إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #1096
    قال أبو جعفر: وأولـى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه مخبراً عن ملائكته قـيـلها له: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } تأويـل من قال: إن ذلك منها استـخبـار لربها بـمعنى: أعلـمنا يا ربنا، أجاعل أنت فـي الأرض من هذه صفته وتارك أن تـجعل خـلفـاءك منا، ونـحن نسبح بحمدك، ونقدّس لك؟ لا إنكارٌ منها لـما أعلـمها ربها أنه فـاعل، وإن كانت قد استعظمت لـما أخبرت بذلك أن يكون لله خـلق يعصيه.

    وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بـالسؤال عن ذلك فسألته علـى وجه التعجب، فدعوى لا دلالة علـيها فـي ظاهر التنزيـل ولا خبر بها من الـحجة يقطع العذر، وغير جائز أن يقال فـي تأويـل كتاب الله بـما لا دلالة علـيه من بعض الوجوه التـي تقوم بها الـحجة.

    وأما وصف الـملائكة من وصفت فـي استـخبـارها ربها عنه بـالفساد فـي الأرض وسفك الدماء، فغير مستـحيـل فـيه ما رُوي عن ابن عبـاس وابن مسعود من القول الذي رواه السدّي ووافقهما علـيه قتادة من التأويـل. وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } علـى ما وصفت من الاستـخبـار.

    فإن قال لنا قائل: وما وجه استـخبـارها والأمر علـى ما وصفت من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن؟ قـيـل: وجه استـخبـارها حينئذٍ يكون عن حالهم عند وقوع ذلك، وهل ذلك منهم؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الـخـلفـاء فـي الأرض حتـى لا يعصوه.

    وغير فـاسد أيضاً ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وتابعه علـيه الربـيع بن أنس من أن الـملائكة قالت ذلك لـما كان عندها من علـم سكان الأرض قبل آدم من الـجن، فقالت لربها: أجاعل فـيها أنت مثلهم من الـخـلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون؟ علـى وجه الاستعلام منهم لربهم، لا علـى وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك، فـيكون ذلك منها إخبـاراً عما لـم تطلع علـيه من علـم الغيب.

    وغير خطأ أيضاً ما قاله ابن زيد من أن يكون قـيـل الـملائكة ما قالت من ذلك علـى وجه التعجب منها من أن يكون لله خـلق يعصي خالقه.

    وإنـما تركنا القول بـالذي رواه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع بن أنس وبـالذي قاله ابن زيد فـي تأويـل ذلك لأنه لا خبر عندنا بـالذي قالوه من وجه يقطع مـجيئه العذر ويـلزم سامعه به الـحجة. والـخبر عما مضى وما قد سلف، لا يدرك علـم صحته إلا بـمـجيئه مـجيئاً يـمتنع منه التشاغب والتواطؤ، ويستـحيـل منه الكذب والـخطأ والسهو. ولـيس ذلك بـموجود كذلك فـيـما حكاه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع، ولا فـيـما قاله ابن زيد. فأولـى التأويلات إذ كان الأمر كذلك بـالآية، ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلالةٌ مـما يصحّ مخرجه فـي الـمفهوم.

    فإن قال قائل: فإن كان أولـى التأويلات بـالآية هو ما ذكرتَ من أن الله أخبر الـملائكة بأن ذرية خـلـيفته فـي الأرض يفسدون فـيها ويسفكون فـيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الـملائكة: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } فأين ذكر إخبـار الله إياهم فـي كتابه بذلك؟ قـيـل له: اكتفـي بدلالة ما قد ظهر من الكلام علـيه عنه، كما قال الشاعر:
    فَلاَ تَدْفِنُونِـي إنَّ دَفْنِـي مُـحَرَّمٌ عَلَـيْكُمْ وَلَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ
    فحذف قوله دعونـي للتـي يقال لها عند صيدها خامري أم عامر، إذ كان فـيها أظهر من كلامه دلالة علـى معنى مراده. فكذلك ذلك فـي قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } لـما كان فـيه دلالة علـى ما ترك ذكره بعد قوله: { إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً } من الـخبر عما يكون من إفساد ذريته فـي الأرض اكتفـى بدلالته وحذف، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر. ونظائر ذلك فـي القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى. فلـما ذكرنا من ذلك اخترنا ما اخترنا من القول فـي تأويـل قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ }.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #1097
      وأولـى ما ذكرنا من الأقوال التـي بـينا بتأويـل قول الله جل ذكره: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَظ°تاً فَأَحْيَظ°كُمْ } الآية، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود، وعن ابن عبـاس، من أن معنى قوله: { وَكُنْتُمْ أَمْوَظ°تاً }: أموات الذكر خمولاً فـي أصلاب آبـائكم نُطفـاً لا تعرفون ولا تذكرون، فأحياكم بـانشائكم بشراً سوياً، حتـى ذُكرتـم وعُرفتـم وحَيـيتـم، ثم يـميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رفـاتاً لا تُعرفون ولا تُذكرون فـي البرزخ إلـى يوم تبعثون، ثم يحيـيكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فـيكم لبعث الساعة وصيحة القـيامة، ثم إلـى الله ترجعون بعد ذلك، كما قال: ثم إلـيه ترجعون لأن الله جل ثناؤه يحيـيهم فـي قبورهم قبل حشرهم، ثم يحشرهم لـموقـف الـحساب، كما قال جل ذكره:
      { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ظ±لأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىظ° نُصُبٍ يُوفِضُونَ }
      [المعارج: 43] وقال:
      { وَنُفِخَ فِي ظ±لصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ظ±لأَجْدَاثِ إِلَىظ° رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ }
      [يس: 51] والعلة التـي من أجلها اخترنا هذا التأويـل، ما قد قدمنا ذكره للقائلـين به وفساد ما خالفه بـما قد أوضحناه قبل. وهذه الآية توبـيخ من الله جل ثناؤه للقائلـين:
      { آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ }
      [البقرة: 8] الذين أخبر الله عنهم أنهم مع قـيـلهم ذلك بأفواههم غير مؤمنـين به، وأنهم إنـما يقولون ذلك خداعاً لله وللـمؤمنـين. فعَذَلهم الله بقوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَظ°تاً فَأَحْيَظ°كُمْ } ووبخهم واحتـجّ علـيهم فـي نكيرهم ما أنكروا من ذلك، وجحودهم ما جحدوا بقلوبهم الـمريضة فقال: كيف تكفرون بـالله فتـجحدون قدرته علـى إحيائكم بعد إماتتكم وإعادتكم بعد إفنائكم وحشركم إلـيه لـمـجازاتكم بأعمالكم. ثم عدّد ربنا علـيهم وعلـى أولـيائهم من أحبـار الـيهود الذين جمع بـين قصصهم وقصص الـمنافقـين فـي كثـير من آي هذه السورة التـي افتتـح الـخبر عنهم فـيها بقوله:
      { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
      [البقرة: 6] نِعَمَه التـي سلفت منه إلـيهم وإلـى آبـائهم التـي عظمت منهم مواقعها، ثم سلب كثـيراً منهم كثـيراً منها بـما ركبوا من الآثام واجترموا من الإجرام وخالفوا من الطاعة إلـى الـمعصية، يحذّرهم بذلك تعجيـل العقوبة لهم كالتـي عجلها للأسلاف والأفراط قبلهم، ويخوّفهم حلول مَثُلاته بساحتهم كالذي أحلّ بأولـيهم، ويعرفهم مالهم من النـجاة فـي سرعة الأوبة إلـيه، وتعجيـل التوبة من الـخلاص لهم يوم القـيامة من العقاب.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #1098
        ظ±لَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ظ±للَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَظ°قِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ظ±للَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ظ±لأرْضِ أُولَـغ¤ئِكَ هُمُ ظ±لْخَظ°سِرُونَ }

        قال أبو جعفر: وهذا وصف من الله جل ذكره الفـاسقـين الذين أخبر أنه لا يضلّ بـالـمثل الذي ضربه لأهل النفـاق غيرهم، فقال: { ومَا يُضِلُّ } اللَّهُ بـالـمثل الذي يضربه علـى ما وصف قبل فـي الآيات الـمتقدمة إلا الفـاسقـين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.

        ثم اختلف أهل الـمعرفة فـي معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفـاسقـين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلـى خـلقه، وأمره إياهم بـما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته فـي كتبه وعلـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.

        وقال آخرون: إنـما نزلت هذه الآيات فـي كفـار أهل الكتاب والـمنافقـين منهم، وإياهم عنى الله جل ذكره بقوله:
        { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ }
        [البقرة: 6] وبقوله:
        { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ }
        [البقرة: 8] فكل ما فـي هذه الآيات فعذل لهم وتوبـيخ إلـى انقضاء قصصهم. قالوا: فعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه: هو ما أخذه الله علـيهم فـي التوراة من العمل بـما فـيها، واتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، والتصديق به وبـما جاء به من عند ربهم. ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقـيقته، وإنكارهم ذلك، وكتـمانهم علـم ذلك عن الناس، بعد إعطائهم الله من أنفسهم الـميثاق لـيبـيننه للناس ولا يكتـمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قلـيلاً.

        وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك والكفر والنفـاق وعهده إلـى جميعهم فـي توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدال علـى ربوبـيته وعهده إلـيهم فـي أمره ونهيه ما احتـج به لرسله من الـمعجزات التـي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتـي بـمثلها الشاهدة لهم علـى صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بـما قد تبـينت لهم صحته بـالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علـمهم أن ما أتوا به حق.

        وقال آخرون: العهد الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهد الذي أخذه علـيهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه فـي قوله:
        { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيغ¤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ }
        [الأعراف: 172] الآيتـين، ونقضُهم ذلك، تركهم الوفـاء به. وأولـى الأقوال عندي بـالصواب فـي ذلك، قول من قال: إن هذه الآيات نزلت فـي كفـار أحبـار الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قرب منها من بقايا بنـي إسرائيـل، ومن كان علـى شركه من أهل النفـاق الذين قد بـينا قصصهم فـيـما مضى من كتابنا هذا. وقد دللنا علـى أن قول الله جل ثناؤه: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ } وقوله: { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ } فـيهم أنزلت، وفـيـمن كان علـى مثل الذي هم علـيه من الشرك بـالله.

        غير أن هذه الآيات عندي وإن كانت فـيهم نزلت، فإنه معنـيّ بها كل من كان علـى مثل ما كانوا علـيه من الضلال، ومعنـيّ بـما وافق منها صفة الـمنافقـين خاصةً جميعُ الـمنافقـين، وبـما وافق منها صفة كفـار أحبـار الـيهود جميع من كان لهم نظيراً فـي كفرهم. وذلك أن الله جل ثناؤه يعمّ أحياناً جميعهم بـالصفة لتقديـمه ذكر جميعها فـي أول الآيات التـي ذكرتْ قصصهم، ويخصّ أحياناً بـالصفة بعضهم لتفصيـله فـي أول الآيات بـين فريقـيهم، أعنـي فريق الـمنافقـين من عبدة الأوثان وأهل الشرك بـالله، وفريق كفـار أحبـار الـيهود، فـالذين ينقضون عهد الله: هم التاركون ما عهد الله إلـيهم من الإقرار بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به وتبـيـين نبوّته للناس الكاتـمون بـيان ذلك بعد علـمهم به وبـما قد أخذ الله علـيهم فـي ذلك، كما قال الله جل ذكره:
        { وَإِذْ أَخَذَ ظ±للَّهُ مِيثَاقَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ }
        [آل عمران: 187] ونبذهم ذلك وراء ظهورهم: هو نقضهم العهد الذي عهد إلـيهم فـي التوراة الذي وصفناه، وتَرْكُهم العمل به.

        وإنـما قلت: إنه عنى بهذه الآيات من قلت إنه عَنَى بها، لأن الآيات من ابتداء الآيات الـخمس والستّ من سورة البقرة فـيهم نزلت إلـى تـمام قصصهم، وفـي الآية التـي بعد الـخبر عن خـلق آدم وابـنائه فـي قوله:
        { يَظ°بَنِي إِسْرَائِيلَ ظ±ذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ظ±لَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيغ¤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }
        [البقرة: 40] وخطابه إياهم جلّ ذكره بـالوفـاء فـي ذلك خاصة دون سائر البشر ما يدلّ علـى أن قوله: { ظ±لَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ظ±للَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَظ°قِهِ } مقصود به كفـارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان علـى ضلالهم. غير أن الـخطاب وإن كان لـمن وصفت من الفريقـين فداخـل فـي أحكامهم وفـيـما أوجب الله لهم من الوعيد والذمّ والتوبـيخ كل من كان علـى سبـيـلهم ومنهاجهم من جميع الـخـلق وأصناف الأمـم الـمخاطبـين بـالأمر والنهي. فمعنى الآية إذا: وما يضلّ به إلا التاركين طاعة الله، الـخارجين عن اتبـاع أمره ونهيه، الناكثـين عهود الله التـي عهدها إلـيهم فـي الكتب التـي أنزلها إلـى رسله وعلـى ألسن أنبـيائه بـاتبـاع أمر رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وطاعة الله فـيـما افترض علـيهم فـي التوراة من تبـيـين أمره للناس، وإخبـارهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبـاً عندهم أنه رسول من عند الله مفترضة طاعته وترك كتـمان ذلك لهم. ونَكْثُهم ذلك ونَقْضُهم إياه، هو مخالفتهم الله فـي عهده إلـيهم فـيـما وصفت أنه عهد إلـيهم بعد إعطائهم ربهم الـميثاق بـالوفـاء بذلك كما وصفهم به جل ذكره بقوله:
        { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ظ±لْكِتَظ°بَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـظ°ذَا ظ±لأَدْنَىظ° وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَظ°قُ ظ±لْكِتَظ°بِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ظ±للَّهِ إِلاَّ ظ±لْحَقَّ }

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #1099
          { وَبَشِّرِ ظ±لَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَظ°تِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّظ°تٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَظ°رُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَظ°بِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَظ°جٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَظ°لِدُونَ }



          وهذا التأويـل مذهب من تأوَّل الآية. غير أنه يدفع صحته ظاهر التلاوة. والذي يدل علـى صحته ظاهر الآية ويحقق صحته قول القائلـين إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل فـي الدنـيا. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } فأخبر جل ثناؤه أن من قـيـل أهل الـجنة كلـما رزقوا من ثمر الـجنة رزقاً أن يقولوا: هذا الذي رُزقنا من قبل. ولـم يخصص بأن ذلك من قـيـلهم فـي بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قـيـلهم فـي كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الـجنة واستقرارهم فـيها، الذي لـم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أوله، كما هو من قـيـلهم فـي وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه مـحال أن يكون من قـيـلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الـجنة: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا من ثمار الـجنة. وكيف يجوز أن يقولوا لأوّل رزق رزقوه من ثمارها ولـما يتقدمه عندهم غيره: هذا هو الذي رزقناه من قبل إلا أن ينسبهم ذو غرّة وضلال إلـى قـيـل الكذب الذي قد طهرهم الله منه، أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قـيـلهم لأول رزق رزقوه منها من ثمارها، فـيدفع صحة ما أوجب الله صحته بقوله: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } من غير نصب دلالة علـى أنه معنـيّ به حال من أحوالهم دون حال. فقد تبـين بـما بـينا أن معنى الآية: كلـما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالـحات من ثمرة من ثمار الـجنة فـي الـجنة رزقا، قالوا: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا فـي الدنـيا.

          فإن سألنا سائل فقال: وكيف قال القوم: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } والذي رُزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الـجنة قولاً لا حقـيقة له؟ قـيـل: إن الأمر علـى غير ما ذهبت إلـيه فـي ذلك، وإنـما معناه: هذا من النوع الذي رزقناه من قبل هذا من الثمار والرزق، كالرجل يقول لآخر: قد أعدّ لك فلان من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبـيخ والشواء والـحلوى، فـيقول الـمقول له ذاك: هذا طعامي فـي منزلـي. يعنـي بذلك أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعده له من الطعام هو طعامه، لا أن أعيان ما أخبره صاحبه أنه قد أعدّه له هو طعامه...

          قال أبو جعفر: وأولـى هذه التأويلات بتأويـل الآية، تأويـل من قال: { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَظ°بِهاً } فـي اللون والـمنظر، والطعمُ مختلفٌ.

          يعنـي بذلك اشتبـاه ثمر الـجنة وثمر الدنـيا فـي الـمنظر واللون، مختلفـاً فـي الطعم والذوق لـما قدمنا من العلة فـي تأويـل قوله: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } وأن معناه: كلـما رزقوا من الـجنان من ثمرة من ثمارها رزقا قالُوا: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا فـي الدنـيا. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك من أجل أنهم أُتوا بـما أتوا به من ذلك فـي الـجنة متشابهاً، يعنـي بذلك تشابه ما أتوا به فـي الـجنة منه والذي كانوا رزقوه فـي الدنـيا فـي اللون والـمرأى والـمنظر وإن اختلفـا فـي الطعم والذوق فتبـاينا، فلـم يكن لشيء مـما فـي الـجنة من ذلك نظير فـي الدنـيا.

          وقد دللنا علـى فساد قول من زعم أن معنى قوله: { قَالُواْ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } إنـما هو قول من أهل الـجنة فـي تشبـيههم بعض ثمر الـجنة ببعض، وتلك الدلالة علـى فساد ذلك القول هي الدلالة علـى فساد قول من خالف قولنا فـي تأويـل قوله: { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَظ°بِهاً } لأن الله جل ثناؤه إنـما أخبر عن الـمعنى الذي من أجله قال القوم: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } ُبقوله: { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَظ°بِهاً }.

          وسئل من أنكر ذلك فـزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مـما فـي الـجنة نظير الشيء مـما فـي الدنـيا بوجه من الوجوه، فـيقال له: أيجوز أن يكون أسماء ما فـي الـجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائر أسماء ما فـي الدنـيا منها؟ فإن أنكر ذلك خالف نصّ كتاب الله، لأن الله جل ثناؤه إنـما عرّف عبـاده فـي الدنـيا ما هو عنده فـي الـجنة بـالأسماء التـي يسمى بها ما فـي الدنـيا من ذلك. وإن قال: ذلك جائز، بل هو كذلك قـيـل: فما أنكرت أن يكون ألوان ما فـيها من ذلك نظائر ألوان ما فـي الدنـيا منه بـمعنى البـياض والـحمرة والصفرة وسائر صنوف الألوان وإن تبـاينت فتفـاضلت بفضل حسن الـمرآة والـمنظر، فكان لـما فـي الـجنة من ذلك من البهاء والـجمال وحسن الـمرآة والـمنظر خلاف الذي لـما فـي الدنـيا منه كما كان جائزاً ذلك فـي الأسماء مع اختلاف الـمسميات بـالفضل فـي أجسامها؟ ثم يعكس علـيه القول فـي ذلك، فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا أُلزم فـي الآخر مثله.

          وكان أبو موسى الأشعري يقول فـي ذلك بـما:

          حدثنـي به ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبـي عديّ وعبد الوهاب، ومـحمد بن جعفر، عن عوف عن قسامة عن الأشعري، قال: إن الله لـما أخرج آدم من الـجنة زوّده من ثمار الـجنة، وعلـمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الـجنة، غير أن هذه تَغَيَّرُ وتلك لا تَغَيَّرُ.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #1100
            قال أبو جعفر: والتأويـل الأوّل الذي قاله مـجاهد وقتادة هو التأويـل الصحيح لأن الله جل ثناؤه قال فـي سورة أخرى:
            { أَمْ يَقُولُونَ ظ±فْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ }
            [يونس: 38] ومعلوم أن السورة لـيست لـمـحمد بنظير ولا شبـيه، فـيجوز أن يقال: فأتوا بسورة مثل مـحمد.

            فإن قال قائل: إنك ذكرت أن الله عنى بقوله: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فـيقال: ائتوا بسورة من مثله؟ قـيـل: إنه لـم يعن به: ائتوا بسورة من مثله فـي التألـيف والـمعانـي التـي بـاين بها سائر الكلام غيره، وإنـما عنى: ائتوا بسورة من مثله فـي البـيان لأن القرآن أنزله الله بلسان عربـي، فكلام العرب لا شكّ له مثل فـي معنى العربـية فأما فـي الـمعنى الذي بـاين به القرآن سائر كلام الـمخـلوقـين، فلا مثل له من ذلك الوجه ولا نظير ولا شبـيه. وإنـما احتـجّ الله جل ثناؤه علـيهم لنبـيه صلى الله عليه وسلم بـما احتـجّ به له علـيهم من القرآن، إذ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله فـي البـيان، إذ كان القرآن بـياناً مثل بـيانهم، وكلاماً نزل بلسانهم، فقال لهم جل ثناؤه: وإن كنتـم فـي ريب من أنّ ما أنزلت علـى عبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثله فـي العربـية، إذْ كنتـم عربـاً، وهو بـيان نظير بـيانكم، وكلام شبـيه كلامكم. فلـم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظير اللسان الذي نزل به القرآن، فـيقدروا أن يقولوا: كلفتنا ما لو أحسنّاه أتـينا به، وإنا لا نقدر علـى الإتـيان به، لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به، فلـيس لك علـينا حجة بهذا لأنا وإن عجزنا عن أن نأتـي بـمثله من غير ألسنتنا لأنا لسنا بأهله، ففـي الناس خـلق كثـير من غير أهل لساننا يقدر علـى أن يأتـي بـمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنتكم، وأنتـم إن كان مـحمد اختلقه وافتراه، إذا اجتـمعتـم وتظاهرتـم علـى الإتـيان بـمثل سورة منه من لسانكم وبـيانكم أقدر علـى اختلاقه ووضعه وتألـيفه من مـحمد صلى الله عليه وسلم، وإن لـم تكونوا أقدر علـيه منه فلن تعجزوا وأنتـم جميع عما قدر علـيه مـحمد من ذلك وهو وحده، إن كنتـم صادقـين فـي دعواكم وزعمكم أن مـحمداً افتراه واختلقه وأنه من عند غيري.

            واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: { وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ظ±للَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَظ°دِقِينَ } فقال ابن عبـاس بـما:

            حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عبـاس: { وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ظ±للَّهِ } يعنـي أعوانكم علـى ما أنتـم علـيه، { إِنْ كُنْتُمْ صَظ°دِقِينَ }.

            وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نـجيح، عن مـجاهد: { وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم } ناس يشهدون.

            وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد مثله.

            وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد، قال: قوم يشهدون لكم.

            وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاح، عن ابن جريج، عن مـجاهد: { وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم } قال: ناس يشهدون. قال ابن جريج: شهداءكم علـيها إذا أتـيتـم بها أنها مثله مثل القرآن.

            وذلك قول الله لـمن شك من الكفـار فـيـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: { فـادْعُوا } يعنـي استنصروا واستعينوا، كما قال الشاعر:
            فَلَـمَّا الْتَقَتْ فُرْسانُنا وَرِجَالُهُمْ دَعَوْا يا لَكَعْبٍ واعْتَزَيْنا لِعامِرِ
            يعنـي بقوله: دعوا يالكعب: استنصروا كعبـاً واستعانوا بهم.

            وأما الشهداء فإنها جمع شهيد، كالشركاء جمع شريك، والـخطبـاء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهد علـى الشيء لغيره بـما يحقق دعواه، وقد يسمى به الـمشاهد للشيء كما يقال فلان جلـيس فلان، يعنـي به مـجالسه، ونديـمه يعنـي به منادمه، وكذلك يقال: شهيده يعنـي به مشاهده. فإذا كانت الشهداء مـحتـملة أن تكون جمع الشهيد الذي هو منصرف للـمعنـيـين اللذين وصفت، فأولـى وجهيه بتأويـل الآية ما قاله ابن عبـاس، وهو أن يكون معناه: واستنصروا علـى أن تأتوا بسورة من مثله أعوانَكم وشهداءَكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم علـى تكذيبكم الله ورسوله ويظاهرونكم علـى كفركم ونفـاقكم إن كنتـم مـحقـين فـي جحودكم أن ما جاءكم به مـحمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء، لتـمتـحنوا أنفسكم وغيركم: هل تقدرون علـى أن تأتوا بسورة من مثله، فـيقدر مـحمد علـى أن يأتـي بجميعه من قبل نفسه اختلاقاً؟

            وأما ما قاله مـجاهد وابن جريج فـي تأويـل ذلك فلا وجه له لأن القوم كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافـاً ثلاثة: أهل إيـمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفـاق بـين ذلك. فأهل الإيـمان كانوا بـالله وبرسوله مؤمنـين، فكان من الـمـحال أن يدّعي الكفـار أن لهم شهداء علـى حقـيقة ما كانوا يأتون به لو أتوا بـاختلاق من الرسالة، ثم ادعوا أنه للقرآن نظير من الـمؤمنـين. فأما أهل النفـاق والكفر فلا شك أنهم لو دُعوا إلـى تـحقـيق البـاطل وإبطال الـحق لسارعوا إلـيه مع كفرهم وضلالهم، فمن أيّ الفريقـين كانت تكون شهداؤهم لو ادّعوا أنهم قد أتوا بسورة من مثل القرآن؟ ولكن ذلك كما قال جل ثناؤه:

            { قُل لَّئِنِ ظ±جْتَمَعَتِ ظ±لإِنْسُ وَظ±لْجِنُّ عَلَىظ° أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }
            [الإسراء: 88] يعنـي بذلك: إن كنتـم فـي شك فـي صدق مـحمد فـيـما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة من مثله، ولـيستنصر بعضكم بعضاً علـى ذلك إن كنتـم صادقـين فـي زعمكم حتـى تعلـموا أنكم إذا عجزتـم عن ذلك أنه لا يقدر علـى أن يأتـي به مـحمد صلى الله عليه وسلم ولا من البِشر أحد، ويصح عندكم أنه تنزيـلـي ووحيـي إلـى عبدي.فأخبر جل ثناؤه فـي هذه الآية أن مثل القرآن لا يأتـي به الـجن والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا علـى الإتـيان به وتـحدّاهم بـمعنى التوبـيخ لهم فـي سورة البقرة، فقال تعالـى: { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىظ° عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ظ±للَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَظ°دِقِينَ }.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #1101
              فإن كان قائل هذه الـمقالة ظنّ أن قوله: { أُوْلَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ ظ±شْتَرَوُاْ ظ±لضَّلَـظ°لَةَ بِظ±لْهُدَىظ° } هو الدلـيـل علـى أن القوم قد كانوا علـى الإيـمان فـانتقلوا عنه إلـى الكفر، فلذلك قـيـل لهم: اشتروا فإن ذلك تأويـل غير مسلـم له، إذ كان الاشتراء عند مخالفـيه قد يكون أخذ شيء بترك آخر غيره، وقد يكون بـمعنى الاختـيار وبغير ذلك من الـمعانـي. والكلـمة إذا احتـملت وجوهاً لـم يكن لأحد صرف معناها إلـى بعض وجوهها دون بعض إلا بحجة يجب التسلـيـم لها.

              قال أبو جعفر: والذي هو أولـى عندي بتأويـل الآية ما روينا عن ابن عبـاس وابن مسعود من تأويـلهما قوله: { ظ±شْتَرَوُاْ ظ±لضَّلَـظ°لَةَ بِظ±لْهُدَىظ° } أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وذلك أن كل كافر بـالله فإنه مستبدل بـالإيـمان كفراً بـاكتسابه الكفر الذي وجد منه بدلاً من الإيـمان الذي أمر به. أَوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول فـيـمن اكتسب كفراً به مكان الإيـمان به وبرسوله:
              { وَمَن يَتَبَدَّلِ ظ±لْكُفْرَ بِظ±لإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ظ±لسَّبِيلِ }

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #1102
                { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

                وكذلك قوله:
                { فَمَنِ ظ±عْتَدَىظ° عَلَيْكُمْ فَظ±عْتَدُواْ عَلَيْهِ }
                [البقرة: 194] فـالعدوان الأول ظلـم، والثانـي جزاء لا ظلـم، بل هو عدل لأنه عقوبة للظالـم علـى ظلـمه وإن وافق لفظه لفظ الأول. وإلـى هذا الـمعنى وجهوا كل ما فـي القرآن من نظائر ذلك مـما هو خبر عن مكر الله جلّ وعزّ بقوم، وما أشبه ذلك.

                وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله جل وعز أخبر عن الـمنافقـين أنهم إذا خـلوا إلـى مردتهم قالوا: إنا معكم علـى دينكم فـي تكذيب مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنـما نـحن بـما نظهر لهم من قولنا لهم صدّقنا بـمـحمد علـيه الصلاة والسلام وما جاء به مستهزءون. يعنون: إنّا نظهر لهم ما هو عندنا بـاطل لا حقٌّ ولا هُدًى. قالوا: وذلك هو معنى من معانـي الاستهزاء. فأخبر الله أنه يستهزىء بهم فـيظهر لهم من أحكامه فـي الدنـيا خلاف الذي لهم عنده فـي الآخرة، كما أظهروا للنبـي صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين فـي الدين ما هم علـى خلافه فـي سرائرهم.

                والصواب فـي ذلك من القول والتأويـل عندنا، أن معنى الاستهزاء فـي كلام العرب: إظهار الـمستهزىء للـمستهزإ به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهراً، وهو بذلك من قـيـله وفعله به مورثه مساءة بـاطناً، وكذلك معنى الـخداع والسخرية والـمكر. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفـاق فـي الدنـيا من الأحكام بـما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بـالله وبرسوله وبـما جاء به من عند الله الـمُدْخِـل لهم فـي عداد من يشمله اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنـين من أحكام الـمسلـمين الـمصدقـين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم الـمـحققة لهم صحة إيـمانهم، مع علـم الله عز وجل بكذبهم، واطلاعه علـى خبث اعتقادهم وشكهم فـيـما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون حتـى ظنوا فـي الآخرة إذ حشروا فـي عداد من كانوا فـي عدادهم فـي الدنـيا أنهم واردون موردهم وداخـلون مدخـلهم، والله جلّ جلاله مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام لـملـحقهم فـي عاجل الدنـيا وآجل الآخرة إلـى حال تـميـيزه بـينهم وبـين أولـيائه وتفريقه بـينهم وبـينهم معدّ لهم من ألـيـم عقابه ونكال عذابه ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وأشرّ عبـاده، حتـى ميز بـينهم وبـين أولـيائه فألـحقهم من طبقات جحيـمه بـالدرك الأسفل. كان معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم، وإن كان جزاء لهم علـى أفعالهم وعدلاً ما فعل من ذلك بهم لاستـحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بـما أظهر لهم من الأمور التـي أظهرها لهم من إلـحاقه أحكامهم فـي الدنـيا بأحكام أولـيائه وهم له أعداء، وحشره إياهم فـي الآخرة مع الـمؤمنـين وهم به من الـمكذّبـين إلـى أن ميز بـينهم وبـينهم، مستهزئاً وساخراً ولهم خادعاً وبهم ماكراً

                إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والـمكر والـخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه فـي حال فـيها الـمستهزىء بصاحبه له ظالـم أو علـيه فـيها غير عادل، بل ذلك معناه فـي كل أحواله إذا وجدت الصفـات التـي قدمنا ذكرها فـي معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره. وبنـحو ما قلنا فـيه رُوي الـخبر عن ابن عبـاس.

                حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } قال: يسخر بهم للنقمة منهم.

                وأما الذين زعموا أن قول الله تعالـى ذكره: { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } إنـما هو علـى وجه الـجواب، وأنه لـم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة فنافون علـى الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه وأوجبه لها. وسواء قال قائل: لـم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بـمن أخبر أنه يستهزىء ويسخر ويـمكر به، أو قال: لـم يخسف الله بـمن أخبر أنه خسف به من الأمـم، ولـم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم. ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لـم نرهم، وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالـى ذكره فـيـما أخبرنا به من ذلك، ولـم نفرّق بـين شيء منه، فما برهانك علـى تفريقك ما فرقت بـينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بـمن أخبر أنه أغرق وخسف به، ولـم يـمكر به أخبر أنه قد مكر به؟ ثم نعكس القول علـيه فـي ذلك فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله. فإن لـجأ إلـى أن يقول إن الاستهزاء عبث ولعب، وذلك عن الله عزّ وجلّ منفـيّ. قـيـل له: إن كان الأمر عندك علـى ما وصفت من معنى الاستهزاء، أفلست تقول: { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } وسخر الله منهم مكر الله بهم، وإن لـم يكن من الله عندك هزء ولا سخرية؟ فإن قال: «لا» كذَّب بـالقرآن وخرج عن ملة الإسلام، وإن قال: «بلـى»، قـيـل له: أفتقول من الوجه الذي قلت: { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } وسخر الله منهم يـلعب الله بهم ويعبث، ولا لعب من الله ولا عبث؟ فإن قال: «نعم»، وصف الله بـما قد أجمع الـمسلـمون علـى نفـيه عنه وعلـى تـخطئة واصفه به، وأضاف إلـيه ما قد قامت الـحجة من العقول علـى ضلال مضيفه إلـيه. وإن قال: لا أقول يـلعب الله به ولا يعبث، وقد أقول يستهزىء بهم ويسخر منهم قـيـل: فقد فرقت بـين معنى اللعب، والعبث، والهزء، والسخرية، والـمكر، والـخديعة. ومن الوجه الذي جازَ قِـيـلُ هذا ولـم يَجُزْ قِـيـلُ هذا افترق معنـياهما، فعلـم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
                ...

                وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي قوله: { وَيَمُدُّهُمْ } أن يكون بـمعنى يزيدهم، علـى وجه الإملاء والترك لهم فـي عتوّهم وتـمرّدهم، كما وصف ربنا أنه فعل بنظرائهم فـي قوله:
                { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَظ°رَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }
                [الأنعام: 110] يعنـي نذرهم ونتركهم فـيه ونـملـي لهم لـيزدادوا إثماً إلـى إثمهم. ولا وجه لقول من قال ذلك بـمعنى «يـمدّ لهم» لأنه لا تَدَافُع بـين العرب وأهل الـمعرفة بلغتها أن يستـجيزوا قول القائل: مدّ النهر نهر آخر، بـمعنى: اتصل به فصار زائداً ماء الـمتصل به بـماء الـمتصل من غير تأوّل منهم، ذلك أن معناه مدّ النهر نهر آخر، فكذلك ذلك فـي قول الله: { وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فِي طُغْيَانِهِمْ }.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #1103
                  فإن قال لنا قائل: أرأيت قوله: { وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىظ° شَيَاطِينِهِمْ } فكيف قـيـل «خـلوا إلـى شياطينهم» ولـم يقل «خـلوا بشياطينهم»؟ فقد علـمت أن الـجاري بـين الناس فـي كلامهم «خـلوت بفلان» أكثر وأفشى من «خـلوت إلـى فلان»، ومن قولك: إن القرآن أفصح البـيان قـيـل: قد اختلف فـي ذلك أهل العلـم بلغة العرب، فكان بعض نـحويـي البصرة يقول: يقال خـلوت إلـى فلان، إذا أريد به: خـلوت إلـيه فـي حاجة خاصة لا يحتـمل إذا قـيـل كذلك إلا الـخلاء إلـيه فـي قضاء الـحاجة. فأما إذا قـيـل: خـلوت به احتـمل معنـيـين: أحدهما الـخلاء به فـي الـحاجة، والآخر: فـي السخرية به، فعلـى هذا القول { وَإذَا خَـلَوْا إلـى شَياطينهمْ } لا شك أفصح منه لو قـيـل: «وإذا خـلوا بشياطينهم» لـما فـي قول القائل: «إذا خـلوا بشياطينهم» من التبـاس الـمعنى علـى سامعيه الذي هو منتف عن قوله: { وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىظ° شَيَاطِينِهِمْ } فهذا أحد الأقوال. والقول الآخر أن توجيه معنى قوله: { وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىظ° شَيَاطِينِهِمْ } أي إذا خـلوا مع شياطينهم، إذ كانت حروف الصفـات يعاقب بعضها بعضاً كما قال الله مخبراً عن عيسى ابن مريـم أنه قال للـحواريـين:
                  { مَنْ أَنصَارِيغ¤ إِلَى ظ±للَّهِ }
                  [آل عمران: 52] يريد مع الله، وكما توضع «علـى» فـي موضع «من» و«فـي» و«عن» و«البـاء»، كما قال الشاعر:
                  إذَا رَضِيَتْ عَلـيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللّهِ أعْجَبَنِـي رِضَاها
                  بـمعنى «عنِّـي».

                  وأما بعض نـحويـي أهل الكوفة فإنه كان يتأوّل أن ذلك بـمعنى: { وَإِذَا لَقُواْ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوغ¤ا آمَنَّا } وإذا صرفوا خلاءهم إلـى شياطينهم فـيزعم أن الـجالب «إلـى» الـمعنى الذي دل علـيه الكلام: من انصراف الـمنافقـين عن لقاء الـمؤمنـين إلـى شياطينهم خالـين بهم، لا قوله «خـلوا».

                  وعلـى هذا التأويـل لا يصلـح فـي موضع «إلـى» غيرها لتغير الكلام بدخول غيرها من الـحروف مكانها.

                  وهذا القول عندي أولـى بـالصواب، لأن لكل حرف من حروف الـمعانـي وجهاً هو به أولـى من غيره، فلا يصلـح تـحويـل ذلك عنه إلـى غيره إلا بحجة يجب التسلـيـم لها. ول«إلـى» فـي كل موضع دخـلت من الكلام حكم وغير جائز سلبها معانـيها فـي أماكنها.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #1104
                    وأولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: إن قول الله تبـارك اسمه: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ظ±لأَرْضِ قَالُوغ¤اْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } نزلت فـي الـمنافقـين الذين كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان معنـياً بها كل من كان بـمثل صفتهم من الـمنافقـين بعدهم إلـى يوم القـيامة. وقد يحتـمل قول سلـمان عند تلاوة هذه الآية: «ما جاء هؤلاء بعد» أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خبراً منه عمن جاء منهم بعدهم ولـما يجيء بعد، لا أنه عنى أنه لـم يـمض مـمن هذه صفته أحد.

                    وإنـما قلنا أولـى التأويـلـين بـالآية ما ذكرنا، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن ذلك صفة من كان بـين ظهرانـي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـمنافقـين، وأن هذه الآيات فـيهم نزلت. والتأويـل الـمـجمع علـيه أولـى بتأويـل القرآن من قول لا دلالة علـى صحته من أصل ولا نظير. والإفساد فـي الأرض: العمل فـيها بـما نهى الله جل ثناؤه عنه، وتضيـيع ما أمر الله بحفظه.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #1105
                      القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }.

                      اختلفت القراءة فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } مخففة الذال مفتوحة الـياء، وهي قراءة معظم أهل الكوفة. وقرأه آخرون: { يُكَذِّبُونَ } بضم الـياء وتشديد الذال، وهي قراءة معظم أهل الـمدينة والـحجاز والبصرة. وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الـياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنـما أوجب للـمنافقـين العذاب الألـيـم بتكذيبهم نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأحد الـيسير من العذاب، فكيف بـالألـيـم منه؟

                      ولـيس الأمر فـي ذلك عندي كالذي قالوا وذلك أن الله عزّ وجلّ أنبأ عن الـمنافقـين فـي أول النبأ عنهم فـي هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإيـمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعاً لله عزّ وجلّ ولرسوله وللـمؤمنـين، فقال:
                      { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَـظ°دِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُوا }
                      [البقرة: 8-9] بذلك من قـيـلهم مع استسرارهم الشك، { وَمَا يَخْدَعُونَ } بصنـيعهم ذلك { إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين، { وَمَا يَشْعُرُونَ } بـموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عزّ وجل إياهم بإملائه لهم فـي قلوبهم شك أي نفـاق وريبة، والله زائدهم شكّاً وريبة بـما كانوا يكذبون الله ورسوله والـمؤمنـين بقولهم بألسنتهم:

                      { ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ }
                      [البقرة: 8] وهم فـي قـيـلهم ذلك كَذَبة لاستسرارهم الشك والـمرض فـي اعتقادات قلوبهم. فـي أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فأولـى فـي حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم علـى ما افتتـح به الـخبر عنهم من قبـيح أفعالهم وذميـم أخلاقهم، دون ما لـم يجز له ذكر من أفعالهم إذ كان سائر آيات تنزيـله بذلك نزل. وهو أن يفتتـح ذكر مـحاسن أفعال قوم ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من أفعالهم، ويفتتـح ذكر مساوىء أفعال آخرين ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم. فكذلك الصحيح من القول فـي الآيات التـي افتتـح فـيها ذكر بعض مساوىء أفعال الـمنافقـين أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من قبـائح أفعالهم، فهذا مع دلالة الآية الأخرى علـى صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأن الصواب من التأويـل ما تأوّلنا من أن وعيد الله الـمنافقـين فـي هذه الآية العذاب الألـيـم علـى الكذب الـجامع معنى الشك والتكذيب، وذلك قول الله تبـارك وتعالـى:
                      { إِذَا جَاءكَ ظ±لْمُنَـظ°فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±للَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ ظ±تَّخَذُواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
                      [المنافقون: 1-2] والآية الأخرى فـي الـمـجادلة:
                      { ظ±تَّخَذْواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }
                      [المجادلة: 16] فأخبر جلّ ثناؤه أن الـمنافقـين بقـيـلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادهم فـيه ما هم معتقدون، كاذبون. ثم أخبر تعالـى ذكره أن العذاب الـمهين لهم علـى ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة علـى ما قرأه القارئون فـي سورة البقرة: { وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } لكانت القراءة فـي السورة الأخرى:
                      { وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ }
                      [المنافقون: 1] لـيكون الوعيد لهم الذي هو عقـيب ذلك وعيداً علـى التكذيب، لا علـى الكذب.

                      وفـي إجماع الـمسلـمين علـى أن الصواب من القراءة فـي قوله:
                      { وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ }
                      [المنافقون: 1] بـمعنى الكذب، وأن إيعاد الله تبـارك وتعالـى فـيه الـمنافقـين العذاب الألـيـم علـى ذلك من كذبهم، أوضح الدلالة علـى أن الصحيح من القراءة فـي سورة البقرة: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } بـمعنى الكذب، وأن الوعيد من الله تعالـى ذكره للـمنافقـين فـيها علـى الكذب حق، لا علـى التكذيب الذي لـم يجز له ذكر نظير الذي فـي سورة الـمنافقـين سواء.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #1106
                        { ظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ظ±لصَّلظ°وةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }

                        وقال بعضهم: بل نزلت هذه الآيات الأربع فـي مؤمنـي أهل الكتاب خاصة، لإيـمانهم بـالقرآن عند إخبـار الله جل ثناؤه إياهم فـيه عن الغيوب التـي كانوا يخفونها بـينهم ويسرّونها، فعلـموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبـيه صلى الله عليه وسلم علـى ذلك منهم فـي تنزيـله أنه من عند الله جل وعز، فآمنوا بـالنبـي صلى الله عليه وسلم وصدقوا بـالقرآن وما فـيه من الإخبـار عن الغيوب التـي لا علـم لهم بها لـما استقرّ عندهم بـالـحجة التـي احتـجّ الله تبـارك وتعالـى بها علـيهم فـي كتابه، من الإخبـار فـيه عما كانوا يكتـمونه من ضمائرهم أن جميع ذلك من عند الله.

                        وقال بعضهم: بل الآيات الأربع من أول هذه السورة أنزلت علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم بوصف جميع الـمؤمنـين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم وأهل الكتابـين و سواهم، وإنـما هذه صفة صنف من الناس، والـمؤمن بـما أنزل الله علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله هو الـمؤمن بـالغيب. قالوا: وإنـما وصفهم الله بـالإيـمان بـما أنزل إلـى مـحمد وبـما أنزل إلـى من قبله بعد تَقَضِّي وصفه إياهم بـالإيـمان بـالغيب لأن وصفه إياهم بـما وصفهم به من الإيـمان بـالغيب كان معنـياً به أنهم يؤمنون بـالـجنة والنار والبعث، وسائر الأمور التـي كلفهم الله جل ثناؤه بـالإيـمان بها مـما لـم يروه ولـم يأت بَعْدُ مـما هو آت، دون الإخبـار عنهم أنهم يؤمنون بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل والكتب. قالوا: فلـما كان معنى قوله:
                        { وَظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }
                        [البقرة: 4]غير موجود فـي قوله: { ظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لْغَيْبِ } كانت الـحاجة من العبـاد إلـى معرفة صفتهم بذلك لـيعرفوهم نظير حاجتهم إلـى معرفتهم بـالصفة التـي وصفوا بها من إيـمانهم بـالغيب لـيعلـموا ما يرضي الله من أفعال عبـاده، ويحبه من صفـاتهم، فـيكونوا به إن وفقهم له ربهم. مؤمنـين. ذكر من قال ذلك:

                        حدثنـي مـحمد بن عمرو بن العبـاس البـاهلـي، قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخـلد، قال: حدثنا عيسى بن ميـمون الـمكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: أربع آيات من سورة البقرة فـي نعت الـمؤمنـين وآيتان فـي نعت الكافرين وثلاث عشرة فـي الـمنافقـين.

                        حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: حدثنا أبـي عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد بـمثله.

                        وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال حدثنا موسى بن مسعود، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

                        وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا عبد الله إبن أبـي جعفر، عن أبـيه عن الربـيع بن أنس، قال: أربع آيات من فـاتـحة هذه السورة يعنـي سورة البقرة فـي الذين آمنوا، وآيتان فـي قادة الأحزاب.

                        وأولـى القولـين عندي بـالصواب وأشبههما بتأويـل الكتاب، القول الأول، وهو: أن الذين وصفهم الله تعالـى ذكره بـالإيـمان بـالغيب، وما وصفهم به جل ثناؤه فـي الآيتـين الأوَّلَتـين غير الذين وصفهم بـالإيـمان بـالذي أنزل علـى مـحمد والذي أنزل إلـى من قبله من الرسل لـما ذكرت من العلل قبل لـمن قال ذلك، ومـما يدل أيضاً مع ذلك علـى صحة هذا القول إنه جَنَّسَ بعد وصف الـمؤمنـين بـالصفتـين اللتـين وصف، وبعد تصنـيفه كل صنف منهما علـى ما صنف الكفـار جِنْسَين، فجعل أحدهما مطبوعاً علـى قلبه مختوماً علـيه مأيوساً من إيـمانه، والآخر منافقاً يرائي بإظهار الإيـمان فـي الظاهر، ويستسرّ النفـاق فـي البـاطن، فصير الكفـار جنسين كما صير الـمؤمنـين فـي أول السورة جنسين.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #1107
                          حدثنـي القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج فـي قوله: { وَلاَ تَكُونُوغ¤اْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } بـالقرآن.

                          قال أبو جعفر: ورُوي عن أبـي العالـية فـي ذلك ما:

                          حدثنـي به الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: { وَلاَ تَكُونُوغ¤اْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } يقول: لا تكونوا أوّل من كفر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم.

                          وقال بعضهم: { وَلاَ تَكُونُوغ¤اْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } يعنـي بكتابكم، ويتأوّل أن فـي تكذيبهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم تكذيبـاً منهم بكتابهم لأن فـي كتابهم الأمر بـاتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم.

                          وهذان القولان من ظاهر ما تدلّ علـيه التلاوة بعيدان. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر الـمخاطبـين بهذه الآية فـي أوّلها بـالإيـمان بـما أنزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، فقال جل ذكره: { وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ } ومعقول أن الذي أنزله الله فـي عصر مـحمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن لا مـحمد، لأن مـحمداً صلوات الله علـيه رسول مرسل لا تنزيـلٌ مُنزل، والـمنزل هو الكتاب. ثم نهاهم أن يكونوا أوّل من يكفر بـالذي أمرهم بـالإيـمان به فـي أوّل الآية من أهل الكتاب. فذلك هو الظاهر الـمفهوم، ولـم يجر لـمـحمد صلى الله عليه وسلم فـي هذه الآية ذكر ظاهر فـيعاد علـيه بذكره مكنـيًّا فـي قوله: { وَلاَ تَكُونُوغ¤اْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } وإن كان غير مـحال فـي الكلام أن يذكر مكنـيُّ اسم لـم يجر له ذكر ظاهر فـي الكلام. وكذلك لا معنى لقول من زعم أن العائد من الذكر فـي «به» علـى «ما» التـي فـي قوله: { لِّمَا مَعَكُمْ } لأنّ ذلك وإن كان مـحتـمل ظاهر الكلام فإنه بعيد مـما يدلّ علـيه ظاهر التلاوة والتنزيـل، لـما وصفنا قبل من أن الـمأمور بـالإيـمان به فـي أوّل الآية هو القرآن، فكذلك الواجب أن يكون الـمنهي عن الكفر به فـي آخرها هو القرآن.

                          وأما أن يكون الـمأمور بـالإيـمان به غير الـمنهي عن الكفر به فـي كلام واحد وآية واحدة، فذلك غير الأشهر الأظهر فـي الكلام، هذا مع بعد معناه فـي التأويـل

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #1108
                            وأخرج جلّ ذكره قوله: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } مخرج العموم، وهو يريد به خصوصاً لأن الـمعنى: وإنـي فضلتكم علـى عالـم من كنتـم بـين ظهريه وفـي زمانه. كالذي:

                            حدثنا به مـحمد بن عبد الأعلـى الصنعانـي، قال: حدثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } قال: فضلهم علـى عالـم ذلك الزمان.

                            حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } قال: بـما أعطوا من الـملك والرسل والكتب علـى عالـم من كان فـي ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالـماً.

                            حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد فـي قوله: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } قال: علـى من هم بـين ظهرانـيه.

                            وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: علـى من هم بـين ظهرانـيه.

                            وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } قال: عالـم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله:
                            { وَلَقَدِ ظ±خْتَرْنَاهُمْ عَلَىظ° عِلْمٍ عَلَى ظ±لْعَالَمِينَ }
                            [الدخان: 32] قال: هذه لـمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فـيهم القردة وهم أبغض خـلقه إلـيه، وقال لهذه الأمة:
                            { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
                            [آل عمران: 110] قال: هذه لـمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب مـحارمه.

                            قال أبو جعفر: والدلـيـل علـى صحة ما قلنا من أن تأويـل ذلك علـى الـخصوص الذي وصفنا ما:

                            حدثنـي به يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنا ابن علـية، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر جميعا، عن بهز بن حكيـم، عن أبـيه، عن جده. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا إنّكُمْ وَفّـيْتُـمْ سَبْعِين أُمّةً " قال يعقوب فـي دحديثه: «أنتـم آخرها». وقال الـحسن: «أنتـم خيرها وأكرمها علـى الله». فقد أنبأ هذا الـخبر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن بنـي إسرائيـل لـم يكونوا مفضلـين علـى أمة مـحمد علـيه الصلاة والسلام، وأن معنى قوله: وقوله: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } علـى ما بـينا من تأويـله. وقد أتـينا علـى بـيان تأويـل قوله: { ظ±لْعَظ°لَمِينَ } بـما فـيه الكفـاية فـي غير هذا الـموضع، فأغنى ذلك عن إعادته.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #1109
                              قال أبو جعفر: والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلـم كان ذبح آل فرعون أبناء بنـي إسرائيـل واستـحياؤهم نساءهم، فتأويـل قوله إذا علـى ما تأوّله الذين ذكرنا قولهم: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ }: يستبقونهن فلا يقتلونهن.

                              وقد يجب علـى تأويـل من قال بـالقول الذي ذكرنا عن ابن عبـاس وأبـي العالـية والربـيع بن أنس والسدي فـي تأويـل قوله: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ }: أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن أن يكون جائزاً أن تسمى الطفلة من الإناث فـي حال صبـاها وبعد ولادها امرأة، والصبـايا الصغار وهن أطفـال: نساء، لأنهم تأوّلوا قول الله جل وعزّ: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ }: يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن.

                              وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج، فقال بـما:

                              حدثنا به القاسم بن الـحسن، قال: حدثنا الـحسين بن داود، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج قوله: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } قال: يسترقّون نساءكم.

                              فحاد ابن جريج بقوله هذا عما قاله من ذكرنا قوله فـي قوله: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } إنه استـحياء الصبـايا الأطفـال، قال: إذ لـم نـجدهن يـلزمهن اسم نساء. ثم دخـل فـيـما هو أعظم مـما أنكر بتأويـله «ويستـحيون» يسترقّون، وذلك تأويـل غير موجود فـي لغة عربـية ولا عجمية، وذلك أن الاستـحياء إنـما هو الاستفعال من الـحياة نظير الاستبقاء من البقاء والاستسقاء من السقـي، وهو معنى من الاسترقاق بـمعزل.

                              وقد قال آخرون: قوله { يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ } بـمعنى يذبحون رجالكم آبـاء أبنائكم. وأنكروا أن يكون الـمذبوحون الأطفـال، وقد قرن بهم النساء. فقالوا: فـي إخبـار الله جل ثناؤه إن الـمستـحين هم النساء الدلالة الواضحة علـى أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبـيان، لأن الـمذبحين لو كانوا هم الأطفـال لوجب أن يكون الـمستـحيون هم الصبـايا. قالوا: وفـي إخبـار الله عزّ وجل أنهم النساء ما يبـين أن الـمذبحين هم الرجال. وقد أغفل قائلوا هذه الـمقالة مع خروجهم من تأويـل أهل التأويـل من الصحابة والتابعين موضع الصواب، وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلـى أمّ موسى أنه أمرها أن ترضع موسى، فإذا خافت علـيه أن تلقـيه فـي التابوت ثم تلقـيه فـي الـيـم. فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنـما يقتلون الرجال ويتركون النساء لـم يكن بأمّ موسى حاجة إلـى إلقاء موسى فـي الـيـمّ، أو لو أن موسى كان رجلاً لـم تـجعله أمه فـي التابوت ولكن ذلك عندنا علـى ما تأوّله ابن عبـاس ومن حكينا قوله قبل من ذبح آل فرعون الصبـيان وتركهم من القتل الصبـايا.

                              وإنـما قـيـل: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } إذ كان الصبـايا داخلات مع أمهاتهن، وأمهاتهن لا شك نساء فـي الاستـحياء، لأنهم لـم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبـارهن، فقـيـل: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } يعنـي بذلك الوالدات والـمولودات كما يقال: قد أقبل الرجال وإن كان فـيهم صبـيان، فكذلك قوله: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ }......

                              وقال ابن زيد فـي ذلك بـما:

                              حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألته، يعنـي ابن زيد، عن قول الله عز وجل: { وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ظ±لْكِتَابَ وَظ±لْفُرْقَانَ } فقال: أما الفرقان الذي قال الله جل وعز:
                              { يَوْمَ ظ±لْفُرْقَانِ يَوْمَ ظ±لْتَقَى ظ±لْجَمْعَانِ }
                              [الأنفال: 41] فذلك يوم بدر، يوم فرق الله بـين الـحق والبـاطل، والقضاءُ الذي فرق به بـين الـحق والبـاطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان، فرق الله بـينهم، وسلـمه الله وأنـجاه فرق بـينهم بـالنصر، فكما جعل الله ذلك بـين مـحمد والـمشركين، فكذلك جعله بـين موسى وفرعون.

                              قال أبو جعفر: وأولـى هذين التأويـلـين بتأويـل الآية ما رُوي عن ابن عبـاس وأبـي العالـية ومـجاهد، من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى فـي هذا الـموضع هو الكتاب الذي فرق به بـين الـحقّ والبـاطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. فـيكون تأويـل الآية حينئذ: وإذ آتـينا موسى التوراة التـي كتبناها له فـي الألواح، وفرقنا بها بـين الـحقّ والبـاطل. فـيكون الكتاب نعتاً للتوراة أقـيـم مقامها استغناءً به عن ذكر التوراة، ثم عطف علـيه بـالفرقان، إذ كان من نعتها. وقد بـينا معنى الكتاب فـيـما مضى من كتابنا هذا، وأنه بـمعنى الـمكتوب. وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بـالآية وإن كان مـحتـملاً غيره من التأويـل، لأن الذي قبله ذكر الكتاب، وأن معنى الفرقان الفصل، وقد دللنا علـى ذلك فـيـما مضى من كتابنا هذا، فإلـحاقه إذ كان كذلك بصفة ما ولـيه أَوْلـى من إلـحاقه بصفة ما بعد منه.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #1110
                                والذي هو أقرب عندي فـي ذلك إلـى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب، أن يكون رفع حطة بنـية خبر مـحذوف قد دل علـيه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا البـاب سجداً حطة، فكفـى من تكريره بهذا اللفظ ما دل علـيه الظاهر من التنزيـل، وهو قوله: { وَظ±دْخُلُواْ ظ±لْبَابَ سُجَّداً } كما قال جل ثناؤه:
                                { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ظ±للَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىظ° رَبِّكُمْ }
                                [الأعراف: 164] يعنـي موعظتنا إياهم معذرة إلـى ربكم. فكذلك عندي تأويـل قوله: { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } يعنـي بذلك: { وَإِذْ قُلْنَا ظ±دْخُلُواْ هَـظ°ذِهِ ظ±لْقَرْيَةَ... وَظ±دْخُلُواْ ظ±لْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ } دخولنا ذلك سجداً { حُطّةٌ } لذنوبنا، وهذا القول علـى نـحو تأويـل الربـيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفـا.

                                وأما علـى تأويـل قول عكرمة، فإن الواجب أن تكون القراءة بـالنصب فـي «حطة»، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: لا إلظ°ه إلا الله، أو أن يقولوا: نستغفر الله، فقد قـيـل لهم: قولوا هذا القول، ف«قولوا» واقع حينئذٍ علـى الـحطة، لأن الـحطة علـى قول عكرمة هي قول لا إلظ°ه إلا الله، وإذ كانت هي قول لا إلظ°ه إلا الله، فـالقول علـيها واقع، كما لو أمر رجل رجلاً بقول الـخير، فقال له: «قل خيراً» نصبـاً، ولـم يكون صوابـاً أن يقول له «قل خير» إلا علـى استكراه شديد.

                                وفـي إجماع القراء علـى رفع «الـحطة» بـيان واضح علـى خلاف الذي قاله عكرمة من التأويـل فـي قوله: { وَقُولُوا حِطّةٌ }. وكذلك الواجب علـى التأويـل الذي رويناه عن الـحسن وقتادة فـي قوله: { وَقُولُوا حِطّةٌ } أن تكون القراءة فـي «حطة» نصبـاً، لأن من شأن العرب إذا وضعوا الـمصادر مواضع الأفعال وحذفوا الأفعال أن ينصبوا الـمصادر، كما قال الشاعر:
                                أُبِـيدوا بأيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْ علـى أُمّهاتِ الهَامِ ضَرْبـا شآمِيَا
                                وكقول القائل للرجل: سمعاً وطاعة، بـمعنى: أسمع سمعاً وأطيع طاعة، وكما قال جل ثناؤه: مَعَاذ الله بـمعنى: نعوذ بـالله.

                                .....
                                وقد دللنا علـى أن تأويـل الرجز: العذاب. وعذابُ الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل علـى الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء، وجائز أن يكون ذلك طاعونا، وجائز أن يكون غيره، ولا دلالة فـي ظاهر القرآن ولا فـي أثر عن الرسول ثابت أيّ أصناف ذلك كان.

                                فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال كما قال الله عزّ وجل: { فَأَنزَلْنَا عَلَى ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ } بفسقهم. غير أنه يغلب علـى النفس صحة ما قاله ابن زيد للـخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي إخبـاره عن الطاعون أنه رجز، وأنه عذّب به قوم قبلنا. وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقـيناً لأن الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بـيان فـيه أيّ أمة عذّبت بذلك. وقد يجوز أن يكون الذين عذّبوا به كانوا غير الذين وصف الله صفتهم فـي قوله: { فَبَدَّلَ ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ظ±لَّذِي قِيلَ لَهُمْ }.

                                تعليق

                                يعمل...