وأولى القولين بالصواب في تأويل قوله: { يَوْمَ هُمْ على النَّارِ يُفْتَنُونَ } قول من قال: يعذّبون بالإحراق، لأن الفتنة أصلها الاختبار، وإنما يقال: فتنت الذهب بالنار: إذا طبختها بها لتعرف جودتها، فكذلك قوله: { يَوْمَ هُمْ على النَّارِ يُفْتَنُونَ } يحرقون بها كما يحرق الذهب بها، وأما النصب في اليوم فلأنها إضافة غير محضة على ما وصفنا من قول قائل ذلك.
إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير
تقليص
X
-
-
وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: { كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ } قول من قال: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم، لأن الله تبارك وتعالى وصفهم بذلك مدحاً لهم، وأثنى عليهم به، فوصفهم بكثرة العمل، وسهر الليل، ومكابدته فيما يقرّبهم منه ويرضيه عنهم أولى وأشبه من وصفهم من قلة العمل، وكثرة النوم، مع أن الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل.
..
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم في قوله: { وَفِي أمْوَالِهِمْ حَقٌّ للسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ } قال: ليس ذلك بالزكاة، ولكن ذلك مما ينفقون من أموالهم بعد إخراج الزكاة، والمحروم: الذي يُصاب زرعه أو ثمره أو نسل ماشيته، فيكون له حقّ على من لم يصبه ذلك من المسلمين، كما قال لأصحاب الجنة حين أهلك جنتهم
{ قالُوا بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ }
وقال أيضاً:
{ لَوْ نَشاءُ لجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إنَّا لَمَغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ }
وكان الشعبيّ يقول في ذلك ما.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: قال الشعبيّ: أعياني أن أعلم ما المحروم.
والصواب من القول في ذلك عندي أنه الذي قد حُرم الرزق واحتاج، وقد يكون ذلك بذهاب ماله وثمره، فصار ممن حرمه الله ذلك، وقد يكون بسبب تعففه وتركه المسألة، ويكون بأنه لا سهم له في الغنيمة لغيبته عن الوقعة، فلا قول في ذلك أولى بالصواب من أن تعمّ، كما قال جلّ ثناؤه: { وفي أمْوَالِهِمْ حَقٌّ للسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ }.تعليق
-
واختلف أهل التأويل في تأويل، قوله: { وَما تُوعَدُونَ } فقال بعضهم: معنى ذلك: وما توعدون من خير، أو شرّ. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد { وَما تُوعَدُونَ } قال: وما توعدون من خير أو شرّ.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ } يقول: الجنة في السماء، وما توعدون من خير أو شرّ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما توعدون من الجنة والنار. ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا النضر، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: { وَما تُوعَدُونَ } قال: الجنة والنار.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { وَما تُوعَدُونَ } من الجنة.
وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي، القول الذي قاله مجاهد، لأن الله عمّ الخبر بقوله: { وَما تُوعَدُونَ } عن كلّ ما وعدنا من خير أو شرّ، ولم يخصص بذلك بعضاً دون بعض، فهو على عمومه كما عمه الله جلّ ثناؤه.تعليق
-
واختلُف في معنى { خَلَقْنا زَوْجَيْنِ } فقال بعضهم: عنى به: ومن كلّ شيء خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة والهدى والضلالة، ونحو ذلك. ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال مجاهد، في قوله: { وَمِنْ كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجِينِ } قال: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والإنس والجنّ.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاريُّ، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ } قال: الشمس والقمر.
وقال آخرون: عنى بالزوجين: الذكر والأنثى. ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَمِنْ كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ } قال: ذكراً وأنثى، ذاك الزوجان، وقرأ
{ وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجه }
قال: امرأته.
وأولى القولين في ذلك قول مجاهد، وهو أن الله تبارك وتعالى، خلق لكلّ ما خلق من خلقه ثانياً له مخالفاً في معناه، فكلّ واحد منهما زوج للآخر، ولذلك قيل: خلقنا زوجين. وإنما نبه جلّ ثناؤه بذلك من قوله على قُدرته على خلق ما يشاء خلقه من شيء، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه، إذ كلّ ما صفته فعل نوع واحد دون ما عداه كالنار التي شأنها التسخين، ولا تصلح للتبريد، وكالثلج الذي شأنه التبريد، ولا يصلح للتسخين، فلا يجوز أن يوصف بالكمال، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كلّ ما شاء فعله من الأشياء المختلفة والمتفقة.تعليق
-
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ } فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السُّعداء من الجنّ والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جُرَيج، عن زيد بن أسلم { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونَ } قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن زيد بن أسلم بنحوه.
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن زيد ابن أسلم، بمثله.
حدثنا حُمَيد بن الربيع الخرّاز، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا ابن جُرَيج، عن زيد بن أسلم، في قوله: { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ } قال: جَبَلَهم على الشقاء والسعادة.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْس إلاَّ لِيَعْبُدُونَ } قال: من خلق للعبادة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك. وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليُذْعِنوا لي بالعبودة. ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ }: إلا ليقرّوا بالعبودة طوعاً وكَرهاً.
وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس، وهو: ما خلقت الجنّ والإنس إلا لعبادتنا، والتذلل لأمرنا.
فإن قال قائل: فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره؟ قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم، لأن قضاءه جار عليهم، لا يقدرون من الامتناع منه إذا نزل بهم، وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه.
...تعليق
-
سورة الطور
وقوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } اختلف أهل التأويل في معنى البحر المسجور، فقال بعضهم: الموقد. وتأوّل ذلك: والبحر الموقد المحمّى. ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عليّ رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ فقال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقاً، { والبَحْرِ المَسْجورِ }
{ وَإذَا البِحارِ سُجِرَتْ }
مخففة.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص بن حُمَيد، عن شمر بن عطية، في قوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: بمنزلة التنُّور المسجور.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: الموقَد.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: الموقد، وقرأ قول الله تعالى:
{ وَإذَا البِحارُ سُجِّرَتْ }
قال: أوقدت.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا البحار مُلئت، وقال: المسجور: المملوء. ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } الممتلىء.
وقال آخرون: بل المسجور: الذي قد ذهب ماؤه. ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: { والبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: سجره حين يذهب ماؤه ويفجر.
وقال آخرون: المسجور: المحبوس. ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } يقول: المحبوس.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: والبحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض، وذلك أن الأغلب من معاني السجر: الإيقاد، كما يقال: سجرت التنور، بمعنى: أوقدت، أو الامتلاء على ما وصفت، كما قال لبيد:
فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِراً قُلاَّمُها
وكما قال النمر بن تولَب العُكْليّ:
إذَا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً تَرَى حَوْلَها النَّبْعَ والسَّا سمَا
سَقْتْها رَوَاعِدُ مِنْ صَيِّفٍ وَإنْ مِنْ خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما
فإذا كان ذلك الأغلب من معاني السَّجْر، وكان البحر غير مُوقَد اليوم، وكان الله تعالى ذكره قد وصفه بأنه مسجور، فبطل عنه إحدى الصفتين، وهو الإيقاد صحّت الصفة الأخرى التي هي له اليوم، وهو الامتلاء، لأنه كلّ وقت ممتلىء.
وقيل: إن هذا البحر المسجور الذي أقسم به ربنا تبارك وتعالى بحر في السماء تحت العرش. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عن عليّ { والبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: بحر في السماء تحت العرش.
قال: ثنا مهران، قال: وسمعته أنا من إسماعيل، قال: ثنا مهران عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: بحر تحت العرش.
...تعليق
-
وأولى هذه الأقوال بالصواب وأشبهها بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، القول الذي ذكرنا عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، وهو: والذين آمنوا بالله ورسوله، وأتبعناهم ذرياتهم الذين أدركوا الإيمان بإيمان، وآمنوا بالله ورسوله، ألحقنا بالذين آمنوا ذريتهم الذين أدركوا الإيمان فآمنوا، في الجنة فجعلناهم معهم في درجاتهم، وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم تكرمة منا لآبائهم، وما ألتناهم من أجور عملهم شيئاً....
وقوله: { وما ألَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } يقول تعالى ذكره: وما ألتنا الآباء، يعني بقوله: { وَما ألَتْناهُمْ }: وما نقصناهم من أجور أعمالهم شيئاً، فنأخذه منهم، فنجعله لأبنائهم الذين ألحقناهم بهم، ولكنا وفَّيناهم أجور أعمالهم، وألحقنا أبناءهم بدرجاتهم، تفضلاً منا عليهم. والألت في كلام العرب: النقص والبخس، وفيه لغة أخرى، ولم يقرأ بها أحد نعلمه، ومن الألت قول الشاعر:
أبْلِغْ بني ثُعَلٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً جَهْدَ الرّسالَةِ لا ألْتا وَلا كَذِبا
يعني: لا نُقصان ولا زيادة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، { وَما ألَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } قال: ما نقصناهمتعليق
-
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم المُنْزِلُونَ. ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { أمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ } قال: يقول أم هم المنزلون.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم الأرباب، وممن قال ذلك معمر بن المثنى، قال: يقال: سيطرتَ عليّ: أي اتخذتني خولاً لك.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أم هم الجبَّارون المتسلطون المستكبرون على الله، وذلك أن المسيطر في كلام العرب الجبار المتسلط، ومنه قول الله:
{ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ }
يقول: لست عليهم بجبار مسلط.تعليق
-
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذاباً دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة، لأنه في البرزخ، والجوع الذي أصاب كفار قريش، والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص الله نوعاً من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوع بل عمّ فقال { وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ } فكلّ ذلك لهم عذاب، وذلك لهم دون يوم القيامة، فتأويل الكلام: وإن للذين كفروا بالله عذاباً من الله دون يوم القيامة { وَلِكنَّ أكْثرَهُمْ لا يَعْلمُونَ } بأنهم ذائقو ذلك العذاب.تعليق
-
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } إلى الصلاة المفروضة.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وصلّ بحمد ربك حين تقوم من مَنامك، وذلك نوم القائلة، وإنما عنى صلاة الظهر.
وإنما قلت: هذا القول أولى القولين بالصواب، لأن الجميع مجمعون على أنه غير واجب أن يقال في الصلاة: سبحانك وبحمدك، وما رُوي عن الضحاك عند القيام إلى الصلاة، فلو كان القول كما قاله الضحاك لكان فرضاً أن يُقال لأن قوله: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } أمر من الله تعالى بالتسبيح، وفي إجماع الجميع على أن ذلك غير واجب الدليل الواضح على أن القول في ذلك غير الذي قاله الضحاك.
فإن قال قائل: ولعله أُريد به الندب والإرشاد. قيل: لا دلالة في الآية على ذلك، ولم تقم حجة بأن ذلك معنيّ به ما قاله الضحاك، فيجعل إجماع الجميع على أن التسبيح عند القيام إلى الصلاة مما خير المسلمون فيه دليلاً لنا على أنه أُريد به الندب والإرشاد.
وإنما قلنا: عُنِي به القيام من نوم القائلة، لأنه لا صلاة تجب فرضاً بعد وقت من أوقات نوم الناس المعروف إلا بعد نوم الليل، وذلك صلاة الفجر، أو بعد نوم القائلة، وذلك صلاة الظهر فلما أمر بعد قوله: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } بالتسبيح بعد إدبار النجوم، وذلك ركعتا الفجر بعد قيام الناس من نومها ليلاً، عُلِم أن الأمر بالتسبيح بعد القيام من النوم هو أمر بالصلاة التي تجب بعد قيام من نوم القائلة على ما ذكرنا دون القيام من نوم الليل....
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بها: الصلاة المكتوبة صلاة الفجر، وذلك أن الله أمر فقال: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدْبارَ النُّجُومِ } والركعتان قبل الفريضة غير واجبتين، ولم تقم حجة يجب التسليم لها، أن قوله فسبحه على الندب، وقد دللنا في غير موضع من كتبنا على أمر الله على الفرض حتى تقوم حجة بأنه مراد به الندب، أو غير الفرض بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.تعليق
-
سورة النجم
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { والنَّجْمِ إذَا هَوَى } فقال بعضهم: عُنِي بالنجم: الثُّريا، وعُنِي بقوله: { إذَا هَوَى }: إذا سقط، قالوا: تأويل الكلام: والثريا إذا سقطت. ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: إذا سقطت الثريا مع الفجر.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: الثريا. وقال مجاهد: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: سقوط الثريا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: إذا انصبّ.
وقال آخرون: معنى ذلك: والقرآن إذا نزل. ذكر من قال ذلك:
حدثني زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب، قال: ثنا مالك بن سعير، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، في قوله: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: القرآن إذا نزل.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَما غَوَى } قال: قال عُتْبة بن أبي لهب: كفرتُ بربّ النجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمَا تَخافُ أنْ يَأْكُلُكَ كَلْبُ اللّهِ " قال: فخرج في تجارة إلى اليمن، فبينما هم قد عرَّسوا، إذ سمعَ صوتَ الأسد، فقال لأصحابه إني مأكول، فأحدقوا به، وضرب على أصمختهم فناموا، فجاء حتى أخذه، فما سمعوا إلا صوته.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } فقال ابن لأبي لهب حسبته قال: اسمه عُتبة: كفرت بربّ النجم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " احْذَرْ لا يَأْكُلْكَ كَلْبُ اللّهِ " قال: فضرب هامته. قال: وقال ابن طاوس عن أبيه، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " ألاَ تخافُ أنْ يُسَلِّطَ اللّهُ عَلَيْكَ كَلْبَهُ؟ " فخرج ابن أبي لهب مع ناس في سفر حتى إذا كانوا في بعض الطريق سمعوا صوت الأسد، فقال: ما هو إلا يريدني، فاجتمع أصحابه حوله وجعلوه في وسطهم، حتى إذا ناموا جاء الأسد فأخذه من بينهم. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: عنى بقوله: { والنَّجْمِ } والنجوم. وقال: ذهب إلى لفظ الواحد، وهو في معنى الجميع، واستشهد لقوله ذلك بقول راعي الإبل:
فَباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ سَرِيعٌ بِأيْـدِي الآكِلِينَ جُمُودُها
والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد من أنه عنى بالنجم في هذا الموضع: الثريا، وذلك أن العرب تدعوها النجم، والقول الذي قاله من حكينا عنه من أهل البصرة قول لا نعلم أحداً من أهل التأويل قاله، وإن كان له وجه، فلذلك تركنا القول به.تعليق
-
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام عن أبي جعفر عن الربيع { ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوَى } جبريل عليه السلام.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بالمِرّة: صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات، والجسم إذا كان كذلك من الإنسان، كان قوياً، وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن المِرة واحدة المِرر، وإنما أُريد به: { ذو مِرّة } سوية. وإذا كانت المِرّة صحيحة، كان الإنسان صحيحاً. ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: " لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيّ، وَلا لِذِي مِرَّةٍ سِوِيًّ ".
وقوله: { فاسْتَوَى وَهُوَ بالأُفُقِ الأعْلَى } يقول: فاستوى هذا الشديد القويّ وصاحبكم محمد بالأفق الأعلى، وذلك لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم استوى هو وجبريل عليهما السلام بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وعطف بقوله: «وهو» على ما في قوله: «فاستوى» من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، والأكثر من كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولوا: استوى هو وفلان، وقلَّما يقولون استوى وفلان وذكر الفرّاء عن بعض العرب أنه أنشده:
ألَمْ تَرَ أنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ وَلا يَسْتَوِي وَالخِرْوعُ المُتَقَصِّفُ
فردّ الخروع على «ما» في يستوي من ذكر النبع، ومنه قوله الله:
{ أئِذَا كُنَّا تُرَاباً وآباؤُنا }
فعطف بالآباء على المكنيّ في كنا من غير إظهار نحن، فكذلك قوله: { فاسْتَوَى وَهُوَ } ، وقد قيل: إن المستوي: هو جبريل، فإن كان ذلك كذلك، فلا مُؤْنة في ذلك، لأن قوله: { وهو } من ذكر اسم جبريل، وكأن قائل ذلك وجَّه معنى قوله: { فاسْتَوَى }: أي ارتفع واعتدل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع { ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوَى } جبريل عليه السلام وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَهُوَ بالأُفُقِ الأَعْلَى } والأفق: الذي يأتي منه النهار.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: { وَهُوَ بالأُفقِ الأعْلَى } قال: بأفق المشرق الأعلى بينهما.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع { وَهُوَ بالأُفُقِ الأعْلَى } يعني جبريل.
قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع { وَهُوَ بالأُفُقِ الأَعْلَى } قال: السماء الأعلى، يعني جبريل عليه السلام.تعليق
-
يقول تعالى ذكره: ثم دنا جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى إليه، وهذا من المؤخَّر الذي معناه القديم، وإنما هو: ثم تدلى فدنا، ولكنه حسن تقديم قوله: { دنا } ، إذ كان الدنوّ يدلّ على التدلي والتدلي على الدنوّ، كما يقال: زارني فلان فأحسن، وأحسن إليّ فزارني وشتمني، فأساء، وأساء فشتمني لأن الإساءة هي الشتم: والشتم هو الإساءة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن { ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى } قال: جبريل عليه السلام....
وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأوحى جبريل إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه، لأن افتتاح الكلام جرى في أوّل السورة بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن جبريل عليه السلام، وقوله: { فأوْحَى إلى عَبْدِهِ ما أوْحَى فِي سِياقِ ذلكَ } ولم يأت ما يدلّ على انصراف الخبر عنهما، فيوجه ذلك إلى ما صرف إليه....
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { ما كَذَبَ الفُؤَادُ ما رأَى } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة ومكة والكوفة والبصرة { كَذَبَ } بالتخفيف، غير عاصم الجحدري وأبي جعفر القارىء والحسن البصري فإنهم قرأوه «كذَّب» بالتشديد، بمعنى: أن الفؤاد لم يكذّب الذي رأى، ولكنه جعله حقاً وصدقاً، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرىء كذلك: ما كذّب صاحب الفؤاد ما رأى. وقد بيَّنا معنى من قرأ ذلك بالتخفيف.
والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها.تعليق
-
اختلفت القرّاء في قراءة { أفَتُمارُونَهُ } ، فقرأ ذلك عبد الله بن مسعود وعامة أصحابه «أفَتَمْرُونهُ» بفتح التاء بغير ألف، وهي قراءة عامة أهل الكوفة، ووجهَّوا تأويله إلى أفتجحدونه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقرأ: «أفَتَمْرُونَهُ» بفتح التاء بغير ألف، يقول: أفتجحدونه ومن قرأ { أفَتُمارُونَهُ } قال: أفتجادلونه. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة ومكة والبصرة وبعض الكوفيين { أفَتُمارُونَهُ } بضم التاء والألف، بمعنى: أفتجادلونه.
والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، وذلك أن المشركين قد جحدوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أراه الله ليلة أُسري به وجادلوا في ذلك، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وتأويل الكلام: أفتجادلون أيها المشركون محمداً على ما يرى مما أراه الله من آياته....
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن معنى المنتهى الانتهاء، فكأنه قيل: عند سدرة الانتهاء. وجائز أن يكون قيل لها سدرة المنتهى: لانتهاء علم كلّ عالم من الخلق إليها، كما قال كعب. وجائز أن يكون قيل ذلك لها، لانتهاء ما يصعد من تحتها، وينزل من فوقها إليها، كما رُوي عن عبد الله. وجائز أن يكون قيل ذلك كذلك لانتهاء كلّ من خلا من الناس على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها. وجائز أن يكون قيل لها ذلك لجميع ذلك، ولا خبر يقطع العذر بأنه قيل ذلك لها لبعض ذلك دون بعض، فلا قول فيه أصحّ من القول الذي قال ربنا جلّ جلاله، وهو أنها سدرة المنتهى.
وبالذي قلنا في أنها شجرة النبق تتابعت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أهل العلم. ذكر ما في ذلك من الآثار، وقول أهل العلم:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انْتَهَيْتُ إلى السِّدْرَةِ فإذَا نَبْقُها مِثْلُ الجِرَارِ، وَإذَا وَرَقُها مِثْل آذَانِ الفِيلَةِ فَلَمَّا غَشِيَها مِنْ أمْرِ اللّهِ ما غَشِيَها، تَحَوَّلَتْ ياقُوتاً وَزُمُرُّداً وَنَحْوَ ذلكَ "
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيّ، عن سعيد عن قتادة، عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه قال: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: " لَمَّا انْتَهَيْتُ إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ أتَيْتُ عَلى إبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قال: هَذَا أبُوكَ إبْرَاهِيمُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: مَرْحَباً بالابْنِ الصَّالِحِ والنَّبِيّ الصَّالِح، قال: ثُمَّ رُفِعَتْ لي سِدْرَةُ المُنْتَهَى فحدّث نبيّ الله أنّ نبقها مثل قلال هجر، وأن ورقها مثل آذان الفِيلة ". ...تعليق
-
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: { اللاَّتَّ } قال: رجل يلتّ للمشركين السويق، فمات فعكفوا على قبره.
حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي صالح، في قوله: «اللاَّتَّ» قال: اللاتّ: الذي كان يقوم على آلهتهم، يَلُتّ لهم السويق، وكان بالطائف.
حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا عبد الرحمن، عن أبي الأشهب، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، قال: كان يلتّ السويق للحاجّ.
وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه. وأما العُزّى فإن أهل التأويل اختلفوا فيها، فقال بعضهم: كان شجرات يعبدونها. ...تعليق
تعليق