بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد..
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد..
[align=justify]فقد جمعني في مجلس الدرس في الفقه المالكي بمدينة روتردام قبل يومين، بأحد قيادات أحد الأحزاب السياسية الإسلامية، جاء لزيارة هولندا، وقد كان الدرس يدور حول مسائل صلاة المسبوق، ومسائل استخلاف الإمام لغيره، من كتاب فقه العبادات على المذهب المالكي للعلامة الحبيب بن طاهر.
وبعد الانتهاء من الدرس، أعطى الأستاذ ملاحظة تخص منهج الدرس، وهي التنبيه على عدم الوقوع في التشدد الديني، بسبب الالتزام بالمذهب؛ ذلك أن الدين قائم على التيسير، والتيسير أصل أصيل، فلا ينبغي التشدد في مسائل الفقه، وهو أمر يوقع المسلمين في الحرج، وأن حمل الناس على مذهب واحد فقهي يؤدي إلى هذا الحرج!
فأجبته باختصار ببيان حاجة الدرس المذهبي وتعليم المذهب الفقهي، بأن فوضى الفتوى الحاصلة لدى المسلمين، وخاصة للمقيمين في بلاد الغرب الأوروبي، تستوجب أن يتم بيان الأحكام الفقهية بطريقة منظمة، ومنهجية. وذكرتُ أن سبب هذه الفوضى يرجع إلى أمرين: الأول قنوات التلفزيون الفضائية، والثاني أئمة المساجد الذين قلَّ تحصيلهم الشرعي في باب الفقه والأصول، فهم مذاهب شتى، بين متساهل إلى حد التسيب (وهم أغلب)، وبين متشدد إلى درجة العسر!!
فعقَّب الأستاذ على هذا الكلام بأن ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يختار أيسر الأمرين عندما تعرض عليه الأمور، ما لم يكن إثمًا، أي حرامًا صريحًا.
ولا بد لي أن أقرَّ بكل أسف بأن مثل هذه الفكرة، ليست جديدة لدى المثقفين والسياسيين وعامة الناس، ذلك أن الدائرة الفكرية خلال قرنٍ من الزمان صارت في اتجاه ركب دعاة تطوير الدين وتجديده، والتي كان من أسسها النظر إلى الفقه الإسلامي على أنه فكر بشري، بنيت أصوله على الشريعة، ولذلك فهو ليس ملزمًا لنا بشكل تفصيلي.
وبني على ذلك فكرة الخروج عن مقررات المذاهب الفقهية، واستسهال تركها، بل الدعوة إلى تركها باعتبارها مظهرا من مظاهر التشدد والتعصب الممقوت في التعامل مع الدين.
فإذا أحسنَّـا الظن بمَن يذهب إلى هذه الفكرة الخاطئة، فيمكن إرجاع أصل المشكلة إلى الجهل بعلم أصول الفقه، والذي ثبت فيه لدى كل المسلمين، على اختلاف آرائهم ومذاهبهم أن عملية الاجتهاد هي كشف أحكام الشريعة التي دلت عليه النصوص والنقول والأدلة، وليست عملية بناء لأحكام بناءًا على النظر الشخصي من طرف المجتهدين، أيًّا كان هؤلاء المجتهدين، في زمن الصحابة أو التابعين أو من بعدهم.
نعم لا بد لي أن أعترف أيضاً بأن الكثير من مدرسي الفقه الإسلامي في أزمنة ممتدة في مناهج الدرس في القرن الماضي، لا يظهرون هذا الأصل عند تعليم الأحكام الشرعية؛ بسبب عدم وقوع النزاع حولها، ولأن المسلمين كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم بالتلقي والتوارث أن الأحكام الفقهية هي أحكام الشريعة الإسلامية، وليست أحكام وأهواء مكتشفيها من الفقهاء والمفتين والقضاة.
ولذا من الأهمية بمكان أن يظهر مدرسو الفقه الإسلامي هذه الصورة لدى الناس عند تعليمهم الفقه الإسلامي، بصبغه المباشر بالشريعة الإسلامية ومصادرها.
وثاني ما يمكن عزو هذه المشكلة إليه هو الوقوف عند الكليات الشرعية من طرف هؤلاء الدعاة أو المثقفين، دون الوقوف على تفاصيل التشريعات الفقهية.
وهذه مسألة لا بد من توضيحها بشكل جيد.
لقد قرر العلماء أن من وسائل الوصول إلى العلوم الاستقراء، والمقصود بالاستقراء تتبع الجزئيات للوصول منها إلى أحكام كلية.
والاستقراء ينقسم إلى نوعين: استقراء تام، إذا كان شاملاً لكل أفراد الجزئيات مدار البحث. واستقراء ناقص إذا كان لا يشمل كل أفراد الجزئيات، ومن ثم يمكن توصيفه على حسب كمية الجزئيات المبحوث فيها، فتختلف مراتب إفادتها للمعرفة بناءًا على اختلاف تلك الكمية.
وقرروا أيضًا أن القاعدة الكلية المبنية على الاستقراء تفيد العلم القطعي على حسب موضوع ذلك العلم، وشروطه التفصيلية.
فإذا توصل العالم إلى تلك القواعد الكلية فإنه يرتقي في معرفته من الإحاطة بالجزئيات إلى فهم شمول هذه المعرفة والعلم فيستفيد منها أمرين: الوصول إلى القاعدة الجامعة، وتطبيق تلك القاعدة على جزئيات غير مذكورة.
وهنا يمكن القول بأن الفقه الإسلامي لبنائه على الظن لا اليقين، بمعنى أن الأدلة التي يحتج بها في هذا العلم هي الأدلة الظنية، دون الأدلة القطعية التي يحتاج إليها فيما يشترط فيه القطع، مثل العقائد- أقول: يمكن القول بأن القواعد الكلية فيه قد تكون غير مطردة في كل الجزئيات، ومن هنا كانت القواعد الفقهية في الشريعة قابلة للاستثناء، وقابلة لحصول التخصيص فيها، على خلاف القواعد العقلية التي لا تقبل التخصيص والاستثناء (على تفصيل ليس هذا محله).
فإذا كان المرء أو الباحث أو المثقف قد تلقى معرفة تلك الكليات من غيره، بمعنى أنه لم يقف على تفاصيل تلك الجزئيات، فإن معرفته بها غير دقيقة وقد تكون غير صحيحة. ونقض هذه الكليات بمثال واحد كافٍ للقول بعدم كليتها في كل المسائل.
وأكثر المنتسبين إلى الفقه في عالم الإعلام المعاصر، ومسؤولي المؤسسات الدينية في عالمنا، ترجع معارفهم إلى التقليد في أخذ هذه الكليات عن غيرهم، ولم يقفوا على المسائل التفصيلية للفقه الإسلامي، ولا على أدلتها بأصولها ليروا بعد ذلك كيفية الوصول إلى هذه القواعد الكلية بأنفسهم، فتنطبع أحكام الشريعة في عقولهم ونفوسهم.
وكان من أثر هذا النقص المعرفي أن جعل هؤلاء يستخدمون القواعد الكلية الفقهية في رد جزئيات تم استخراج هذه القواعد منها بطريق الاستقراء، فلزمهم إبطال تلك الكليات ببطلان أصلها، من حيث لا يشعرون.
فدعوى من يرد المسائل الفقهية بحجة مخالفتها لقواعد التيسير في الشريعة الإسلامية، تندرج تحت هذا الخطأ، وهذا في حال إحسان الظن، أما في بعض الأحوال فتكون الأهواء والمذاهب العقدية الفاسدة والمصالح الشخصية أو الانتماءات السلطانية هي الدافعة إلى رد المسائل الشرعية، لإفساد وإضعاف الدين، ووجدت الحجة الظاهرة التي قد تنطلي على الناس.
ومن أعجب ما رأيته في ذلك استخدام المستشرقين هذا الأسلوب لنقض أحكام الشريعة وبيان ضعف ما وصلت إليه حالة الفقه الإسلامي في العصور المختلفة!! ولك أن تتخيل خطورة هذه النظرة على المسلمين في البلاد التي جعلت المستشرقين والباحثين غير المسلمين مصدرا لأصول النظر الفقهي!
وقل مثل ذلك على من يدعي أن الالتزام بالأحكام الشرعية المدونة في كتب الفقه يؤدي إلى التشدد والتعصب، بدون أن يفرق بين التعصب الذي هو التمسك بالأحكام وعدم التفريط فيها، وبين التشدد الذي هو نوع من الغلو المذموم في جعل المباح مكروهًا أو حرامًا !! أو حمل الناس على ما اختلف فيه أهل العلم بسبب اختلاف دلالة النصوص عليه.
فإذا كان أصحاب هذا الفكر هم أصحاب الحركات الإسلامية، فلا أدري إلى أي نظام إسلامي يدعون الناس؟! فإن الأحكام الشرعية التي نطالب الناس بتطبيقها في أحكام المعاملات المالية (القانون المدني)، أو أحكام الأحوال الشخصية (النكاح والطلاق والمواريث) أو أحكام النظام العام أو قانون العلاقات الدولية (أحكام السياسة الشرعية والجهاد)، وغير ذلك، إنما هي الأحكام المنصوص عليها في كتب الفقه، وإن اختلف الفقهاء في بعض استنباطات الأحكام الشرعية من النصوص.. والتي في مجموعها باختلافها هي أحكام الشرع الحنيف..
وإن الأخذ بما يسمى بالتيسير في أحكام الفقه الإسلامي، بغير ضابط سوى الواقع المتردي الذي يعيشه الناس بعيدا عن الإسلام، أدى وما يزال يؤدي وسيؤدي إلى التنصل من أحكام الشرعية، التي لن يفتأ أولئك المتساهلون أن يجدوا في المسائل الشاذة في الموروث الفقهي ما يؤيد القوانين الأرضية الغربية والشرقية ..
أسأل الله أن يوفق علماء الفقه وطلابه في هذا الزمان إلى توضيح هذه الحقائق ونشرها، لكي يعود للفقه الإسلامي نضارته، ويعود للشريعة في حياة الناس مكانها الواجب أن تكون فيه.
وفقكم الله...
[/align]
تعليق