إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #706
    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد { وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دونِ اللَّهِ } قال: كفرها بقضاء الله، صدها أن تهتدي للـحق.

    ولو قـيـل: معنى ذلك: وصدّها سلـيـمان ما كانت تعبد من دون الله، بـمعنى: منعها وحال بـينها وبـينه، كان وجهاً حسناً. ولو قـيـل أيضاً: وصدّها الله ذلك بتوفـيقها للإسلام، كان أيضاً وجهاً صحيحاً....

    وقوله: { إنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ } يقول: إن هذه الـمرأة كانت كافرة من قوم كافرين. وكسرت الألف من قوله «إنها» علـى الابتداء. ومن تأول قوله: { وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ } التأويـل الذي تأولنا، كانت «ما» من قوله { ما كانَتْ تَعْبُدُ } فـي موضع رفع بـالصد، لأن الـمعنى فـيه لـم يصدها عن عبـادة الله جهلها، وأنها لا تعقل، إنـما صدها عن عبـادة الله عبـادتها الشمس والقمر، وكان ذلك من دين قومها وآبـائها، فـاتبعت فـيه آثارهم. ومن تأوله علـى الوجهين الآخرين كانت «ما» فـي موضع نصب.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #707
      وقـيـل: إن سلـيـمان إنـما أمر ببناء الصرح علـى ما وصفه الله، لأن الـجنّ خافت من سلـيـمان أن يتزوّجها، فأرادوا أن يزهدوه فـيها، فقالوا: إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الـجنّ، فأراد سلـيـمان أن يعلـم حقـيقة ما أخبرته الـجنّ من ذلك.

      ذكر من قال ذلك:

      حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب القرظيّ، قال: قالت الـجنّ لسلـيـمان تزهِّدهِ فـي بِلقـيس: إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الـجنّ فأمر سلـيـمان بـالصرح، فعُمل، فسجن فـيه دواب البحر: الـحِيتان، والضفـادع فلـما بصرت بـالصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابـاً يقتلنـي به إلا الغرق { فَحَسِبَتْهُ لُـجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَـيْها } قال: فإذا (هي) أحسن الناس ساقاً وقدماً. قال: فضنّ سلـيـمان بساقها عن الـموسى، قال: فـاتُّـخذت النُّورة بذلك السبب.

      وجائز عندي أن يكون سلـيـمان أمر بـاتـخاذ الصرح للأمرين الذي قاله وهب، والذي قاله مـحمد بن كعب القرضيّ، لـيختبر عقلها، وينظر إلـى ساقها وقدمها، لـيعرف صحة ما قـيـل له فـيها.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #708
        ويتوجه قوله { تَقاسَمُوا بـالله } إلـى وجهين: أحدهما النصب علـى وجه الـخبر، كأنه قـيـل: قالوا متقاسمين. وقد ذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «وَلا يُصْلِـحُونَ تَقاسَمُوا بـاللَّهِ» ولـيس فـيها «قالوا»، فذلك من قراءته يدلّ علـى وجه النصب فـي «تقاسموا» علـى ما وصفت. والوجه الآخر: الـجزم، كأنهم قال بعضهم لبعض: اقسموا بـالله، فعلـى هذا الوجه الثانـي تصلـح قراءة { لَنُبَـيِّتَنَّهُ } بـالـياء والنون، لأن القائل لهم تقاسموا، وإن كان هو الآمر فهو فـيـمن أقسم، كما يقال فـي الكلام: انهضوا بنا نـمض إلـى فلان، وانهضوا نـمضي إلـيه.

        وعلـى الوجه الأوّل الذي هو وجه النصب القراءة فـيه بـالنون أفصح، لأن معناه: قالوا متقاسمين لنُبـيِّتنَّهُ، وقد تـجوز الـياء علـى هذا الوجه كما يقال فـي الكلام: قالوا لنكرمنّ أبـاك، ولـيكرمنّ أبـاك، وبـالنون قرأ ذلك قرَّاء الـمدينة، وعامة قرّاء البصرة وبعض الكوفـيـين. وأما الأغلب علـى قرّاء أهل الكوفة، فقراءته بـالـياء، وضمّ التاء جميعاً. وأما بعض الـمكيـين، فقرأه بـالـياء.

        وأعجب القراءات فـي ذلك إلـيّ النون، لأن ذلك أفصح الكلام علـى الوجهين اللذين بـيَّنت من النصب والـجزم، وإن كان كل ذلك صحيحاً غير فـاسد لـما وصفت. وأكرهها إلـيّ القراءة بها الـياء، لقلة قارىء ذلك كذلك. وقوله: { لَنُبَـيِّتَنَّهُ } قال: لـيُبَـيِّتُنَّ صالـحا ثم يفتكوا به.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #709
          والصواب من القراءات عندنا فـي ذلك القراءتان اللتان ذكرت إحداهما عن قَرأَة أهل مكة والبصرة، وهي «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ» بسكون لام بل وفتـح ألف أدرك وتـخفـيف دالها، والأخرى منهما عن قرأة الكوفة، وهي { بَلِ ادَّارَكَ } بكسر اللام وتشديد الدال من أدّارك، لأنهما القراءتان الـمعروفتان فـي قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب عندنا. فأما القراءة التـي ذُكرت عن ابن عبـاس، فإنها وإن كانت صحيحة الـمعنى والإعراب، فخلاف لـما علـيه مصاحف الـمسلـمين، وذلك أن فـي بلـى زيادة ياء فـي قراءته لـيست فـي الـمصاحف، وهي مع ذلك قراءة لا نعلـمها قرأ بها أحد من قرّاء الأمصار. وأما القراءة التـي ذكرت عن ابن مـحيصن، فإن الذي قال فـيها أبو عمرو قول صحيح، لأن العرب تـحقق ببل ما بعدها لا تنفـيه. والاستفهام فـي هذا الـموضع إنكار لا إثبـات، وذلك أن الله قد أخبر عن الـمشركين أنهم من الساعة فـي شكّ، فقال: { بَلْ هُمْ فِـي شَكّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ }.

          واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: بل أدرك علـمهم فـي الآخرة فأيقنوها إذ عاينوها حين لـم ينفعهم يقـينهم بها، إذ كانوا بها فـي الدنـيا مكذّبـين.

          ذكر من قال ذلك:

          حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ» قال: بصرهم فـي الآخرة حين لـم ينفعهم العلـم والبصر.

          وقال آخرون: بل معناه: بل غاب علـمهم فـي الآخرة.

          ذكر من قال ذلك:

          حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ» يقول: غاب علـمهم.

          حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { بَلِ ادَّرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ } قال: يقول: ضلّ علـمهم فـي الآخرة فلـيس لهم فـيها علـم، { هُمْ مِنْهَا عَمُونَ }.

          وقال آخرون: معنى ذلك: لـم يبلغ لهم فـيها علـم.

          ذكر من قال ذلك:

          حدثنـي عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنـي أبـي، عن جدي، قال: ثنا الـحسين، عن قتَادة فـي قوله: { بَلِ ادَّارَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ } قال: كان يقرؤها: «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الآخِرَةِ» قال: لـم يبلغ لهم فـيها علـم، ولا يصل إلـيها منهم رغبة.

          وقال آخرون: معنى ذلك: بل أدْرَكَ: أم أدرك.

          ذكر من قال ذلك:

          حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ» قال: أم أدرك.

          حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عثمان، عن مـجاهد «بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ» قال: أم أدرك علـمهم من أين يدرك علـمهم.

          حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه.

          قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب علـى قراءة من قرأ «بَلْ أدْرَكَ» القول الذي ذكرناه عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، وهو أن معناه: إذا قرىء كذلك { وَما يَشْعُرُونَ أيَّانَ يُبْعَثُونَ } بل أدرك علـمهم نفس وقت ذلك فـي الآخرة حين يبعثون، فلا ينفعهم علـمهم به حينئذٍ، فأما فـي الدنـيا فإنهم منها فـي شكّ، بل هم منها عمون.

          وإنـما قلت: هذا القول أولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب علـى القراءة التـي ذُكِرَتْ، لأن ذلك أظهر معانـيه. وإذ كان ذلك معناه كان فـي الكلام مـحذوف قد استُغنـي بدلالة ما ظهر منه عنه. وذلك أن معنى الكلام: وما يشعرون أيان يُبعثون، بل يشعرون ذلك فـي الآخرة، فـالكلام إذا كان ذلك معناه، وما يشعرون أبـان يبعثون، بل أدرك علـمهم بذلك فـي الآخرة، بل هم فـي الدنـيا فـي شكّ منها. وأما علـى قراءة من قرأه { بَلِ ادَّارَكَ } بكسر اللام وتشديد الدال، فـالقول الذي ذكرنا عن مـجاهد، وهو أن يكون معنى بل: أم، والعرب تضع أم موضع بل، وموضع بل: أم، إذا كان فـي أوّل الكلام استفهام، كما قال الشاعر:
          فَوَاللّهِ ما أدْرِي أسَلْـمَى تَغَوَّلَت أمِ النَّوْمُ أمْ كُلٌّ إلـيَّ حَبِـيبُ
          يعنـي بذلك بل كلّ إلـيَّ حبـيب، فـيكون تأويـل الكلام: وما يشعرون أيان يبعثون، بل تدارك علـمهم فـي الآخرة: يعنـي تتابع علـمهم فـي الآخرة: أي بعلـم الآخرة: أي لـم يتتابع بذلك ولـم يعلـموه، بل غاب علـمهم عنه، وضلّ فلـم يبلغوه ولـم يدركوه.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #710
            واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { تُكَلِّـمُهُمْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: { تُكلِّـمُهُمْ } بضمُ التاء وتشديد اللام، بـمعنى تـخبرهم وتـحدثهم، وقرأه أبو زرعة بن عمرو: «تَكْلِـمُهُمْ» بفتـح التاء وتـخفـيف اللام بـمعنى: تسمهم.

            والقراءة التـي لا أستـجيز غيرها فـي ذلك ما علـيه قرّاء الأمصار. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

            ذكر من قال ذلك:

            حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّـمُهُمْ } قال: تـحدثهم.

            حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: { أخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّـمُهُمْ } وهي فـي بعض القراءة «تـحدثهم» تقول لهم: { أَنَّ النَّاس كَانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ }.

            حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { تُكَلِّـمُهُمْ } قال: كلامها تنبئهم { أنَّ النَّاس كانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ }.

            وقوله: { أنَّ النَّاسَ كانُوا بآياتِنا لا يُوقِنُونَ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والبصرة والشام: «إنَّ النَّاسَ» بكسر الألف من «إن» علـى وجه الابتداء بـالـخبر عن الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون وهي وإن كسرت فـي قراءة هؤلاء فإن الكلام لها متناول. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض أهل البصرة: { أنَّ النَّاسَ كانُوا } بفتـح أن بـمعنى: تكلـمهم بأن الناس، فـيكون حينئذٍ نصب بوقوع الكلام علـيها.

            والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى مستفـيضتان فـي قراءة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #711
              وقوله: { إلا مَنْ شاءَ الله } قـيـل: إن الذين استثناهم الله فـي هذا الـموضع من أن ينالهم الفزع يومئذٍ الشهداء، وذلك أنهم أحياء عند ربهم يُرزقون، وإن كانوا فـي عداد الـموتـى عند أهل الدنـيا، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرناه فـي الـخبر الـماضي.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #712
                سورة القصص

                وقوله: { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى ذلك: وهم لا يشعرون هلاكهم علـى يده.

                ذكر من قال ذلك:

                حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } قال: وهم لا يشعرون أن هلكتهم علـى يديه، وفـي زمانه.

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي سفـيان، عن معمر، عن قَتادة { أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } قال: إن هلاكهم علـى يديه.

                حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } قال: آل فرعون إنه لهم عدوّ.

                وقال آخرون: بل معنى ذلك: { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } بـما هو كائن من أمرهم وأمره.

                ذكر من قال ذلك:

                حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت امرأة فرعون آسية: { لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَدا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } يقول الله: وهم لا يشعرون أي بـما هو كائن بـما أراد الله به.

                وقال آخرون: بل معنى قوله { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } بنو إسرائيـل لا يشعرون أنَّا التقطناه.

                ذكر من قال ذلك:

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن قـيس { لا تقتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } قال: يقول: لا تدري بنو إسرائيـل أنَّا التقطناه.

                والصواب من القول فـي ذلك، قول من قال: معنى ذلك: وفرعون وآله لا يشعرون بـما هو كائن من هلاكهم علـى يديه.

                وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات به لأنه عُقَـيب قوله: { وَقالَتِ امْرأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لـي ولَكَ، لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً } وإذا كان ذلك عقبه، فهو بأن يكون بـياناً عن القول الذي هو عقبه أحقّ من أن يكون بـياناً عن غيره.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #713
                  قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي قول من قال: معناه: { وَأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً } من كلّ شيء إلاَّ من همّ موسى.

                  وإنـما قلنا: ذلك أولـى الأقوال فـيه بـالصواب لدلالة قوله: { إنْ كادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلـى قَلْبِها } ولو كان عَنَى بذلك: فراغ قلبها من الوحي لـم يعقب بقوله: { إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } لأنها إن كانت قاربت أن تبدي الوحي، فلـم تكد أن تبديه إلا لكثرة ذكرها إياه، وولوعها به، ومـحال أن تكون به ولعة إلا وهي ذاكرة. وإذا كان ذلك كذلك بطل القول بأنها كانت فـارغة القلب مـما أوحى إلـيها. وأخرى أن الله تعالـى ذكره أخبر عنها أنها أصبحت فـارغة القلب، ولـم يخصص فراغ قلبها من شيء دون شيء، فذلك علـى العموم إلا ما قامت حجته أن قلبها لـم يفرغ منه. وقد ذُكر عن فضالة بن عبـيد أنه كان يقرؤه: «وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَى فـازِعاً» من الفزع.

                  وقوله: { إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي عادت علـيه الهاء فـي قوله: بِهِ فقال بعضهم: هي من ذكر موسى، وعلـيه عادت...

                  والصواب من القول فـي ذلك ما قاله الذين ذكرنا قولهم أنهم قالوا: إن كادت لتقول: يا بنـياه، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى ذلك، وأنه عقـيب قوله: { وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً } فلأن يكون لو لـم يكن مـمن ذكرنا فـي ذلك إجماع علـى ذلك من ذكر موسى، لقربه منه، أشبه من أن يكون من ذكر الوحي.

                  وقال بعضهم: بل معنى ذلك { إنْ كادَتْ لَتُبْدِي } بـموسى فتقول: هو ابنـي. قال: وذلك أن صدرها ضاق إذ نُسب إلـى فرعون، وقـيـل ابن فرعون. وعنى بقوله { لِتُبْدِي بِهِ } لتظهره وتـخبر به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #714
                    حدثنـي العبـاس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا أصبغ بن زيد، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: أتِـي فرعون، فقـيـل له: إن بنـي إسرائيـل قد قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم فـي ذلك، قال: ابغونـي قاتله ومن يشهد علـيه، لا يستقـيـم أن نقضي بغير بـينة ولا ثَبَتَ فـاطَّلبوا ذلك، فبـينـما هم يطوفون لا يجدون شيئاً، إذ مرّ موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيـلـي يقاتل فرعونـيا، فـاستغاثه الإسرائيـلـي علـى الفرعونـيّ، فصادف موسى وقد ندم علـى ما كان منه بـالأمس، وكره الذي رأى، فغضب موسى، فمدّ يده وهو يريد أن يبطش بـالفرعونـيّ، فقال للإسرائيـلـي لِـما فعل بـالأمس والـيوم { إنَّكَ لَغَوِيّ مُبِـينٌ } ، فنظر الإسرائيـلـي إلـى موسى بعد ما قال هذا، فإذا هو غضبـان كغضبه بـالأمس إذ قتل فـيه الفرعونـيّ، فخاف أن يكون بعد ما قال له: { إنَّكَ لَغَوِيّ مُبِـينٌ } إياه أراد، ولـم يكن أراده، إنـما أراد الفرعونـيّ، فخاف الإسرائيـلـي فحاجه، فقال
                    { يا مُوسَى أَتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِـي كمَا قَتَلْتَ نَفْساً بـالأَمْسِ؟ إنّ تُرِيدُ إلا أنْ تكُونَ جَبَّـاراً فِـي الأرْضِ }

                    وإنـما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى لـيقتله، فتتاركا

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #715
                      وقال آخرون: بل معنى ذلك: تذودان الناس عن غنـمهما.

                      ذكر من قال ذلك:

                      حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { وَلَـما وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَـيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرأتَـيْنِ تَذُودانِ } قال: أي حابستـين شاءهما تذودان الناس عن شأنهما.

                      حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن أصحابه { تَذُودانِ } قال: تذودان الناس عن غنـمهما.

                      وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال معناه: تـحبسان غنـمهما عن الناس حتـى يفرغوا من سقـي مواشيهم.

                      وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب لدلالة قوله: { ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقـي حتـى يُصْدِرَ الرِّعاءُ } علـى أن ذلك كذلك، وذلك أنهما شكتا أنهما لا تسقـيان حتـى يصدر الرعاء، إذ سألهما موسى عن ذَوْدِهما، ولو كانتا تذودان عن غنـمهما الناس، كان لا شكّ أنهما كانتا تـخبران عن سبب ذودهما عنها الناس، لا عن سبب تأخر سقـيهما إلـى أن يُصْدِر الرعاء...

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #716
                        قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندك بـالصواب، قراءة من قرأه { قالُوا سِحْرَانِ تَظاهَرَا } بـمعنى: كتاب موسى وهو التوراة، وكتاب عيسى وهو الإنـجيـل.

                        وإنـما قلنا: ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، لأن الكلام من قبله جرى بذكر الكتاب، وهو قوله: { وَقالُوا لَوْلا أُوتِـيَ مثْلَ ما أُوتِـيَ مُوسَى } والذي يـلـيه من بعده ذكر الكتاب، وهو قوله:

                        { فَأْتُوا بكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ هُوَ أهْدَى مِنْهُما أتَّبِعْهُ }
                        فـالذي بـينهما بأن يكون من ذكره أولـى وأشبه بأن يكون من ذكر غيره. وإذ كان ذلك هو الأولـى بـالقراءة، فمعلوم أن معنى الكلام: قل يا مـحمد: أَوَ لـم يكفر هؤلاء الـيهود بـما أوتـي موسى من قبل، وقالوا لـما أوتـي موسى من الكتاب وما أوتـيته أنت، سحران تعاونا

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #717
                          يقول تعالـى ذكره: { وَرَبُّكَ } يا مـحمد { يَخْـلُقُ ما يَشاءُ } أن يخـلقه، { ويَخْتارُ } لولايته الـخِيَرة من خـلقه، ومن سبقت له منه السعادة. وإنـما قال جلّ ثناؤه { ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الـخِيرَةُ } والـمعنى: ما وصفت، لأن الـمشركين كانوا فـيـما ذُكِر عنهم يختارون أموالَهم، فـيجعلونها لآلهتهم، فقال الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وربك يا مـحمد يخـلق ما يشاء أن يخـلقه، ويختار للهداية والإيـمان والعمل الصالـح من خـلقه، ما هو فـي سابق علـمه أنه خِيَرَتهم، نظير ما كان من هؤلاء الـمشركين لآلهتهم خيار أموالهم، فكذلك اختـياري لنفسي. واجتبـائي لولايتـي، واصطفـائي لـخدمتـي وطاعتـي، خيارَ مـملكتـي وخـلقـي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

                          ذكر من قال ذلك:

                          حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنِـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { وَرَبُّكَ يَخْـلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الـخِيرَةُ } قال: كانوا يجعلون خَيْر أموالهم لآلهتهم فـي الـجاهلـية.

                          فإذا كان معنى ذلك كذلك، فلا شكّ أن «ما» من قوله: { ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الـخِيرَةُ } فـي موضع نصب، بوقوع يختار علـيها، وأنها بـمعنى الذي.

                          فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفت، من أن «ما» اسم منصوب بوقوع قوله { يَخْتارُ } علـيها، فأين خبر كان؟ فقد علـمت أن ذلك إذا كان كما قلت، أن فـي كان ذِكْراً من ما، ولا بدّ لكان إذا كان كذلك من تـمام، وأين التـمام؟ قـيـل: إن العرب تـجعل لـحروف الصفـات إذا جاءت الأخبـار بعدها أحياناً، أخبـاراً، كفعلها بـالأسماء إذا جاءت بعدها أخبـارها. ذَكر الفرّاء أن القاسمَ بن مَعْن أنشده قول عنترة:
                          أمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ لَوْ كانَ ذا مِنْكِ قبلَ الـيوْمِ مَعْرُوفُ
                          فرفع معروفـا بحرف الصفة، وهو لا شكّ خبر لذا، وذُكر أن الـمفَضَّل أنشده ذلك:
                          لوْ أنَّ ذا مِنْكِ قبلَ الـيَوْمِ مَعْرُوفُ
                          ومنه أيضا قول عمر بن أبـي ربـيعة:
                          قُلْتُ أجِيبِـي عاشِقا بِحُبِّكُمْ مُكَلَّفُ
                          فِـيها ثَلاث كالدُّمَى وكاعِبٌ ومُسْلِفُ
                          فمكلَّف من نعت عاشق، وقد رفعه بحرف الصفة، وهو البـاء، فـي أشبـاه لـما ذكرنا بكثـير من الشواهد، فكذلك قوله: { ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الـخِيرَةُ } رُفعت الـخِيَرة بـالصفة، وهي لهم، وإن كانت خبراً لـما، لـما جاءت بعد الصفة، ووقعت الصفة موقع الـخبر، فصار كقول القائل: كان عمرو أبوه قائم، لا شكّ أن قائماً لو كان مكان الأب، وكان الأب هو الـمتأخر بعده، كان منصوبـاً، فكذلك وجه رفع الـخِيَرة، وهو خبر لـما.

                          فإن قال قائل: فهل يجوز أن تكون «ما» فـي هذا الـموضع جَحْداً، ويكون معنى الكلام: وربك يخـلق ما يشاء أن يخـلقه، ويختار ما يشاء أن يختاره، فـيكون قوله { ويخْتارُ } نهاية الـخبر عن الـخـلق والاختـيار، ثم يكون الكلام بعد ذلك مبتدأ بـمعنى: لـم تكن لهم الـخيرة: أي لـم يكن للـخـلق الـخِيَرة، وإنـما الـخِيَرة لله وحده؟

                          قـيـل: هذا قول لا يخفـى فساده علـى ذي حِجا، من وجوه، لو لـم يكن بخلافه لأهل التأويـل قول، فكيف والتأويـل عمن ذكرنا بخلافه فأما أحد وجوه فَساده، فهو أن قوله: { ما كانَ لَهُمُ الـخيرَةُ } لو كان كما ظنه من ظنه، من أن «ما» بـمعنى الـجحد، علـى نـحو التأويـل الذي ذكرت، كان إنـما جحد تعالـى ذكره، أن تكون لهم الـخِيَرة فـيـما مضى قبل نزول هذه الآية، فأما فـيـما يستقبلونه فلهم الـخِيَرة، لأن قول القائل: ما كان لك هذا، لا شكّ إنـما هو خبر عن أنه لـم يكن له ذلك فـيـما مضى.

                          وقد يجوز أن يكون له فـيـما يستقبل، وذلك من الكلام لا شكّ خُـلْف. لأن ما لـم يكن للـخـلق من ذلك قديـماً، فلـيس ذلك لهم أبداً. وبعد، لو أريد ذلك الـمعنى، لكان الكلام: فلـيس. وقـيـل: وربك يخـلق ما يشاء ويختار، لـيس لهم الـخيرة، لـيكون نفـيا عن أن يكون ذلك لهم فـيـما قبلُ وفـيـما بعد.

                          والثانـي: أن كتاب الله أبـين البـيان، وأوضح الكلام، ومـحال أن يوجد فـيه شيء غير مفهوم الـمعنى، وغير جائز فـي الكلام أن يقال ابتداء: ما كان لفلان الـخِيَرة، ولـما يتقدم قبل ذلك كلام يقتضي ذلك فكذلك قوله: { ويَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الـخِيَرةُ } ولـم يتقدم قبله من الله تعالـى ذكره خبر عن أحد، أنه ادّعى أنه كان له الـخِيَرة، فـيقال له: ما كان لك الـخِيَرة، وإنـما جرى قبله الـخبر عما هو صائر إلـيه أمر من تاب من شركه، وآمن وعمل صالـحاً، وأتبع ذلك جلّ ثناؤه الـخبر عن سبب إيـمان من آمن وعمل صالـحاً منهم، وأن ذلك إنـما هو لاختـياره إياه للإيـمان، وللسابق من علـمه فـيه اهتدى. ويزيد ما قلنا من ذلك إبـانة قوله:
                          { وَرَبُّكَ يَعْلَـمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ }
                          فأخبر أنه يعلـم من عبـاده السرائر والظواهر، ويصطفـي لنفسه ويختار لطاعته من قد علـم منه السريرة الصالـحة، والعلانـية الرضية.

                          والثالث: أن معنى الـخيرة فـي هذا الـموضع: إنـما هو الـخيرة، وهو الشيء الذي يختار من البهائم والأنعام والرجال والنساء، يقال منه: أُعطي الـخيرة والـخِيرَة، مثل الطِّيرة والطِّيْرَة، ولـيس بـالاختـيار، وإذا كانت الـخيرة ما وصفنا، فمعلوم أن من أجود الكلام أن يقال: وربك يخـلق ما يشاء، ويختار ما يشاء، لـم يكن لهم خير بهيـمة أو خير طعام، أو خير رجل أو امرأة.

                          فإن قال: فهل يجوز أن تكون بـمعنى الـمصدر؟ قـيـل: لا، وذلك أنها إذا كانت مصدرا كان معنى الكلام: وربك يخـلق ما يشاء ويختار كون الـخيرة لهم. وإذا كان ذلك معناه، وجب أن لا تكون الشرار لهم من البهائم والأنعام وإذا لـم يكن لهم شرار ذلك وجب أن لا يكون لها مالك، وذلك ما لا يخفـى خطؤه، لأن لـخيارها ولشرارها أربـابـاً يـملكونها بتـملـيك الله إياهم ذلك، وفـي كون ذلك كذلك فساد توجيه ذلك إلـى معنى الـمصدر.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #718
                            وقال آخر منهم فـي قوله: { لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ }: نَوْءُها بـالعصبة: أن تُثْقلهم وقال: الـمعنى: إن مفـاتـحه لتنـيءُ العصبة: تـميـلهن من ثقلها، فإذا أدخـلت البـاء قلت: تَنُوء بهم، كما قال:
                            { آتُونِـي أُفْرِغْ عَلَـيْهِ قِطْرَا }
                            قال والـمعنى: آتونـي بقطر أفرغ علـيه فإذا حُذفت البـاء، زدت علـى الفعل ألفـاً فـي أوّله ومثله:
                            { فأجاءَها الـمَخاضُ }
                            معناه: فجاء بها الـمخاض وقال: قد قال رجل من أهل العربـية: ما إن العصبة تَنُوء بـمفـاتـحه، فحوّل الفعل إلـى الـمفـاتـح، كما قال الشاعر:
                            إنَّ سِرَاجا لَكَرِيـمٌ مَفْخَرُهْ تَـحْلَـى بهِ العَيْنُ إذَا ما تَـجْهَرُهْ
                            وهو الذي يحلَـى بـالعين، قال: فإن كان سمع أثراً بهذا، فهو وجه، وإلاَّ فإن الرجل جهل الـمعنى. قال: وأنشدنـي بعض العرب:
                            حتـى إذَا ما الْتَأَمَتْ مَوَاصِلُهْ ونَاءَ فِـي شِقّ الشِّمالِ كاهِلُهْ
                            يعنـي: الرامي لِـما أخذ القوس، ونزع مال علـيها. قال: ونرى أن قول العرب: ما ساءك، وناءك من ذلك، ومعناه: ما ساءك وأناءك من ذلك، إلاَّ أنه ألقـى الألف لأنه متبع لساءك، كما قالت العرب: أكلت طعاماً فهنأنـي ومرأنـي، ومعناه: إذا أفردت: وأمرأنـي فحذفت منه الألف لـما أتبع ما لـيس فـيه ألف.

                            وهذا القول الآخر فـي تأويـل قوله: { لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ }: أولـى بـالصواب من الأقوال الأُخَر، لـمعنـيـين: أحدهما: أنه تأويـل موافق لظاهر التنزيـل. والثانـي: أن الآثار التـي ذكرنا عن أهل التأويـل بنـحو هذا الـمعنى جاءت، وأن قول من قال: معنى ذلك: ما إن العصبة لتنوء بـمفـاتـحه، إنـما هو توجيه منهم إلـى أن معناه: ما إن العصبة لتنهض بـمفـاتـحه وإذا وجه إلـى ذلك لـم يكن فـيه من الدلالة علـى أنه أريد به الـخبر عن كثرة كنوزه، علـى نـحو ما فـيه، إذا وجه إلـى أن معناه: إن مفـاتـحه تثقل العصبة وتـميـلها، لأنه قد تنهض العصبة بـالقلـيـل من الـمفـاتـح وبـالكثـير.

                            وإنـما قصد جلّ ثناؤه الـخبر عن كثرة ذلك، وإذا أريد به الـخبر عن كثرته، كان لا شكّ أن الذي قاله من ذكرنا قوله، من أن معناه: لتنوء العصبة بـمفـاتـحه، قول لا معنى له، هذا مع خلافه تأويـل السلف فـي ذلك.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #719
                              وقـيـل معنى ذلك: ولا يُسأل عن ذنوب هؤلاء الذين أهلكهم الله من الأمـم الـماضية الـمـجرمون فـيـم أهلكوا.

                              ذكر من قال ذلك:

                              حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب { وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الـمُـجْرِمُونَ } قال: عن ذنوب الذين مضوا فـيـم أهلكوا، فـالهاء والـميـم فـي قوله { عَنْ ذُنُوبِهِم } علـى هذا التأويـل لـمن الذي فـي قوله: { أوَ لَـمْ يَعْلَـمْ أنَّ اللّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً }.

                              وعلـى التأويـل الأوّل الذي قاله مـجاهد وقَتادة للـمـجرمين، وهي بأن تكون من ذكر الـمـجرمين أولـى، لأن الله تعالـى ذكره غير سائل عن ذنوب مذنب غير من أذنب، لا مؤمن ولا كافر. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا معنى لـخصوص الـمـجرمين، لو كانت الهاء والـميـم اللتان فـي قوله { عَنْ ذُنُوبِهم } لـمن الذي فـي قوله { مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً } من دون الـمؤمنـين، يعنـي لأنه غير مسؤول عن ذلك مؤمن ولا كافر، إلاَّ الذين ركبوه واكتسبوه.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #720
                                وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة: القول الذي ذكرنا عن قَتادة، من أن معناه: ألـم تَرَ، ألـم تعلَـمْ، للشاهد الذي ذكرنا فـيه من قول الشاعر، والرواية عن العرب وأنّ «ويكأنّ» فـي خطّ الـمصحف حرف واحد. ومتـى وجه ذلك إلـى غير التأويـل الذي ذكرنا عن قَتادة، فإِنه يصير حرفـين، وذلك أنه إن وجه إلـى قول من تأوّله بـمعنى: وَيْـلَك اعلـم أن الله، وجب أن يفصل «وَيْكَ» من «أَنّ»، وذلك خلاف خطّ جميع الـمصاحف، مع فساده فـي العربـية، لـما ذكرنا. وإن وُجِّه إلـى قول من يقول: «وَيْ» بـمعنى التنبـيه، ثم استأنف الكلام بكأن، وجب أن يُفْصَل «وَيْ» من «كأن»، وذلك أيضا خلاف خطوط الـمصاحف كلها.

                                فإذا كان ذلك حرفـا واحدا، فـالصواب من التأويـل: ما قاله قَتادة، وإذ كان ذلك هو الصواب، فتأويـل الكلام: وأصبح الذين تـمنوا مكان قارون وموضعه من الدنـيا بـالأمس، يقولون لَـمَّا عاينوا ما أحلّ الله به من نقمته، ألـم تر يا هذا أن الله يبسط الرزق لـمن يشاء من عبـاده، فـيُوسِّع علـيه، لا لفضل منزلته عنده، ولا لكرامته علـيه، كما كان بسط من ذلك لقارون، لا لفضله ولا لكرامته علـيه { وَيَقُدِرُ } يقول: ويضيق علـى من يشاء من خـلقه ذلك، ويقتِّر علـيه، لا لهوانه، ولا لسُخْطه عمله.

                                تعليق

                                يعمل...