بسم الله الرحمن الرحيم
عقوبة الزنا في دار الحرب عند السادة الأحناف
مقارنة بأقوال جمهور الفقهاء
عقوبة الزنا في دار الحرب عند السادة الأحناف
مقارنة بأقوال جمهور الفقهاء
خطــــة البحث :
الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان مالم يعلم، والصلاة والسلام التَّامين الأكملين على نبيِّ الرَّحمة الذي أوتيَ جوامعَ الكلِم، وعلى آله وصحبه ومنْ سارَ دربهِ والتزم.
وبعد:
فهذه دراسة متواضعة لموضوع "الــزنـــا في دار الحرب" ، حاولت فيه قدر جهدي بيان الموضوع وتوضيحه ، وأقوال العلماء فيه ، مع عرض لأقوال علماء المذاهب الأربعة الذين تلقتهم الأمة بالقبول ونصوصهم وأدلتهم .
وقد قسمت الدراسة إلى مقدمة وفصلين وخاتمة .
تكلَّمت في المقدمة حول شهوة الوقاع عند الإمام الغزالي، وسبب اختيار البحث.
واشتمل الفصل الأول على مبحثين: الأول:المعنى اللغوي لكل من العقوبة والزنا. والثاني: مفهوم دار الحرب وما تصير به دار الإسلام دار حرب عند السادة الأحناف.
الفصل الثاني واشتمل على مبحث واحد: مفهوم الزنا عند بعض المفسرين، وعند أئمة المذاهب الأربعة بنقل نصوصهم من كتبهم، وخلاصة ذلك.
الفصل الثالث واشتمل على مبحثين، الأول: ذكر اختلاف الفقهاء في الزنا في دار الحرب، ونصوص الجمهور في ما ذهبوا إليه، واستدلال الإمام البيهقي للإمام الشافعي إلى ما ذهب إليه.
والثاني: نصوص السادة الحنفية وأدلتهم ، وذكر بعض الردد على الجمهور في ما ذهبوا إليه.
والخاتمة: حاولت التوفيق فيها بين أقوال الأئمة رضوان الله عليهم في ما ذهبوا إليه.
فإن كنت قد وفقت فبضل الله ومنّته وكرمه عليّ ، وإن كانت الأخرى فمني والشيطان ، والله أسأل السلامة من الإثم ، وأن يجنبني الزلل والخطل .
وأسأله تعالى أن يتقبله مني ، وأن يجعل تعبي فيه وسيلة لنجاتي ، وذخيرة لمعادي ، إنّه ولي ذلك والقادر عليه .
* المقدمــــة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، جامع شمل الدين، ومبدد جمع الملحدين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلّم تسليما كثيراً.
يقول الإمام الغزاليّ رحمه الله في إحيائه :
اعلم أن شهوة الوقاع سلطت على الإنسان لفائدتين ؛ إحداهما : أن يدرك لذته فيقيس به لذات الآخرة . فإن لذة الوقوع لو دامت لكانت أقوى لذات الأجساد ، كما أن النار وآلامها أعظم آلام الجسد . والترغيب والترهيب يسوق الناس إلى سعادتهم وليس ذلك إلا بألم محسوس ولذة محسوسة مدركة ، فإن ما لا يدرك بالذوق لا يعظم إليه الشوق .
الفائدة الثانية : بقاء النسل ودوام الوجود فهذه فائدتها . ولكن فيها من الآفات ما يهلك الدين والدنيا إن لم تضبط ولم تقهر ولم ترد إلى حدّ الاعتدال (1) .
وما أردناه من كلام الغزاليّ -رحمه الله- السابق هو أنّ هذه الشهوة إن لم تضبط فإن فيها من الآفات ما يهلك الدّين والدنيا ، لذا كان من مقتضيات شرعنا الحنيف التشريعات الوقائية لمثل هذه الجريمة ، وكذا التشريعات العلاجية إن وقعت ، فرتبت عقوبة على مرتكبها ، وذلك بتفصيل لكل دقائقها ، بينه علماؤنا في كتبهم الفقهية .
وهذه الحدود إنما شرعت تطهيراً للمجتمع من الفساد والفوضى ، والتحلل الخلقي وحفظا للأمة من عوامل التردي في بؤرة الإباحية، والفجور، والدعارة، والمجون، التي تسبب ضياع الأنساب وذهاب العرض والشرف(2) .
وقال الشربيني في إقناعه : وهو -أي الزنا- من أفحش الكبائر ، ولم يحلّ في ملّة قط ، ولهذا كان حدّه أشد الحدود ؛ لأنه جناية على الأعراض والأنساب(3) .
وسنتطرق في بحثنا هذا لجانب من جريمة الزنا بالتفصيل ، وهو وقوعها في دار الحرب ، لنذكر أراء الفقهاء المعتبرين في المسألة ، مع بيانٍ لرأي السادة الأحناف في المسألة ، وتوضيح أدلتهم لما ذهبوا إليه .
وقد جاء هذا البحث إتماما لما كنت قد بدأته من بيان مفردات السادة الأحناف لما خالفوا فيه جمهور الفقهاء ، مع بيان أدلتهم لما ذهبوا إليه ، تحت عنوان " المعاملات الربوية في دار الحرب عند السادة الأحناف " ، فأحببت إتماما لموضوع الرّبا في دار الحرب ،أن أبيّن حكم الزنا في دار الحرب ، بذكر أقوال الفقهاء فيه ، وتفصيل رأي السادة الأحناف فيما ذهبوا إليه بعدم إقامة الحدود في دار الحرب .
وقد اخترت مفردة الزنا لبيانها حتى لا نطيل في المقصود ، مع الإشارة إلى أنّ ما ينطبق على حكم إقامة حدّ الزنا في دار الحرب ينطبق على بقية الحدود بتفصيلاتها عند المذاهب .
والله أسأل أن أكون قد وفقت لما صبوت لتحقيقه ، وأن يجعله حجة لي لا عليّ يوم لقائه ، فإن كنت قد أصبت فمن الله ، وإن زللت أو أخطأت فمني والشيطان ، وأستغفر الله من كلّ زلل وخطل ، وأعوذ بالله من شر الشيطان ونفخه ونفثه
الفصــــل الأول: المبحث الأول
* عقــوبة الزّنا في دار الحرب:
* المعنى اللغوي للعقوبة :
قال في المعجم الوسيط : عاقب بين الشيئين : أتى بأحدهما بعد الآخر ، وعاقب فلانا : جاء بعقبه ، وعاقب فلانا بذنبه معاقبة وعقاباً : جزاه بما فعل4) .
والعقبى : جزاء الأمر . وتعقبه : أخذه بذنب كان منه(5) .
والعقاب والمعاقبة : أن تجزي الرجل بما فعل سوءاً ، والاسم العقوبة ، وعاقبه بذنبه معاقبة وعقوبة : أخذه به ، وتعقبت الرجل : إذا أخذته بذنب كان منه(6) .
* المعنى اللغوي للـــــزّنا :
الزنّة : التهمة . وزنى وزناء : أتى المرأة بغير عقد شرعي . ويقال زنى بالمرأة فهو زانٍ ، والجمع زناة . وهي زانية والجمع زوان .
وأزناه : حمله على الزنا ونسبه إليه ، والزنّاء : كثير الزنا(7) .
والزنا يمدّ ويقصر . زنى الرجل يزني زنىً مقصور ، وزناء ممدود .
وزانى مزاناة وزنّى وزناء ، ففي لغة أهل الحجاز مقصور ، وقد يمدّ في لغة أهل نجد .
ومنه قول الشاعر :
أما الزناء فلست قاربه *** والمال بيني وبين الخمر نصفان
والمرأة تزاني مزاناة وزناء : أي تباغي .
ومنه قول الفرزدق :
أبا حاضرٍ من يزن يُعرف زناؤه *** ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا
ومثله للجعدي :
كانت فريضة ما تقول كما *** كان الزناء فريضة الرجم(8) .
المبحث الثــــــــاني:
* دار الحـــــــرب :
سبق وأن بينّا في بحثنا المعاملات الربوية في دار الحرب مفهوم دار الإسلام ودار الحرب عند السادة الأحناف ، وما تصير به دار الإسلام دار حرب ، وما تصير به دار الحرب دار إسلام ، وها نحن نعيد توضيح مفهوم دار الحرب ثانية باختصار عند السادة الأحناف رضي الله عنهم :
ذكرنا سابقاً أن دار الحرب تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها ، وخضوعها لسيادة المسلمين . أما تحول دار الإسلام إلى دار حرب فهذا محل خلاف بين أئمة المذهب من السادة الحنفية .
قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن : أن دار الإسلام تصير دار حرب بشرط واحد لا غير ، وهو إظهار حكم الكفر فيها .
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا تصير دار الإسلام دار حرب إلا بشروط ثلاثة ، وإن غلبوا على دار من دورنا ، أو ارتدّ أهل مصر وغلبوا وأجروا أحكام الكفر ، أو نقض أهل الذمة العهد وتغلبوا على دارهم(9) .
قال ابن مازة رحمه الله(10) : ودار الإسلام عند استيلاء الكفار عليها عندهما (أي أبو يوسف ومحمد) تصير دار حرب بإجراء أحكام الكفر على سبيل الاشتهار ، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا تصير دار الحرب إلا بشرائط ثلاثة :
أحدها : إجراء أحكام الكفر على سبيل الإشهار .
والثاني : أن تكون متاخمة بأرض حرب ، أي متصلة لا يتخلل بينهما بلدة من بلاد المسلمين .
والثالث : أن لا يبقى فيها مؤمن آمن على نفسه بإيمانه أو ذمي آمن في نفسه بأمانه الأول ، وهو أمان المسلمين(11) .
قال ابن عابدين رحمه الله(12) تعقيباً على الشرط الأول : وظاهره أنه لو أجريت أحكام المسلمين ، وأحكام أهل الشرك لا تكون دار حرب .
وقال تعقيباً على الشرط الثاني : بأن لا يتخلل بينهما بلدة من من بلاد الإسلام ، وظاهره أن البحر ليس فاصلاً ، بل قدمنا في باب استيلاء الكفار أن بحر الملح ملحق بدار الحرب ، خلافاً لما في فتاوى قارىء الهداية(13) .
وقال تعقيباً على الشرط الثالث : أي الذي كان ثابتاً قبل استيلاء الكفار للمسلم بإسلامه ، وللـذمي بعقد الذمة(14) .
قلت : ما نراه في أيامنا من الأمان للمسلمين في دار الحرب إنما حصلوا عليه بموجب قانون داخلي لتلك الدولة ، أو معاهدة مع الدولة الإسلامية ، وهو ما يعرف بفيزة دخول تلك الدار ، لا بالأمان الأول أي بإسلام المسلم ، وعقد الذمة للذمي .
وبالنسبة للمتاخمة قال الدكتور محمود أبو الليل(15): لم يعد اليوم ذا موضوع، بعد أن أخذ ابن الأرض يتحكم في الأجواء ، بل يتحكم في الفضاء ، ولم يعد القتال يحتاج إلى المتاخمة بفعل اختراع الطائرات النفاثة ، والصواريخ العابرة للقارات ، فيعتبر هذا الشرط باطلاً بحكم الواقع .
قلت : وإن كان الإنسان قد استطاع التحكم في الأجواء وغزو الفضاء ، إلا أنه لا بد من المتاخمة لحسم المعركة والإنطلاق من قاعدة قريبة لتحقيق هذا الأمر ، وكل من له أدنى اطلاع على الأمور والإستراتيجية العسكرية يدرك أن القصف الصاروخي والجوي إنما هو ممهد للحرب البرية ، ولا يمكن حسم المعركة بدونه . وغزو العراق خير شاهد على ذلك ، وهو ليس منّا ببعيد . والله أجل وأعلم وأحكم .
وقال أيضاً : اشتراط أبي حنيفة لهذه الشروط الثلاثة إنما هو خاص بالدار التي كانت في الأصل دار إسلام ، أما البلاد الأخرى التي لم تخضع لسلطان المسلمين فالظاهر أن أبا حنيفة يتفق فيها مع غيره من الفقهاء أنها تكون دار حرب ، ما لم ترتبط بالمسلمين بعهد ، فتكون حينئذ دار عهد(16) .
بهذا نكون قد انتهينا من بيان المعنى اللغوي للعقوبة والزنا ، وبيان مفهوم دار الحرب عند السادة الأحناف ، لننتقل بعدها ونعرج على مفهوم الزنا في مصطلح السادة الفقهاء ، وما ذكره بعض المفسرين.
تعليق