قال أبو جعفر: وأولـى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه مخبراً عن ملائكته قـيـلها له: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } تأويـل من قال: إن ذلك منها استـخبـار لربها بـمعنى: أعلـمنا يا ربنا، أجاعل أنت فـي الأرض من هذه صفته وتارك أن تـجعل خـلفـاءك منا، ونـحن نسبح بحمدك، ونقدّس لك؟ لا إنكارٌ منها لـما أعلـمها ربها أنه فـاعل، وإن كانت قد استعظمت لـما أخبرت بذلك أن يكون لله خـلق يعصيه.
وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بـالسؤال عن ذلك فسألته علـى وجه التعجب، فدعوى لا دلالة علـيها فـي ظاهر التنزيـل ولا خبر بها من الـحجة يقطع العذر، وغير جائز أن يقال فـي تأويـل كتاب الله بـما لا دلالة علـيه من بعض الوجوه التـي تقوم بها الـحجة.
وأما وصف الـملائكة من وصفت فـي استـخبـارها ربها عنه بـالفساد فـي الأرض وسفك الدماء، فغير مستـحيـل فـيه ما رُوي عن ابن عبـاس وابن مسعود من القول الذي رواه السدّي ووافقهما علـيه قتادة من التأويـل. وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } علـى ما وصفت من الاستـخبـار.
فإن قال لنا قائل: وما وجه استـخبـارها والأمر علـى ما وصفت من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن؟ قـيـل: وجه استـخبـارها حينئذٍ يكون عن حالهم عند وقوع ذلك، وهل ذلك منهم؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الـخـلفـاء فـي الأرض حتـى لا يعصوه.
وغير فـاسد أيضاً ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وتابعه علـيه الربـيع بن أنس من أن الـملائكة قالت ذلك لـما كان عندها من علـم سكان الأرض قبل آدم من الـجن، فقالت لربها: أجاعل فـيها أنت مثلهم من الـخـلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون؟ علـى وجه الاستعلام منهم لربهم، لا علـى وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك، فـيكون ذلك منها إخبـاراً عما لـم تطلع علـيه من علـم الغيب.
وغير خطأ أيضاً ما قاله ابن زيد من أن يكون قـيـل الـملائكة ما قالت من ذلك علـى وجه التعجب منها من أن يكون لله خـلق يعصي خالقه.
وإنـما تركنا القول بـالذي رواه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع بن أنس وبـالذي قاله ابن زيد فـي تأويـل ذلك لأنه لا خبر عندنا بـالذي قالوه من وجه يقطع مـجيئه العذر ويـلزم سامعه به الـحجة. والـخبر عما مضى وما قد سلف، لا يدرك علـم صحته إلا بـمـجيئه مـجيئاً يـمتنع منه التشاغب والتواطؤ، ويستـحيـل منه الكذب والـخطأ والسهو. ولـيس ذلك بـموجود كذلك فـيـما حكاه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع، ولا فـيـما قاله ابن زيد. فأولـى التأويلات إذ كان الأمر كذلك بـالآية، ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلالةٌ مـما يصحّ مخرجه فـي الـمفهوم.
فإن قال قائل: فإن كان أولـى التأويلات بـالآية هو ما ذكرتَ من أن الله أخبر الـملائكة بأن ذرية خـلـيفته فـي الأرض يفسدون فـيها ويسفكون فـيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الـملائكة: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } فأين ذكر إخبـار الله إياهم فـي كتابه بذلك؟ قـيـل له: اكتفـي بدلالة ما قد ظهر من الكلام علـيه عنه، كما قال الشاعر:
فَلاَ تَدْفِنُونِـي إنَّ دَفْنِـي مُـحَرَّمٌ عَلَـيْكُمْ وَلَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ
فحذف قوله دعونـي للتـي يقال لها عند صيدها خامري أم عامر، إذ كان فـيها أظهر من كلامه دلالة علـى معنى مراده. فكذلك ذلك فـي قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } لـما كان فـيه دلالة علـى ما ترك ذكره بعد قوله: { إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً } من الـخبر عما يكون من إفساد ذريته فـي الأرض اكتفـى بدلالته وحذف، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر. ونظائر ذلك فـي القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى. فلـما ذكرنا من ذلك اخترنا ما اخترنا من القول فـي تأويـل قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ }.
وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بـالسؤال عن ذلك فسألته علـى وجه التعجب، فدعوى لا دلالة علـيها فـي ظاهر التنزيـل ولا خبر بها من الـحجة يقطع العذر، وغير جائز أن يقال فـي تأويـل كتاب الله بـما لا دلالة علـيه من بعض الوجوه التـي تقوم بها الـحجة.
وأما وصف الـملائكة من وصفت فـي استـخبـارها ربها عنه بـالفساد فـي الأرض وسفك الدماء، فغير مستـحيـل فـيه ما رُوي عن ابن عبـاس وابن مسعود من القول الذي رواه السدّي ووافقهما علـيه قتادة من التأويـل. وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } علـى ما وصفت من الاستـخبـار.
فإن قال لنا قائل: وما وجه استـخبـارها والأمر علـى ما وصفت من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن؟ قـيـل: وجه استـخبـارها حينئذٍ يكون عن حالهم عند وقوع ذلك، وهل ذلك منهم؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الـخـلفـاء فـي الأرض حتـى لا يعصوه.
وغير فـاسد أيضاً ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وتابعه علـيه الربـيع بن أنس من أن الـملائكة قالت ذلك لـما كان عندها من علـم سكان الأرض قبل آدم من الـجن، فقالت لربها: أجاعل فـيها أنت مثلهم من الـخـلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون؟ علـى وجه الاستعلام منهم لربهم، لا علـى وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك، فـيكون ذلك منها إخبـاراً عما لـم تطلع علـيه من علـم الغيب.
وغير خطأ أيضاً ما قاله ابن زيد من أن يكون قـيـل الـملائكة ما قالت من ذلك علـى وجه التعجب منها من أن يكون لله خـلق يعصي خالقه.
وإنـما تركنا القول بـالذي رواه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع بن أنس وبـالذي قاله ابن زيد فـي تأويـل ذلك لأنه لا خبر عندنا بـالذي قالوه من وجه يقطع مـجيئه العذر ويـلزم سامعه به الـحجة. والـخبر عما مضى وما قد سلف، لا يدرك علـم صحته إلا بـمـجيئه مـجيئاً يـمتنع منه التشاغب والتواطؤ، ويستـحيـل منه الكذب والـخطأ والسهو. ولـيس ذلك بـموجود كذلك فـيـما حكاه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع، ولا فـيـما قاله ابن زيد. فأولـى التأويلات إذ كان الأمر كذلك بـالآية، ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلالةٌ مـما يصحّ مخرجه فـي الـمفهوم.
فإن قال قائل: فإن كان أولـى التأويلات بـالآية هو ما ذكرتَ من أن الله أخبر الـملائكة بأن ذرية خـلـيفته فـي الأرض يفسدون فـيها ويسفكون فـيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الـملائكة: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } فأين ذكر إخبـار الله إياهم فـي كتابه بذلك؟ قـيـل له: اكتفـي بدلالة ما قد ظهر من الكلام علـيه عنه، كما قال الشاعر:
فَلاَ تَدْفِنُونِـي إنَّ دَفْنِـي مُـحَرَّمٌ عَلَـيْكُمْ وَلَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ
فحذف قوله دعونـي للتـي يقال لها عند صيدها خامري أم عامر، إذ كان فـيها أظهر من كلامه دلالة علـى معنى مراده. فكذلك ذلك فـي قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } لـما كان فـيه دلالة علـى ما ترك ذكره بعد قوله: { إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً } من الـخبر عما يكون من إفساد ذريته فـي الأرض اكتفـى بدلالته وحذف، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر. ونظائر ذلك فـي القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى. فلـما ذكرنا من ذلك اخترنا ما اخترنا من القول فـي تأويـل قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ }.
تعليق