الباب الثاني: الفصل الثاني عشر في آداب الصوم ومسنوناته(كثرة الجود ودرس القرآن والتهجد
[ALIGN=JUSTIFY](ومنها) بل هو آكدها : كثرة الجود ، ودرس القرآن ومدارسته، والتهجد .[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]1 - أخرج الشيخان عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال: » كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس. وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة فيدارسه القرآن . فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة « .
وأخرجه أحمد بزيادة في آخره : » لا يسئل عن شيء إلا أعطاه « (1).
2 - وروى الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة (2) فيقول: » من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له الله ما تقدم من ذنبه « زاد أحمد » وما تأخر « .
3 - وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال : خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع(3) متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط (4). فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب(5)، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه ! والتي تنامون عنها أفضل - يعني آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله. رواه الإمام مالك في الموطأ، والبخاري في صحيحة.
4 - وعن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة.
قال : وقد كان القارئ يقرأ بالمئين(6) حتى كنا نعتمد على العصى(7) من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر(8). رواه الإمام مالك في الموطأ.
[/ALIGN]
----------------------------
([ALIGN=JUSTIFY]1) دل هذا الحديث على شيئين: (الأول) كثرة الجود في رمضان اتباعاً له صلى الله عليه وسلم. والجود: سعة العطاء وكثرته، وبه يوصف تعالى كما في خبر الترمذي: » إن الله تعالى جواد، يحب الجواد، كريم يحب الكريم « . وفي الأثر: » إن الله تعالى يقول كل ليلة : أنا الجواد ومني الجود، والكريم ومني الكرم « فإن الله تعالى أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، ولكنه سبحانه وتعالى جعل لسعة جوده وكرمه مواسم ليتحراها عباده الصالحون، ويسعى في نيل غايتها العارفون، لتتمايز المراتب، وتتفاوت المآرب.
فمن أعظم تلك المواسم وأكملها : شهر رمضان، فهو محل جوده الأعظم، وكرمه الأفخم، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله عز قائلا ، مخصصاً به رمضان إيماء وتلويحاً حيث أنزل فيه، ومعمماً به غيره لفظاً وحكماً: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ .
وقد مر في باب الفضائل أحاديث في ذلك: منها حديث الترمذي وغيره : » أنه ينادي فيه مناد: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة « . ولما جبل الله تعالى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم على أكمل الأخلاق وأجلها، وأبلغها وأعظمها وأفضلها، كما أخبر عن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: » إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق« - كان أجود الناس كلهم. وفي خبر ضعيف عند ابن عدي » ألا أخبركم بالأجود الأجود، الله الأجود الأجود، وأنا أجود بني أدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علماً فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة واحدة. ورجل جاد بنفسه في سبيل الله « .
فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بني أدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأخلاق الجميلة، والأوصاف الحميدة، وقد شهد له ربه عز وجل بقوله : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ . =
= ولم يكن جوده صلى الله عليه وسلم خاصاً بنوع من أنواع الجود ، بل لم يزل منذ نشأ مجبولاً على بذل أنواع الجود من العلم والمال وغيرهما، حتى بذل نفسه لله في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال ما أمكنه من غايات النفع إليهم من وعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل كلهم وأثقالهم، ومن ثم قالت له خديجة ـ رضي الله تعالى عنها ـ في أول مبعثه: » والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتقرى الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق « .
ولما ظهرت فيه تلك النبوة العظمى، والرسالة الكبرى ، تزايد جوده وسائر أخلاقه إلى ما لا غاية له من الكمال. وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه: » كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس « وفي مسلم عنه : وما سئل صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة. وفي الصحيحين عن جابر رضي الله تعالى عنه: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: لا . وفي حديث البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ : أهديت له صلى الله عليه وسلم شمله فلبسها وهو محتاج إليها، فسأله إياها رجل فأعطاها له، فلامه الناس وقالوا كان محتاجاً إليها! وقد علمت أنه لا يرد سائلاً ! فقال: إنما سألتها لتكون كفني ! فكانت كفنه .
ولما ورد مال من البحرين على النبي صلى الله عليه وسلم جاء العباس رضي الله تعلى عنه فقال: أنا فديت يوم بدر نفسي وابني أخوي عقيلاً ونوفلاً، فأعطاه من المال شيئاً كثيراً حتى أراد أن يقوم به فلم يستطع، واستحمل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفعل، فجعل العباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ يهل عن ثوبه من المال حتى استطاع حمله. وذلك مع قوة العباس المعروفة .
ومع خذا الجود الأعظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسعة هذا العطاء الأكرم، الذي يعجز عن أدناه الملوك وهو لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه لم يكن يبذله إلا لمحتاج وفي سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام، خصوصاً من يقوى الإسلام بإسلامه. كان يؤثر لنفسه وأهله عيش أفقر الفقراء، فيأتي عليه الشهران لا توقد في بيته نار، وما لهم طعام إلا الأسودان: التمر والماء. وكثيراً ما كان يربط على بطنه الحجر من الجوع .
وجاء بسبي فشكت إليه فاطمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ ما تلقي من خدمة البيت، وطلبت منه أمة تكفيها ذلك، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين من كل من التسبيح والتحميد، وأربعاً وثلاثين من التكبير عند نومها وقال: » إنها خير لك من خادم، لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع « ثم حكمة مضاعفة جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان على غيره من الشهور - هو أن جود ربه يتضاعف فيه إلى ما لا غاية له كما مر، فتخلق بذلك جرياً على كريم عادته في تخلقه بأخلاق ربه حتى قبل بعثته. قد حكى ابن إسحاق: أنه كان يجاور بحراء من كل سنة شهراً يطعم من جاء من المساكين، حتى إذا جاء الشهر الذي أراد الله ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه الله فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، وأجزل على عباده غاية رحمته - جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بوحيه ، ثم كان بعد ذلك يتضاعف جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل، لأن جبريل كان يلقاه وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه وهو أفضل الكتب وأشرفها، وذلك الكتاب يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق وأعلاها، وهو خلقه صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: » كان خلقه القرآن « فكان يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، فلذلك كان جديراً بأن يتضاعف جوده.
وأفضله في هذا الشهر الذي أنزل عليه فيه ابتداؤه مع نزوله كله فيه أيضاً جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ومع عهده بمخالطة جبريل وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، الذي يحث على المكارم والجود. فبمجموع ما ذكر من شرف الزمان وهو رمضان، وشرف المنزل وهو القرآن، وشرف النازل به وهو جبريل، وشرف المذاكرة وهي مدارسة القرآن، وشرف المخالطة وهي مخالطة جبريل الأفضل الأكرم من سائر الملائكة - حصل له صلى الله عليه وسلم ذلك الجود الأعظم، الذي لا غاية له، ومن ثم فضل على الريح المرسلة (أي المطلقة) ليفيد أنه في الإسراع بالجود أسرع منها، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده صلى الله عليه وسلم، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه.
وإنما كان جبريل يتعاهده صلى الله عليه وسلم في كل سنة مرة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان إلا عام وفاته صلى الله عليه وسلم، فإنه عارضه مرتين، كما في حديث فاطمة الصحيح، لتزداد معاهدته له، وليتقرر ما لم ينسخ منه برفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفاً لإنزاله جملة وتفصيلاً وعرضاً وأحكاماً. فينبغي لنا معشر أمته صلى الله عليه وسلم - التأسي به كما أشار إلى ذلك الشافعي رحمه الله تعالى بقوله : أحب للرجل الزيادة بالجود في رمضان، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرون منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم، روى الترمذي رحمه الله تعالى : » أفضل الصدقة صدقة في رمضان « وقد مر سابقاً » أنه شهر المواساة ، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن « .
(والثاني) كثرة تلاوة القرآن في رمضان! فيسن ذلك خصوصاً ليلاً لما في الحديث » إن المدارسة كانت بينه صلى الله عليه وسلم، وبين جبريل عليه السلام ليلاً « . وحكمة ذلك : أن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى : إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً .
وشهر رمضان له خصوصية تامة بالقرآن، لما مر أنه ظرف لإنزاله جملة وتفصيلاً، وعرضاً وأحكاماً. ومن ثم كان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان ليلاً أكثر من غيره. روى حذيفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم صلى معه ليلة في رمضان ، فقرأ بالبقرة ثم بآل عمران ثم بالنساء، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل. قال: فما صلى الركعتين حتى جاء بلال
فإذن بالصلاة. رواه أحمد رحمه الله تعالى. وكان السلف رحمهم الله تعالى إذا دخل شهر رمضان تركوا مذاكرة العلم ومجالسة العلماء، وأقبلوا على تلاوة القرآن.
قال الزهري ـ رحمه الله تعالى ـ : إنما هو (يعني شهر رمضان) تلاوة القرآن وإطعام الطعام. وكان مالك ـ رحمه الله تعالى ـ : إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة القرآن في المصحف.
وكان الثوري ـ رحمه الله تعالى ـ : يترك جميع العبادة ويقبل على تلاوة القرآن . فمن جمع في رمضان بين قيام الليل وصوم النهار وتلاوة القرآن، ووفي بجميعها وصبر عليها وفي أجره بغير حساب.
قال كعب: ينادي مناد يوم القيامة: أن كل حارث يعطى بحرثه، ويزاد أهل القرآن والصيام يعطون أجرهم بغير حساب.
وفي المسند خبر: » الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشراب والشهوات المحرمة بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان « .
وفي حديث عند أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ : » إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره فيقول: هل تعرفني، أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وكل متجر وراء تجارته، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ثم يقال له : أقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها. فهو في صعود ما دام يقرأ هذا - سرعة القراءة كان أو مرتلاً « .
وهذه الشفاعة تختص بمن قام بحقوق القرآن من إحلال حلاله، وتحريم حرامه مع القيام به خصوصاً بالليل، كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بمدحه لبعض أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ بقوله : » ذلك رجل لا يتوسد القرآن « أي لا يكثر النوم عليه حتى يصير له كالوسادة. أما من نام عن القرآن ولم يعمل به، فإنه يخاصمه فيما ضيع من حقوقه. وفي حديث عند أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ : أنه صلى الله عليه وسلم: » رأى في منامه رجلاً مستلقياً على قفاه، ورجل قائم بيده فهر أو صخرة فيشدخ رأسه فيتدهده (يتدحرج)، فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان، فيصنع به مثل ذلك. فسأل عنه فقيل له : هذا رجل آتاه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار، فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة « ورواه البخاري رحمه الله تعالى بمعناه.
وفي حديث عنه صلى الله عليه وسلم: » يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً، فيؤتى بالرجل قد حمله، فخالف أمره فيتمثل له فيقول: يا رب، حملته إياي فبئس الحامل، تعدى حدودي وضيع فرائضي ، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال له: شأنك به. فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار. ويؤتى بالرجل الصالح قد كان حمله وحفظ أمره فيتمثل خصماً دونه « .
(2) من غير أن يأمرهم بعزيمة: أي من غير أن يأمرهم أمر إيجاب ، بل أمر ندب وترغيب. وفسر ذلك بقوله
» من قام رمضان« أي قام لياليه بالصلاة. قال الحافظ : والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام. وذكر النووي في شرح مسلم أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، على معنى أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها. وقال أيضاً: واتفق العلماء على استحباب صلاة التراويح، واختلفوا في أن الأصل صلاتها منفرداً في بيته ، أم في جماعة في المسجد، فقال الشافعي وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة وأحمد، وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ ، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد. وقال الإمام مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت، لقوله صلى الله عليه وسلم: » أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة « أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة .
(3) أوزاع : جماعات متفرقون.
(4) الرهط : هو ما بين الثلاثة إلى العشرة. وهذا بيان لما أجمل. قيل: والمعنى : أن بعضهم كان يصلي منفرداً، وبعضهم يصلي جماعة.
(5) فجمعهم على أبي بن كعب. قال في الفتح: أي جعله لهم إماماً، وكأنه اختاره عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: » يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله « وقد قال عمر: أقرؤنا أبي. وروى سعيد بن منصور من طريق عروة: أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء. ورواه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل له من هذا الوجه. فقال: سليمان بن أبي حثمة، بدل تميم الداري. ولعل ذلك كان في وقتين.
(6) بالمئين : أي السور التي تلي السبع الطوال، والتي أولها ما يلي » الكهف« لزيادة كل على مائة آية .
(7) نعتمد على العصى : يؤخذ من هذا أن الاعتماد في النافلة لطول القيام على حائط أو عصى جائز وإن قدر على القيام.
(8) بزوغ الفجر: أوائله ولا ينافي ما ذكر الذي رواه الإمام مالك في موطئه عن يزيد بن رومان، وهو: أنهم كانوا يقومون في زمن عمر ابن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة ، فقد جمع البيهقي كما في الزرقاني - بأنهم كانوا يقومون أحد عشرة، واحدة منها وتر، ثم قاموا بعشرين وأوتروا بثلاث. قال الباجي: فأمرهم أولاً بتطويل القراءة، لأنه أفضل، ثم ضعف الناس فأمرهم بثلاث وعشرين، فخفف من طول القراءة، واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات.[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY](ومنها) بل هو آكدها : كثرة الجود ، ودرس القرآن ومدارسته، والتهجد .[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]1 - أخرج الشيخان عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال: » كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس. وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة فيدارسه القرآن . فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة « .
وأخرجه أحمد بزيادة في آخره : » لا يسئل عن شيء إلا أعطاه « (1).
2 - وروى الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة (2) فيقول: » من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له الله ما تقدم من ذنبه « زاد أحمد » وما تأخر « .
3 - وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال : خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع(3) متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط (4). فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب(5)، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه ! والتي تنامون عنها أفضل - يعني آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله. رواه الإمام مالك في الموطأ، والبخاري في صحيحة.
4 - وعن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة.
قال : وقد كان القارئ يقرأ بالمئين(6) حتى كنا نعتمد على العصى(7) من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر(8). رواه الإمام مالك في الموطأ.
[/ALIGN]
----------------------------
([ALIGN=JUSTIFY]1) دل هذا الحديث على شيئين: (الأول) كثرة الجود في رمضان اتباعاً له صلى الله عليه وسلم. والجود: سعة العطاء وكثرته، وبه يوصف تعالى كما في خبر الترمذي: » إن الله تعالى جواد، يحب الجواد، كريم يحب الكريم « . وفي الأثر: » إن الله تعالى يقول كل ليلة : أنا الجواد ومني الجود، والكريم ومني الكرم « فإن الله تعالى أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، ولكنه سبحانه وتعالى جعل لسعة جوده وكرمه مواسم ليتحراها عباده الصالحون، ويسعى في نيل غايتها العارفون، لتتمايز المراتب، وتتفاوت المآرب.
فمن أعظم تلك المواسم وأكملها : شهر رمضان، فهو محل جوده الأعظم، وكرمه الأفخم، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله عز قائلا ، مخصصاً به رمضان إيماء وتلويحاً حيث أنزل فيه، ومعمماً به غيره لفظاً وحكماً: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ .
وقد مر في باب الفضائل أحاديث في ذلك: منها حديث الترمذي وغيره : » أنه ينادي فيه مناد: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة « . ولما جبل الله تعالى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم على أكمل الأخلاق وأجلها، وأبلغها وأعظمها وأفضلها، كما أخبر عن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: » إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق« - كان أجود الناس كلهم. وفي خبر ضعيف عند ابن عدي » ألا أخبركم بالأجود الأجود، الله الأجود الأجود، وأنا أجود بني أدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علماً فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة واحدة. ورجل جاد بنفسه في سبيل الله « .
فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بني أدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأخلاق الجميلة، والأوصاف الحميدة، وقد شهد له ربه عز وجل بقوله : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ . =
= ولم يكن جوده صلى الله عليه وسلم خاصاً بنوع من أنواع الجود ، بل لم يزل منذ نشأ مجبولاً على بذل أنواع الجود من العلم والمال وغيرهما، حتى بذل نفسه لله في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال ما أمكنه من غايات النفع إليهم من وعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل كلهم وأثقالهم، ومن ثم قالت له خديجة ـ رضي الله تعالى عنها ـ في أول مبعثه: » والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتقرى الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق « .
ولما ظهرت فيه تلك النبوة العظمى، والرسالة الكبرى ، تزايد جوده وسائر أخلاقه إلى ما لا غاية له من الكمال. وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه: » كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس « وفي مسلم عنه : وما سئل صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة. وفي الصحيحين عن جابر رضي الله تعالى عنه: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: لا . وفي حديث البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ : أهديت له صلى الله عليه وسلم شمله فلبسها وهو محتاج إليها، فسأله إياها رجل فأعطاها له، فلامه الناس وقالوا كان محتاجاً إليها! وقد علمت أنه لا يرد سائلاً ! فقال: إنما سألتها لتكون كفني ! فكانت كفنه .
ولما ورد مال من البحرين على النبي صلى الله عليه وسلم جاء العباس رضي الله تعلى عنه فقال: أنا فديت يوم بدر نفسي وابني أخوي عقيلاً ونوفلاً، فأعطاه من المال شيئاً كثيراً حتى أراد أن يقوم به فلم يستطع، واستحمل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفعل، فجعل العباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ يهل عن ثوبه من المال حتى استطاع حمله. وذلك مع قوة العباس المعروفة .
ومع خذا الجود الأعظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسعة هذا العطاء الأكرم، الذي يعجز عن أدناه الملوك وهو لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه لم يكن يبذله إلا لمحتاج وفي سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام، خصوصاً من يقوى الإسلام بإسلامه. كان يؤثر لنفسه وأهله عيش أفقر الفقراء، فيأتي عليه الشهران لا توقد في بيته نار، وما لهم طعام إلا الأسودان: التمر والماء. وكثيراً ما كان يربط على بطنه الحجر من الجوع .
وجاء بسبي فشكت إليه فاطمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ ما تلقي من خدمة البيت، وطلبت منه أمة تكفيها ذلك، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين من كل من التسبيح والتحميد، وأربعاً وثلاثين من التكبير عند نومها وقال: » إنها خير لك من خادم، لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع « ثم حكمة مضاعفة جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان على غيره من الشهور - هو أن جود ربه يتضاعف فيه إلى ما لا غاية له كما مر، فتخلق بذلك جرياً على كريم عادته في تخلقه بأخلاق ربه حتى قبل بعثته. قد حكى ابن إسحاق: أنه كان يجاور بحراء من كل سنة شهراً يطعم من جاء من المساكين، حتى إذا جاء الشهر الذي أراد الله ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه الله فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، وأجزل على عباده غاية رحمته - جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بوحيه ، ثم كان بعد ذلك يتضاعف جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل، لأن جبريل كان يلقاه وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه وهو أفضل الكتب وأشرفها، وذلك الكتاب يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق وأعلاها، وهو خلقه صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: » كان خلقه القرآن « فكان يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، فلذلك كان جديراً بأن يتضاعف جوده.
وأفضله في هذا الشهر الذي أنزل عليه فيه ابتداؤه مع نزوله كله فيه أيضاً جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ومع عهده بمخالطة جبريل وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، الذي يحث على المكارم والجود. فبمجموع ما ذكر من شرف الزمان وهو رمضان، وشرف المنزل وهو القرآن، وشرف النازل به وهو جبريل، وشرف المذاكرة وهي مدارسة القرآن، وشرف المخالطة وهي مخالطة جبريل الأفضل الأكرم من سائر الملائكة - حصل له صلى الله عليه وسلم ذلك الجود الأعظم، الذي لا غاية له، ومن ثم فضل على الريح المرسلة (أي المطلقة) ليفيد أنه في الإسراع بالجود أسرع منها، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده صلى الله عليه وسلم، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه.
وإنما كان جبريل يتعاهده صلى الله عليه وسلم في كل سنة مرة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان إلا عام وفاته صلى الله عليه وسلم، فإنه عارضه مرتين، كما في حديث فاطمة الصحيح، لتزداد معاهدته له، وليتقرر ما لم ينسخ منه برفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفاً لإنزاله جملة وتفصيلاً وعرضاً وأحكاماً. فينبغي لنا معشر أمته صلى الله عليه وسلم - التأسي به كما أشار إلى ذلك الشافعي رحمه الله تعالى بقوله : أحب للرجل الزيادة بالجود في رمضان، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرون منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم، روى الترمذي رحمه الله تعالى : » أفضل الصدقة صدقة في رمضان « وقد مر سابقاً » أنه شهر المواساة ، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن « .
(والثاني) كثرة تلاوة القرآن في رمضان! فيسن ذلك خصوصاً ليلاً لما في الحديث » إن المدارسة كانت بينه صلى الله عليه وسلم، وبين جبريل عليه السلام ليلاً « . وحكمة ذلك : أن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى : إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً .
وشهر رمضان له خصوصية تامة بالقرآن، لما مر أنه ظرف لإنزاله جملة وتفصيلاً، وعرضاً وأحكاماً. ومن ثم كان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان ليلاً أكثر من غيره. روى حذيفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم صلى معه ليلة في رمضان ، فقرأ بالبقرة ثم بآل عمران ثم بالنساء، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل. قال: فما صلى الركعتين حتى جاء بلال
فإذن بالصلاة. رواه أحمد رحمه الله تعالى. وكان السلف رحمهم الله تعالى إذا دخل شهر رمضان تركوا مذاكرة العلم ومجالسة العلماء، وأقبلوا على تلاوة القرآن.
قال الزهري ـ رحمه الله تعالى ـ : إنما هو (يعني شهر رمضان) تلاوة القرآن وإطعام الطعام. وكان مالك ـ رحمه الله تعالى ـ : إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة القرآن في المصحف.
وكان الثوري ـ رحمه الله تعالى ـ : يترك جميع العبادة ويقبل على تلاوة القرآن . فمن جمع في رمضان بين قيام الليل وصوم النهار وتلاوة القرآن، ووفي بجميعها وصبر عليها وفي أجره بغير حساب.
قال كعب: ينادي مناد يوم القيامة: أن كل حارث يعطى بحرثه، ويزاد أهل القرآن والصيام يعطون أجرهم بغير حساب.
وفي المسند خبر: » الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشراب والشهوات المحرمة بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان « .
وفي حديث عند أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ : » إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره فيقول: هل تعرفني، أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وكل متجر وراء تجارته، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ثم يقال له : أقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها. فهو في صعود ما دام يقرأ هذا - سرعة القراءة كان أو مرتلاً « .
وهذه الشفاعة تختص بمن قام بحقوق القرآن من إحلال حلاله، وتحريم حرامه مع القيام به خصوصاً بالليل، كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بمدحه لبعض أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ بقوله : » ذلك رجل لا يتوسد القرآن « أي لا يكثر النوم عليه حتى يصير له كالوسادة. أما من نام عن القرآن ولم يعمل به، فإنه يخاصمه فيما ضيع من حقوقه. وفي حديث عند أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ : أنه صلى الله عليه وسلم: » رأى في منامه رجلاً مستلقياً على قفاه، ورجل قائم بيده فهر أو صخرة فيشدخ رأسه فيتدهده (يتدحرج)، فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان، فيصنع به مثل ذلك. فسأل عنه فقيل له : هذا رجل آتاه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار، فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة « ورواه البخاري رحمه الله تعالى بمعناه.
وفي حديث عنه صلى الله عليه وسلم: » يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً، فيؤتى بالرجل قد حمله، فخالف أمره فيتمثل له فيقول: يا رب، حملته إياي فبئس الحامل، تعدى حدودي وضيع فرائضي ، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال له: شأنك به. فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار. ويؤتى بالرجل الصالح قد كان حمله وحفظ أمره فيتمثل خصماً دونه « .
(2) من غير أن يأمرهم بعزيمة: أي من غير أن يأمرهم أمر إيجاب ، بل أمر ندب وترغيب. وفسر ذلك بقوله
» من قام رمضان« أي قام لياليه بالصلاة. قال الحافظ : والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام. وذكر النووي في شرح مسلم أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، على معنى أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها. وقال أيضاً: واتفق العلماء على استحباب صلاة التراويح، واختلفوا في أن الأصل صلاتها منفرداً في بيته ، أم في جماعة في المسجد، فقال الشافعي وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة وأحمد، وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ ، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد. وقال الإمام مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت، لقوله صلى الله عليه وسلم: » أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة « أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة .
(3) أوزاع : جماعات متفرقون.
(4) الرهط : هو ما بين الثلاثة إلى العشرة. وهذا بيان لما أجمل. قيل: والمعنى : أن بعضهم كان يصلي منفرداً، وبعضهم يصلي جماعة.
(5) فجمعهم على أبي بن كعب. قال في الفتح: أي جعله لهم إماماً، وكأنه اختاره عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: » يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله « وقد قال عمر: أقرؤنا أبي. وروى سعيد بن منصور من طريق عروة: أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء. ورواه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل له من هذا الوجه. فقال: سليمان بن أبي حثمة، بدل تميم الداري. ولعل ذلك كان في وقتين.
(6) بالمئين : أي السور التي تلي السبع الطوال، والتي أولها ما يلي » الكهف« لزيادة كل على مائة آية .
(7) نعتمد على العصى : يؤخذ من هذا أن الاعتماد في النافلة لطول القيام على حائط أو عصى جائز وإن قدر على القيام.
(8) بزوغ الفجر: أوائله ولا ينافي ما ذكر الذي رواه الإمام مالك في موطئه عن يزيد بن رومان، وهو: أنهم كانوا يقومون في زمن عمر ابن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة ، فقد جمع البيهقي كما في الزرقاني - بأنهم كانوا يقومون أحد عشرة، واحدة منها وتر، ثم قاموا بعشرين وأوتروا بثلاث. قال الباجي: فأمرهم أولاً بتطويل القراءة، لأنه أفضل، ثم ضعف الناس فأمرهم بثلاث وعشرين، فخفف من طول القراءة، واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات.[/ALIGN]
من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر.
تعليق