فهمنا وفهم الصحابة
القرآن الكريم هو الوحى الذى نزل على سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم , وهو كلام الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , من قال به صدق , ومن حكم به عدل , ومن تمسك به هدى الى صراط مستقيم , من جعله أمامه قاده الى الجنة , ومن جعله خلف ظهره ساقه الى النار , هو مأدبة الله تعالى , كأن الله تعالى صنع صنيعا ودعا اليه الناس , فالكل يأخذ من القرآن على قدر فهمه له , ولكن هنا نقطة فى غاية الأهمية والخطورة :
فالكل يقول أن القرآن جاء يخاطب العقل البشرى , وهذا حق , وبنوا على هذا أنه يجوز لكل انسان أن يفهم من القرآن ما يناسبه , أو كما قال أدعياء السلفية , آخذ من الكتاب والسنة وأترك آراء الرجال , وقصدهم اهدار تقليد المذاهب الأربعة , ولذلك يقولون دائما [ اذا صح الحديث فهو مذهبى , ] وهذا فيه حق وفيه باطل عظيم , يمكن أن يقضى على الدين نفسه , فمن الذى يأخذ من الكتاب والسنة ؟ ومن الذى يُعمِل عقله فى القرآن الكريم , ؟ ويمكن أن يكون الحديث صحيحا ولا يعمل به , أو هناك من هو أصح منه ومقدم عليه فى العمل , أو هناك ما يخصصه ., أو ينسخه ,
فالدخول فى هذا المجال بدون مؤهلات خطر عظيم :
1-قال تعالي: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا علي الله الكذب).
2-وقال تعالى "وأن تقولوا علي الله ما لا تعلمون).
3- وقال تعالي: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل آلله أذن لكم أم علي الله تفترون)
وهذه الآية صريحة في أن بيان أي حكم شرعي علي أنه حلال أو حرام يكون من الافتراء علي الله إن لم يكن مستندا إلي إذن من الله أو حجة شرعية قطعية!
4وقد هدد الله عز وجل أكرم خلقه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم بالآثار الوخيمة المترتبة علي التقول علي الله، بلا علم فما ظنك بسائر العباد؟ قال سبحانه: "ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين)
ومن السنة:
1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتي إذا لم يبــق عالما اتخــذ الناس رؤوسا جهــالا فسئلوا فأفتـــوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ]
2-وقال صلى الله عليه وسلم [ أجرأكم علي الفتوي أجرأكم علي النار ]
3- وقال البراء -:[ لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا ]
4- وعن عطاء بن السائب التابعي:[ أدركت أقواما يُسأل أحدهم عن الشيء وأنه ليرعد ]
5- وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر ــ أحد فقهاء المدينة المتفق علي علمه وفقهه ــ أنه سئل عن شيء، فقال: لا أحسنه.
فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك.
فقال القاسم: لا تنظر إلي طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه.
فقال شيخ من قريش جالس إلي جنبه: يا ابن أخي إلزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبه منك مثل اليوم.
فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي أن أتكلم بما لا علم لي به
فهناك ضوابط عامة صارمة للكلام فى الكتاب والسنة ,
ذكرتها فى مشاركة سابقة , وأعيدها هنا مع التوضيح :
-أن يكون عالما بنصوص القرآن الكريم ,
فإن قصّر فى ذلك لم يكن مجتهدا ولا يجوز له الإجتهاد , قال الزركشى : [ولا يشترط معرفة جميع الكتاب , بل ما يتعلق منه بالأحكام ,وقال بعض العلماء لابد من معرفة كل آيات الكتاب لأن الحكم يمكن أن يستنبط من آيات القصص والمواعظ وأخبار الأمم السابقة ,
واذا كان لا بد من معرفة آيات الكتاب فهل يشترط فيه أن يحفظ القرآن كاملا ؟ فريق من العلماء اشترط ذلك لأن الحافظ أضبط من غيره , والفريق الثانى قال : لا يشترط الحفظ , والصحيح اشتراط الحفظ
2- أن يكون عالما بنصوص السنة النبوية الشريفة ,
وقد اختلف العلماء فى القدر اللازم الذى يكفى المجتهد , فقد نقل عن ابى علىّ الضرير قال : قلت لأحمد بن حنبل : كم يكفى الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتى ؟ هل يكفيه مائة ألف ؟ قال : لا قلت : ثلاثمائة ألف ؟ قال لا قلت : أربعمائة ألف ؟ قال لا قلت خمسمائة ألف ؟ قال لا
قال الدكتور محمد ابراهيم الحفناوى فى كتابه تبصير النجباء : على العموم بعد أن دونت الأحاديث فى الكتب المعتبرة أصبح من السهل الرجوع اليها ومعرفة درجة الحديث منها , وفى أى باب من أبواب الفقه يمكن أن يستدل به , فلم يبق الا الممارسة الطويلة والدراسة الكافية ----لأن الإمام احمد كان يتكلم عن الحفظ فى الذاكرة , قال الزركشى : والمختار أنه لا يشترط الإحاطة بجميع السنن , وإلا انسد باب الإجتهاد , وقد اجتهد عمر وغيره من الصحابة فى مسائل كثيرة ولم يستحضروا النصوص حتى رويت لهم فرجعول اليها , [ هل ركزت فى هذه الكلمة : فرجعوا اليها ]
3-أن يعرف المسائل التى أُجمِع عليها حتى لا يفتى بخلاف ما وقع الاجماع عليه , فكل من أفتى بخلاف لا تعتبر فتواه , والمؤتمن على هذا هو المفتى نفسه , ومن يعلم ذلك من العلماء , أى فتوى خلاف الإجماع لاتعتبر ولا يعتد بها , ولا يجوز الخروج عن المجمع عليه فى المذاهب الأربعة
4-أن يكون عارفا بلسان العرب لغة ونحوا وتصريفا وبلاغة , معرفة تمكنه من استحضار هذه العلوم عند الحاجة وبحيث يستطيع أن يميز بين صريح الكلام وظاهره , ومجمله ومفصله ,وعامه وخاصه , وحقيقته ومجازه , ولا يشترط التبحر فى علوم اللغة ومعرفة دقائقها
5-أن يعرف الناسخ والمنسوخ , من الكتاب والسنة , وذلك حتى لا يفتى بالحكم المنسوخ , فيضل الناس ويوقعهم فى الحرج , ويدافع بكل قوة عن حكم هو فى الأساس منسوخ وهولا يدرى ,
6- أن يكون عالما بعلم أصول الفقه , فإنه أساس الإجتهاد الذى تقوم عيه أركانه , فلا اجتهاد على الإطلاق بغير أصول الفقه , وإلا كان الموضوع تهريجا وفوضى وليس علما ولا فقها ,قال الغزالى : إن أعظم علوم الإجتهاد يشتمل على ثلاثة فنون : الحديث واللغة وأصول الفقه ,
7- أن يعرف القياس وأركانه وشرائطه وأقسامه لأنه مناط الإجتهاد , واصل الرأى , وأصل فهم مقاصد الشارع العامة من تشريع الأحكام , عن طريق استقراء الأحكام الشرعية فى مواردها المختلفة , واستقراء العلل , وأن يكون خبيرا بمصالح الناس , واحوالهم وأعرافهم ,وعاداتهم التى يصح رعايتها وصيانتها , ليستطيع فهم الوقائع التى لا نص فيها واستنباط الأحكام الملائمة لها عن طريق القياس , أو الاستحسان , أو المصالح المرسلة أو غيرها , حتى لا يكون منعزلا عن الناس فيفتى من خلال النصوص الموجودة فى الكتب والتى لا تناسب الواقع الحى بين الناس فيتكلم فى أمور تعتبر من التراث ولا يعيشها الناس , وهذه نقطة فى منتهى الأهمية , لأن هناك من يجلس فى المكاتب المكيفة ويقول : هذا حرام وهذا حلال , وهذها بدعة ضلالة , وهذا قال به شيخ الاسلام وهذا لم يقله شيخ الاسلام ,
الشروط الماضية هى شروط المجتهد الذى يحق له أن يستنبط حكما فقهيا , أو يتصدر للفتوى بين الناس , وبهذا الميزان تستطيع أن تزن الكثير من الأسماء التى خرجت علينا ورمت المذاهب الأربعة خلف ظهرها , واعتبرت أن تقليدها من الشرك لأنها آراء الرجال , والسبب الرئيسى هو عدم توفر الشروط السابقة فيهم , فكان لا بد من تغطية جهلهم بالطعن فى أكابر علماء الأمة , وادعاء أنهم يمثلون السلف وكل من خالفهم ضال ومبتدع ,
واليك الشروط المختلف فيها بين العلماء :
1- اشتراط العلم بعلم أصول الدين ,
أى العلم بعلم الكلام والتوحيد , اشترط ذلك المعتزلة , والجمهور لم يشترط ذلك ولكن منهم من فصل الموضوع فقال : يشترط العلم بالضروريات , كالعلم بوجود الله تعالى وصفاته وما يستحقه من جلال وكمال ,ولا يشترط العلم بدقائقه , واليه ذهب الآمدى ,
2- اشتراط علم الفروع ,
أى العلم بفروع الدين والأحكام , ومنهم من لم يشترط ذلك , لأنه أصلا يشترك فى استنباط الفروع
3- العدالة :
منهم من اشترطها على الاطلاق , ومنهم من لم يشترطها , ومنهم من فصل فقال : اذا كان يحصل العلم لنفسه فلا يشترط العدالة , واذا كان يحصل العلم للفتوى للناس فلا بد من العدالة , وهذا هو الرأى الصحيح ,
4- اشتراط علم المنطق
اشترط بعض المتأخرين فى المجتهد أن يعرف علم المنطق ,
ومن العجيب قول ابن تيمية [ الذى أفنى عمره فى المنطق والرد على المناطقة والفلاسفة ] من قال من المتأخرين ان تعلم المنطق فرض كفاية , وأنه من شروط الإجتهاد فإنه يدل على جهله بالشرع , وجهله بفائدة المنطق , , [ وعلى عادته فى تسفيه كل رأى لا يوافق عليه قال ] : وفساد هذا القول معلوم من الدين بالضرورة من دين الاسلام , فان أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين , وائمة المسلمين عرفوا مايجب عليهم ويكمل علمهم وايمانهم قبل أن يعرفوا منطق اليونان , ]
ولكن عقول الصحابة والتابعين كانت من القوة والكمال ما لم يحتاجوا معه الى تعلم المنطق , فقد كانت مبادئ العلوم حاضرة فى ذهنهم من غير تعلم حسب ما يناسب المسائل فى عصرهم , أما اليوم فلابد من تعلم مبادئ العلم لأن هذا العصر أصبح عصر التخصصات , وعصر العقول المحدودة وليس العقول الموسوعية , وعلى كل حال مبادئ علم المنطق لا بد من تعلمها أثناء تعلم أصول الفقه ,
-توضيح :
أهم ما يجب أن نلتفت اليه فوق الشروط السابقة , أن الصحابة وحدهم هم سلف الأمة , وهم وحدهم المقياس فى كل أمر يهم الدين فقها وعقيدة , وسلوكا , لسبب فى منتهى الأهمية والخطورة , أن الصحابة تكلموا فى دين الله تعالى وأفتوا واجتهدوا , لله !!!
مرة ثانية , الصحابة تكلموا من منطلق الإخلاص لله وحده بلا مناصرة مذهب معين ولا عالم معين ولا اتجاه معين , فكان كلامهم ومذهبهم كالماء والهواء لاغنى عنهما ولكنهما بلا لون ولاطعم ولا رائحة ,
بمعنى لا لون ولا طعم ولا رائحة تشيع , ولا اعتزال , ولا جهمية ولا باطنية ولا أى لون من ألوان الفرق المختلفة ,
وعلى هذا الطريق سار الفقهاء الأربعة وتلاميذهم , حتى دخلت الأهواء الى غيرهم ولم تدخل فى مذهبهم , أى مذهب الأربعة ,
أما اليوم فمن يدعو الى الكتاب والسنة فهو من باب خلفى يدعو صراحة الى مذهب ابن تيمية , ويتخذ كلمة الكتاب والسنة ستارا , ويتخذ كلمة السلف ستارا ,
وهناك من يدعو الى فهم الوحى بالعقل وغرضه أن يجعل الكتاب والسنة مباحا لكل من هب ودب , لأن العقول والأفهام مختلفة , وطريقة التناول مختلفة ,
الكل يحاول أن يلوى أعناق النصوص لتؤيد ما يذهب اليه , ويدعى أن فهمه هو الصحيح وغيره على خطأ
فنخرج من هذا الخلاف بشيء واحد فقط هو ما كان عليه الصحابة فقط لاغير , العمل لله وحده لاشريك له , لا لمذهب , ولالمجاملة عالم , ولا من أجل أن تظل الأموال تتدفق , خضراء وحمراء وصفراء وليذهب الدين هباء ,
القرآن الكريم هو الوحى الذى نزل على سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم , وهو كلام الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , من قال به صدق , ومن حكم به عدل , ومن تمسك به هدى الى صراط مستقيم , من جعله أمامه قاده الى الجنة , ومن جعله خلف ظهره ساقه الى النار , هو مأدبة الله تعالى , كأن الله تعالى صنع صنيعا ودعا اليه الناس , فالكل يأخذ من القرآن على قدر فهمه له , ولكن هنا نقطة فى غاية الأهمية والخطورة :
فالكل يقول أن القرآن جاء يخاطب العقل البشرى , وهذا حق , وبنوا على هذا أنه يجوز لكل انسان أن يفهم من القرآن ما يناسبه , أو كما قال أدعياء السلفية , آخذ من الكتاب والسنة وأترك آراء الرجال , وقصدهم اهدار تقليد المذاهب الأربعة , ولذلك يقولون دائما [ اذا صح الحديث فهو مذهبى , ] وهذا فيه حق وفيه باطل عظيم , يمكن أن يقضى على الدين نفسه , فمن الذى يأخذ من الكتاب والسنة ؟ ومن الذى يُعمِل عقله فى القرآن الكريم , ؟ ويمكن أن يكون الحديث صحيحا ولا يعمل به , أو هناك من هو أصح منه ومقدم عليه فى العمل , أو هناك ما يخصصه ., أو ينسخه ,
فالدخول فى هذا المجال بدون مؤهلات خطر عظيم :
1-قال تعالي: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا علي الله الكذب).
2-وقال تعالى "وأن تقولوا علي الله ما لا تعلمون).
3- وقال تعالي: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل آلله أذن لكم أم علي الله تفترون)
وهذه الآية صريحة في أن بيان أي حكم شرعي علي أنه حلال أو حرام يكون من الافتراء علي الله إن لم يكن مستندا إلي إذن من الله أو حجة شرعية قطعية!
4وقد هدد الله عز وجل أكرم خلقه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم بالآثار الوخيمة المترتبة علي التقول علي الله، بلا علم فما ظنك بسائر العباد؟ قال سبحانه: "ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين)
ومن السنة:
1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتي إذا لم يبــق عالما اتخــذ الناس رؤوسا جهــالا فسئلوا فأفتـــوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ]
2-وقال صلى الله عليه وسلم [ أجرأكم علي الفتوي أجرأكم علي النار ]
3- وقال البراء -:[ لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا ]
4- وعن عطاء بن السائب التابعي:[ أدركت أقواما يُسأل أحدهم عن الشيء وأنه ليرعد ]
5- وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر ــ أحد فقهاء المدينة المتفق علي علمه وفقهه ــ أنه سئل عن شيء، فقال: لا أحسنه.
فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك.
فقال القاسم: لا تنظر إلي طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه.
فقال شيخ من قريش جالس إلي جنبه: يا ابن أخي إلزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبه منك مثل اليوم.
فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي أن أتكلم بما لا علم لي به
فهناك ضوابط عامة صارمة للكلام فى الكتاب والسنة ,
ذكرتها فى مشاركة سابقة , وأعيدها هنا مع التوضيح :
-أن يكون عالما بنصوص القرآن الكريم ,
فإن قصّر فى ذلك لم يكن مجتهدا ولا يجوز له الإجتهاد , قال الزركشى : [ولا يشترط معرفة جميع الكتاب , بل ما يتعلق منه بالأحكام ,وقال بعض العلماء لابد من معرفة كل آيات الكتاب لأن الحكم يمكن أن يستنبط من آيات القصص والمواعظ وأخبار الأمم السابقة ,
واذا كان لا بد من معرفة آيات الكتاب فهل يشترط فيه أن يحفظ القرآن كاملا ؟ فريق من العلماء اشترط ذلك لأن الحافظ أضبط من غيره , والفريق الثانى قال : لا يشترط الحفظ , والصحيح اشتراط الحفظ
2- أن يكون عالما بنصوص السنة النبوية الشريفة ,
وقد اختلف العلماء فى القدر اللازم الذى يكفى المجتهد , فقد نقل عن ابى علىّ الضرير قال : قلت لأحمد بن حنبل : كم يكفى الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتى ؟ هل يكفيه مائة ألف ؟ قال : لا قلت : ثلاثمائة ألف ؟ قال لا قلت : أربعمائة ألف ؟ قال لا قلت خمسمائة ألف ؟ قال لا
قال الدكتور محمد ابراهيم الحفناوى فى كتابه تبصير النجباء : على العموم بعد أن دونت الأحاديث فى الكتب المعتبرة أصبح من السهل الرجوع اليها ومعرفة درجة الحديث منها , وفى أى باب من أبواب الفقه يمكن أن يستدل به , فلم يبق الا الممارسة الطويلة والدراسة الكافية ----لأن الإمام احمد كان يتكلم عن الحفظ فى الذاكرة , قال الزركشى : والمختار أنه لا يشترط الإحاطة بجميع السنن , وإلا انسد باب الإجتهاد , وقد اجتهد عمر وغيره من الصحابة فى مسائل كثيرة ولم يستحضروا النصوص حتى رويت لهم فرجعول اليها , [ هل ركزت فى هذه الكلمة : فرجعوا اليها ]
3-أن يعرف المسائل التى أُجمِع عليها حتى لا يفتى بخلاف ما وقع الاجماع عليه , فكل من أفتى بخلاف لا تعتبر فتواه , والمؤتمن على هذا هو المفتى نفسه , ومن يعلم ذلك من العلماء , أى فتوى خلاف الإجماع لاتعتبر ولا يعتد بها , ولا يجوز الخروج عن المجمع عليه فى المذاهب الأربعة
4-أن يكون عارفا بلسان العرب لغة ونحوا وتصريفا وبلاغة , معرفة تمكنه من استحضار هذه العلوم عند الحاجة وبحيث يستطيع أن يميز بين صريح الكلام وظاهره , ومجمله ومفصله ,وعامه وخاصه , وحقيقته ومجازه , ولا يشترط التبحر فى علوم اللغة ومعرفة دقائقها
5-أن يعرف الناسخ والمنسوخ , من الكتاب والسنة , وذلك حتى لا يفتى بالحكم المنسوخ , فيضل الناس ويوقعهم فى الحرج , ويدافع بكل قوة عن حكم هو فى الأساس منسوخ وهولا يدرى ,
6- أن يكون عالما بعلم أصول الفقه , فإنه أساس الإجتهاد الذى تقوم عيه أركانه , فلا اجتهاد على الإطلاق بغير أصول الفقه , وإلا كان الموضوع تهريجا وفوضى وليس علما ولا فقها ,قال الغزالى : إن أعظم علوم الإجتهاد يشتمل على ثلاثة فنون : الحديث واللغة وأصول الفقه ,
7- أن يعرف القياس وأركانه وشرائطه وأقسامه لأنه مناط الإجتهاد , واصل الرأى , وأصل فهم مقاصد الشارع العامة من تشريع الأحكام , عن طريق استقراء الأحكام الشرعية فى مواردها المختلفة , واستقراء العلل , وأن يكون خبيرا بمصالح الناس , واحوالهم وأعرافهم ,وعاداتهم التى يصح رعايتها وصيانتها , ليستطيع فهم الوقائع التى لا نص فيها واستنباط الأحكام الملائمة لها عن طريق القياس , أو الاستحسان , أو المصالح المرسلة أو غيرها , حتى لا يكون منعزلا عن الناس فيفتى من خلال النصوص الموجودة فى الكتب والتى لا تناسب الواقع الحى بين الناس فيتكلم فى أمور تعتبر من التراث ولا يعيشها الناس , وهذه نقطة فى منتهى الأهمية , لأن هناك من يجلس فى المكاتب المكيفة ويقول : هذا حرام وهذا حلال , وهذها بدعة ضلالة , وهذا قال به شيخ الاسلام وهذا لم يقله شيخ الاسلام ,
الشروط الماضية هى شروط المجتهد الذى يحق له أن يستنبط حكما فقهيا , أو يتصدر للفتوى بين الناس , وبهذا الميزان تستطيع أن تزن الكثير من الأسماء التى خرجت علينا ورمت المذاهب الأربعة خلف ظهرها , واعتبرت أن تقليدها من الشرك لأنها آراء الرجال , والسبب الرئيسى هو عدم توفر الشروط السابقة فيهم , فكان لا بد من تغطية جهلهم بالطعن فى أكابر علماء الأمة , وادعاء أنهم يمثلون السلف وكل من خالفهم ضال ومبتدع ,
واليك الشروط المختلف فيها بين العلماء :
1- اشتراط العلم بعلم أصول الدين ,
أى العلم بعلم الكلام والتوحيد , اشترط ذلك المعتزلة , والجمهور لم يشترط ذلك ولكن منهم من فصل الموضوع فقال : يشترط العلم بالضروريات , كالعلم بوجود الله تعالى وصفاته وما يستحقه من جلال وكمال ,ولا يشترط العلم بدقائقه , واليه ذهب الآمدى ,
2- اشتراط علم الفروع ,
أى العلم بفروع الدين والأحكام , ومنهم من لم يشترط ذلك , لأنه أصلا يشترك فى استنباط الفروع
3- العدالة :
منهم من اشترطها على الاطلاق , ومنهم من لم يشترطها , ومنهم من فصل فقال : اذا كان يحصل العلم لنفسه فلا يشترط العدالة , واذا كان يحصل العلم للفتوى للناس فلا بد من العدالة , وهذا هو الرأى الصحيح ,
4- اشتراط علم المنطق
اشترط بعض المتأخرين فى المجتهد أن يعرف علم المنطق ,
ومن العجيب قول ابن تيمية [ الذى أفنى عمره فى المنطق والرد على المناطقة والفلاسفة ] من قال من المتأخرين ان تعلم المنطق فرض كفاية , وأنه من شروط الإجتهاد فإنه يدل على جهله بالشرع , وجهله بفائدة المنطق , , [ وعلى عادته فى تسفيه كل رأى لا يوافق عليه قال ] : وفساد هذا القول معلوم من الدين بالضرورة من دين الاسلام , فان أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين , وائمة المسلمين عرفوا مايجب عليهم ويكمل علمهم وايمانهم قبل أن يعرفوا منطق اليونان , ]
ولكن عقول الصحابة والتابعين كانت من القوة والكمال ما لم يحتاجوا معه الى تعلم المنطق , فقد كانت مبادئ العلوم حاضرة فى ذهنهم من غير تعلم حسب ما يناسب المسائل فى عصرهم , أما اليوم فلابد من تعلم مبادئ العلم لأن هذا العصر أصبح عصر التخصصات , وعصر العقول المحدودة وليس العقول الموسوعية , وعلى كل حال مبادئ علم المنطق لا بد من تعلمها أثناء تعلم أصول الفقه ,
-توضيح :
أهم ما يجب أن نلتفت اليه فوق الشروط السابقة , أن الصحابة وحدهم هم سلف الأمة , وهم وحدهم المقياس فى كل أمر يهم الدين فقها وعقيدة , وسلوكا , لسبب فى منتهى الأهمية والخطورة , أن الصحابة تكلموا فى دين الله تعالى وأفتوا واجتهدوا , لله !!!
مرة ثانية , الصحابة تكلموا من منطلق الإخلاص لله وحده بلا مناصرة مذهب معين ولا عالم معين ولا اتجاه معين , فكان كلامهم ومذهبهم كالماء والهواء لاغنى عنهما ولكنهما بلا لون ولاطعم ولا رائحة ,
بمعنى لا لون ولا طعم ولا رائحة تشيع , ولا اعتزال , ولا جهمية ولا باطنية ولا أى لون من ألوان الفرق المختلفة ,
وعلى هذا الطريق سار الفقهاء الأربعة وتلاميذهم , حتى دخلت الأهواء الى غيرهم ولم تدخل فى مذهبهم , أى مذهب الأربعة ,
أما اليوم فمن يدعو الى الكتاب والسنة فهو من باب خلفى يدعو صراحة الى مذهب ابن تيمية , ويتخذ كلمة الكتاب والسنة ستارا , ويتخذ كلمة السلف ستارا ,
وهناك من يدعو الى فهم الوحى بالعقل وغرضه أن يجعل الكتاب والسنة مباحا لكل من هب ودب , لأن العقول والأفهام مختلفة , وطريقة التناول مختلفة ,
الكل يحاول أن يلوى أعناق النصوص لتؤيد ما يذهب اليه , ويدعى أن فهمه هو الصحيح وغيره على خطأ
فنخرج من هذا الخلاف بشيء واحد فقط هو ما كان عليه الصحابة فقط لاغير , العمل لله وحده لاشريك له , لا لمذهب , ولالمجاملة عالم , ولا من أجل أن تظل الأموال تتدفق , خضراء وحمراء وصفراء وليذهب الدين هباء ,
تعليق