إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #691
    وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب: قراءة من قرأ { إنْ هَذَا إلاَّ خُـلُقُ الأوّلِـينَ } بضمّ الـخاء واللام، بـمعنى: إن هذا إلا عادة الأوّلـين ودينهم، كما قال ابن عبـاس، لأنهم إنـما عُوتبوا علـى البنـيان الذي كانوا يتـخذونه، وبطشهم بـالناس بطش الـجبـابرة، وقلة شكرهم ربهم فـيـما أنعم علـيهم، فأجابوا نبـيهم بأنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك، احتذاءً منهم سنة من قبلهم من الأمـم، واقتفـاءً منهم آثارهم، فقالوا: ما هذا الذي نفعه إلا خُـلق الأوّلـين، يَعنون بـالـخُـلق: عادةَ الأوّلـين.

    ويزيد ذلك بـيانا وتصحيحا لـما اخترنا من القراءة والتأويـل، قولهُم: { وَما نَـحْنُ بِـمُعَذَّبِـينَ } لأنهم لو كانوا لا يُقرّون بأن لهم ربـاً يقدر علـى تعذيبهم، ما قالوا { وَما نَـحْنُ بِـمَعَذَّبِـينَ } بل كانوا يقولون: إنْ هذا الذي جئتنا به يا هود إلا خـلق الأوّلـين، وما لنا من معذِّب يعذّبنا، ولكنهم كانوا مقرّين بـالصانع، ويعبدون الآلهة، علـى نـحو ما كان مشركو العرب يعبدونها، ويقولون
    { إنَّها تُقَرّبُنا إلـى اللَّهِ زُلْفَـى }
    ، فلذلك قالوا لهود وهم منكرون نبوّته:
    { سَوَاءٌ عَلَـيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَـمْ تَكُنْ مِنَ الَواعِظِينَ }
    ثم قالوا له: ما هذا الذي نفعله إلا عادة من قبلنا وأخلاقهم، وما الله معذّبنا علـيه، كما أخبرنا تعالـى ذكره عن الأمـم الـخالـية قبلنا، أنهم كانوا يقولون لرسلهم:
    { إنَّا وَجَدْنا آبـاءَنا عَلـى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلـى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ }

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #692
      وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: الهضيـم: هو الـمتكسر من لـينه ورطوبته، وذلك من قولهم: هضم فلان حقه: إذا انتقصه وتـحيَّفه، فكذلك الهضم فـي الطلع، إنـما هو التنقص منه من رطوبته ولـينه إما بـمسّ الأيدي، وإما بركوب بعضه بعضاً، وأصله مفعول صرف إلـى فعيـل....

      والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأها { فـارِهِينَ } وقراءة من قرأ «فَرِهِينَ» قراءتان معروفتان، مستفـيضة القراءة بكل واحدة منهما فـي علـماء القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. ومعنى قراءة من قرأ { فـارِهِينَ }: حاذقـين بنـحتها، متـخبرين لـمواضع نـحتها، كيسين، من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ «فَرِهِينَ»: مَرِحين أشرين. وقد يجوز أن يكون معنى فَـارِه وفَرِه واحدا، فـيكون فـاره مبنـيا علـى بنائه، وأصله من فعل يفعل، ويكون فره صفة، كما يقال: فلان حاذق بهذا الأمر وحَذِق. ومن الفـاره بـمعنى الـمرح قول الشاعر عديّ بن وادع العوفـي من الأزد:
      لا أسْتَكِينُ إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ وَلَنْ تَرَانِـي بِخَيْرٍ فـارِهَ الطَّلَبِ
      أي مرح الطلب.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #693
        حدثنـي مـحمد بن عبـيد، قال: ثنا موسى بن عمرو، عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، فـي قوله { إنَّـمَا أنْتَ مِنَ الـمُسَحَّرِينَ } قال: من الـمخـلوقـين.

        واختلف أهل الـمعرفة بكلام العرب فـي معنى ذلك، فكان بعض أهل البصرة يقول: كلّ من أكل من إنس أو دابة فهو مسحَّر، وذلك لأن له سَحْراً يَقْرِي ما أكل فـيه، واستشهد علـى ذلك بقول لَبـيد:
        فإنْ تَسْأَلَـينا فِـيـمَ نَـحْنُ فإنَّنا عَصَافِـيرُ مِنْ هَذَا الأنامِ الـمُسَحَّرِ
        وقال بعض نـحويِّـي الكوفـيـين نـحو هذا، غير أنه قال: أخذ من قولك: انتفخ سَحْرُك: أي أنك تأكل الطعام والشراب، فتُسَحَّر به وتُعَلَّل. وقال: معنى قول لبـيد: «من هذا الأنام الـمسحرَّ»: من هذا الأنام الـمعَّلل الـمخدوع. قال: ويُروى أن السِّحْر من ذلك، لأنه كالـخديعة.

        والصواب من القول فـي ذلك عندي: القول الذي ذكرته عن ابن عبـاس، أن معناه: إنـما أنت من الـمخـلوقـين الذين يُعْلَّلون بـالطعام والشراب مثلنا، ولـيست ربـا ولا ملكا فنطيعَك، ونعلـم أنك صادق فـيـما تقول. والـمسحَّر: الـمفعل من السحرة، وهو الذي له سحرة.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #694
          حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله { كَذَّبَ أصَحابُ الأَيْكَةِ الـمُرْسَلِـينَ } قال: الأيكة: الشجر، بعث الله شعيبـاً إلـى قومه من أهل مدين، وإلـى أهل البـادية، قال: وهم أصحاب لـيكة، ولـيكة والأيكة: واحد.]

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #695
            واختلف القرّاء فـي قراءة قوله { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ } فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والبصرة { نَزَلَ } بهِ مخففة { الرُّوحُ الأَمِينُ } رفعا بـمعنى: أن الروح الأمين هو الذي نزل بـالقرآن علـى مـحمد، وهو جبريـل. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة { نَزَّلَ } مشددة الزاي { الرُّوحَ الأَمِينَ } نصبـا، بـمعنى: أن ربّ العالـمين نزّل بـالقرآن الروح الأمين، وهو جبريـل علـيه السلام.

            والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قرّاء الأمصار، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن الروح الأمين إذا نزل علـى مـحمد بـالقرآن، لـم ينزل به إلا بأمر الله إياه بـالنزول، ولن يجهل أن ذلك كذلك ذو إيـمان بـالله، وأن الله إذا أنزله به نزل. وبنـحو الذي قلنا فـي أن الـمعنـيّ بـالروح الأمين فـي هذا الـموضع جبريـل قال أهل التأويـل.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #696
              حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: { كذَلكَ سَلَكْناهُ } قال: الكفر { فِـي قُلُوبِ الـمُـجْرِمِينَ }.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #697
                وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتصرّفك فـي أحوالك كما كانت الأنبـياء من قبلك تفعله، والساجدون فـي قول قائل هذا القول: الأنبـياء. ذكر من قال ذلك:

                حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، فـي قوله: { الَّذِي يَرَاكَ... } الآية، قال: كما كانت الأنبـياء من قبلك.

                قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بتأويـله قول من قال تأويـله: ويرى تقلبك مع الساجدين فـي صلاتهم معك، حين تقوم معهم وتركع وتسجد، لأن ذلك هو الظاهر من معناه. فأما قول من وجَّهه إلـى أن معناه: وتقلبك فـي الناس، فإنه قول بعيد من الـمفهوم بظاهر التلاوة، وإن كان له وجه، لأنه وإن كان لا شيء إلا وظله يسجد لله، فإنه لـيس الـمفهوم من قول القائل: فلان مع الساجدين، أو فـي الساجدين، أنه مع الناس أو فـيهم، بل الـمفهوم بذلك أنه مع قوم سجود، السجودَ الـمعروف، وتوجيه معانـي كلام الله إلـى الأغلب أولـى من توجيهه إلـى الأنكر. وكذلك أيضاً فـي قول من قال: معناه: تتقلَّب فـي أبصار الساجدين، وإن كان له وجه، فلـيس ذلك الظاهر من معانـيه.

                فتأويـل الكلام إذن: وتوكل علـى العزيز الرحيـم، الذي يراك حين تقوم إلـى صلاتك، ويرى تقلبك فـي الـمؤتـمين بك فـيها بـين قـيام وركوع وسجود وجلوس.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #698
                  قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال فـيه ما قال الله جلّ ثناؤه: إن شعراء الـمشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الـجنّ، وذلك أن الله عمّ بقوله: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ } فلـم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض، فذلك علـى جميع أصناف الغواة التـي دخـلت فـي عموم الآية....

                  وقال آخرون: بل ذلك فـي شعرهم.

                  ذكر من قال ذلك:

                  حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله { وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِـيراً } قال: ذكروا الله فـي شعرهم.

                  قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الذين استثناهم من شعراء الـمؤمنـين بذكر الله كثـيراً، ولـم يخص ذكرهم الله علـى حال دون حال فـي كتابه، ولا علـى لسان رسوله، فصفتهم أنهم يذكرون الله كثـيراً فـي كلّ أحوالهم....

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #699
                    سورة النمل

                    واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: «بِشِهابِ قَبَسٍ» بإضافة الشهاب إلـى القبس، وترك التنوين، بـمعنى: أو آتـيكم بشعلةِ نارٍ أقتبسها منها. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: { بشِهابٍ قَبَسٍ } بتنوين الشهاب وترك إضافته إلـى القبس، يعنـي: أو آتـيكم بشهاب مقتبس.

                    والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان فـي قَرَأة الأمصار، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وكان بعض نـحويـيِّ البصرة يقول: إذا جُعل القبس بدلاً من الشهاب، فـالتنوين فـي الشهاب، وإن أضاف الشهاب إلـى القبس، لـم ينوّن الشهاب. وقال بعض نـحويـيِّ الكوفة: إذا أضيف الشهاب إلـى القبس فهو بـمنزلة قوله
                    { وَلَدَارُ الآخِرَةِ }
                    مـما يضاف إلـى نفسه إذا اختلف اسماه ولفظاه توهماً بـالثانـي أنه غير الأوّل. قال: ومثله حبة الـخضراء، ولـيـلة القمراء، ويوم الـخميس وما أشبهه. وقال آخر منهم: إن كان الشهاب هو القبس لـم تـجز الإضافة، لأن القبس نعت، ولا يُضاف الاسم إلـى نعته إلا فـي قلـيـل من الكلام، وقد جاء:
                    { وَلَدَارُ الآخِرَةِ }
                    و
                    { وَللَدَّارُ الآخِرَةُ }


                    والصواب من القول فـي ذلك أن الشهاب إذا أريد به أنه غير القبس، فـالقراءة فـيه بـالإضافة، لأن معنى الكلام حينئذ، ما بـينا من أنه شعلة قبس، كما قال الشاعر:
                    فـي كَفِّه صَعْدَةٌ مُشَقَّـفَةٌ فِـيها سِنانٌ كشُعْلَةِ القَبَسِ
                    وإذا أريد بـالشهاب أنه هو القبس، أو أنه نعت له، فـالصواب فـي الشهاب التنوين، لأن الصحيح فـي كلام العرب ترك إضافة الاسم إلـى نعته، وإلـى نفسه، بل الإضافـات فـي كلامها الـمعروف إضافة الشيء إلـى غير نفسه وغير نعته.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #700
                      قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي قوله { إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ ثُم بَدَّلَ } عندي غير ما قاله هؤلاء الذين حكيناً قولهم من أهل العربـية، بل هو القول الذي قاله الـحسن البصري وابن جُرَيج ومن قال قولهما، وهو أن قوله: { إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ } استثناء صحيح من قوله { لا يَخافُ لَدَيَّ الـمُرْسَلُونَ إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ } منهم فأتـى ذنبـا، فإنه خائف لديه من عقوبته. وقد بـين الـحسن رحمه الله معنى قـيـل الله لـموسى ذلك، وهو قوله قال: إنـي إنـما أخفتك لقتلك النفس.

                      فإن قال قائل: فما وجه قـيـله إن كان قوله { إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ } استثناءً صحيحاً، وخارجاً من عداد من لا يخاف لديه من الـمرسلـين، وكيف يكون خائفـا من كان قد وُعد الغفران والرحمة؟ قـيـل: إن قوله: { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءِ } كلام آخر بعد الأوّل، وقد تناهى الـخبر عن الرسل من ظلـم منهم، ومن لـم يظلـم عند قوله { إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ } ثم ابتدأ الـخبر عمن ظلـم من الرسل، وسائر الناس غيرهم. وقـيـل: فمن ظلـم ثم بدّل حسناً بعد سوء فإنـي له غفور رحيـم.

                      فإن قال قائل: فعلام تعطف إن كان الأمر كما قلت بثم إن لـم يكن عطفـا علـى قوله: { ظَلَـمَ }؟ قـيـل: علـى متروك استغنـي بدلالة قوله { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ } علـيه عن إظهاره، إذ كان قد جرى قبل ذلك من الكلام نظيره، وهو: فمن ظلـم من الـخـلق. وأما الذين ذكرنا قولهم من أهل العربـية، فقد قالوا علـى مذهب العربـية، غير أنهم أغفلوا معنى الكلـمة وحملوها علـى غير وجهها من التأويـل. وإنـما ينبغي أن يحمل الكلام علـى وجهه من التأويـل، ويـلتـمس له علـى ذلك الوجه للإعراب فـي الصحة مخرج لا علـى إحالة الكلـمة عن معناها ووجهها الصحيح من التأويـل.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #701
                        وقال آخرون: بل معناه: فهم يتقدمون.

                        ذكر من قال ذلك:

                        حدثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان عن معمر، قال: قال الـحسن: { يُوزَعُونَ } يتقدمون.

                        قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: معناه: يردّ أوّلهم علـى آخرهم وذلك أن الوازع فـي كلام العرب هو الكافّ، يقال منه: وزع فلان فلاناً عن الظلـم: إذا كفَّه عنه، كما قال الشاعر:
                        ألَـمْ يَزَعِ الهَوَى إذْ لَـمْ يُؤَاتِ بَلـى وَسَلَوْتُ عَنْ طَلَب الفَتاةِ
                        وقال آخر:
                        عَلـى حِينَ عاتَبْتُ الـمَشيبَ عَلـى الصّبـا وقُلْتُ ألَـمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وَازعُ
                        وإنـما قـيـل للذين يدفعون الناس عن الولاة والأمراء وزعة: لكفهم إياهم عنه.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #702
                          فقد اختلف عبد الله بن سلام والقائلون بقوله ووهب بن منبه، فقال عبد الله: كان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه لـيستـخبره عن بُعد الـماء فـي الوادي الذي نزل به فـي مسيره. وقال وهب بن منبه: كان تفقده إياه وسؤاله عنه لإخلاله بـالنوبة التـي كان ينوبها والله أعلـم بأيّ ذلك كان إذ لـم يأتنا بأيّ ذلك كان تنزيـل، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح.

                          فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن سلـيـمان أنه تفقد الطير، إما للنوبة التـي كانت علـيها وأخـلت بها، وإما لـحاجة كانت إلـيها عن بُعد الـماء....

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #703
                            اختلف القرّاء، فـي قراءة قوله { ألاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ } فقرأ بعض الـمكيـين وبعض الـمدنـيـين والكوفـيـين «ألاَ» بـالتـخفـيف، بـمعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فأضمروا «هؤلاء» اكتفـاء بدلاة «يا» علـيها. وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمنا، ألا يا تصدّق علـينا واستشهد أيضا ببـيت الأخطل:
                            ألا يا اسْلَـمي يا هِنْدُ هنْدَ نَبِـي بَدرِ وَإنْ كانَ حَيَّانا عِدا آخِرَ الدَّهْرِ
                            فعلـى هذه القراءة اسجدوا فـي هذا الـموضع جزم، ولا موضع لقوله «ألا» فـي الإعراب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة والبصرة { ألاَّ يَسْجُدوا } بتشديد ألاَّ، بـمعنى: وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله «ألاَّ» فـي موضع نصب لـما ذكرت من معناه أنه لئلا، ويسجدوا فـي موضع نصب بأن.

                            والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قراءة الأمصار قد قرأ بكلّ واحدة منهما علـماء من القرّاء مع صحة معنـيـيهما....

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #704
                              فـاختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك فقال بعضهم: معناه: اذهب بكتابـي هذا، فألقه إلـيهم، فـانظر ماذا يَرْجِعون، ثم تولّ عنهم منصرفـاً إلـيّ، فقال: هو من الـمؤخَّر الذي معناه التقديـم.

                              ذكر من قال ذلك:

                              حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: فأجابه سلـيـمان، يعنـي أجاب الهدهد لَـمّا فرغ: { قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِـينَ. اذْهَبْ بكِتابِـي هَذَا فَألْقِهْ إلَـيْهِمْ } وانظر ماذا يرجعون، ثم تولّ عنهم منصرفـاً إلـيّ. وقال: وكانت لها كَوّة مستقبلةُ الشمس، ساعة تطلع الشمس تطلع فـيها فتسجد لها، فجاء الهدهد حتـى وقع فـيها فسدّها، واستبطأت الشمس، فقامت تنظر، فرمى بـالصحيفة إلـيها من تـحت جناحه، وطار حتـى قامت تنظر الشمس.

                              قال أبو جعفر: فهذا القول من قول ابن زيد يدلّ علـى أن الهدهد تولـى إلـى سلـيـمان راجعاً، بعد إلقائه الكتاب، وأن نظره إلـى الـمرأة ما الذي ترجع وتفعل كان قبل إلقائه كتاب سلـيـمان إلـيها.

                              وقال آخرون: بل معنى ذلك: اذهب بكتابـي هذا فألقه إلـيهم، ثم تولّ عنهم، فكن قريبـاً منهم، وانظر ماذا يرجعون قالوا: وفعل الهدهد، وسمع مراجعة الـمرأة أهل مـملكتها، وقولها لهم:
                              { إنّـي أُلْقِـيَ إلـيَّ كِتابٌ كَرِيـمٌ، إنَّهُ مِنْ سُلَـيْـمانَ، وَإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ }
                              وما بعد ذلك من مراجعة بعضهم بعضاً.

                              ذكر من قال ذلك:

                              حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قوله: { فَأَلْقِهْ إلَـيْهمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ }: أي كن قريبـاً { فـانْظُرْ ماذَا يَرْجِعُونَ }. وهذا القول أشبه. بتأويـل الآية، لأن مراجعة الـمرأة قومها، كانت بعد أن ألقـي إلـيها الكتاب، ولـم يكن الهدهد لـينصرف وقد أُمر بأن ينظر إلـى مراجعة القوم بـينهم ما يتراجعونه قبل أن يفعل ما أمره به سليمان.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #705
                                وقال آخرون: بل فعل ذلك سلـيـمان لـيعاتبها به، ويختبر به عقلها، هل تثبته إذا رأته، أم تنكره؟ ذكر من قال ذلك:

                                حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أعلـم الله سلـيـمان أنها متأتـيه، فقال: { أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ } حتـى يعاتبها، وكانت الـملوك يتعاتبون بـالعلـم.

                                واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله { قَبْلَ أن يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ } فقال بعضهم: معناه: قبل أن يأتونـي مستسلـمين طوعاً.

                                ذكر من قال ذلك:

                                حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { وقبْل أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ } يقول: طائعين.

                                وقال آخرون: بل معنى ذلك: قبل أن يأتونـي مسلـمين الإسلام الذي هو دين الله.

                                ذكر من قال ذلك:

                                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج { أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ } بحرمة الإسلام فـيـمنعهم وأموالهم، يعنـي الإسلام يـمنعهم.

                                قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي السبب الذي من أجله خصّ سلـيـمان بسؤاله الـملأ من جنده بإحضاره عرش هذه الـمرأة دون سائر ملكها عندنا، لـيجعل ذلك حجة علـيها فـي نبوّته، ويعرّفها بذلك قُدرة الله وعظيـم شأنه، أنها خـلَّفته فـي بـيت فـي جوف أبـيات، بعضها فـي جوف بعض، مغلق مقـفل علـيها، فأخرجه الله من ذلك كله، بغير فتـح أغلاق وأقـفـال، حتـى أوصله إلـى وَلِـيِّة من خـلقه، وسلـمه إلـيه، فكان لها فـي ذلك أعظم حجة، علـى حقـيقة ما دعا لها إلـيه سلـيـمان، وعلـى صدق سلـيـمان فـيـما أعلـمها من نبوّته...

                                فأما الذي هو أولـى التأويـلـين فـي قوله { قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ } بتأويـله، فقول ابن عبـاس الذي ذكرناه قبل، من أن معناه طائعين، لأن الـمرأة لـم تأت سلـيـمان إذ أتته مسلـمة، وإنـما أسلـمت بعد مقدمها علـيه وبعد مـحاورة جرت بـينهما ومساءلة.)...

                                قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: قبل أن يرجع إلـيك طرفك من أقصى أثره، وذلك أن معنى قوله { يَرَتَدَّ إلَـيْكَ } يرجع إلـيك البصر، إذا فتـحت العين غير راجع، بل إنـما يـمتدّ ماضيا إلـى أن يتناهى ما امتدّ نوره. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله إنـما أخبرنا عن قائل ذلك { أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ } لـم يكن لنا أن نقول: أنا آتـيك به قبل أن يرتدّ راجعاً { إلَـيْكَ طَرْفُكَ } من عند منتهاه....

                                تعليق

                                يعمل...