الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وبعد ..
مشهور مذهب الإمام مالك، ما نص عليه الإمام الدردير حيث قال:
(ووجب الفطر إن خاف بالصوم هلاكاً أو شديد ضرر، كتعطيل حاسة من حواسه).
وقد وجدت في كتاب تذييل المعيار للعلامة عبد السلام العالم التاجوري (المتوفى سنة 1139هـ) تطبيقات مفيدة في ذلك، أحببت نقلها للإفادة .. وفقني الله وإياكم لكل خير ..
قال العلامة التاجوري ما نصه (الجزء الثاني، ص 54 وما بعدها):
وسئل علي الأجهوري عن بلدٍ يحرثون ويزرعون كل السواني، ولا يقتاتون إلا ذلك، ويأتيهم رمضان في زمن الحرث والحر مفرط، فلا يقدرون معه على الصوم والحرث معاً، فإن صاموا فاتهم الحرث، وإن حرثوا فاتهم الصوم؟
فأجاب: الحمد لله، قال البرزلي: وقع السؤال في زماننا عما إذا وقع الصيام في زمن الحر، هل يجوز للأجير الخروج وإن أدى للفطر أم لا؟ وكانت الفتيا عندنا أنه إذا كان محتاجاً لصنعته لمعاشه، وليس له عنه غنى، فذلك له. وإلا كره. وأما صاحب الزرع فلا خلاف أنه يجوز له جمع زرعه، وإن أدى إلى فطره، وإلا وقع في النهي عن إضاعة المال، انتهى. والحرث مثل الحصاد، والله أعلم.
وسئل من هذا المعنى عن جماعة قاطنين بقطر .. يزرعون على السواني، ويقدم عليهم رمضان، فيحصل لهم مع لاصوم تعب ومشقة ، حتى يشرفوا على الهلاك، فهل يباح لهم الفطر، ويقضوا في أيام أخر أم لا؟
فأجاب: نعم يباح لهم الفطر حيث خافوا أن يحصل لهم المرض، ويجب عليهم الفطر إذا خافوا الهلاك أو شديد الأذى، ويجوز لهم الامتناع على الفعل المذكور وإن علم أنه يؤدي إلى الفطر.
قال الإمام البرزلي رحمه الله: ولا خلاف أن لصاحب الزرع ضمه وإن أدى إلى فطره، لما يحصل له في ضمه مما يوجب له الفطر، وكذا الأجير له ذلك، صنعته ولا بد له منها، وسقي الذرة كضم الزرع ويعتبر في الخوف أن ينشأ عن تجارب أو عن إخبار عارف والله أعلم، انتهى.
قلتُ أي العلامة التاجوري-: وليس مراد الشيخ أنه يجوز لهم أن يبيتوا على الفطر كالمسافر، كما يعتقده كثير من العوام، وإنما المراد أنهم يبيتون على الصوم ويعملون، فإن خافوا ما ذكر لهم جاز لهم، اي وجب عليهم على حسب ما تقدم، وذلك يفهم من قوله: وإن علموا أنه يؤدي ومن قوله: إن أدى لهم.
ثم رأيتُ جواباً منسوباً للشيخ سالم السنهوري من معنى ما مرَّ، ونصه: أما صاحب الزرع فيجوز له الفطر بلا إشكال، وأما الخدامة للمحتاج منهم للحصاد يجوز الفطر، وأمَّا غير المحتاج فيكره له ذلك، لكن لا يبيت أحد منهم على الفطر، بل يبيتون على الصوم فإن حصل لأحدهم استعطاش أبيح له الفطر ويقضي زمن الاستطاعة، انتهى.
قلتُ أي العلامة التاجوري-: وظاهر هذا الجواب أن التفصيل في الفطر والذي في غيره أن الفطر يجوز مع العطش بلا تفصيل، وإنما التفصيل في الإقدام على الفعل المؤدي للفطر، والله أعلم.
ومن رحلة الشيخ سيدي عبد الله العياشي: أنه أفطر في رمضان يوم إقامته (قلت -جلال: أي يوم إقامة في رحلة السفر)، فلامه بعض الناس على ذلك، وقال: ما حملك عليه إلا الشهوة، قال: فقلتُ له ما قاله بعض المشايخ: إذا وافق الحق الشهوة فذاك الزبد بالشهد، وقال: إنك ممن يقتدى به، فإذا رآك الناس أفطروا وأدى ذلك إلى هتك حرمة الشهر. فقلتُ: إن الله تعالى هو المحرِّم ولم يجعل لهذا الشهر حرمةً في السفر، وحرمة الشهر والحمد لله معلومة بين المسلمين، لا يزيلها إفطار مفطر ولا يزيدها صوم صائم، ومن يقتدى به هو الذي ينبغي له الإفطار، وإن لم يتضرر بالصوم؛ لأن كثيراً من الناس يعتقدون حرمة الإفطار أو قبحه، فيحملون من ذلك مشقة عظيمة، حسبما شاهدنا ذلك مراراً في كثير من الأسفار المندوبة، فضلاً عن المباحة، فإذا رأوا من يعتقدون فيه الخير سهل عليهم الفطر وعلموا إباحته وأولويته لمن شق عليه الصوم. واستدللت بغير هذا من الأدلة، انتهى.
قلتُ أي العلامة التاجوري-: وقد وقع لنا من ذلك، بل لم نصم منه إلا يوماً واحداً، فظهر صعوبته، فأفطرتُ أنا والشيخ محمد مقيل رحمه الله، وأفطر لفطرنا بعد ذلك أكثر الركب، وحصل لنا منهم دعاء كثير بالخير، ومن لم يتبعنا وتحمل المشقة لم يبلغ الدروب إلا ضعيفاً، فأثر فيه كثيراً، وإن الله يحب أن تؤتى رخصه، لا سيما في أيام الحر للرجل الكبير، وخصوصاً في هذه السنين، لما يلحق الحاج فيها من التعب بتأخير الركب أكثر من شهر عن عادة أيام الشيخ العياشي التسهيل فيه على الحجاج، ودين الله يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، الحمد لله رب العالمين، انتهى النقل.
ومن فوائده أن الذي يفطر بسبب المشقة لا يجوز له تبييت النية للإفطار، بل يبيت نية الصوم، فإن حصلت المشقة أفطر ..
ليت إخواني يذكرون المعتمد في المذاهب الأخرى، فتحصل الفائدة كاملة إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم وأحكم
مشهور مذهب الإمام مالك، ما نص عليه الإمام الدردير حيث قال:
(ووجب الفطر إن خاف بالصوم هلاكاً أو شديد ضرر، كتعطيل حاسة من حواسه).
وقد وجدت في كتاب تذييل المعيار للعلامة عبد السلام العالم التاجوري (المتوفى سنة 1139هـ) تطبيقات مفيدة في ذلك، أحببت نقلها للإفادة .. وفقني الله وإياكم لكل خير ..
قال العلامة التاجوري ما نصه (الجزء الثاني، ص 54 وما بعدها):
وسئل علي الأجهوري عن بلدٍ يحرثون ويزرعون كل السواني، ولا يقتاتون إلا ذلك، ويأتيهم رمضان في زمن الحرث والحر مفرط، فلا يقدرون معه على الصوم والحرث معاً، فإن صاموا فاتهم الحرث، وإن حرثوا فاتهم الصوم؟
فأجاب: الحمد لله، قال البرزلي: وقع السؤال في زماننا عما إذا وقع الصيام في زمن الحر، هل يجوز للأجير الخروج وإن أدى للفطر أم لا؟ وكانت الفتيا عندنا أنه إذا كان محتاجاً لصنعته لمعاشه، وليس له عنه غنى، فذلك له. وإلا كره. وأما صاحب الزرع فلا خلاف أنه يجوز له جمع زرعه، وإن أدى إلى فطره، وإلا وقع في النهي عن إضاعة المال، انتهى. والحرث مثل الحصاد، والله أعلم.
وسئل من هذا المعنى عن جماعة قاطنين بقطر .. يزرعون على السواني، ويقدم عليهم رمضان، فيحصل لهم مع لاصوم تعب ومشقة ، حتى يشرفوا على الهلاك، فهل يباح لهم الفطر، ويقضوا في أيام أخر أم لا؟
فأجاب: نعم يباح لهم الفطر حيث خافوا أن يحصل لهم المرض، ويجب عليهم الفطر إذا خافوا الهلاك أو شديد الأذى، ويجوز لهم الامتناع على الفعل المذكور وإن علم أنه يؤدي إلى الفطر.
قال الإمام البرزلي رحمه الله: ولا خلاف أن لصاحب الزرع ضمه وإن أدى إلى فطره، لما يحصل له في ضمه مما يوجب له الفطر، وكذا الأجير له ذلك، صنعته ولا بد له منها، وسقي الذرة كضم الزرع ويعتبر في الخوف أن ينشأ عن تجارب أو عن إخبار عارف والله أعلم، انتهى.
قلتُ أي العلامة التاجوري-: وليس مراد الشيخ أنه يجوز لهم أن يبيتوا على الفطر كالمسافر، كما يعتقده كثير من العوام، وإنما المراد أنهم يبيتون على الصوم ويعملون، فإن خافوا ما ذكر لهم جاز لهم، اي وجب عليهم على حسب ما تقدم، وذلك يفهم من قوله: وإن علموا أنه يؤدي ومن قوله: إن أدى لهم.
ثم رأيتُ جواباً منسوباً للشيخ سالم السنهوري من معنى ما مرَّ، ونصه: أما صاحب الزرع فيجوز له الفطر بلا إشكال، وأما الخدامة للمحتاج منهم للحصاد يجوز الفطر، وأمَّا غير المحتاج فيكره له ذلك، لكن لا يبيت أحد منهم على الفطر، بل يبيتون على الصوم فإن حصل لأحدهم استعطاش أبيح له الفطر ويقضي زمن الاستطاعة، انتهى.
قلتُ أي العلامة التاجوري-: وظاهر هذا الجواب أن التفصيل في الفطر والذي في غيره أن الفطر يجوز مع العطش بلا تفصيل، وإنما التفصيل في الإقدام على الفعل المؤدي للفطر، والله أعلم.
ومن رحلة الشيخ سيدي عبد الله العياشي: أنه أفطر في رمضان يوم إقامته (قلت -جلال: أي يوم إقامة في رحلة السفر)، فلامه بعض الناس على ذلك، وقال: ما حملك عليه إلا الشهوة، قال: فقلتُ له ما قاله بعض المشايخ: إذا وافق الحق الشهوة فذاك الزبد بالشهد، وقال: إنك ممن يقتدى به، فإذا رآك الناس أفطروا وأدى ذلك إلى هتك حرمة الشهر. فقلتُ: إن الله تعالى هو المحرِّم ولم يجعل لهذا الشهر حرمةً في السفر، وحرمة الشهر والحمد لله معلومة بين المسلمين، لا يزيلها إفطار مفطر ولا يزيدها صوم صائم، ومن يقتدى به هو الذي ينبغي له الإفطار، وإن لم يتضرر بالصوم؛ لأن كثيراً من الناس يعتقدون حرمة الإفطار أو قبحه، فيحملون من ذلك مشقة عظيمة، حسبما شاهدنا ذلك مراراً في كثير من الأسفار المندوبة، فضلاً عن المباحة، فإذا رأوا من يعتقدون فيه الخير سهل عليهم الفطر وعلموا إباحته وأولويته لمن شق عليه الصوم. واستدللت بغير هذا من الأدلة، انتهى.
قلتُ أي العلامة التاجوري-: وقد وقع لنا من ذلك، بل لم نصم منه إلا يوماً واحداً، فظهر صعوبته، فأفطرتُ أنا والشيخ محمد مقيل رحمه الله، وأفطر لفطرنا بعد ذلك أكثر الركب، وحصل لنا منهم دعاء كثير بالخير، ومن لم يتبعنا وتحمل المشقة لم يبلغ الدروب إلا ضعيفاً، فأثر فيه كثيراً، وإن الله يحب أن تؤتى رخصه، لا سيما في أيام الحر للرجل الكبير، وخصوصاً في هذه السنين، لما يلحق الحاج فيها من التعب بتأخير الركب أكثر من شهر عن عادة أيام الشيخ العياشي التسهيل فيه على الحجاج، ودين الله يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، الحمد لله رب العالمين، انتهى النقل.
ومن فوائده أن الذي يفطر بسبب المشقة لا يجوز له تبييت النية للإفطار، بل يبيت نية الصوم، فإن حصلت المشقة أفطر ..
ليت إخواني يذكرون المعتمد في المذاهب الأخرى، فتحصل الفائدة كاملة إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم وأحكم
تعليق