مبحث ممتع في الدفاع عن إمام السنة مالك بن أنس الأصبحي المدني أمير المؤمنين

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يونس حديبي العامري
    طالب علم
    • May 2006
    • 1049

    #1

    مبحث ممتع في الدفاع عن إمام السنة مالك بن أنس الأصبحي المدني أمير المؤمنين

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله بخير ما يحمد،ثم الصلاة وعلى السلام على سيّدنا ومولانا محمّدوآله وصحبه،ومن تبعهم وأتباع أتباعهم بالسند المتصل المعتمد...وبعد:
    فأردتُ في ها الموضوع نقل مبحث ممتع،مؤصّل ومدلل،قويّ في بابه لأخي وصديقي الفاضل الشيخ الطّاهر نبي حفظه الله ورعاه،في الدفاع عن جبل السّنة الإمام مالك،وكان قد نشر الموضوع من قبل في منتدى الأزهريين ...والله المستعان..وعليه التكلان
    قال الأخ الفاضل الشيخ الطّاهر..:



    هذا الموضوع قد وعدت به أسامة وإخوانا كثر في المنتدى، وقد يسر الله إتمامه على نحو مطول، وأرجو من الإخوة الكرام الذين تابعوا الموضوع من بدايته الصبر على قراءته بتأن وتمعن، وقد أطلت فيه النفس نوعا ما لاحتياج الموضوع إلى مقدمات ونقول مبرهنة على أوهام أسامة كما تراه في الموضوع.
    والموضوع مهدى بوجه خاص لأخينا في الدين والمذهب والبلد "ابن نصر" الذي اكبرت فيه نصرته لي وذبه عني رغم اختلافنا، وأسال الله العظيم له أن يجازيني عني أحسن الجزاء ويخرجه مما هو فيه من الضيق والقلق إلى أحسن حال.
    وأرجو من الإخوة الكرام التعقيب ولو بكلمة فقد أخذ مني جهدا ليس بالقليل، وإني لأسعد بالرأي المخالف أكثر من سعادتي بالرأي الموافق، والله الموفق.
    وكنت قد نشرته في شكل ملف مستقل لكن كثيرا من الإخوة لم يستطيعوا تحميل الملف، وهو الآن مجزأ نقطة نقطة على حسب ما ذكر أسامة، وهذا فهرس الرد
    كتب أسامة عنبر في موضوع سابق فقرة تناول فيها الإمام مالك بن أنس قدس الله سره وموقفه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم انفصل فيها -رغم كونها قصيرة وغير مدللة- إلى أن موقف مالك رحمه الله من الحديث النبوي غير محمود كله، وعلل ذلك بتعليلات بانت له قوية وأسباب ظهرت له مرضية.
    وسأحاول في هذا الموضوع -نصرة لسيدنا الإمام مالك رحمه الله وذبا عن عرضه وعلمه- تفنيد شُبَهِه واحدة واحدةً بإذن الله تعالى، مبينا خطأ هذا الاستنتاج وشناعته من جهتي العلم والأدب، مفترضا في ذلك حسن نيته وحرصه على التعلم وغيرته على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبين في هذا الموضوع بمعونته تعالى أن ما كتبه أسامة تلبيس لُبِّس عليه لسبب لا نعرفه الآن، ومتمنيا منه أن يسعد بهذا النقد ما دام حبه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم هو الحامل له على ما سبق، ومتمنيا من غيره أن يستفيد من هذا ويدفع شبهة عساها داخلته في سيدنا الإمام وموقفه من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم
  • يونس حديبي العامري
    طالب علم
    • May 2006
    • 1049

    #2

    "تمهيد

    فأقول بداية أن كثيرا من مصطلحات العلوم لحقها من التبدل الزماني والتغاير الاصطلاحي الشيء الكثير، فباعتبار أن هذه العلوم صنائع بشرية واجتهادات إنسانية -كما بينه ابن خلدون في مقدمته- فالحكم يدور مع حقائق الأشياء لا مع مسمياتها، فأنت ترى أن الفقه كعلم خاص موضوع للبحث عن الفروع العملية هو مفهوم ضيق جيدا بالمقارنة مع مفهومه في عصر السلف، فأبو حنيفة [ت150هـ] عرفه بأنه: ((معرفة النفس: مالها وما عليها))، وهذا التعريف يشمل الآن على الأقل ثلاثة علوم: التوحيد والفقه والتصوف، باعتبار تعلق الحقوق والواجبات بها ثلاثتها.
    والأمثلة لهذا كثيرة ففي علوم الحديث مصطلح الصحيح كان مستعملا لما يُعمل به سواء كان مرفوعا أو موقوفا، متصلا أو منقطعا، ومصطلح الضعيف كان يشمل الحسن، والمرسل كان متسع الدلالة، وألفاظ التوثيق والتجريح مما تجري على هذا الباب.

    [هل كان مالك أمير المؤمنين في الحديث؟]:

    فمصطلح "أمير المؤمنين في الحديث من هذا الباب، اصطلاح متداول مختلف في تحقيق من يصدق عليه ممن لا يصدق بحسب "مجال التداول" زمنيا ومكانيا، وعلى كل فقد قيل في ضبطه معياران اثنان:
    أحدهما أن يكون محيطا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها -وهذا متعذر- أو أغلبها بحيث لا يعزب عنه إلا اليسير.
    والثاني أن يضبط ذلك بالعدد الدقيق، واختلف في ذلك ما بين ثلاثمائة ألف إلى الألف ألف.
    ولا نريد تقصي هذه المسألة إلا من حيث تعرضك لها، فقد قلت:
    اقتباس:
    كان حديث مالك حوالي 12 ألف حديث فقط وهو حافظ وليس أمير المؤمنين في الحديث؛ والبخاري ومسلم وأحمد والنسائي وعفان والدارقطني وابن عقدة وابن المديني والرازيان والصوري وابن حبان وشعبة والأعمش وابن جريج والذهلي والخطيب والطبراني وغيرهم وغيرهم أحفظ منه وأعرف بالعلل والرجال


    فهذه الفقرة فيها دعويان: أحدهما أن الإمام ليس أمير المؤمنين بل قصرت رتبته على "الحافظ" وهي أقل منها رتبة، والثانية أن غيره أحفظ منه وأعلم وأجدر بإمارة المؤمنين.
    ويتجه عليك في دعواك الأولى سؤال هو: ما الدليل على أن مبلغ علم مالك هو ما سميت؟
    قد تقول لي قد نصَّ على ذلك بعض الحفاظ، فأقول: وما دليله عليه؟.
    إن هذه المسألة مسألة تقريبية لا يمكن الاستناد فيها إلى شيء دقيق أبدا، إذ كيف أستطيع أن أحدد لك محفوظك من الحديث أو الشعر إذا لم يكن ذلك محصورا؟ إن صاحب الشأن لا يستطيع أن يحدد ذلك لنفسه فكيف بغيره من تلامذته أو من غيرهم، واعتبر بنفسك إن سألتك كم تحفظ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بكم ستجيب؟
    وربما تقول لي أنه قد اِسْتُقْرِئَ حديثه في الكتب والمصنفات فبلغ ذلك المبلغ! فأقول لك هذا الإمام أحمد [ت241هـ] قد قيل أنه يحفظ ألف ألف حديث ومسنده لا يعبر إلا عن "واحد من خمسة وعشرين جزءا" من محفوظه [4%]، فما تقول في الاثني عشر ألفا التي ذكرتَ مع هذه النسبة؟
    ثم إن الاثني عشر ألفا وإن قالها من نقلت عنه فقد نقل بعض الفقهاء عن مبلغ أحاديث الإمام أنه أربعون ألفا، بل نقل الكاندهلوي [ت1402هـ] أن حديثه الذي انتقى منه الموطأ كان مائة ألف حديث؛ فانظر إلى مبلغ النسب في هذا واحكم على رأيك.
    وضف إلى هذا صنيعة امتاز لها الإمام عن غيره من أئمة التحديث، وهو أنه كان كثير الانتقاء للحديث شديد الحذر في التحديث به، فمائة ألف تصير أقل من ألف، وأحاديث لا يرويها أبدا لم يكن عليها العمل، ولا الفتوى، وأحاديث امتنع عن التحديث بها حتى لا تتخذ عند أهل البدع حجة، حتى قيل: ((أن أحاديث الناس في زيادة وأحاديث مالك في نقصان))، وأخرج من بيته يوم وفاته أحمال من أحاديث الزهري[ت124هـ] -فقط- لم يحدث بها ولم يشر إليها؛ كل ذلك يجعل من نفى عنه إمارة المؤمنين حقيقا بأن يراجع نفسه ومسلماته.

    وأزيدك واحدة قاصمة للظهر إن شاء الله، وهي أن مالكا قد اختص بابن شهاب الزهري [ت124هـ] اختصاصا كبيرا، وهو من أوثق الناس فيه كما قال ابن القطان [ت198هـ] وابن معين [ت233هـ] وابن المديني [ت234هـ] وأحمد [ت241هـ] وكان أصحاب الزهري [ت124هـ] يقدمونه على أنفسهم كما هو معلوم في كتب الحديث، بل قال الإمام أحمد [ت241هـ] أنه [يعني مالكا] أثبت في كل شيء، وقد قيل في ابن شهاب [ت124هـ] مقولة ما أظنها قيلت في راو من الرواة، فقد روى ابن سعد في الطبقات والبخاري في التاريخ عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ((ما أرى أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع ما جمع ابن شهاب))، وأظنك فهمت المراد، وأظنني ملزما بالتراجع عن استبعاد إحاطة أحد بالسنة
    ثم هؤلاء الذين سميت -وهي دعواك الثانية- لا نمنعها إن كانت حقا، ففضل الله لم يحصر على مالك ولا على أتباعه، فمن استحق منهم فضلا وتقدما كان الله هو معطيه إياه، لا يمنعنا ذلك من الاعتراف به ولا يجعلنا ذلك نستبدل تقليد مالك بهم -أو بغيرهم-؛ لأن تقليدنا للإمام مبني على حجج واستدلالات ما رأيناها اجتمعت في غيره وإن كان صاحب فضل وفقه وحديث وإمامة في التقوى.
    على أن هؤلاء الذين سميتَ؛ منهم من اعترف للإمام بالإمامة في الحديث والإمامة في الفقه فقال ابن مهدي [ت196هـ] على سبيل التمثيل: ((الثوري إمام في الحديث وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومالك إمام فيهما))؛ ورغم أن ابن الصلاح فسر السنة بما هو ضد البدعة، إلا أن التفسير الحسن الذي قدمه ولي الله الدهلوي [ت1176هـ] يرغمك على تبديل رأيك في القضية.

    [الإمام مالك وأهل العراق]:

    فقال رحمه الله: ((...معنى قول عبدالرحمن: أن الثوري إمام في نقل ألفاظ الحديث وآثار الصحابة بأسانيد صحيحة، والأوزاعي إمام في معرفة الأصول والقواعد، ومالك إمام فيهما معا...)).
    وأنت خبير أن مدرسة الأوزاعي القائمة على الرأي قريبة النسب بمدرسة أهل العراق، المعتمدة على الرأي، وهذا المصطلح قد اتضح من خلال استقراء الكتب أنه حمال أوجه، بعضها يُحمد، وبعضها على العكس منه، فمن مدحه فإنما رأى شطر الحمد فيه، ومن ذمه رأى الشطر الآخر.
    وما كان ينقل لأهل المدينة عن أهل العراق كان خليطا بين الوجهين تماما، وقد جاء عنه وعن أهل المدينة مدح العراق وفقهه جملة وجاء عنه ذمهم وذم فقههم وحديثهم جملة أخرى كذلك، فعلام تقصر على الأخيرة وتترك الأولى؟
    فقد مدح الإمام مالك الإمام أبا حنيفة [ت150هـ] وروى عنه كما جاء عن الدارقطني وغيره، وتتلمذ على يد ربيعة بن أبي عبدالرحمن الشهير بربيعة الرأي [ت136هـ] وهو مدني تعلم فقه الكوفيين، وأشار على أسد بن الفرات أن يتجه إلى العراق ليتفقه ونحو ذلك.
    روى الرامهرمزي في المحدث الفاصل الحسن بن أبي الربيع، يقول: كنا على باب مالك بن أنس فخرج مناد فنادى: ليدخل أهل الحجاز فما دخل إلا أهل الحجاز، ثم خرج فنادى: ليدخل أهل الشام، فما دخل إلا أهل الشام، ثم خرج فنادى: ليدخل أهل العراق، فكنا آخر من دخل، وكان فينا حماد بن أبي حنيفة، فلما دخل قال: السلام عليكم ورحمة الله، وإذا مالك جالس على الفرش والخدم قيام بأيديهم المقارع، فأومأ الناس إليه بأيديهم اسكت، فقال: ويحكم أفي الصلاة نحن فلا نتكلم!، قال: فسمعت مالكا يقول: استخير الله، استخير الله ثلاثا، ثم قال: أخبرني نافع عن ابن عمر فحدثنا بعشرين حديثا))اهـ.
    قد تقول -وقد قلتَ- فما توجيه تلك الكلمة التي سوت أهل العراق بأهل الكتاب؟
    وأعيد إليك السؤال -على جهة الاستفهام- عما تتوقعه أنت منها؟ أتظن أنه يقصد حقيقة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ويُسَوِّي بين أحاديثهم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أتظنه يجعل الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل العراق وهم من خيرة الناس وأفضلهم بمن لعنه الله في كتابه وخذله؟
    لا أظنك تصل إلى هذا المعنى في انتقاص عقل الإمام مالك رحمه الله؟ فإن كان ظني صحيحا -وأظنه كذلك- فهذه عبارة تشبيه بليغ حذف وجه الشبه فيها اتكالا على فطنة السامع والقارئ؛ وهذان ما فهما منها هذا الفهم المُغْرِق في الإسقام، ويكفيني للدلالة على ذلك أن ابن تيمية [ت728هـ] قد نقل في رفع الملام وجه الشبه في هذه العبارة قال: ((أن كثيرا من الحجازيين يرون ألا يُحتّج بحديثٍ عراقي أو شامي إن لم يكن له أصل بالحجاز حتى قال قائلهم: نزلوا أحاديث أهل العراق بمنزلة أحاديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم)).

    وأحسن من هذا النص ما رواه ابن عبدالبر [ت463هـ] في توجيه هذه الكلمة قال راويا عن ابن وهب قال:
    اقتباس:
    ((قال مالك وذكر عنده أهل العراق فقال: «أنزلوهم عندكم بمنزلة أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا (آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد) الآية،... سمعت محمد بن الحسن، أنه دخل على مالك بن أنس يوما فسمعه يقول هذه المقالة التي حكاها عنه ابن وهب في أهل العراق قال: ثم رفع رأسه فنظر مني فكأنه استحيا وقال: يا أبا عبد الله أكره أن تكون غيبة، كذلك أدركت أصحابنا)).

    فالعلة هنا مربوطة بسياق تاريخي أوجب هذه العبارة وأوجب هذا الحكم؛ تقريرها أن أهل المدينة كانوا يتحاشون حديث البصريين للقدر وحديث الكوفيين للرفض وحديث الشاميين للنصب؛ وكانوا يعلمون أن ثمة سجالا دينيا كبيرا لم يبق في حدوده الطبيعية العلمية، بل تجاوزها إلى وضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم والكذب عليه نصرة للرأي وذبا عن المذهب، فكانوا يرون أن الحديث إذا لم يكن له أصل في غير هذه المدائن فالأصل فيه الضعف حتى يتبين العكس من ذلك، وبيان العكس في ذلك إما بأن يوثق راويه ويعدل كسفيان والأعمش، أو تشهد له أحاديث سائر الأمصار الأخرى كمكة والمدينة، قال الحافظ ابن حجر[ت852هـ]: ((ابن سعد يقلد الواقدي، والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق)).
    فهذا المسلك من أهل المدينة كان دفاعا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن بغضا في أهل العراق، وقد انتشر الوضع في هته المدائن إلى الدرجة التي جعلت مالكا يسمي الكوفة دار الضرب، فقد
    اقتباس:
    ((قال له عبدالرحمن بن مهدي: يا أبا عبد الله سمعنا في بلدكم أربعمائة حديث في أربعين يوما، ونحن في يوم واحد نسمع هذا كله. فقال له عبد الرحمن: ومن أين لنا دار الضرب، أنتم عندكم دار الضرب تضربون بالليل وتنفقون بالنهار)).

    وقال ابن وهب كما في إسعاف المبطأ:
    اقتباس:
    ((رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين فما كتبت عنه ورأيته في الثالثة قاعدا في فناء زمزم فكان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده بكى حتى أرحمه فلما رأيت ذلك كتبت عنه.
    وقال أبو مصعب: قيل لمالك لم لَم تأخذ عن أهل العراق؟ قال رأيتهم يقدمون هاهنا فيأخذون عن أناس لا يوثق بهم، فقلت إنهم هكذا في بلادهم يأخذون عمن لا يوثق بهم)).
    وهذا مما يحمد لأهل المدينة -ومنهم مالك- ولا يذمون به، وقد كان منهجه رحمه الله أنه إذا شك في الحديث طرحه كله، مخافة أن يدخل في السنة ما ليس منها، ولأجل كان أحق بالإمامة والإمارة في الحديث من كثير ممن سميت، فإنهم كانوا يروون ما بلغهم من الأحاديث تأثما -كصنيع معاذ بن جبل رضي الله عنه- وكان هو يرى صنيع عمر وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم.
    والسجال كان قائما بين أهل الحجاز وأهل العراق على أمور هي أقل شأنا من هذا كقول أنس بن عياض [ت200هـ] في المناولة والإجازة: ((يا أهل العراق، إنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)) .
    وهذا نص آخر مهم في المسألة رواه الخطيب البغدادي [ت463هـ] في الكفاية: عن عبدالله بن سلمة بن أسلم، قال:
    اقتباس:
    ((ما كنا نتهم أن أحدا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدا، حتى جاءنا قوم من أهل المشرق فحدثوا عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا عندهم بأحاديث لا نعرفها، فالتقيت أنا ومالك بن أنس فقلت: يا أبا عبد الله، والله إنه لينبغي لنا أن نعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن هو، وعمن أخذناه، فقال: صدقت يا أبا سلمة، فكنت لا أقبل حديثا حتى يسند لي، وتحفَّظ مالك بن أنس الحديث من أيامئذ، فجئت عبد الله بن الحسن في السويقة، فقال: يا ابن سلمة بن أسلم أما بلغني أنك تحدث تقول حدثني فلان عن فلان؟ قلت: بلى، خلط علينا شيعتكم من أهل العراق، وجاءونا بأحاديث عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثته بعض ما حفظت فعجب له وقال: أصبت يا ابن أخي، فزادني في ذلك رغبا))اهـ

    [رواية مالك عن أهل العراق]:

    وقد تقول لي فما له لم يرو عن العراقيين إلا عن عفان؟
    أقول بداية: عادة الفقهاء والمحدثين الرواية عن أهل بلدهم لأنهم بهم أخبر وأعلم، وكذا كان المدنيون كانوا يروون عن بعضهم لشهرة محدثيهم فيها ووثاقتهم عندهم، وكان أغلب مشايخ مالك من المدينة، ولم يرتحل إلى سائر الأمصار ارتحال أقرانه، بل كان العلم يرتحل إليه كل عام إما في الحج أو في العمرة أو في زيارة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فكان يسمع منهم ويختبر حالهم، قال هشام بن عروة [ت145هـ] ((ما قدم علينا من العراق أحد أفضل من ذاك السختياني أيوب[ت131هـ])).
    فإذا رووا عن غير أهل بلدهم تحروا، والعراق كان موطن البدع والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته فكان تحريهم معقولا روى البخاري في الأدب عن نافع ((أن نفرا من أهل العراق دخلوا على ابن عمر فرأوا على خادم لهم طوقا من ذهب، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال: ما أفطنكم للشر))، وتأمل قصة طريفة وقعت لشعبة بن الحجاج الذي استغرب حديثا فقال مبينا وجه النكارة فيه:
    اقتباس:
    ((أي شئ هذا الحديث بينما هو كوفي إذ صار بصري إذ صار مدني))
    والقصة تجدها بطولها في ترجمة زياد بن مخراق في تاريخ دمشق.
    والنص الذي كتبه الخليلي [ت446هـ] في الإرشاد يدلك على طرف من ذلك:
    اقتباس:
    ((ولأهل الكوفة من الضعفاء ما لا يمكن عدهم؛ قال بعض الحفاظ: تأملت ما وضعه أهل الكوفة في فضائل علي وأهل بيته فزاد على ثلاثمائة ألف))
    ؛ وتخيل هذا القدر من الحديث المكذوب يدور في بلد واحد، أفليس حريا بالورِع أن يتحفظ في الرواية عنهم.
    ثم روى -يعني الخليلي- عن وراق الحميدي قوله:
    اقتباس:
    ((قال أهل المدينة: وضعنا سبعين حديثا نجرب بها أهل العراق، فبعثنا إلى الكوفة والبصرة، فأهل البصرة ردوها إلينا ولم يقبلوها، وقالوا: هذه كلها موضوعة، وأهل الكوفة ردوها إلينا، وقد وضعوا لكل حديث أسانيد)).

    ل كان أهل الكوفة يكرهون ذكر أحاديث بلدهم عند أهل المدينة، كما تراه في تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمة داود بن دينار:
    اقتباس:
    ((قال مالك بن أنس للثوري: يا أبا عبد الله من خلفت بالعراق؟ قال فكرهت أن أذكر له أهل الكوف،ة قال فقلت له: تركت بها أيوب ويونس بن عبيد وابن عون والتيمي، قال فقال لي ذكرت الناس)).
    ولم يخصوا به العراق بل عدوه إلى الشام وأمصارها لعلة النصب، وأنت خبير بأن بعض أهل الشام كان يلعن علي بن أبي طالب عليه السلام في السبحة سبعين مرة أو أكثر بالغداة والعشي، ويتعبد بهذا اللعن.
    نعم قد يقع لبعض أهل المدينة جهل بمقدار العلم المختزن في العراق، فإن وثق الرجل والراوي عنه قبل حديثه في المدينة بلا مثنوية، روى ابن عبدالبر [ت463هـ] في الجامع عن إسحاق بن راشد قال:
    اقتباس:
    ((كان الزهري إذا ذكر أهل العراق ضعف علمهم فقلت له: إن بالكوفة مولى لبني أسد -يعني الأعمش- يروي أربعة آلاف حديث، قال: أربعة آلاف حديث!، قلت: نعم، إن شئت جئتك ببعض حديثه أو قال: ببعض علمه؛ قال: فجئ به، فجئت به فلما قرأه قال: والله إن هذا لعلم وما كنت أرى أن بالعراق واحدا يعلم هذا)).


    بعد هذه المقدمة ننظر لنرى هل روى مالك عن عفان فقط أم لا؟
    الجواب يستنبط من تتبع مشايخ مالك، ولنكتف الآن بكتاب المزي [ت742هـ] طلبا للاختصار ولما تتطلبه الكتابة في المنتدى فقد ذكر من شيوخه:
    -من أهل البصرة: (1) أيوب السختياني، (2) حميد بن أبى حميد الطويل، (3) عبدالكريم بن أبى المخارق، (4) زياد بن مخراق، (5) حماد بن سلمة.
    -ومن أهل الكوفة: (6) زيد بن أبى أنيسة، (7) سفيان الثورى، (8) عبدالله بن إدريس.
    -ومن أهل خراسان: (9) زياد بن سعد بن عبد الرحمن، (10) عطاء.
    - ومن غيرهم من مدائن الشام والعراق: (11) طلحة بن عبد الملك الأيلي، (12) عبدالكريم بن مالك الحرانى، (13) عبيدالله بن أبي عبدالله الأصبهاني، (14) ثور بن يزيد بن زياد الحمصى، (15) أبو عمرو الأوزاعي، (16) هشيم بن بشير الواسطي.
    والقائمة تطول لو خرجنا عن المزي، وهي كافية في نقض مقالتك؛ وقد تبين بعد ذلك أن قولك:
    اقتباس:
    ولا أدري كيف يستغني مجتهد عن أهل العراق وحديثهم
    استنتاج في غير محله والله الموفق.

    [عكرمة مولى ابن عباس الصفري ورواية مالك عنه]:

    هذه النقطة التي أثرتها وقدمتها بقولك:
    اقتباس:
    كان مالك يعلن ترك الرواية عن المبتدعة؛ مع أنه روى عن جماعة منهم وكان يدلس أقبح أنواع التدليس وهو تدليس التسوية فقد كان يروي عن عكرمة الصفري الخارجي ويدلسه.

    قلت تدليس التسوية إسقاط ضعيف بين ثقتين؛ وهو شر أنواع التدليس كما في تعريف أهل التقديس للحافظ، وإيرادك الموضوع في سياق التشنيع والتنقيص مردود عليك، قال الحافظ في كتابه في ذكر مالك بن أنس:
    اقتباس:
    ((يلزم من جعل التسوية تدليسا أن يذكره فيهم، لأنه كان يروي عن ثور بن زيد حديث عكرمة عن ابن عباس وكان يحذف عكرمة، وقع ذلك في غير ما حديث في الموطأ؛ يقول: عن ثور عن ابن عباس ولا يذكر عكرمة، وكذا كان يسقط عاصم بن عبدالله من إسناد آخر، ذكر ذلك الدارقطني وأنكر ابن عبدالبر أن يكون تدليسا))اهـ.

    فيا أخي أسامة هلم لنحقق في الأمر قليلا ولنر أدلس مالك أم لم يفعل؟
    إن النظر في الموطأ والبحث فيه يجعلنا نقف على هذا الحديث في كتاب الحج/ باب من أصاب أهله قبل أن يفيض/ وفيه من رواية يحيى الليثي:
    اقتباس:
    ((وحدثني عن مالك عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة مولى ابن عباس قال -لا أظنه إلا عن عبدالله بن عباس- أنه قال: الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي))
    ثم قال بعدها:
    اقتباس:
    ((وحدثني عن مالك أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول في ذلك مثل قول عكرمة عن بن عباس، قال مالك وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك)).

    فأنت ترى أن مالكا يصرح باسمه ولا يتحاشاه وليس له غرض في إخفاء هذا، ولو كان يدلس الحديث لأخفى اسمه تماما من كتابه، ولما صرح به في كتاب الحج وكتمه في سائر رواياته عن ثور عن ابن عباس رضي الله عنه.
    وقد نبه على هذه الجزئية إمام المالكية ابن عبدالبر [ت463هـ] في التمهيد؛ قال:
    اقتباس:
    ((وزعموا أن مالكا أسقط ذكر عكرمة منه لأنه كره أن يكون في كتابه -لكلام سعيد بن المسيب وغيره فيه-، ولا أدري صحة هذا؛ لأن مالكا قد ذكره في كتاب الحج وصرح باسمه ومال إلى روايته عن ابن عباس وترك رواية عطاء في تلك المسألة؛ وعطاء أجلُّ التابعين في علم المناسك والثقة والأمانة، روى مالك عن أبي الزبير المكي عن عطاء بن أبي رباح عن عبدالله بن عباس أنه سئل عن رجل وقع على امرأته وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدنة، وروى مالك أيضا عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة مولى ابن عباس قال أظنه عن ابن عباس أنه قال "الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي" وبه قال مالك))،
    وهذا نص صريح قاطع لإشكالك من أصله.

    وبقي الآن دفع إشكالين يتعلقان برواية عكرمة
    الإشكال الأول: لماذا روى عنه مالك رغم أنه تحاشى كثيرا من أهل البدع في كتابه؟
    ومن غير إطالة في حكم الرواية عن المبتدع، أقول من خلال استقراء كتب الجرح وشروح الموطأ ونحوها أن مالكا قد نظر في أمر عكرمة إلى أنحاء:
    الأول: في السبب الموجب لضعفه
    قال الحافظ في مقدمة الفتح:
    اقتباس:
    ((فأما أقوال من وهاه فمدارها على ثلاثة أشياء: (1) على رميه بالكذب، (2) وعلى الطعن فيه بأنه كان يرى رأي الخوارج، (3) وعلى القدح فيه بأنه كان يقبل جوائز الأمراء؛ فهذه الأوجه الثلاثة يدور عليها جميع ما طعن به فيه))

    الثاني: في حقيقة ما ضعف به وهل هو ثابت أم لا؟
    قال:
    اقتباس:
    ((...(1) فأما البدعة فإن ثبتت عليه فلا تضر حديثه، لأنه لم يكن داعية، مع أنها لم تثبت عليه؛ (2) وأما قبول الجوائز فلا يقدح أيضا إلا عند أهل التشديد، وجمهور أهل العلم على الجواز كما صنف في ذلك ابن عبد البر؛ (3) وأما التكذيب فسنبين وجوه رده بعد حكاية أقوالهم، وأنه لا يلزم من شيء منه قدح في روايته...)).
    ثم راح يسوق الأدلة والأقوال في كل واحدة من هذه الثلاثة ويفندها واحدة واحدةً فارجع إليه حتى لا نطيل الكلام أكثر وقد طال والمقام لا يحتمل.
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

    تعليق

    • يونس حديبي العامري
      طالب علم
      • May 2006
      • 1049

      #3
      والإشكال الثاني: لماذا صرح باسمه في موضع ولم يصرح به في آخر؟
      هذه يجيب عنها ابن عبدالبر [ت463هـ] قال:
      اقتباس:
      ((عكرمة مولى ابن عباس من جلة العلماء لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه؛ لأنه لا حجة مع أحد تكلم فيه، وقد يحتمل أن يكون مالك جَبُن عن الرواية عنه لأنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يرميه بالكذب، ويحتمل أن يكون لما نسب إليه من رأي الخوارج، وكل ذلك باطل عليه إن شاء الله.
      وقد قال الشافعي في بعض كتبه: "نحن نتقي حديث عكرمة"، وقد روى الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى والقاسم العمري وإسحاق بن أبي فروة وهم ضعفاء متروكون، وهؤلاء كانوا أولى أن يتقى حديثهم ولكنه لم يحتج بهم في حكم، وكل أحد من خلق الله يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
      قال عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن إسحاق الطباع قال سألت مالك بن أنس قلت أبلغك أن ابن عمر قال لنافع لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس قال لا ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبرد مولاه.
      وقيل لابن أبي أويس لم لَم يكتب مالك حديث عكرمة مولى ابن عباس قال لأنه كان يرى رأي الإباضية.
      وأما قول سعيد بن المسيب فيه فقد ذكر العلة الموجبة للعداوة بينهما أبو عبدالله محمد بن نصر المروزي في كتاب الانتفاع بجلود الميتة وقد ذكرت ذلك وأشباهه في كتابي "كتاب جامع بيان أخذ العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله"، في باب "قول العلماء بعضهم في بعض" فأغنى ذلك عن إعادته ها هنا))
      اهـ كلام الحافظ وهو نفيس جدا.
      لكني أزعم أن هناك اتجاها عاما في عهد الرواية كان يعمد إلى تحاشي ذكر اسمه بسبب اشتهار تلك التهمة عنه -وإن لم تثبت- بسبب الخوف إما من السلطة أو سدا لذريعة كانت قائمة وقتذاك؛ تمثلت في كون الرواية عن راو تزكية له ولمنهجه، ودليلي على ذلك أن مالكا لم ينفرد بهذا المسلك وحده بل شاركه فيه جمع كابن سيرين [ت110هـ] مثلا، قال خالد الحذاء:
      اقتباس:
      ((كل ما قال محمد بن سيرين: "نبئت عن ابن عباس" فإنما رواه عن عكرمة))،
      ومحمد بن سيرين قديم الوفاة إذ أنه توفي قبل مالك بأكثر من خمسين سنة، في عهد بني أمية، وهو عهد قد امتلأ بثورات الخوارج أكثر من ثورات العلوية كما تعلم.
      ويقدم الإمام أحمد [ت241هـ] تعليلا مشابها يقول -كما في رواية أبي طالب عنه-:
      اقتباس:
      ((قلت: لم يكن يسمى عكرمة؟ قال: لا محمد [يعني ابن سيرين] ولا مالك، لا يسمونه في الحديث؛ إلا أن مالكا قد سماه في حديث واحد. قلت: ما كان شأنه؟ قال: كان من أعلم الناس؛ ولكنه كان يرى رأى الخوارج رأي الصفرية، ولم يدع موضعا إلا خرج إليه: خراسان، والشام، واليمن، ومصر، وأفريقية.
      وقال: إنما أخذ أهل أفريقية رأي الصفرية من عكرمة لما قدم عليهم، وكان يأتي الأمراء يطلب جوائزهم...))اهـ.

      واسمح لي بنوع استطراد يتعلق بالإمام الشافعي [ت204هـ] إمام مذهبك، وانظر إلى وجه دفع طعن توجه عليه بمثل هذا الجنس من التعليل المتعلق بطرائق وفنيات الصناعة الحديثية، قال الخطيب البغدادي فيما نقله الذهبي في السير:
      اقتباس:
      ((سألني بعض إخواننا بيان علة ترك البخاري الرواية عن الشافعي في "الجامع"، وذكر أن بعض من يذهب إلى رأي أبي حنيفة ضعف أحاديث الشافعي، واعترض بإعراض البخاري عن روايته،...فأجبته بما فتح الله لي...ثم أخذ الخطيب يعدد علوم الإمام ومناقبه، وتعظيم الائمة له...إلى أن قال: والبخاري هذب ما في "جامعه"، غير أنه عدل عن كثير من الأصول إيثارا للإيجاز، قال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي "الجامع" إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول.
      فتَرْكُ البخاري الاحتجاجَ بالشافعي إنما هو لا لمعنى يوجب ضعفه، لكن غَنِيَ عنه بما هو أعلى منه، إذ أقدم شيوخ الشافعي مالك، والدراوردي، وداود العطار، وابن عيينة؛ والبخاري لم يدرك الشافعي، بل لقي من هو أسن منه، كعبيد الله بن موسى، وأبي عاصم ممن رووا عن التابعين، وحدثه عن شيوخ الشافعي عدة، فلم ير أن يروي عن رجل، عن الشافعي، عن مالك.
      فإن قيل: فقد روى عن المسندي، عن معاوية بن عمرو، عن الفزاري، عن مالك، فلا شك أن البخاري سمع هذا الخبر من أصحاب مالك، وهو في "الموطأ" فهذا ينقض عليك؟! قلنا: إنه لم يرو حديثا نازلا وهو عنده عال، إلا لمعنى ما يجده في العالي، فأما أن يورد النازل، وهو عنده عال، لا لمعنى يختص به، ولا على وجه المتابعة لبعض ما اختلف فيه، فهذا غير موجود في الكتاب...والبخاري يتبع الألفاظ بالخبر في بعض الأحاديث ويراعيها، وإنا اعتبرنا روايات الشافعي التي ضمنها كتبه، فلم نجد فيها حديثا واحدا على شرط البخاري أغرب به، ولا تفرد بمعنى فيه يشبه ما بيناه، ومثل ذلك القول في ترك مسلم إياه، لإدراكه ما أدرك البخاري من ذلك..))
      هذه خلاصة الكلام في عكرمة، أفيبقى بعد ذلك مطعن على الإمام أم يزول ذلك من قلبك ويظهر أثر ذلك على لسانك؛ على أن مالكا قد تحايده كما قال الذهبي[ت748هـ] والله الموفق.

      [كلام مالك في بعض الناس]:

      وأما ما ذكرت في آخر نقاطك من كلام الإمام مالك قدس الله سره في هؤلاء الأشخاص، فيتضمن دعويان إحداهما تصحيح نسبة ذلك الكلام إليه، والأخرى دعواك أن ذلك الكلام منه إنما صدر على وجه التشفي.
      فأما الدعوى الأولى: فتضمنت كلام الإمام مالك في ثلاثة أشخاص:
      فأما ابن أبي ذئب فلم أقف بعد على نص صريح يؤكد ذمه، وإنما المعروف أنه هو الذي قال عن مالك يستتاب، في قصة البيع بالخيار؛ وفي ثقات ابن حبان ونقله ابن حجر في تهذيب التهذيب:
      اقتباس:
      (( كان من فقهاء أهل المدينة وعبادهم، وكان من أقول أهل زمانه للحق; وعظ المهدى فقال له: أما إنك أصدق القوم، وكان مع هذا يرى القدر، وكان مالك يهجره من أجله)).

      فهذا تصريح للعلة الموجبة من مالك ترك هذا الفقيه الحافظ، وقال أحمد فيه:
      اقتباس:
      ((ابن أبي ذئب كان ثقة، صدوقا أفضل من مالك بن أنس، إلا أن مالكا أشد تنقية للرجال منه، ابن أبى ذئب كان لا يبالي عن من يحدث))
      بل نقل الخليلي كما في تهذيب التهذيب في ترجمته:
      اقتباس:
      ((ثقة، أثنى عليه مالك، فقيه، من أئمة أهل المدينة، حديثه مخرج في "الصحيح"، إذا روى عن الثقات فشيوخه شيوخ مالك؛ لكنه قد يروى عن الضعفاء))

      وأما ابن إسحاق صاحب السيرة فقال المزي ناقلا عن الخطيب:
      اقتباس:
      ((وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأسباب منها: أنه كان يتشيع، وينسب إلى القدر، ويدلس في حديثه..))
      ثم قال المزي:
      اقتباس:
      ((و قد ذاكرت دحيما قول مالك، يعني فيه فرأى أن ذلك ليس للحديث إنما هو لأنه أتهمه بالقدر، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى: محمد بن إسحاق، الناس يشتهون حديثه وكان يرمى بغير نوع من البدع)).

      قال:
      اقتباس:
      ((و قال أيوب بن إسحاق...: سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله ابن إسحاق إذا تفرد بحديث تقبله؟ قال: لا، والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من ذا)).

      وقال ابن حبان في الثقات:
      اقتباس:
      ((تكلم فيه رجلان، هشام ومالك، فأما قول هشام فليس مما يجرح به الإنسان، وذلك أن التابعين سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها، وكذلك ابن إسحاق كان سمع من فاطمة والستر بينهما مسبل، وأما مالك فإن ذلك كان منه مرة واحدة ثم عاد له إلى ما يحب، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث، إنما كان ينكر تتبعه غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وغيرها، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن)).


      وأما سعد بن إبراهيم الزهري فأين وجدت يا أسامة- طعن الإمام مالك عليه، فمالك ترك الرواية عنه ولم ينقل عنه ذمه قال الساجي:
      اقتباس:
      ((ومالك إنما ترك الرواية عنه؛ فأما أن يكون يتكلم فيه فلا أحفظه)).
      وإنما كان ترك مالك الرواية عنه لأمرين ذكرهما أصحاب الجرح والتعديل:
      أولهما ما قاله أحمد بن البرقي:
      اقتباس:
      (( سألت يحيى عن قول بعض الناس في سعد إنه كان يرى القدر، وترك مالك الرواية عنه، فقال : لم يكن يرى القدر، وإنما ترك مالك الرواية عنه لأنه تكلم في نسب مالك، فكان مالك لا يروى عنه)).
      والسبب الثاني: أنه لم يكن يحدث بالمدينة، فعن علي بن المديني:
      اقتباس:
      ((كان سعد بن إبراهيم لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهل المدينة، ومالك لم يكتب عنه، وإنما سمع منه شعبة و سفيان بواسط، وسمع منه ابن عيينة بمكة شيئا يسيرا))،
      ولذلك كان يحدث عنه بالواسطة كما قال الساجي:
      اقتباس:
      ((قد روى مالك عن عبدالله بن إدريس عن شعبة عن سعد بن إبراهيم)).

      قد تبين بحمد الله أن النقاط الخمس التي أثارها أسامة لا تثبت أمام البرهان والبحث العلمي الدقيق، وأن تلك الملاحظات التي لحظها على مسلك الإمام مالك الحديثي هي مجرد وهم كبير ليس إلا، على أن العتب على أخينا أسامة لم يكن على طرح هذه النقاط الخمس فهذا واجب الباحث عن الحق وواجب على المنتسب إلى مذهب الإمام الرد عليها وتفنيدها، بل العتب كل العتب واللوم كل اللوم على غمزه الإمام مالك على أنه كان يقدس الحديث وقت التحديث ليس إلا، قال في مداخلته السابقة:
      اقتباس:
      نعم كان مالك يجل الحديث وقت التحديث ولكن العمل والقواعد التي ابتكرها تخالف ذلك

      وهذه المسألة غمز في غير محل، وساداتنا الصوفية يقولون أن سوء الأدب في الظاهر عنوان سوء الأدب في الباطن، والإمام سيد من هؤلاء السادات، ومقامه أرفع من هذا الغمز، وهذه الكلمة يا أسامة في رأيي مما يجب أن يتاب منه، والله الموفق.
      -----
      قلت:
      وهذا المبحث حق أن يطبع مستقلا مع زيادة توسع في بعض مباحثه لأهميته وقوته،
      نقله طالب العلم
      يونس حديبي العامـــــــري
      وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

      تعليق

      • محمد حسن حسن الحسني
        طالب علم
        • Dec 2007
        • 90

        #4
        الاخ الفاضل يونس حفظكم الله وسدد خطاكم وجزاكم الله على البحث خير الجزاء، ولا شك ان امام دار الهجرة وامير المؤمنين في الحديث هو الامام مالك فرحمه الله ورضى عنه، وكيف لا يكون كذلك واشارة الحديث الذي فيه تضرب اعناق المطي تشير اليه كما قال بذلك كثير من اهل العلم ..

        ولكن الملاحظة التي يجب ان تكون على الاخؤة المالكية خصوصا وعلى غيرهم من اهل العلم عموما
        وهي ان الامام مالك والمشهود له بالامامة وبوصف امير المؤمين في الحديث،وبكثرة الاتباع وحصول المجد لهم والسؤدد، ولا يوجد في اتباعه من اهتم به وخصص علمه الحديثي واتخذه منهجا للمذهب يسير بسيره ، الى اخر وقته ، حيث مالوا الى التفريع اكثر من التاصيل ، مقارنة بغيرهم من المذاهب، واعني الشافعية في المقام الاول والاحناف في المقام التالي ...
        الا ترى ان المالكية لم يحرروا اقوال مالك الحديثية ، ولم يضعوا له مناهج حديثية ومصلحات خاصة به تليق به لعلو مكانه وسموا قدرة في علم الحديث يمشوا فيها في مذهبهم ويطبوقها على فروعهم ، واصبح السادة المالكية عالة في الحديث على السادة الشافعية ، ولم يكن لهم منهج حديث خاص بهم يليق بسموا قدر امامهم ...
        فترى المالكية تاخروا في هذا المجال ونزلوا وابتعوا منهج السادة الشافيعة حتى اصبحوا جزء منهم في مقابلة غيرهم..
        حتى ان المالكية اصبحت اخر المذاهب في عملية التخريج لمذهبهم، وتخريج فروعهم الفقهية كما فعل السادة الاحناف والسافعية وكان يفترض ان يكون لهم قصب السبق في هذا الامر...
        وهناك كثير من الملاحظات سواء كانت في المصطلح او التطبيق وهي بعد المالكية عن امامهم امير المؤمنين في الحديث ودخولهم في فلك الشافعية...
        وربما ملاحظات اخرى وهي كثيرة نسال الله ان ييسر وقت لطرحها ومناقشتها

        تعليق

        • يونس حديبي العامري
          طالب علم
          • May 2006
          • 1049

          #5
          وربما ملاحظات اخرى وهي كثيرة نسال الله ان ييسر وقت لطرحها ومناقشتها
          أرى أن تضع كل ما تجده عندك لنتباحث فيه والله المستعان.
          وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

          تعليق

          يعمل...