكون الغلبة، لـموسى أو للسحرة؟ فلعلنا نتبع السحرة. ومعنى لعلّ هنا: كي. يقول: كي نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبـين موسى. وإنـما قلت ذلك معناها، لأن قوم فرعون كانوا علـى دين فرعون، فغير معقول أن يقول من كان علـى دين: أنظر إلـى حجة من هو علـى خلافـي لعلـي أتبع دينـي، وإنـما يقال: أنظر إلـيها كي أزدادَ بصيرة بدينـي، فأقـيـم علـيه. وكذلك قال قوم فرعون، فإياها عنوا بقـيـلهم: لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبـين.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #688
                            وقوله { وَإنَّا لَـجِمِيعٌ حاذِرونَ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة { وَإنَّا لَـجِمِيعٌ حاذِرونَ } بـمعنى: أنهم معدون مؤدون ذوو أداة وقوّة وسلاح. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: «وَإنَّا لَـجَمِيعٌ حَذِرُونَ» بغير ألف. وكان الفرّاء يقول: كأن الـحاذر الذي يحذرك الآن، وكأن الـحذر الـمخـلوق حذرا لا تلقاه إلا حذرا ومن الـحذر قول ابن أحمر:
                            هَلْ أُنْسَأَنْ يَوْما إلـى غَيْرِهِ إنّـي حَوَالِـيٌّ وآنّـي حَذِرْ
                            والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قرّاء الأمصار متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء، فمصيب الصواب فـيه.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #689
                              { وما كان أكثرهم مؤمنـين } يقول: وما كان أكثر قومك يا مـحمد مؤمنـين بـما أتاك الله من الـحقّ الـمبـين، فسابق فـي علـمي أنهم لا يؤمنون

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #690
                                حدثنـي يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلـم، عن رجل، عن مـجاهد، قوله { مَصَانعَ لَعَلَّكُمْ تَـخْـلُدُونَ } قال: أبرجة الـحمام.

                                وقال آخرون: بل هي مآخذ للـماء.

                                ذكر من قال ذلك:

                                حدثنـي الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله { مَصَانِعَ } قال: مآخذ للـماء.

                                قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الـمصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورا وحصونا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للـماء، ولا خبر يقطع العذر بأيّ ذلك كان، ولا هو مـما يُدرك من جهة العقل. فـالصواب أن يقال فـيه، ما قال الله: إنهم كانوا يتـخذون مصانع.

                                تعليق

                                يعمل...