مرة أخرى: الالتزام بالمذاهب الفقهية تشدد وتعصب!!

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4020

    #1

    مرة أخرى: الالتزام بالمذاهب الفقهية تشدد وتعصب!!

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد..

    [align=justify]فقد جمعني في مجلس الدرس في الفقه المالكي بمدينة روتردام قبل يومين، بأحد قيادات أحد الأحزاب السياسية الإسلامية، جاء لزيارة هولندا، وقد كان الدرس يدور حول مسائل صلاة المسبوق، ومسائل استخلاف الإمام لغيره، من كتاب فقه العبادات على المذهب المالكي للعلامة الحبيب بن طاهر.

    وبعد الانتهاء من الدرس، أعطى الأستاذ ملاحظة تخص منهج الدرس، وهي التنبيه على عدم الوقوع في التشدد الديني، بسبب الالتزام بالمذهب؛ ذلك أن الدين قائم على التيسير، والتيسير أصل أصيل، فلا ينبغي التشدد في مسائل الفقه، وهو أمر يوقع المسلمين في الحرج، وأن حمل الناس على مذهب واحد فقهي يؤدي إلى هذا الحرج!

    فأجبته باختصار ببيان حاجة الدرس المذهبي وتعليم المذهب الفقهي، بأن فوضى الفتوى الحاصلة لدى المسلمين، وخاصة للمقيمين في بلاد الغرب الأوروبي، تستوجب أن يتم بيان الأحكام الفقهية بطريقة منظمة، ومنهجية. وذكرتُ أن سبب هذه الفوضى يرجع إلى أمرين: الأول قنوات التلفزيون الفضائية، والثاني أئمة المساجد الذين قلَّ تحصيلهم الشرعي في باب الفقه والأصول، فهم مذاهب شتى، بين متساهل إلى حد التسيب (وهم أغلب)، وبين متشدد إلى درجة العسر!!
    فعقَّب الأستاذ على هذا الكلام بأن ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يختار أيسر الأمرين عندما تعرض عليه الأمور، ما لم يكن إثمًا، أي حرامًا صريحًا.

    ولا بد لي أن أقرَّ بكل أسف بأن مثل هذه الفكرة، ليست جديدة لدى المثقفين والسياسيين وعامة الناس، ذلك أن الدائرة الفكرية خلال قرنٍ من الزمان صارت في اتجاه ركب دعاة تطوير الدين وتجديده، والتي كان من أسسها النظر إلى الفقه الإسلامي على أنه فكر بشري، بنيت أصوله على الشريعة، ولذلك فهو ليس ملزمًا لنا بشكل تفصيلي.

    وبني على ذلك فكرة الخروج عن مقررات المذاهب الفقهية، واستسهال تركها، بل الدعوة إلى تركها باعتبارها مظهرا من مظاهر التشدد والتعصب الممقوت في التعامل مع الدين.

    فإذا أحسنَّـا الظن بمَن يذهب إلى هذه الفكرة الخاطئة، فيمكن إرجاع أصل المشكلة إلى الجهل بعلم أصول الفقه، والذي ثبت فيه لدى كل المسلمين، على اختلاف آرائهم ومذاهبهم أن عملية الاجتهاد هي كشف أحكام الشريعة التي دلت عليه النصوص والنقول والأدلة، وليست عملية بناء لأحكام بناءًا على النظر الشخصي من طرف المجتهدين، أيًّا كان هؤلاء المجتهدين، في زمن الصحابة أو التابعين أو من بعدهم.

    نعم لا بد لي أن أعترف أيضاً بأن الكثير من مدرسي الفقه الإسلامي في أزمنة ممتدة في مناهج الدرس في القرن الماضي، لا يظهرون هذا الأصل عند تعليم الأحكام الشرعية؛ بسبب عدم وقوع النزاع حولها، ولأن المسلمين كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم بالتلقي والتوارث أن الأحكام الفقهية هي أحكام الشريعة الإسلامية، وليست أحكام وأهواء مكتشفيها من الفقهاء والمفتين والقضاة.

    ولذا من الأهمية بمكان أن يظهر مدرسو الفقه الإسلامي هذه الصورة لدى الناس عند تعليمهم الفقه الإسلامي، بصبغه المباشر بالشريعة الإسلامية ومصادرها.

    وثاني ما يمكن عزو هذه المشكلة إليه هو الوقوف عند الكليات الشرعية من طرف هؤلاء الدعاة أو المثقفين، دون الوقوف على تفاصيل التشريعات الفقهية.

    وهذه مسألة لا بد من توضيحها بشكل جيد.

    لقد قرر العلماء أن من وسائل الوصول إلى العلوم الاستقراء، والمقصود بالاستقراء تتبع الجزئيات للوصول منها إلى أحكام كلية.
    والاستقراء ينقسم إلى نوعين: استقراء تام، إذا كان شاملاً لكل أفراد الجزئيات مدار البحث. واستقراء ناقص إذا كان لا يشمل كل أفراد الجزئيات، ومن ثم يمكن توصيفه على حسب كمية الجزئيات المبحوث فيها، فتختلف مراتب إفادتها للمعرفة بناءًا على اختلاف تلك الكمية.

    وقرروا أيضًا أن القاعدة الكلية المبنية على الاستقراء تفيد العلم القطعي على حسب موضوع ذلك العلم، وشروطه التفصيلية.

    فإذا توصل العالم إلى تلك القواعد الكلية فإنه يرتقي في معرفته من الإحاطة بالجزئيات إلى فهم شمول هذه المعرفة والعلم فيستفيد منها أمرين: الوصول إلى القاعدة الجامعة، وتطبيق تلك القاعدة على جزئيات غير مذكورة.

    وهنا يمكن القول بأن الفقه الإسلامي لبنائه على الظن لا اليقين، بمعنى أن الأدلة التي يحتج بها في هذا العلم هي الأدلة الظنية، دون الأدلة القطعية التي يحتاج إليها فيما يشترط فيه القطع، مثل العقائد- أقول: يمكن القول بأن القواعد الكلية فيه قد تكون غير مطردة في كل الجزئيات، ومن هنا كانت القواعد الفقهية في الشريعة قابلة للاستثناء، وقابلة لحصول التخصيص فيها، على خلاف القواعد العقلية التي لا تقبل التخصيص والاستثناء (على تفصيل ليس هذا محله).

    فإذا كان المرء أو الباحث أو المثقف قد تلقى معرفة تلك الكليات من غيره، بمعنى أنه لم يقف على تفاصيل تلك الجزئيات، فإن معرفته بها غير دقيقة وقد تكون غير صحيحة. ونقض هذه الكليات بمثال واحد كافٍ للقول بعدم كليتها في كل المسائل.

    وأكثر المنتسبين إلى الفقه في عالم الإعلام المعاصر، ومسؤولي المؤسسات الدينية في عالمنا، ترجع معارفهم إلى التقليد في أخذ هذه الكليات عن غيرهم، ولم يقفوا على المسائل التفصيلية للفقه الإسلامي، ولا على أدلتها بأصولها ليروا بعد ذلك كيفية الوصول إلى هذه القواعد الكلية بأنفسهم، فتنطبع أحكام الشريعة في عقولهم ونفوسهم.

    وكان من أثر هذا النقص المعرفي أن جعل هؤلاء يستخدمون القواعد الكلية الفقهية في رد جزئيات تم استخراج هذه القواعد منها بطريق الاستقراء، فلزمهم إبطال تلك الكليات ببطلان أصلها، من حيث لا يشعرون.

    فدعوى من يرد المسائل الفقهية بحجة مخالفتها لقواعد التيسير في الشريعة الإسلامية، تندرج تحت هذا الخطأ، وهذا في حال إحسان الظن، أما في بعض الأحوال فتكون الأهواء والمذاهب العقدية الفاسدة والمصالح الشخصية أو الانتماءات السلطانية هي الدافعة إلى رد المسائل الشرعية، لإفساد وإضعاف الدين، ووجدت الحجة الظاهرة التي قد تنطلي على الناس.

    ومن أعجب ما رأيته في ذلك استخدام المستشرقين هذا الأسلوب لنقض أحكام الشريعة وبيان ضعف ما وصلت إليه حالة الفقه الإسلامي في العصور المختلفة!! ولك أن تتخيل خطورة هذه النظرة على المسلمين في البلاد التي جعلت المستشرقين والباحثين غير المسلمين مصدرا لأصول النظر الفقهي!
    وقل مثل ذلك على من يدعي أن الالتزام بالأحكام الشرعية المدونة في كتب الفقه يؤدي إلى التشدد والتعصب، بدون أن يفرق بين التعصب الذي هو التمسك بالأحكام وعدم التفريط فيها، وبين التشدد الذي هو نوع من الغلو المذموم في جعل المباح مكروهًا أو حرامًا !! أو حمل الناس على ما اختلف فيه أهل العلم بسبب اختلاف دلالة النصوص عليه.

    فإذا كان أصحاب هذا الفكر هم أصحاب الحركات الإسلامية، فلا أدري إلى أي نظام إسلامي يدعون الناس؟! فإن الأحكام الشرعية التي نطالب الناس بتطبيقها في أحكام المعاملات المالية (القانون المدني)، أو أحكام الأحوال الشخصية (النكاح والطلاق والمواريث) أو أحكام النظام العام أو قانون العلاقات الدولية (أحكام السياسة الشرعية والجهاد)، وغير ذلك، إنما هي الأحكام المنصوص عليها في كتب الفقه، وإن اختلف الفقهاء في بعض استنباطات الأحكام الشرعية من النصوص.. والتي في مجموعها باختلافها هي أحكام الشرع الحنيف..

    وإن الأخذ بما يسمى بالتيسير في أحكام الفقه الإسلامي، بغير ضابط سوى الواقع المتردي الذي يعيشه الناس بعيدا عن الإسلام، أدى وما يزال يؤدي وسيؤدي إلى التنصل من أحكام الشرعية، التي لن يفتأ أولئك المتساهلون أن يجدوا في المسائل الشاذة في الموروث الفقهي ما يؤيد القوانين الأرضية الغربية والشرقية ..

    أسأل الله أن يوفق علماء الفقه وطلابه في هذا الزمان إلى توضيح هذه الحقائق ونشرها، لكي يعود للفقه الإسلامي نضارته، ويعود للشريعة في حياة الناس مكانها الواجب أن تكون فيه.

    وفقكم الله...
    [/align]
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا
  • هاني علي الرضا
    طالب علم
    • Sep 2004
    • 1190

    #2
    جزاكم الله خيرا .

    شخصتم الداء بدقة ووصفتم الدواء لمن أراده وقد بلغتم .
    صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

    تعليق

    • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
      طالب علم
      • Apr 2010
      • 760

      #3
      جزاكم الله خيرا ......

      المشاركة الأصلية بواسطة جلال علي الجهاني
      [CENTER]

      أسأل الله أن يوفق علماء الفقه وطلابه في هذا الزمان إلى توضيح هذه الحقائق ونشرها، لكي يعود للفقه الإسلامي نضارته، ويعود للشريعة في حياة الناس مكانها الواجب أن تكون فيه.

      وفقكم الله...
      [/align]
      اللهم آمين .........

      تعليق

      • عبدالله بن محمد العلي
        طالب علم
        • Oct 2010
        • 77

        #4
        هؤلاء القوم قد تودع منهم
        ونحن بانتظار اصدارهم لمجموعة فتاوى التيسير ورفع الحرج، والعمل سياسة ومصلحة.
        الحر من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة.

        تعليق

        • شفاء محمد حسن
          طالبة علم
          • May 2005
          • 463

          #5
          (إن الله لا ينزع العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا)
          بدأ هذا القبض بظهور الوهابية في ساحة الإسلام، عندما أفقدوا الناس ثقتهم بأئمة المسلمين.. أئمتنا في العقائد، والفقه، والتزكية جميعهم مبتدعة، ومنحرفي العقيدة، ومشركين..
          فقبض ذكر الأئمة من مجالسهم، أرادوا أن يصلوا لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم بلا سند ولا واسطة.. نشروا أفكارهم بين العوام، وزخرفوها لهم، ورفعهم الإعلام، فاضطر العوام أن يرجعوا إليهم في أمورهم بعد أن التفتوا حولهم فلم يجدوا غيرهم في الساحة، فالأوائل قطعت الصلة بهم، والأواخر الذين ثبتوا على المنهج أخذ عليهم ما أخذ على أسلافهم، وأصواتهم مهما علت لا تبلغ أصوات من يدعمهم الإعلام وينشر للناس فضلهم وعلمهم..
          فما بقي إلا هؤلاء الذين فرضوا على الأمة حين فقدت ثقتها بكل عالم، فأينما تلتفت ترى كتبهم، وكلامهم، يحتج به العوام والخواص.. فإنا لله وإنا إليه راجعون..
          كنت قبل أيام في درس عقيدة، وكنا قد وصلنا للكلام على التأويل والتفويض، فأحضرت معي كلام ابن عثيمين، لأظهر ما فيه من خلل، فاعترضت إحدى الحاضرات -وهي من الداعيات التي لها مكانة عالية في جماعتها، وتدرس العقيدة- قالت: كيف تنقدين علماءنا وتتحدثين عنهم،ابن تيمية، وابن عبد الوهاب، وابن باز، وابن عثيمين، فماذا تقولين أيضا عن عمر الأشقر، قولي أيضا أنه مخالف!!
          أكل هؤلاء خالفونا في العقائذ؟!
          فمن أبقيت من علماء أمتنا؟!!!! وهي بهذا كله تحتج بكلام ليوسف القرضاوي في العقيدة..
          فلم أملك إلا أن أبتسم وأقول لها: بقي من العلماء كل أسلافنا رضوان الله عليهم..
          وكنت أقول في نفسي: لا ألومك إذ أنك لم تعرفي من العلماء إلا هؤلاء، لذا رأيت أن نقدهم نقد لكل عالم في الأمة..!!
          هذا حال أمتنا اليوم، اتخذ الرؤساء الجهال الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، واغترت بهم الأمة.. فإنا لله وإنا إليه راجعون..
          أسأل الله تعالى أن يثبتنا على نهج أئمتنا رضوان الله عليهم، وألا يفتنا كما فتن غيرنا، فما عاد الإنسان يأمن على نفسه من الاغترار بهؤلاء، وانتهاج منهجهم في التحريف باسم التيسير..
          ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
          فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
          فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

          تعليق

          • يونس حديبي العامري
            طالب علم
            • May 2006
            • 1049

            #6
            جزاك الله خيرا أختي الفاضلة شفاء ورفع الله مقامك ...
            وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

            تعليق

            • فلاح حسن أحمد
              طالب علم
              • Aug 2010
              • 14

              #7
              جزاك الله خيرا استاذنا القدير الأخ الجهاني على ما تفضلت به من بحث قيم ورد مستنير ويحضرني هنا كلام قيَم للشيخ تقي الدين النبهاني في هذه المسألة في كتابه(الفكر الاسلامي)حيث يقول فيها:

              تَأْخُذُ عَمَلِيَّةُ صَرْفِ المُسْلِمِيْنَ عَنِ التَّقَيُّدِ بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ صُنُوْفًا مِنَ الأَسَالِيْبِ، وَمِنْ أَخْبَثِ هَذِهِ الأَسَالِيْبِ مَا يَزْعُمُهُ أَفرَادٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ رَأَيَ الأَئِمَةِ المُجْتَهِدِيْنَ كَالشَّافِعِيِّ أَوْ جَعْفَرَ الصَّادِقِ أَوْ أَبيْ حَنيفَةَ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ لَهُ، وَلَا يُلْزَمُ التَقَيُّدُ بِهِ. وَيَدَّعُوْنَ أَنَّ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ ُوَنَصُّ القُرْآنِ أَوِ الحَدِيْثِ فَقَطْ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا حَصْرُ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِيْمَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ صَرَاحَةً، وَيُفْهَمُ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ القِرَاءَةِ. وَعَلَى ذَلِكَ تَبْقَى مَشَاكِلُ عَدِيْدَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، وَمَسَائِلُ مُخْتَلِفَةٌ طَارِئَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهَا نَصٌّ شَرْعِيٌ فَلَا يُوْجَدُ لَهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَإِنَّمَا يَسِيْرُ فِيْهَا كُلٌّ بِرَأْيِهِ، وَيتَحَكَّمُ فِيْهَا العَقْلُ فَيَضَعُ الحَلَّ الَّذِي يَرَاهُ، وَالحُكْمَ الَّذِي يُوَافِقُ هَوَاهُ. وَهَذَا لعَمْرِ الحَقِّ إِثْمٌ مُبِيْنٌ، وَافْتِراءٌ عَلَى الشَّرِيْعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَتَعْطِيْلٌ لِلإِجْتِهَادِ، وَصَرْفٌ لِلنَّاسِ عَنْ أَحْكَامِ الإِسْلَامِ. لِأَنَّ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَهُمَا مَصْدَرُ الشَّرِيْعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، قَدْ جَاءَا خُطُوْطًا عَرِيْضَةً، وَمَعَانِيَ عَامَّةٍ، وَقَدْ جَاءتْ نُصُوْصُهُمَا أَلفَاظًا تَشْرِيْعِيَّةً، تَدُلُّ عَلَى وَاقِعٍ وَوَقَائِعَ، فَتُفْهَمُ فَهْمًا تَشْرِيْعِيًّا وَيُؤْخَذُ فِيْهَا بِمَنْطُوقِهَا، وَهُوَ الَمعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَبِمَفْهُوْمِهَا وَهُوَ المَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنَى اللَّفْظِ، وَبِاقْتِضَائِهَا وَهُوَ المَعْنَى الَّذِي يَقْتَضِيْهِ المَنْطُوْقُ وَالمَفهُوْمُ. وَهَذِهِ الأَلْفَاظُ لَهَا مَعَانِيَ لُغَوِيَّةٌ، وَمَعَانِيَ تَشْرِيْعِيَّةٌ، وَلَهَا نُصُوْصٌ أُخْرَى مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تُخَصِّصُهَا فِي حَالَةِ العُمُوْمِ، وَتُقَيِّدُهَا فِي حَالَةِ الإِطْلَاقِ. وَقَرَائِنُ تُعَيِّنُ المَعْنَى المُرَادَ مِنْهَا، وَالحُكمَ الَّذِي تَقْتَضِيْهِ فِي دَلَالَةِ الأَمْرِ عَلَى الوُجُوْبِ أَوِ النَّدْبِ أَوِ الإِبَاحَةِ، وَدَلَالَةِ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيْمِ أَوِ الكَرَاهَةِ، وَكَوْنِهَا خَاصَّةً فِي حَادِثَةٍ أَوْ عَامَّةً فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَحْوِيْهِ نُصُوْصُ القُرْآنِ أَوِ الحَدِيْثِ. وَلِذَلِكَ تُفْهَمُ فَهْمًا تَشْرِيْعِيًّا لَا فَهْمًا ظَاهِرِيًّا، وَلَا فَهْمًا مَنْطِقِيًّا. وَلِذَلِكَ يَحْصُلُ الإِخْتِلَافُ مِنْ فَهْمِ النَّصِّ الوَاحِدِ، فَيُعْطَى فِيْهِ رَأْيَانِ مُختَلِفَانِ أَوْ مُتَنَاقِضَانِ. هَذَا مِنْ نَاحِيَةِ الفَهْمِ أَيْ مِنْ نَاحِيَةِ دَلَالَةِ اللَّفظِ. عَلَاوَةً عَلَى الإِخْتِلَافِ فِي ثُبُوْتِ نَصِّ الحَدِيثِ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارِهِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ، فَيَحْصُلُ الخِلَافُ أَيْضَاً فِي اعْتِبَارِ الحُكْمِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ. وَيَنتُجُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافٌ فِي الآرَاءِ: فِي كَوْنِ المَعْنَى الفُلَانِيِّ هُوَ الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، أَوِ المَعْنَى المُخَاِلفِ لَهُ أوِ المُغَايِرِ لَهُ، وَكُلُّهَا يَدُلُّ عَلَيْهَا النَّصُّ الشَّرْعِيُّ، فَكُلُّهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، مَهْمَا تَعَدَّدَتْ وَاخْتَلَفَتْ أَوْ تَنَاقَضَتْ، لِأَنَّ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ هُوَ" خِطَابُ الشَّارِعِ المتَعَلِّقُ بأَفْعَالِ العِبَادِ". وَخِطَابُ الشَّارِعِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الوَحْيُ يَحْتَاجُ إِلَى فَهْمٍ مِنَ الُمَخَاطَبِ حَتَّى يُصْبِحَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فِي حَقِّهِ. لِأَنَّ النَّصَّ يَحْتَاجُ إِلَى فَهْمٍ حَتَّى يُصْبِحَ مَوضِعَ عَمَلٍ. فَخِطَابُ الشَّارِعِ يُصْبِحُ حُكْمًا شَرْعِيًّا حِيْنَ يُفْهَمُ مِنْ مَدْلُوْلِ النَّصِّ بَعدَ أَنْ يَثبُتَ النَّصُّ أَنَّهُ قُرْآنٌ أَوْ حَدِيْثٌ. وَقَبْلَ ثُبُوْتِ النَّصِّ وَفَهْمِ دَلَالَتِهِ لَا يُعْتَـبَرُ حُكْمًا شَرعِيًّا. وَعَلَيْهِ فَالَّذِي جَعَلَ النَّصَّ خِطَابَ الشَّارِعِ هُوَ فَهْمُهُ. فَالحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الرَّأْيُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ النَّصِّ، وَهُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ خِطَابَ الشَّارِعِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ رَأْيُ المُجْتَهِدِ حُكْمًا شَرْعِيًّا مَا داَمَ يَسْتَنِدُ فِيْهِ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنَ الأَدِلَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
              وَعَلَيْهِ فَآرَاءُ المُجْتَهِدِيْنَ السَّابِقِيْنَ مِنْ أَصْحَابِ المَذَاهِبِ وَغَيْرُهُمْ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَآرَاءُ المجْتَهِدِيْنَ اليَوْمَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَآرَاءُ المجْتَهِدِيْن فِي المُسْتَقْبَلِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، مَا داَمُواْ قَدِ اسْتَنبَطُوْهَا بِاجْتِهَادٍ صَحِيْحٍ، مُسْتَنِدِيْنَ فِيْهَا إِلَى الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اعْتِبَارَ فَهْمِ النَّصِّ هُوَ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، وَأَقَرَّ الإِخْتِلَافَ فِيْهِ. فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَثَرِ ذَهَابِ الأَحْزَابِ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ أَمَرَ r مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ صلى الله عليه وسلم (( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيظَةَ ))، فَفَهِمَ بَعْضُهُمْ تَرْكَ صَلَاةِ العَصْرِ فِي المَدِيْنَةِ فَلَمْ يُصَلُّواْ حَتَّى وَصَلُواْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَفَهِمَ البَعْضُ الآخَرُ أَنَّ المقْصُوْدَ هُوَ الإِسْرَاعُ فَصَلُّواْ العَصْرَ وَذَهَبُواْ إِلَى بَني قُرَيْظَةَ بَعَدَ أَدَاءِ صَلَاةِ العَصْرِ. وَقَدْ عَرَضُواْ ذَلِكَ عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَأَقَرَّ الفَهْمَينِ وَاعْتَبَرَهُمَا. وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم يَختَلِفُوْنَ فِي فَهْمِ القُرْآنِ وَالحَدِيْثِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ آرَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَكُلُّ رَأْيٍ مِنْ آرَائِهِمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَقَدْ أَجْمَعُواْ عَلَى أَنَّ الرَّأَيَ الَّذِي يَفْهَمُهُ أَيُّ مُجْتَهِدٍ مِنَ النَّصِّ حُكْمًا شَرْعِيًّا.


              وَعَلَى ذَلِكَ فَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الرَّأَيَ الَّذِي يَسْتَنبِطُهُ أَيُّ مُجْتَهِدٍ يُعْتَبَرُ حُكْمًا شَرْعِيًّا يَجِبُ التَقَيُّدُ بِهِ عَلَى مُسْتَنْبِطِهِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ أَقَرَّهُ عَلَى هَذَا الفَهْمِ، أَوْ قَلَّدَهُ فِيْهِ.

              تعليق

              • مصطفى حمدو عليان
                طالب علم
                • Oct 2008
                • 593

                #8
                بارك الله فيك يا شيخ جلال
                وأود أن أنقل كلاماً في هذا الموضوع لأحد أئمة الحنابلة وهو الحافظ ابن رجب الحنبلي.

                قال الإمام الحافظ عبدالرحمن بن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى:


                فلو استمر الحال في هذه الأزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أن كل أحدٍ يفتي بما يدعي أنه يظهر له أنه الحق؛ لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حراماً والحرام حلالاً. ولقال كل من شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا. فاقتضت حكمة الله - سبحانه - أن ضبط الدين وحفظه: بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى،من أهل الرأي والحديث.

                فصار الناس كلهم يعولون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم.

                وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام.

                وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين.

                ولولا ذلك: لرأى الناس العجاب، من كل أحمق متكلف معجبٍ برأيه جريء على الناس وثاب.

                فيدعي هذا أنه إمام الأئمة، ويدعي هذا أنه هادي الأمة وأنه هو الذي ينبغي الرجوع دون الناس إليه والتعويل دون الخلق عليه.


                **وقال: فإن قال أحمق متكلف: كيف يحصر الناس في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين.

                قيل له: كما جمع الصحابة - رضي الله عنهم - الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا بذلك، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك.

                فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين: لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعد كل أحمق متكلف طلبت الرياسة نفسه من زمرة المجتهدين وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض من سلف من المتقدمين؛ فربما كان بتحريف يحرفه عليهم كما وقع ذلك كثيراً من بعض الظاهريين، وربما كانت تلك المقالة زلة من بعض من سلف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين. فلا تقضي المصلحة غير ما قدره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين - رضي الله عنهم - أجمعين.
                **فإن قيل: نحن نسلم منع عموم الناس من سلوك طريق الاجتهاد؛ لما يفضي ذلك أعظم الفساد. لكن لا نسلم منع تقليد إمام متبع من أئمة المجتهدين غير هؤلاء الأئمة المشهورين.

                قيل: قد نبهنا على علة المنع من ذلك وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة.



                فإن قبل: فما تقولون في مذهب إمام غيرهم قد دون مذهبه وضبط وحفظ كما حفظ مذاهب هؤلاء.

                قيل: أولا: هذا لا يعلم وجوده الآن. وإن فرض وقوعه الآن وسلم جواز اتباعه والانتساب إليه، فإنه لا يجوز ذلك إلا لمن أظهر الانتساب إليه والفتيا بقوله والذب عن مذهبه. فأما من أظهر الانتساب إلى بعض الأئمة المشهورين وهو في الباطن منتسب إلى غيرهم معتقد لمذهب سواه: فهذا لا يسوغ له ذلك البتة، وهو من نوع النفاق والتقية، ولا سيما من أخذ الأموال المختصة بأصحاب ذلك الإمام المشهور من الأوقاف أو غيرها
                **ثم ختم رسالته بنصيحة:إذا فهمت هذا وعلمته: فهذه نصيحة لك أيها الطالب لمذهب هذا الإمام أؤديها إليك خالصة لوجه الله - تعالى -؛ فإنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

                إياك ثم إياك أن تحدث نفسك أنك قد اطلعت على ما لم يطلع عليه الإمام، ووصلت من الفهم إلى ما لم يصل إليه هذا الذي ظهر فضل فهمه على من بعده من أولي الإفهام.
                *فإن أنت قبلت هذه النصيحة وسلكت الطريقة الصحيحة، فلتكن همتك: حفظ ألفاظ الكتاب والسنة، ثم الوقوف على معانيها بما قال سلف الأمة وأئمتها، ثم حفظ كلام الصحابة والتابعين وفتاويهم، وكلام أئمة الأمصار، واعرف كلام الإمام أحمد وضبطه بحروفه ومعانيه والاجتهاد على فهمه ومعرفته. وأنت إذا بلغت من هذه الغاية فلا تظن في نفسك أنك بلغت النهاية، وإنما أنت طالب متعلم من جملة الطلبة المتعلمين. ولو كنت بعد معرفتك ما عرفت موجودا في زمن الإمام أحمد، ما كنت حينئذ معدوداً من جملة الطالبين فإن حدثت نفسك بعد ذلك أنك قد انتهيت أو وصلت إلى ما وصل إليه السلف فبئس ما رأيت. وإياك ثم إياك: أن تترك حفظ هذه العلوم المشار إليها وضبط النصوص والآثار المعول عليها، ثم تشتغل بكثير الخصام والجدال وكثرة القيل والقال وترجيح بعض الأقوال على بعض الأقوال مما استحسنه عقلك، ولا تعرف في الحقيقة من القائل لتلك الأقوال، وهل هو من السلف المعتبر بأقوالهم أو من غير أهل الاعتدال. وإياك أن تتكلم في كتاب الله أو في حديث رسول الله بغير ما قاله السلف كما أشار إليه إمامك، فيفوتك العلم النافع وتضيع أيامك....
                والسلام
                *وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة نبيه وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ..لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل..فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين* الإمام الأشعري رحمه الله.

                تعليق

                يعمل...