توحيد أهل السنة--وتوحيد أهل البدعة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عادل محمد الدوكان
    طالب علم
    • Nov 2010
    • 2

    #16
    بسم الله وصلى الله على رسوله وبعد
    الأخ فيصل
    سؤالي الأول
    أرجو أن تبين لي وباختصار مفيد ما معنى كلمة -مجملاً- في قولك
    فإذا تبين لنا أن كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية مجملاً

    هل تريد الإجمال في الكفار
    أو تريد الإجمال في التوحيد

    فإن قلت الأول فهذا يعني أن فيهم ولو قليل كانوا موحدين بالربوبية على وجه التفصيل والكمال فأرجو أن تترك السؤال الثاني وتجيبني كرما منك على السؤال الثالث

    وإن قلت الثاني فالذي أفهمه منك في تلك الحال أنهم في كثير أو قل حتى أكثر اعتقادهم في الربوبية كانوا موحدين وإنما في بعضه لم يوحدوا، وعليه أرجو إجابتي على السؤال الثاني
    هل يصح أن نطلق على كافر أنه موحد في الربوبية مع أنه لم يوحد به على وجه التفصيل وإنما الإجمال

    ثم سؤالي الثالث
    لو قلنا العبادة لازم للربوبية وعليه فالربوبية ملزوم للعبادة فالسؤال هو
    هل بوجود الملزوم يلزم وجود اللازم

    بارك الله فيك وفي جميع المسلمين

    تعليق

    • عثمان محمد النابلسي
      طالب علم
      • Apr 2008
      • 438

      #17
      سبحان الله!! هذا نقاش جرى قبل عدةّ سنوات , وفي ذلك الحين كنت طالب مدرسة لم أتجاوز المرحلة الثانوية! إلا أنّ ذلك لا يمنع من التعليق عليه , فإن الموضوع جدّ خطير , وما كان تقتيل ابن عبد الوهاب أهل الجزيرة العربية وتكفيره إياهم إلا لفهمه الفاسد لهذه المسألة!!

      وقد وجدت في كلام الأخ فيصل كلاماً خطيراً لم يعلق عليه أحد الأخوة! فلا بد من بيان ما فيه من تهافت وفساد



      المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
      فإنا نعلم جميعاً أن الله تعالى ما أرسل الرسل إلا للدعوة إلى التوحيد....
      وإن التوحيد الذي أراده الله من خلقه هو إفراد الله تعالى بما يختص به...
      ثم إن الله تعالى اختص بالربوبية التي هي الخلق والملك والتدبير..
      كما قد اختص تبارك وتعالى بأسماء حسنى وصفات عليا..
      ثم إن الله تعالى لما اكتملت فيه صفات الجمال والجلال، استوجب انفراده سبحانه بالعبادة والقصد...
      [/ALIGN]
      النتيجة : أنّ الله تعالى أرسل الرسل للدعوة إلى توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات , وهذا مخالف لما يقوله الوهابية بأن الأنبياء لم يخاصموا أقوامهم في الربوبية ولكن خاصموهم في الألوهية , وأنّ كلمة التوحيد ((لا إله إلا الله)) لا تتضمن الربوبية لكن الألوهية!!ّ

      فقد قال ابن باز في فتاواه (ج2-ص42) :
      (... لأن الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة ، وإلا فالأمم! تقر بأن الله ربها وخالقها ورازقها ، وتعرف كثيراً من أسمائه وصفاته ، ولكن النزاع والخصومة من عهد نوح إلى يومنا هذا في توحيد الله بالعبادة ) .

      وقال صالح الفوزان في شرحه لكشف الشبهات عند شرحه : "وهذا التوحيد هو معنى قولك : لا إله إلا الله" :
      ( أي : معنى لا إله إلا الله هو توحيد الألوهية , لا توحيد الربوبية! , لأنه لو كان معناها توحيد الربوبية لما قال الرسول ص- للمشركين : "قولوا لا إله إلا الله" , لأنهم يقولون إن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت , وإنه حينئذ يطلب منهم ما هو تحصيل حاصل , ويقاتلهم على شيء يعترفون به ويقرون به , وهذا القول باطل)

      إذن عند هؤلاء الوهابية تكون كلمة التوحيد التي دعا إليها النبي ص- أهلَ الجاهلية لا تتضمن الربوبية , وإلا لكان النبي ص- دعاهم إلى الربوبية أيضاًً , ودعوته إلى أمر هم مؤمنون به إيماناً تامّاً تحصيل حاصل , وهذا القول باطل كما قاله الفوزان!

      المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
      ثم إن الله تعالى لما اكتملت فيه صفات الجمال والجلال، استوجب انفراده سبحانه بالعبادة والقصد. وكذلك لما كان هو الخالق المالك المدبر، كان اللازم على الطالب أن يطلب منه وحده.
      [/ALIGN]
      وهذا دليل على أن المشركين قد اعتقدوا في أصنامهم بعض صفات الربوبية , فكان اللازم من ذلك أن يقصدوها ويعبدوها

      المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
      وبهذا يتبين لكل قارئ أن تقسيم التوحيد على هذه الصورة مما لا يختلف عليه اثنان ممن يدعي السنة، لا وهابية ولا أشعرية. والحمد لله. [/ALIGN]
      قلت : ليس خلافنا مع الوهابية في ذكر أقسام التوحيد , وإنما في فهمهم الباطل لتلك الأقسام


      المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
      فكما هو ظاهر أن الثلاثة بينها تلازم شديد.
      فالرب لا بد أن يتصف بكل كمال ليقوم به الكون، والرب الذي خلق ورزق وحده يستحق العبادة وحده.
      وكذلك الكامل في أسمائه وصفاته هو رب لأن الربوبية كمال وضدها نقص، ثم من كان كذلك استحق تعلق القلوب به تعبداً ومحبة وطلباً.
      ثم الإله الذي يستحق العبادة لا بد أن يكون رباً قادراً على تحقيق ما نرجو منها رغبة ورهبة، ولا بد أن يكون فيه من الكمال ما تتعلق به القلوب وتقصده وتحبه. بل ومن العبادة أن نمجده ونحمده سبحانه بما استحق من صفات الكمال.
      وبذلك يتبين أن من أخل في أحدها فقد أخل في الباقيين بقدر ذاك الخلل. [/ALIGN]
      هذا يدل على أنّ المشركين لمّا اتخذوا أصنامهم ألهة مع الله تعالى , كان ذلك نتيجة لاعتقادهم فيها تحقيق ما يرجوه منها رغبة ورهبة , واعتقدوا فيها من الكمال ما جعل قلوبهم تتعلق بها وتقصدها وتحبها


      المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
      ثم إنا رأينا كفار قريش، وهم الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد أقروا بتوحيد الربوبية مجملاً، [/ALIGN]
      هذا مخالف لما يقرّره مشايخ الوهابية من أنّ كفّار قريش وحّدوا الله تعالى في الربوبية توحيداً كاملا لا مجملاً!!

      فقد قال ابن باز في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" ج2-ص72 :
      ( أما كونه سبحانه ربَّ الجميع , وخالق الخلق , ورازقهم ، وأنه كامل في ذاته , وأسمائه , وصفاته , وأفعاله ، وأنه لا شبيه له ، ولا ند له , ولا مثيل له ، فهذا لم يقع فيه الخلاف بين الرسل والأمم!! ، بل جميع المشركين من قريش وغيرهم مقرون به، وما وقع من إنكار فرعون وادعائه الربوبية فمكابرة ، يعلم في نفسه أنه مبطل ، كما قال له موسى : {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} ، وقال سبحانه فيه وفي أمثاله : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } وقال تعالى : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } وهكذا ما ادعته الثانوية من إلهية النور والظلمة ، فمكابرة أيضا ..الخ) .

      وهذه كلمة قالها , ولم يتأمّل ما لها , ولو علم وبالها , لقال : ما لي ومالها !

      وقال محمد باشميل في رسالته : "كيف نفهم التوحيد؟" :
      ( فقد كان هؤلاء المشركون يؤمنون بوجود اللّه إيمانًا جازمًا , ويوحدونه في الربوبية توحيدًا كاملًا لا تشوبه أية شائبة!!) .



      يتبع...
      فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
      بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

      تعليق

      • عثمان محمد النابلسي
        طالب علم
        • Apr 2008
        • 438

        #18
        المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
        ... قال تعالى: ( ولئن سألتهم من خلق والسموات والأرض وسخر الشمس والقمر، ليقولن الله فأنى يؤفكون. ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ) فهذا إقرار منهم لتفرد الله تعالى بالخلق والتدبير والرزق. فهؤلاء الذين أقروا بهذا منهم، هل كانوا بذلك مؤمنين؟! لا وكلا. لم؟ لأنهم لم يحققوا توحيد الألوهية، [/ALIGN]
        إن المشركين اعتقدوا في معبوداتهم من الأصنام والنجوم العلوية أنها تدبّر الأمور الأرضية والمجريات اليومية باستقلال عن الله تعالى , وأنّ هذه الأصنام هي كالولاة المتصرفين في ولاياتهم مع كونهم تحت حكم الملك الأكبر , فهؤلاء الولاة يتصرفون فيما فُوّض إليهم من قبل الملك الأكبر, وهكذا فالمشركون اعتقدوا أن الأصنام تدبّر الأحداث اليومية وما يجري مع الناس في معاشهم وحياتهم , إلا أنهم لم ينسبوا لأصنامهم تدبير الأمور العظام كإنزال المطر وإنبات النبات وتسخير الشمس والقمر , وهذا لا يعني أنّهم أفردوا الله تعالى بالخلق والتدبير والرزق!!:

        * فقد كانوا يعتقدون في معبوداتهم الباطلة التدبير والنفع والضر , فكونهم اعترفوا بتدبير الله تعالى لتلك الأمور لا ينفي أنهم أثبتوا لأصنامهم تدبيرها أيضاً!! فهم إذن لم يفردوا الله تعالى بتلك الأفعال , وإليك بعض الأدلة على أن المشركين اعتقدوا في تلك المعبودات التصرف الاستقلالي :

        1- قال تعالى : ((أم لهم آلهة تمنعهم من دوننالا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منّا يصحبون)) .
        قال ابن كثير في تفسيره :(ثم قال { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا } استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: أَلَهُم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا , ولا كما زعموا ؛ ولهذا قال: { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله , لا يستطيعون نصر أنفسهم ) .

        فقد كانوا يعتقدون أنّ هذه الآلهة تمنعهم من دون الله , ولذلك جاء هذا الاستفهام الإنكاري على سبيل التوبيخ لهم على ما اعتقدوه من المَنَعَة في آلهتهم ..

        وقال البقاعي في تفسيره :( ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا مانع لهم منا ، عادله بقوله إنكاراً عليهم: {أم لهم ءالهة } موصوفة بأنها { تمنعهم } نوبَ الدهر . ولما كانت جميع الرتب تحت رتبته سبحانه ، أثبت حرف الابتداء فقال محقراً لهم : { من دوننا } أي من مكروه هو تحت إرادتنا , ومن جهة غير جهتنا .
        ولما كان الجواب قطعاً : ليس لهم ذلك ، وهو بمعنى الاستفهام ، استأنف الإخبار بما يؤيد هذا الجواب ، ويجوز أن يكون تعليلاً ، فقال : { لا يستطيعون } أي الآلهة التي يزعمون أنها تنفعهم ، أو هم -لأنهم لا مانع لهم من دوننا- {نصر أنفسهم} من دون إرادتنا فكيف بغيرهم ، أو يكون ذلك صفة الآلهة على طريق التهكم {ولا هم} أي الكفار أو الآلهة { منا } أي بما لنا من العظمة { يصحبون} بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا ، فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلاً ورأساً ) .

        وهذا صريح في اعتقادهم الاستطاعة الاستقلالية في معبوداتهم من الأوثان والأصنام .

        2- قال تعالى : ((فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب)) .

        قال الطبري في تفسيره :(يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التي يدعونها من دون الله ويدعونها أربابًا , من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربُّهم من شيء ، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه..) .

        3- قال تعالى : ((واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً)) .

        فكانوا يعتقدون فيها أنها تنصرهم وتعزّهم , وتهزم أعدائهم وتذلّهم بقدرتها الذاتية .

        قال ابن كثير في تفسيره : ( يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم : أنهم اتخذوا من دونه آلهة ، لتكون تلك الآلهة {عِزًّا} يعتزون بها ويستنصرونها!!) .

        وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير : ( ومعنى { ليكون لهم عزاً} ليكونوا مُعزّين لهم ، أي ناصرين ، فأخبر عن الآلهة بالمصدر لتصوير اعتقاد المشركين في آلهتهم أنّهم نفس العزّ ، أي إن مجرد الانتماء لها يكسبهم عزّاً . وأجرى على الآلهة ضمير العاقل لأنّ المشركين الذين اتخذوهم توهموهم عقلاء مدبرين) .

        4- قال تعالى : ((واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون))

        قال ابن كثير في تفسيرها : (يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة , وترزقهم , وتقربهم إلى الله زلفى ) .

        وقال الخازن في تفسيره : ( { واتخذوا من دون الله آلهة} يعني الأصنام { لعلهم ينصرون} أي لتمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك قط { لا يستطيعون نصرهم } قال ابن عباس : لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب )

        وقال الطبري في تفسيره : (يقول جل ثناؤه: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله ، وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد ، حجّة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثًا ويدعونها آلهة وأربابًا )

        5- قال تعالى : ((ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون))
        قال الطبري في تفسيره : ( " ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم" ، يقول: ثم نقول إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب ، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا ، والمكذِّبين بآياته ورسله ، فجمعنا جميعهم يوم القيامة , "أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون" ، أنهم لكم آلهة من دون الله افتراء وكذبًا، وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين !) .


        * أضف إلى ذلك أنّ أفعال الرب ـ سبحانه وتعالى ـ غير محصورة في الخلق أو الرزق أو التدبير للأمور العظام , بل المذكور في الآيات بعض أفعال الله تعالى وليست جميع أفعاله , فنسبتهم بعض الأفعال إلى الله تعالى لا يعني أنهم وحّدوه في الربوبية , إذ الربوبية أوسع بكثير من الأفعال المذكورة في الآيات , وقد دلّت كثير من النصوص على أن المشركين جحدوا كثيراً من أفعال الرب سبحانه وتعالى , وأنكروا قدرته على كثير من الأمور , كالبعث والنشور , وقالوا أنه ما ثَمّ إلا هذه الحياة الدنيا ، ولا حياة بعد الممات ، ولا بعث ولا نشور, فيقول قائلهم ـ وقد أخذ عظماً قد أرم ـ : يا محمد أتزعم أن ربك يعيد هذا ؟!! والقائل هو العاص بن وائل القرشي , فأنزل الله تعالى : ((وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم , قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرة وهو بكل خلق عليم)) .

        قال الطبري في تفسيره : ( فتأويل الكلام إذن: أو لم ير هذا الإنسان الذي يقول "مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ" أنا خلقناه من نطفة فسويناه خلقا سَوِيًّا "فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ" يقول: فإذا هو ذو خصومة لربه، يخاصمه فيما قال له ربه إني فاعل، وذلك إخبار لله إياه أنه مُحْيي خلقه بعد مماتهم، فيقول: "مَنْ يحيي هذه العظام وهي رميم"؟ إنكارا منه لقُدرة الله على إحيائها!) .

        فقد أنكروا قدرة الله تعالى على أمر يسير , وهذا جحود لصفات الربوبية.

        - وقال تعالى : ((هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون))

        قال الطبري في تفسيره : ( يقول تعالى ذكره: ثم أنتم تَشكُّون في قدرة من قَدَرعلى خلق السماوات والأرض، وإظلام الليل وإنارة النهار، وخلقكم من طين حتى صيَّركم بالهيئة التي أنتم بها , على إنشائه إياكم من بعد مماتكم وفنائكم , وإيجاده إيّاكم بعد عدمكم ) .

        فكونهم أقروا ببعض الأفعال لا يعني ذلك توحيدهم في بقية أفعال الربوبية , بل لو أقروا بالبعث والنشور وسائر أفعال الخالق سبحانه وتعالى , ونسبوا لأصنامهم تحريك نسمة من هواء أو جلب نفع ودفع ضر دون الله لكانوا بذلك كفاراً غير موحدين في الربوبية , فكيف وقد جحدوا البعث والنشور , وزعموا أن اصنامهم شريكة لله في التصرف والتدبير وغير ذلك من ترهاتهم؟

        ** وإقرار المشركين بأن الله تعالى خالق مدبّر مع عدم إذعانهم وقبولهم لأمره ونهيه مناقض لتوحيدهم في الربوبية , لأن من لوازم الإيمان بالربوبية الإيمانُ بالألوهية , كما أنّ من لوازم الإيمان برسول الله ص- متابعته وقبول ما جاء به , فقال ابن القيم في هداية الحيارى : (ولذلك كان جحد نبوة خاتم أنبيائه ورسله وإنزال كتبه وتكذيبه إنكاراً للرب تعالى في الحقيقة , وجحودا له , فلا يمكن الإقرار بربوبيته وإلهيته وملكه بل ولا بوجوده مع تكذيب محمد بن عبد الله -ص- , وقد أشرنا إلى ذلك في المناظرة التي تقدمت , فلا يجامع الكفر برسول الله -ص- الإقرار بالرب تعالى وصفاته أصلا , كما لا يجامع الكفر بالمعاد واليوم الآخر الإقرار بوجود الصانع أصلا!! ) .

        ** وإقرار المشركين كذلك لم يكن عن يقين جازم راسخ كيقين المؤمنين الصادقين , قال النيسابوري في تفسيره : ( ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال {بل لا يوقنون} وذلك أنه حكى عنهم {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} [ لقمان : 25 ] فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون , إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله {أم عندهم خزائن ربك} حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ) .

        وقال أبو السعود في تفسيره : ({ أَمْ خَلَقُواْ السموات والأرض بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي : إذا سئلوا منْ خلقكم وخلق السمواتِ والأرضَ؟ قالوا الله , وهم غيرُ موقنينَ بما قالُوا , وإلا لما أعرضُوا عن عبادتِه ) .

        وقال الطبري في تفسيره عند الآية (١٤٢) من سورة النساء : ( وأما قوله :"ولا يذكرون الله إلا قليلا"، فلعل قائلا أن يقول: وهل من ذكر الله شيء قليل؟. قيل له : إن معنى ذلك - بخلاف ما ذهبت- : ولا يذكرون الله إلا ذكر رياء ، ليدفعوا به عن أنفسهم القتل والسباء وسلب الأموال ، لا ذكر "موقن" مصدّق بتوحيد الله مخلص له الربوبية, فلذلك سماه الله"قليلا"، لأنه غير مقصود به الله، ولا مبتغي به التقرب إلى الله ، ولا مراد به ثواب الله وما عنده, فهو، وإن كثر، من وجه نصب عامله وذاكره ، في معنى السراب الذي له ظاهر بغير حقيقة ماء ) .

        أي أنّ إقرارهم لم يكن مستقراً راسخاً في قلوبهم , ولذلك يخبر الله تعالى عن قول المجرمين يوم القيامة : ((ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون))

        فقال الطبري في تفسيرها : ( (إنَّا مُوقَنُونَ) يقول: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالا من وحدانيتك , وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك , ولا ينبغي أن يكون ربّ سواك ، وأنك تحيي وتميت ، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء وتفعل ما تشاء ) .

        فإقرارهم بوحدانية الله تعالى وأنّه يحيي ويميت لم يكن متيَقناً عندهم .

        فقد قال تعالى : ((رب السماوات والأرض وما بينما إن كنتم موقنين , لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين , بل هم في شك يلعبون))

        قال الطبري في تفسيرها : (ويعني بقوله ( رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) يقول تعالى ذكره الذي أنزل هذا الكتاب يا محمد عليك، وأرسلك إلى هؤلاء المشركين رحمة من ربك، مالك السموات السبع والأرض وما بينهما من الأشياء كلها. وقوله ( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) يقول: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم من أن ربكم ربّ السموات والأرض، فإن الذي أخبرتكم أن الله هو الذي هذه الصفات صفاته، وأن هذا القرآن تنزيله، ومحمدا -ص- رسوله حق يقين، فأيقنوا به كما أيقنتم بما توقنون من حقائق الأشياء غيره. وقوله (لا إِلَهَ إِلا هُوَ) يقول: لا معبود لكم أيها الناس غير ربّ السموات والأرض وما بينهما، فلا تعبدوا غيره، فإنه لا تصلح العبادة لغيره، ولا تنبغي لشيء سواه، يحيي ويميت، يقول: هو الذي يحيي ما يشاء، ويميت ما يشاء مما كان حيا.
        وقوله ( رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ ) يقول: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأوّلين، يقول: فهذا الذي هذه صفته، هو الربّ ..فاعبدوه دون آلهتكم التي لا تقدر على ضرّ ولا نفع.
        وقوله( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ) يقول تعالى ذكره : ما هم بموقنين بحقيقة ما يقال لهم ويخبرون من هذه الأخبار، يعني بذلك مشركي قريش، ولكنهم في شكّ منه، فهم يلهون بشكهم في الذي يخبرون به من ذلك ) .

        فبيّن الطبري أنّ القرآن دعا المشركين إلى الإيقان بالله تعالى , ولو كان هذا اليقين متوفراً عند المشركين كان من العبث دعوتهم إلى ذلك , فلم يتوفر عندهم اليقين ولم تستقر تلك العقائد في قلوبهم , فلذلك عبدوا غير الله تعالى من الآلهة المفتراة ..

        قال ابن كثير في تفسيره عند الآية "36" من سورة الطور : (ثم قال تعالى: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} أي: أهم خلقوا السموات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله , وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا شريك له , ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك ) .

        فإقرارهم بأن الله تعالى الخالق وحده لا شريك له لكن دون تيقّن على ذلك أدّى إلى إشراكهم في عبادته .

        وجاء في الجلالين عند نفس الآية أيضاً : ({أَمْ خَلَقُواْ السموات والأرض} ولا يقدر على خلقهما إلا الله الخالق فلم لا يعبدونه؟ { بَل لاَّ يُوقِنُونَ } به , وإلا لآمنوا بنبيه ) .

        وقال النسفي في تفسير تلك الآية : ({ أَمْ خَلَقُواْ السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقهم وخالق السماوات والأرض ) .

        وقال ابن عطيّة في تفسير تلك الآية أيضاً : (ثم حكم عليهم بأنهم { لا يوقنون } ولا ينظرون نظراً يؤديهم إلى اليقين ) .

        وقال الخازن في تفسيرها : ({ بل لا يوقنون} أي بالحق وهو توحيد الله تعالى وقدرته على البعث وأن الله تعالى هو خالقهم وخالق السموات والأرض , فليؤمنوا به وليوقنوا أنه ربهم وخالقهم ) .

        وقال البقاعي في نظم الدرر أثناء تفسيره هذه الآية : ({أم خلقوا} أي على وجه الشركة {السماوات والأرض} فهم لذلك عالمون بما فيها على وجه الإحاطة واليقين حتى علموا أنك تقولته ليصير لهم رده والتهكم عليه .
        ولما كان التقدير : لم يكن شيء من ذلك ليكون لهم شبهة في الكلام فيك ، عطف عليه قوله : {بل لا يوقنون} أي ليس لهم نوع يقين ليسكنوا إلى شيء واحد لكونه الحق , أو ليعلموا أن هذه الملازم الفاضحة تلزمهم فيكفوا عن أمثالهم ) .

        وقال ابن الجوزي في زاد المسير عند تفسيرها : (قوله تعالى : { بَلْ لا يوقِنون } بالحق وهو توحيدُ الله وقدرته على البعث ) .

        وقال أبو حيّان في البحر عندها : ({ بل لا يوقنون } : أي إذا سئلوا : من خلقكم وخلق السموات والأرض؟ قالوا : الله ، وهم شاكون فيما يقولون لا يوقنون ) .

        وكذلك قال الألوسي في روح المعاني : ( { بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض؟ قالوا : الله وهم غير موقنين بما قالوا , إذ لو كانوا موقنين لما أعرضوا عن عبادته تعالى فإن من عرف خالقه وأيقن به امتثل أمره وانقاد له ) .

        وقال البيضاوي في تفسيره : ({ بَل لاَّ يُوقِنُونَ } إذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض قالوا الله , إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته ) .

        وقال الطبراني في تفسيره : ({بَل لاَّ يُوقِنُونَ} ؛ بالحقِّ وهو توحيدُ اللهِ وقدرتهُ على البعثِ).

        وقال الجاوي في مراح البيد : ({أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} فــ «أََمْ» للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي ، أي ما خلقوا السموات والأرض , {بل لا يوقنون} بأن اللّه واحد , فإذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا : اللّه , وهم غير موقنين بما قالوا ، وإلّا لما أعرضوا عن عبادته ، أي لما لم ينشأ من إيقانهم باللّه أثر وهو الإقبال على عبادته جعل إيقانهم كالعدم فنفي عنهم , وفي هذا تسلية للنبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- أي إنهم كما طعنوا فيك يا أشرف الخلق طعنوا في خالقهم! ) .


        فمن أقر بشيء وكان عمله مناقضاً لإقراره كان إقراره غير نابع عن يقين راسخ , كمن ادّعى كمال محبته لله تعالى إلا أنّه قد انتهك حرماته وعصاه في أوامره , فلا يقال بأنه كامل المحبة لله تعالى لمناقضة أعماله إقرارَه , وكمن ادّعى حبّ الإسلام والمسلمين إلا أنه ناصر الكافرين وأعانهم على المؤمنين , فلا يقول عاقل بأنه محب للمسلمين بعدما أعان الكافرين عليهم وفرح بهزيمتهم , وكذلك من ادّعى من المشركين العابدين غير الله تعالى بأن الله تعالى ربّه وهو الذي يتصرف في الأمور كلّها صغيرها وكبيرها علويّها وسفليّها , فلن يكون إقراره سليماً طالما عبد مع الله غيره واعتقد باستحقاقها للألوهية ..


        يتبع...
        فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
        بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

        تعليق

        • عثمان محمد النابلسي
          طالب علم
          • Apr 2008
          • 438

          #19
          المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
          فكانوا كما قال عنهم سبحانه وتعالى: ( والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) فهم لم يعبدوهم لاعتقاد النفع والضر فيهم لذاتهم، لا، ولكن لاعتقاد أنهم يقربونهم إلى الله تعالى. وهذا نص واضح لا يحتمل أن نختلف فيه إن شاء الله تعالى.[/ALIGN]
          أثبتتُ فيما سبق بالدليل الواضح أنّ المشركين اعتقدوا في معبوداتهم الباطلة خصائص الربوبية من النفع والضر والعزة والذلة والتدبير بالاستقلال , ولا بد من ذكر الآية بتمامها ليتبيّن المقصود منها , فقد قال تعالى : ((والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)) .

          قلت : القصر في هذه الآية إمّا أن يكون قصراً حقيقياً أو إضافياً ؛
          فإذا كان هذا القصر حقيقياً : يكون هؤلاء المشركون كاذبون في ادّعائهم أن أصنامهم ليس لها إلا تقريبهم من الله تعالى , وإنما جاء هذا الادّعاء لتبرير موقفهم المحرج عند إلزامهم بأن أصنامهم لا تضر ولا تنفع فلا تصح عبادتها , فقد قال تعالى : ((إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)) فكذّبهم الله تعالى في دعواهم تلك .

          فقد ثبت بالآيات القاطعات أن المشركين ينسبون النفع والضر لأصنامهم , ويشتمون الله تعالى من أجلها , ويجعلون لها النصيب الأكبر ولله النصيب الأحقر , ويجلّونها وينزهونها عمّا يصفون به الله تعالى , فكيف تكون مجرّد معبودات للتقريب من الله تعالى؟! وهي مقدَّمةٌ في قلوبهم معظمةٌ في نفوسهم أكثر منه! قال البقاعي في تفسيره عن دعواهم تلك : (أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح صنيعهم! ) .

          وقال ابن عاشور في تفسيره : (يجوز أن يكون خبراً ثانياً عن قوله : {والذين اتخذوا من دونه أولياء} وهو كناية عن كونهم كاذبين في قولهم : {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله} وعن كونهم كفّارين بسبب ذلك ، وكناية عن كونهم ضالّين).

          وإذا كان القصر إضافياً : فتكون عبادتهم لأصنامهم لتقريبهم من الله تعالى , مع عدم نفي اعتقادهم النفع والضر في الأصنام ,
          فقد قال ابن عاشور في تفسيره :

          (والاستثناء في قوله : { إلاَّ ليقربونا } استثناء من علل محذوفة ، أي ما نعبدهم لشيء إلا لعلة أن يقرّبونا إلى الله فيفيد قصراً على هذه العلة قصر قلب إضافي ، أي دون ما شنعتم علينا من أننا كفرنا نعمة خالقنا إذ عبدنا غيره . وقد قدمنا آنفاً من أنهم أرادوا به المعذرة ويكون في أداة الاستثناء استخدام لأن اللام المقدرة قبل الاستثناء لام العاقبة لا لام العلة إذ لا يكون الكفران بالخالق علة لعاقل ولكنه صائر إليه ، فالقصر لا ينافي أنهم أعدوهم لأشياء أخر إذا عدوهم شفعاء واستنجدوهم في النوائب ، واستقسموا بأزلامهم للنجاح ، كما هو ثابت في الواقع) .

          ولهذا قال ابن كثير عند تفسير الآية "74" من سورة يس : (يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله ، يبتغون بذلك أن "تنصرهم" تلك الآلهة , "وترزقهم" , "وتقربهم" إلى الله زلفى ) .

          فلم يقصر وظيفتها عندهم على التقريب من الله تعالى , بل كانوا يعتقدون فيها أيضاً النصر والرزق وغيرها من صفات الربوبية .
          فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
          بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

          تعليق

          • عثمان محمد النابلسي
            طالب علم
            • Apr 2008
            • 438

            #20
            المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
            يبقى الآن الإشكال الذي ذكره الأخ جمال هداه الله، وحاصله أن اعتقاد هؤلاء الكفرة تقريب الآلهة إياهم إلى الله تعالى، هذا الاعتقاد اعتقاد أن لهم تصرف، وهذا من الربوبية، فكيف يقال أنهم يوحدون الله في الربوبية؟!
            وجوابه أن هذا الفهم غير صواب، فهم لم يعتقدوا أن في الآلهة من القدرة والتدبير ما تقرب به من تشاء وتقصي به من تشاء، لكنهم اعتقدوا أن الله يحب عبادتهم، فتكون بذلك مقربةً لهم إلى الله تعالى. وذلك كما قال تعالى: ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ) فدل على افترائهم حب الله تعالى لتلكم العبادة الباطلة. وكما قال تعالى: ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ) فدل على أنهم لايعتقدون فيها نفعاً ولا ضراً.[/ALIGN]
            ليس المقصود من تقريب الأصنام ما ذكره الأخ , بل تقريب الأصنام للمشركين هو شفاعتها لهم , فقد قال الشوكاني في فتح القدير : ( والمراد بقولهم : {إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } الشفاعة ، كما حكاه الواحدي عن المفسرين) .

            وشفاعة الأصنام تلك عند المشركين هي "شفاعة واجبة على الله تعالى دون إذنه ومشيئته" , قال ابن كثير في تفسيره : ( وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم ، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى ، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه!) .

            مع أنّ الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله تعالى وليست واجبة عليه , خلافاً لاعتقاد المشركين بالشفاعة الملزمة المحتمة , وهي من الأفعال وخصائص الربوبية التي أثبتوها لمعبوداتهم , ولذلك فإن الآيات التي تبطل شفاعة الأصنام وتتكلم عن شفاعة مخلوق ذكرت قيد "إلا بإذنه" وما شابهه لترد على المشركين اعتقادهم بأن شفاعة الأصنام نافذة واجب على الله قبولها ولا يستطيع ردّها ..

            - قال تعالى : ((من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه))

            - وقال تعالى : ((لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً))

            - وقال تعالى : ((يوم لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن))

            - وقال تعالى : ((ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له))

            - وقال تعالى : ((أأتخذ من دون آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون))
            فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
            بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

            تعليق

            • عثمان محمد النابلسي
              طالب علم
              • Apr 2008
              • 438

              #21
              المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
              ثم كيف يعتقدون ذلك؟ أيعتقدون أن لهم سلطة على الله تعالى... [/ALIGN]
              بينت ذلك فيما سبق بالأدلة الواضحة , ولا ينقض ذلك ما كان عليه العرب من ذكاء ودهاء , فإن من اتخذ إلهاً "حجراً"! .. وأحال أن يكون الرسول "بشراً"!! , لا يُستغرب أن يصدر منه ما هو أبعد من هذا و أكثر حمقاً وسفاهة!!

              وقد نقلت في هذا كلام الخازن في تفسيره : ( { واتخذوا من دون الله آلهة} يعني الأصنام {لعلهم ينصرون} أي لتمنعهم من عذاب الله!! ولا يكون ذلك قط {لا يستطيعون نصرهم } قال ابن عباس : لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب)

              وكذلك قول ابن كثير في تفسيره حيث قال : (ثم قال { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا } استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: أَلَهُم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا , ولا كما زعموا ؛ ولهذا قال: { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله , لا يستطيعون نصر أنفسهم ) .

              وكلام البقاعي في تفسيره حيث قال : ( ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا مانع لهم منا ، عادله بقوله إنكاراً عليهم: {أم لهم ءالهة } موصوفة بأنها { تمنعهم } نوبَ الدهر . ولما كانت جميع الرتب تحت رتبته سبحانه ، أثبت حرف الابتداء فقال محقراً لهم : { من دوننا } أي من مكروه هو تحت إرادتنا , ومن جهة غير جهتنا .

              ولما كان الجواب قطعاً : ليس لهم ذلك ، وهو بمعنى الاستفهام ، استأنف الإخبار بما يؤيد هذا الجواب ، ويجوز أن يكون تعليلاً ، فقال : { لا يستطيعون } أي الآلهة التي يزعمون أنها تنفعهم ، أو هم -لأنهم لا مانع لهم من دوننا- {نصر أنفسهم} من دون إرادتنا فكيف بغيرهم ، أو يكون ذلك صفة الآلهة على طريق التهكم {ولا هم} أي الكفار أو الآلهة { منا } أي بما لنا من العظمة { يصحبون} بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا ، فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلاً ورأساً ) .



              المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
              ثم كيف يعتقدون ذلك؟ أيعتقدون أن لهم سلطة على الله تعالى، وقد مرّ أنهم يقرون لله بالملك المطلق. ألا تسمع قولهم في تلبيتهم: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، ملكتَه وما ملك ) رواه مسلم. انظر كيف جعلوا آلهتهم لا تملك! بل جعلوها مربوبة مملوكة لله! فهل بعد هذا يقال ذلك؟!
              ولو تنزلنا معه وقلنا أنهم كانوا يعتقدون فيها قدرة به تملك التقريب والإقصاء، لكان ذلك منهم اعتقاد بأن الله تعالى هو الذي أعطاهم هذه القدرة، لا أنهم هم قد اغتصبوها غصباً! وبهذا يزول الإشكال ولله الحمد. [/ALIGN]
              كان المشركون يعتقدون أنّ الله تعالى قد فوّض تدبير العالم إلى الأصنام تتصرف فيه لعجزه وعدم كمال قدرته وتمام تصرفه , كالملك الذي فوّض إلى كلّ أمير حُكمَ ولاية من ولايات مملكته , فيتصرف هذا الوالي في تلك الولاية تصرفاً مستقلاً عن تصرف الملك ودون سمعه وإبصاره , إلا أن هذه الولاية داخلة تحت حكم الملك أيضاً , ولذلك كان المشركون يقولون في تلبيتهم : (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ ) , فكما أن الملك الأكبر يملك جميع الولايات ويحكم ولاتها , فالله تعالى يملك الأصنام وما تملكه هذه الأصنام , وكما أن الملك الأكبر لا تفي قدرته وعلمه وتدبيره بالإحاطة بجميع ما في مملكته , فاحتاج إلى من يساعده في تدبير مملكته ممن يقدر على إدارتها والتصرف فيها من الأمراء , فالله تعالى لا تفي قدرته وعلمه وتدبيره بالإحاطة بجميع ما في مملكته , فاحتاج في تدبير مملكته إلى من يقدر على التصرف والتدبير من الأصنام والأنداد , وهذا كإقرارهم بأن الله تعالى خالق مع اعتقادهم بعجزه عن إحيائهم مرة أخرى!!

              قال الطبري في تفسيره للآية الخامسة من سورة "ص" : (( وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا محمد ساحر كذاب : أجعل محمد المعبودات كلها واحدا، يسمع دعاءنا جميعنا!! ويعلم عبادة كل عابد عبده منا!! (إن هذا لشيء عجاب): أي إن هذا لشيء عجيب!)

              فكانوا يستبعدون أن يكون الله تعالى تعالى سميعاً لهم جميعاً عالماً بما يفعله كلّ منهم!! فاعتقدوا في أصنامهم أنها تسمعهم وتعلم عبادتهم , وهذا دليل على اعتقادهم في أصنامهم الاستقلال ..

              قال الرازي في تفسير تلك الآية : ({ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا وَأَنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ } أي: بليغ في التعجب , وأقول منشأ التعجب من وجهين : الأول : هو أن القوم ما كانوا من أصحاب النظر والاستدلال , بل كانت أوهامهم تابعة للمحسوسات , فلما وجدوا في الشاهد أن الفاعل الواحد لا تفي قدرته وعلمه بحفظ الخلق العظيم قاسوا الغائب على الشاهد ، فقالوا : لا بد في حفظ هذا العالم الكثير من آلهة كثيرة يتكفل كل واحد منهم بحفظ نوع آخر . الوجه الثاني : أن أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا جاهلين مبطلين! ، وهذا الإنسان الواحد يكون محقاً صادقاً!!) .

              فهؤلاء المشركون قد كفروا بصفات ربوبيته تعالى من العلم والسمع والبصر , وهذا الكفر في الربوبية أدّاهم لأن يقصدوا غيره , فجعلوا سمعَه إياهم وإبصاره عبادتهم جميعاً من المستحيلات , فلجؤوا إلى غيره من المعبودات , وذلك لاعتقادهم بحاجة الله تعالى إلى معونة هذه الأصنام لقصور سمعه واطلاعه على أحوال عباده , كحاجة الملوك إلى الأمراء والولاة ليحكموا الولايات المتعددة الداخلة في ملكه , فاعتقدوا في أصنامهم السمع والتدبير الاستقلالي , فتأمّل كيف جرّهم شركهم في الربوبية إلى الإشراك في العبادة !

              وقال ابن الجوزي في تفسيره : ( قوله تعالى : { وما كنتم تَستترون أن يَشهد عليكم سمْعُكم ولا أبصارُكم } روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود قال : كنتُ مستتراً بأستار الكعبة ، فجاء ثلاثة نفرٍ ، قرشيٌّ وخَتْناه ثقفيَّان ، أو ثقفيٌّ وختَنْاه قرشيّان ، كثيرٌ شّحْمُ بُطونهم ، قليلٌ فِقْهُ قُلوبهم ، فتكلَّموا بكلام لم أسمعه ، فقال أحدهم : أتُرَوْنَ اللهَ يَسْمَعُ كلامَنا هذا؟ فقال الآخران : إنّا إذا رفعنا أصواتنا سَمِعَه ، وإن لم نَرفع لم يَسمع!! ، وقال الآخر : إن سمع منه شيئاً سمعه كُلَّه ، فذكرتُ ذلك لرسول الله ص- ، فأنزل الله تعالى : { وما كنتم تَستترون أن يشهد عليكم سمعكم . . . } إلى قوله : { من الخاسرين } ومعنى « تستترون» : تَسْتَخْفون « أن يَشهد» أي : من أن يشهد «عليكم سَمْعُكم» لأنكم لا تَقدرون على الاستخفاء من جوارحكم ، ولا تظُنُّون أنها تَشهد {ولكن ظَنَنْتم أنَّ الله لا يَعلم كثيراً مما تَعملون} قال ابن عباس : كان الكفار يقولون : إن الله لا يَعلم ما في أنفُسنا!! ، ولكنه يعلم ما يَظهر ، {وذلكم ظنُّكم} أي : أن الله لا يَعلم ما تعملون ، {أرداكم} أهلككم ) .


              ** ولا يصح القول بأن المشركين اعتقدوا في أصنامهم التدبير العطائي من الله تعالى كما ذكر الأخ , لأن تقديمهم أصنامهم على الله تعالى وتعظيمهم إياها أكثر من تعظيمهم إياه سبحانه , وتنزيههم أصنامهم عمّا نسبوه إلى الله تعالى , يدلّ على أن مرتبة الأصنام في قلوبهم تعلو مرتبة الله تعالى!!

              قال القرطبي في تفسير قوله تعالى " وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا :
              ( وظاهر الكلام أن" عِزًّا" راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله. ووحد لأنه بمعنى المصدر , أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله ) .

              فاعتقدوا أنّ لها قدرة ذاتية تمنع من قدرة الله على تعذيبهم وإنزال عذابه بهم .

              وقال الخازن في تفسيره :
              ( { واتخذوا من دون الله آلهة} يعني الأصنام { لعلهم ينصرون} أي لتمنعهم من عذاب الله!! ولا يكون ذلك قط { لا يستطيعون نصرهم } قال ابن عباس : لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب )

              وقال الطبري عند تفسير الآية (22-الأنعام) :
              ( " ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم" ، يقول: ثم نقول إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب ، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا ، والمكذِّبين بآياته ورسله ، فجمعنا جميعهم يوم القيامة , "أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون" ، أنهم لكم آلهة من دون الله افتراء وكذبًا، وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين !) .

              يصرح الإمام الطبري بأن المشركين اعتقدوا في أصنامهم شراكة الله تعالى وادعوا أنهم أرباب , فلا يصح القول بأنّهم اعتقدوا فيها النع والضر العطائي من الله تعالى .

              وها هو ابن كثير يبين عن قوم عاد عند الآية (15-فصلت) فيقول :
              (قال الله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبرَوُا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقٍّ} أي: بغوا وعتوا وعصوا، { وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } أي: آمنوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! ) .

              فقد اعتقدوا بأن قدرتهم تمنعهم من قدرة الله تعالى! وهذا لا يلائم القول باعتقاد المشركين في أصنامهم أنها تنفع وتضر بعطاء الله!!

              وقال الطبري في تفسير قوله تعالى : ((أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه )) :
              (وقوله: "وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -ص-: ويخوّفك هؤلاء المشركون يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء، ببراءتك منها، وعيبك لها، والله كافيك ذلك ) .

              وقال القرطبي في تفسيرها :
              (قوله تعالى:" وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" وذلك أنهم خوفوا النبي -ص- مضرة الأوثان ، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك بسوء!!. وقال قتادة : مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس , فقال له سادنها : أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء!!، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس).

              فهذا دليل على اعتقادهم في أصنامهم النفع والضر دون الله تعالى , إذ خوّفوه بتلك الأصنام عندما دعاهم لإفراده تعالى بالعبادة .


              يتبع...
              فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
              بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

              تعليق

              • مصطفى سعيد
                طالب علم
                • Oct 2007
                • 213

                #22
                السلام عليكم
                "أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ "
                سواء كان المقصود الأصنام أم غيرها
                وسواءا كان المقصود الشفاعة أم غيرها
                وسوءا كان المقصود التبرير أم هى الحقيقة
                فإن اتخاذ أولياء من دون الله ينافى الدين الخالص

                تعليق

                • عثمان محمد النابلسي
                  طالب علم
                  • Apr 2008
                  • 438

                  #23
                  المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
                  فإذا تبين لنا أن كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية مجملاً، وأن ذلك لم ينفعهم، ولم يدخلهم في الإسلام، [/FONT][/SIZE][/ALIGN]
                  ثبت فيما سبق من أقوال الوهابية أنهم يقولون بتوحيد المشركين في الربوبية توحيداً كاملاً لا مجملاً!! , وفي هذا يقول ابن عبد الوهاب في كشف الشبهات :
                  ( فإن قال : هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام ! كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام ، أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما فجاوبه بما تقدم . فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله...) الخ ترهاته , فهو يرى أنهم موحدون في الربوبية توحيداً كاملاً!

                  والإقرار ببعض خصائص الربوبية لا يسمّى توحيداً , إذ التوحيد هو الإكسير الأعظم , ولو وضعت ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبتها حسنات , وهو ما ينجي صاحبه من الخلود في جهنم ويوصله إلى الخلود في الجنة , فلا بد من تحققه كاملاً حتى يسمى صاحبه موحداً ...

                  وقد بينّ المفسرون أنّ إقرار المشركين بخصائص الربوبية لم يكن يقينياً , بل كان أشبه بالشك منه من اليقين , فلا يصح القول بأن المشركين كانوا موحدين في الربوبية , ولهذا فإن إقرارهم ذلك لم ينفعهم ولم يدخلهم في الإسلام , ولأنهم أيضاً اعتقدوا في أصنامهم كثيراً من خصائص الربوبية , فكانوا مشركين تلك المعبودات مع الله في الربوبية كما أشركوها معه في العبادة , وكان إشراكهم في العبادة ناتجاً عن الإشراك في الربوبية ...



                  المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
                  علمنا أن التوحيد الذي بعث الله تعالى به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ليس هو توحيد الربوبية وحده، لكن معه توحيد العبادة. [/FONT][/SIZE][/ALIGN]
                  نعم .. بُعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالدعوة إلى "التوحيد الكامل" , والنبي صلى الله عليه وسلم - دعا المشركين إلى الربوبية والألوهية , إلا أن هذا يخالف النظرة الوهابية في توحيد المشركين في الربوبية , إذ لو كان الأمر كذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم- دعاهم إلى أمر هم يعتقدونه ويقرون به! فتكون دعوتهم إليه تعباً في غير طائل , وتحصيل حاصل كما قال الفوزان!! حيث قرّر أن: ( معنى لا إله إلا الله هو : توحيد الألوهية , لا توحيد الربوبية!) كما سبق نقله .

                  المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
                  وأزيد مثالاً من الكتاب على ذلك قوله تعالى: ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون. ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لساحر مجنون ) فدل هذا على أن معنى ( لا إله إلا الله ) الذي طلبه الأنبياء من أقوامهم هو أن يتركوا معبوداتهم. وقال تعالى عن عاد: ( قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ) فهذا نص في المسألة ولله الحمد. تعالى: ( قل إنما وقال أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ) فبين تعالى مجمل رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. والله أعلم.
                  ومثل هذا قول ثمود لما قال لهم صالح: ( اعبدوا الله ) قالوا: ( أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) وغير ذلك كثير جداً.
                  ومثال من السنة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ ) ثم أجاب صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ( حقه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ) متفق عليه. فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن حق الله تعالى علينا هو أن نفرده بالعبادة. [/FONT][/SIZE][/ALIGN]
                  إن دعوة الأنبياء أقوامهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة هي دعوة أيضاً إلى إفراده في الربوبية , لما بينهما من التلازم وعدم الانفكاك , فإن التوحيدين كالروح والبدن اللذين لا حياة لأحدهما دون الآخر , والاحتجاج بدعوة الأنبياء أقوامهم إلى الألوهية على إيمان المشركين بالربوبية مناقض للتلازم بين بينهما , فإن الدعوة إلى العبادة دعوة إلى الربوبية , والدعوة إلى الربوبية دعوة إلى الألوهية , إذ الأمران لا ينفكان عن بعضهما , فتكون دعوة الأنبياء إلى العبادة دعوة إلى الربوبية أيضاً ..

                  وقد بيّن الله تعالى أن النبي ص- دعا قومه إلى الإيمان بالربوبية أيضاً , فقال تعالى في سورة الحديد : ((وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) ..

                  قال الطبري في تفسيرها :
                  ( يقول تعالى ذكره: (وما لكم لا تؤمنون بالله) وما شأنكم أيها الناس لا تقرّون بوحدانية الله، ورسوله محمد -ص- يدعوكم إلى الإقرار بوحدانيته ، وقد أتاكم من الحجج على حقيقة ذلك، ما قطع عذركم، وأزال الشكّ من قلوبكم ، (وقد أخذ ميثاقكم) ، قيل: عني بذلك؛ وقد أخذ منكم ربكم ميثاقكم في صُلب آدم، بأن الله ربكم لا إله لكم سواه ) .

                  فالإشراك في العبودية لازم عن عدم التوحيد في الربوبية , فلهذا كان الأنبياء يُرجعون المشركين إلى الأدلة التي تثبت تفرد الله تعالى بالربوبية , فإذا أقروا بتفرده تعالى بسائر أفعال الربوبية ولم ينسبوا صفة من صفاتها لغيره , كانت هذه العقيدة السليمة أساساً لإفراده تعالى بالعبودية , فإذا علموا تفرد الله تعالى بصفات الربوبية فسيعلموا أنه لا يستحق أن يُتوجه إليه بالعبادة وأن يقصد إلا الله تعالى , إلا أنّ المشركين قد أقروا ببعض صفات الربوبية وأفعالها كالخلق والرزق , لكن دون يقين راسخ في قلوبهم على ذلك , فتوجهوا بالحب والخوف والرجاء إلى أصنامهم لاعتقادهم فيها النفع والضر , فألزمهم القرآن بأنكم إن كنتم صادقين في إقراركم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق النافع الضار فلم قصدتم غيره؟! , إلا أنّ لسان حالهم وعبوديتهم لغيره تعالى رغبة في نفعه ورهبة من ضرّه يكذّب لسان مقالهم في أنّ الله تعالى النافع الضار , فبرهن لهم القرآن الكريم تفرد الله تعالى بصفات الربوبية وأفعالها وأنه لا يستحق العبادة إلا من اتصف بتلك الكمالات , ودعاهم إلى إفراده في الربوبية والعبادة ..


                  ولهذا قال الطبري في تفسير قوله تعالى : ((واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)) . النساء: ٣٦
                  ( يعني بذلك جل ثناؤه: وذِلُّوا لله بالطاعة، واخضعوا له بها، وأفردوه بالربوبية، وأخلصوا له الخضوع والذلة ، بالانتهاء إلى أمره، والانزجار عن نهيه، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكًا تعظمونه تعظيمكم إياه ) .

                  فشرك الجاهليين كان جامعاً للشرك في الربوبية والألوهية , والنبي ص- دعاهم إلى الأمرين

                  وقد أخبرنا الله تعالى أن المشركين لم يقاتلوا المسلمين إلا لإقرارهم بربوبيته تعالى , قال تعالى : ((الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله )) .

                  قال البغوي في تفسيره : ( ( إلا أن يقولوا ربنا الله ) أي : لم يخرجوا من ديارهم إلا لقولهم ربنا الله وحده ) ..

                  فكما أن الرسل دعت أقوامهم ألا يصرفوا شيئاً من العبادة لغير الله تعالى , فكذلك دعوهم ألا يثبتوا شيئاً من خصائص الربوبيية لغير الله تعالى .

                  وقد قام المشركون بدعوة النبي ص- إلى اتخذ رب سوى الله تعالى , فقد قال سبحانه للنبي -ص- : ((قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء)) الأنعام: ١٦٤.

                  قال الطبري في تفسيره : ( (أغير الله أبغي ربًّا) ، يقول: أسِوَى الله أطلب سيدًا يسودني؟! (وهو رب كل شيء) ، يقول: وهو سيد كل شيء دونه ومدبّره ومصلحه) .


                  وقال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى : ((للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به)) :
                  ( يقول تعالى ذكره : وأما الذين لم يستجيبوا لله حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بربوبيته ، ولم يطيعوه فيما أمرهم به، ولم يتبعوا رسوله فيصدقوه فيما جاءهم به من عند ربهم ، فلو أن لهم ما في الأرض جميعا من شيء ومثله معه ملكا لهم، ثم قبل مثل ذلك منهم، وقبل منهم بدلا من العذاب الذي أعده الله لهم في نار جهنم وعوضا , لافتدوا به أنفسهم منه ) .

                  فهو يصرح بدعوتهم إلى الإقرار بربوبيته .

                  وقال أيضاً عند تفسير الآية "8" من سورة الأنعام : ( يقول تعالى ذكره: قال -هؤلاء المكذبون بآياتي، العادلون بي الأنداد والآلهة ، يا محمد،- لك لو دعوتهم إلى توحيدي والإقرار بربوبيتي ، وإذا أتيتهم من الآيات والعبر بما أتيتهم به، واحتججت عليهم بما احتججت عليهم مما قطعت به عذرهم: هلا نزل عليك ملك من السماء في صورته، يصدقك على ما جئتنا به، ويشهد لك بحقيقة ما تدعي من أن الله أرسلك إلينا! ) .

                  فبيّن أنّ النبي ص- دعاهم إلى الربوبية أيضاً ..
                  فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                  بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                  تعليق

                  • عثمان محمد النابلسي
                    طالب علم
                    • Apr 2008
                    • 438

                    #24
                    المشاركة الأصلية بواسطة فيصل سيد القلاف
                    ثم إنه من المتفق عليه أن أساس الدين الذي به يدخل المرء في الإسلام، وعليها يقاتل الكفار، هي شهادة أن لا إله إلا الله. كما في الحديث المتواتر: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله ).
                    ومعنى كلمة ( إله ) في هذه الشهادة العظيمة ( معبود ) كما هو معروف من لغة العرب. قال الجوهري رحمه الله في مختار الصحاح: ( أَلَهَ يأله - بالفتح فيهما - إلاهَةً أي: عبد. ومنه قرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ويذرك وإلاهَتَكَ، بكسر الهمزة، أي: وعبادتك، وكان يقول إن فرعون كان يُعبَد ) انتهى. ومن ذلك قول بعضهم: ( لله در الغانيات المدهِ .. سبحن واسترجعن من تألهي ) أي تعبدي. فالحاصل أن ( إله ) فعال بمعنى مفعول من العبادة، أي: معبود. فيكون المعنى: لا معبود إلا الله. [/FONT][/SIZE][/ALIGN]

                    من الجهل إغفال التلازم الشديد بين (الإله) و (الرب) , فإن الإله لا يكون إلهاً إلا إذا كان رباً! فتجريد الإله عن معنى الربوبية غير سديد , ولم يغفل اللغويون هذا التلازم بينهما ..

                    - فقال الأزهري في تهذيب اللغة بعد كلامه على مادّة "وله" :
                    ( وقال أبو الهيثم: فالله أصلُه إلاَه، قال الله جل وعز: ((ماَ اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ، وماَ كانَ مَعَهُ مِنْ إلهٍ إذًا لذَهَبَ كلُّ إلهٍ بما خَلَقَ)) . قال: ولا يكون إلها حتى يكون معبودا وحتى يكون لعابده خالقاً، ورازقاً، ومدبِّرا، وعليه مُقتدِرا!)

                    - وقال في الصحاح عند مادّة "أله" :
                    ( والآلِهَةُ: الأصنامُ، سَمَّوها بذلك لاعتقادهم أنَّ العبادة تَحُقُّ لها ) ..

                    - ونبّه ابن منظور في لسان العرب عند "أله" إلى أن من معاني "ألِه" التحير , لوقوع " العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية" ..

                    ولم يغفل السلف أيضاً هذا التلازم بينهما , فقال الطبري في تفسير الآية (99) من سورة الأنبياء :
                    (وأن الإله : هو الذي يقدر على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء ، فأما من كان مقدورا عليه فغير جائز أن يكون إلها )

                    وعلى هذا فتكون كلمة التوحيد التي دعا إليها النبي ص- شاملة للألوهية والربوبية , لا الألوهية فقط ..

                    ففي تفسير الطبري (6/168) :
                    ( القول في تأويل قوله : {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} قال أبو جعفر: وهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ند أو مثل أو أن تجوز الألوهة لغيره , وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله -ص- ، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى ، ولجميع من ادعى مع الله معبودا أو أقر بربوبية غيره ) .

                    وقال عند تفسير الآية "133" من سورة البقرة :
                    ( "إلهاً واحدا" أي: نخلص له العبادة ونوحد له الربوبية ، فلا نشرك به شيئا ولا نتخذ دونه ربا )

                    وقال عن تفسير الآية "163" من سورة البقرة :
                    (وأما قوله:"لا إله إلا هو"، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه ) .

                    وقال عند تفسير الآية "65" من سورة ص :
                    ( (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) يقول: وما من معبود تصلح له العبادة وتنبغي له الربوبية، إلا الله الذي يدين له كل شيء، ويعبدُه كلّ خلق، الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له في ملكه شريك، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، القهار لكلّ ما دونه بقدرته، ربّ السموات والأرض)

                    وقال عند تفسير الآية "31" من سورة التوبة :
                    ( وأما قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا)، فإنه يعني به : وما أمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبارَ والرهبان والمسيحَ أربابًا، إلا أن يعبدوا معبودًا واحدًا، وأن يطيعوا إلا ربًّا واحدًا دون أرباب شتَّى، وهو الله الذي له عبادة كل شيء، وطاعةُ كل خلق، المستحقُّ على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية والربوبية ) .

                    فها هو الإمام الطبري أحد أئمة السلف يفسر كلمة التوحيد بالربوبية والعبادة , لا العبادة وحدها ...

                    وقد استعمل القرآن الكريم كلمة "الرب" و "الإله" ولم يفرق بينهما هذا التفريق الذي تدعيه الوهابية :

                    - قال تعالى : ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ))

                    فالإله في الآية هو المؤثر المدبّر , فتعدد الآلهة يؤدّي إلى الاختلاف والتنازع وعلو كلّ منهم على الآخر , وانفراد كل واحد منهما بما خلقه , فالذي يعتقد بوجود آلهة
                    غير الله فإنه يعتقد بوجود أرباب غير الله تعالى , فيستحيل أن يكون موحداً توحيد ربوبية .

                    - قال تعالى : ((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ* كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ))
                    قال الطبري في تفسيره :
                    ( ولو كان ما تعبدون من دون الله آلهة ما وردوها ، بل كانت تمنع من أراد أن يوردكموها إذ كنتم لها في الدنيا عابدين ، ولكنها إذ كانت لا نفع عندها لأنفسها ولا عندها دفع ضر عنها ، فهي من أن يكون ذلك عندها لغيرها أبعد ، ومن كان كذلك كان بينا بعده من الألوهة ، وأن الإله هو الذي يقدر على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء ، فأما من كان مقدورا عليه فغير جائز أن يكون إلها ) .

                    فبيّنت هذه الآية بطلان إلهية الأصنام بالاستدلال بعجزها عن نفع أنفسها , فإن الإله من كان قادراً على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء , فلو كان معنى الإله هنا مجرد المعبود لما تمّ الاستدلال على بطلان إلهية الأصنام , فكان معنى الإله في الآية مشتملاً على معنى الرب القادر .

                    - قال تعالى : ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)) .

                    فهذه الآية تبرهن على بطلان تعدد الآلهة , فلو كان في السماوات والأرض من يستحق العبادة غير الله تعالى لفسد نظامهما ومن فيهما , والمستحق للعبادة هو الرب المدبر المتصف بجميع خصائص الربوبية وليس المعبود , إذ لو كان المعبود فقط لما أفادت الآية بطلان تعدد الآلهة , إذ كان من المشاهد وجود كثير من المعبودات حول الكعبة , ومع ذلك لم يضطرب نظام الكون ولم يفسد ما فيه .

                    - قال الله تعالى على لسان سيدنا يوسف : ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ))

                    ثم قال بعدها : ((مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ))

                    فالذين اتخذوهم أرباباً اتخذوهم معبودات لهم .
                    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                    تعليق

                    يعمل...