نقد الرؤية الوهابية للتوحيد وقسميه

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إنصاف بنت محمد الشامي
    طالب علم
    • Sep 2010
    • 1620

    #91
    { إنَّ الذين قالوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ استقامُوا تتنزَّلُ عليهِمُ الملائكَةُ أَن لا تخافُوا وَ لا تحزَنُوا وَ أبشِرُوا بالجَنَّةِ التي كُنتُم تُوعَدُون } ( الآيات) .
    ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ... ... ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ( 40 ) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ( 41 ) ) (الآيات) ... قال مُحيي السُنّةِ البغويّ ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ) بدل " عن الذين " الأولى ( إلا أن يقولوا ربنا الله ) أي : لم يخرجوا من ديارهم إلا لقولهم ربنا الله وحده .
    رضيتُ بالله رَبّاً وَ بالإسلامِ ديناً وَ بِمُحَمَّدٍ صلّى الله عليه و سلّمَ نبيّاً وَ بالقرآنِ الكريمِ حَكَماً وَ إماماً .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

    تعليق

    • عثمان محمد النابلسي
      طالب علم
      • Apr 2008
      • 438

      #92
      المبحث الرابع : الدعاء عند قبور الصالحين


      ذهب الوهابية إلى أنّ الدعاء عند قبور الصالحين بدعة لم ترد عن سلف الأمة ولا أحد من الأئمة المشهود لهم , وأنّه وسيلة إلى الشرك بالله تعالى , وأنّها محرمّة من باب سد الذرائع .

      مع أنّ مَن يدعو عند القبر النبوي مثلاً لا يدعو إلا الله تعالى , ومعلوم أنّ من خالط التوحيدُ قلبَه لا يُخشى عليه من الشرك والكفر , ولو سرنا على سدّ الذرائع بالمفهوم الوهابي لمنعنا الناس من الطواف حول الكعبة ومن السعي بين الصفا والمروة , ومن تقبيل الحجر الأسود , فهي أحجار وتراب!!, ولو كان الدعاء عند قبر النبي ص- وفي البقيع وسيلة للشرك , لكان الطواف بالكعبة التي هي أحجار, والسعي بين جبلي الصفا والمروة , أقرب إلى الشرك منه , إلا أنّ دين التوحيد الخالص جعل الطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة فرضاً على المسلمين , لأنّ شجرة التوحيد إذا غرست في القلوب فلا خوف حينئذٍ من وقوع الموحدين في الشرك .

      ثم ما هو الدليل من الكتاب أو السنّة أو من أقوال السلف الصالح على تحريم ذلك! , فإن الشرع حثّنا على الدعاء بإطلاق ولم يلزمنا بمكان مخصوص , والدعاء عند قبور الصالحين أحد أفراد وجزئيات ذلك المطلق , ومعلوم أن جزئيات المطلق متساوية في اندرجها تحته وصدقه عليها , وقد قال البيانيون : إن استعمال الكلي في بعض جزئياته من حيث تحققه فيه ليست مجازاً بل حقيقة , فاستحباب الدعاء مطلقٌ غير مقيّد بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان , فورود الدعاء دون تخصيصٍ بمكان يدل على جواز فعله أيّ مكان , وتقييد مكان أو زمان بالحرمة دون ما سواه يحتاج إلى دليل لتقييد هذا الإطلاق , إذ إن تحريم أحد أفراد المطلق -التي هي فيه على السواء- مفتقر إلى دليل خاص , فالدعاء عند قبور الصالحين استعمال للمطلق في أحد جزئياته , وهذه الجزئيات كلّها فيه على السواء إلا ما استثناه دليل خاص , وليس هناك آية أو حديث في تحريم الدّعاء عند القبور .

      بل صرّح الأئمة من السلف والخلف بجواز الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين , وأورد ذلك كثير من الأئمة عمّن فَعله دون أن يُنكروا شيئاً منه , بل أقرّوا ذلك وأيّدوه وفعلوه , ولو كان وسيلة للإشراك بالله تعالى لَمَا سَكَتوا عليه دون تنبيه , وهم أهل الورع والعلم , ولكانوا ممّن يكتم الحق وينشر ذرائع الشرك! حاشاهم ذلك .
      وإليك بعض الأمثلة :


      ابن حبّان البستي صاحب الصحيح يدعو اللهَ تعالى عند القبور مرارًا
      1. قال الإمام ابن حبان وهو من أئمة السلف- في كتابه الثقات في الجزء الثامن برقم (14411 ) :
      ( على بن موسى الرضا وهو على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب أبو الحسن , من سادات أهل البيت وعقلائهم وجلة الهاشميين ونبلائهم , .... وقبره بسنا باذ خارج النوقان مشهور يزار بجنب قبر الرشيد , قد زرته مرارا كثيرة , وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا -صلوات الله على جده وعليه- ودعوت الله إزالتها عني , إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة , وهذا شيء جربته مرارا فوجدته كذلك , أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين) .
      فها هو الإمام ابن حبّان البستي صاحب الصحيح- يدعو اللهَ تعالى عند القبور , ولو كان ذلك بدعة في الدّين لما فعله وهو من هو في التقوى والعلم .

      2. وقال أيضاً في "مشاهير علماء الأمصار" ص63 :
      ( زيد بن علي بن الحسين بن على بن أبى طالب ... قتل بالكوفة سنة ثنتين وعشرين ومائة وصلب على خشبة , فكان العباد يأوون إلى خشبته بالليل يتعبدون عندها , وبقى ذلك الرسم عندهم بعد أن حدر عنها , حتى قل من قصدها لحاجة فدعا الله عند موضع الخشبة الا استجيب له ) .

      الحاكم النيسابوري والدعاء عند قبور الصالحين

      3. روى الإمام الحاكم في مستدركه (ج3/ص518) عن محمد بن عمر ، قال :
      ( آخى رسول الله ص- بين أبي أيوب ، وبين مصعب بن عمير ، وشهد أبو أيوب بدرا ، وأحدا ، والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ص- ، وتوفي عام غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية في خلافة أبيه معاوية سنة اثنتين وخمسين ، وقبره بأصل حصن القسطنطينية بأرض الروم فيما ذكر, يتعاهدون قبره ويزورونه ويستسقون به إذا قحطوا ) .
      وقد ذكر الحاكم عدّة روايات في الدعاء عند قبور الصالحين دون أن ينكر شيئاً من ذلك , بل نقل عن شيخه ابن خزيمة الدعاء عند قبر علي بن موسى الرضا :

      ابن خزيمة والدعاء عند قبور الصالحين

      4. قال الإمام ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب (7/339) :
      ( وقال الحاكم في تاريخ نيسابور .... وسمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول : خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشائخنا , وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضى بطوس قال : فرأيت من تعظيمه يعنى ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ما تحيرنا ) .

      قال الأخ محمد اليافعي في "موسوعته" : ( وشيخ الحاكم الذي في السند في حكاية ابن خزيمة هو محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسي وهو كما قال عنه الذهبي في السير ( 16 : 23 ) : (الإمام ، رئيس نيسابور أحد البلغاء الفصحاء( .... .
      وفي كتاب رجال المستدرك للشيخ مقبل (2/202) : ( وفيه محمد بن المؤمل وكنيته أبو بكر أبو بكر الماسرجسي لَمْ نعلم فِيهِ جرحاً والمشهور أنه من أهل الفضل قد روى عنه ثلاثة وهو شيخ الحاكم وقد حج برفقته ( .
      وقال الحافظ الذهبي في السير ( 16 / 23 ) في ترجمته : ( الماسرجسي الإمام رئيس نيسابور أبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن ابنعيسى بن ماسرجس النيسابوري أحد البلغاء والفصحاء سمع الفضل بن محمد الشعراني والحسين بن الفضل وعدة وبنى دارا للمحدثين وأدر عليهم الأرزاق كان أبو علي الحافظ يقرأ عليه تاريخ احمد بن حنبل قلت روى عنه السلمي والحاكم وسعيد بن محمد بن محمد بنعبدان) .
      قلت : فهذا رد على من حاول تضعف هذه الرواية بمحمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسي شيخ الحاكم الذي في السند في حكاية ابن خزيمة ...
      وأثبتنا ولله الحمد أنه ثقة ، وان الرواية التي بين أيدينا صحيحة كالشمس ولا غبار عليها ..) .

      أبو نعيم الأصبهاني والدعاء عند قبور الصالحين

      5. قال أبو نعيم في معرفة الصحابة في ترجمة طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه- :
      ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ: " قَدْ رَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِأَمْرٍ , قَصَدَ إِلَى قَبْرِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِحَضْرَتِهِ فَيَكَادُ يَعْرِفُ الْإِجَابَةَ، وَأَخْبَرَنَا مَشَايِخُنَا بِهِ قَدِيمًا أَنَّهُمْ رَأَوْا مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ يَفْعَلُهُ ) .

      الخطيب البغدادي والدعاء عند قبور الصالحين

      6. وقال الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ( 1 / 133 ) :
      ( أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الإستراباذي قال: أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي قال : سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال يقول : ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به الا سهل الله تعالى لي ما أحب ) .
      وقد ساق الخطيبُ جملةً من مثل هذا الدعاء عند قبور الصالحين دون أن ينكر ذلك , ومنها :

      7. قال في تاريخ بغداد ( 1 / 134 135 ) :
      ( أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري قال أنبأنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا علي الصفار يقول سمعت إبراهيم الحربي يقول : قبر معروف الترياق المجرب .
      أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي قال نبأنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول : قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج , ويقال : إنه من قرأ عنده مائة مرة قل هو الله أحد وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته .
      حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري قال سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع يقول سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول : اعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة ما قصده مهموم الا فرج الله همه ) .

      8. وقال في تاريخ بغداد ( 1 / 135 136 ):
      ( أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري قال أنبأنا عمر بن إبراهيم قال نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم يعني زائراً فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده , فما تبعد عني حتى تقضى .
      ومقبرة عبد الله بن مالك دفن بها خلق كثير من الفقهاء والمحدثين والزهاد والصالحين وتعرف بالمالكية , ومقبرة باب البردان فيها أيضاً جماعة من أهل الفضل , وعند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبره يعرف بقبر النذور , ويقال إن المدفون فيه رجل من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه , يتبرك الناس بزيارته ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته ) .

      ابن أبي يعلى الفرّاء الحنبلي والدعاء عند قبور الصالحين

      9. قال في طبقات الحنابلة في ترجمة أبي جعفر عبد الخالق بن عيسى , عند ذكره الطبقة السادسة :
      ( ولزم الناس قبره ليلاً ونهاراً مدة طويلة , ويقرأون ختمات ويكثرون الدعاء , ولقد بلغني أنه ختم على قبره في مدة شهور ألوف ختمات , وكثرت المنامات من الصالحين بالرؤى الصالحة له ) .

      ابن بشكوال القرطبي والدعاء عند قبور الصالحين

      10. قال ابن بشكوال في الصلة في ترجمة نصر بن محمد بن عبد الملك :
      ( أخبرنا القاضي الشهيد أبو عبد الله محمد بن أحمد رحمه الله قراءةعليه وأنا أسمع قال‏:‏ قرأت على أبي على حسين بن محمد الغساني قال‏:‏ أخبرني أبوالحسن طاهر بن مفوز والمعافري قال‏:‏ أنا أبو الفتح وأبو الليث نصر بن الحسن التنكتي المقيم بسمرقند قدم عليهم بلنسية عام أربعة وستين وأربع مائة‏.‏
      قال‏:‏ قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام قال‏:‏ فاستسقى الناس مراراً فلم يسقوا‏ , قال‏:‏ فأتى رجل من الصالحين معروف بالصلاح مشهور به إلى قاضي سمرقند فقال له‏:‏ إني قد رأيت رأياً أعرضه عليك‏ , قال‏:‏ وما هو قال‏:‏ أرى أن تخرج ويخرج الناس معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله- وقبره بخرتنك وتستسقوا عنده , فعسى الله أن يسقينا قال‏:‏ فقال القاضي نعم ما رأيت‏.‏
      فخرج القاضي وخرج الناس معه واستسقى القاضي بالناس وبكى الناس عند القبر وتشفعوا بصاحبه , فأرسل الله السماء بماءٍ عظيم غزير أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيام أو نحوها لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته وبين خرتنك وسمرقند ثلاثة أميال أو نحوها‏ ) .

      ابن الجوزي الحنبلي والدعاء عند قبور الصالحين

      11. قال الحافظ ابن الجوزي في صفة الصفوة في ترجمة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه- :
      ) قال الواقدي : توفي أبو أيوب عام غزا يزيد بن معاوية القسطنطنية في خلافة أبيه معاوية سنة اثنتين وخمسين، وصلى عليه يزيد وقبره بأصل حصن القسطنطنية بأرض الروم، فلقد بلغنا أن الروم يتعاهدون قبره ويزورونه ويستسقون به إذا قحطوا ) .

      12. وقال في صفة الصفوة في ترجمة بشر بن الحارث:
      ( وقال أحمد بن الفتح : رأيت بشر بن الحارث في منامي وهو قاعد في بستان وبين يديه مائدة وهو يأكل منها , فقلت له: يا أبا نصر ما فعل الله بك؟ قال : غفر لي ورحمني وأباحني الجنة بأسرها وقال لي كل من جميع ثمارها واشرب من أنهارها وتمتع بجميع ما فيها , كما كنت تحرم نفسك الشهوات في دار الدنيا , فقلت له: فأين أخوك أحمد بن حنبل؟ قال : هو قائم على باب الجنة يشفع لأهل السنة ممن يقول القرآن كلام الله غير مخلوق , فقلت له : فما فعل معروف الكرخي؟ فحرك رأسه ثم قال لي: هيهات , حالت بيننا وبينه الحجب , إن معروفا لم يعبد الله شوقا إلى جنته ولا خوفا من ناره , وإنما عبده شوقا إليه فرفعه الله إلى الرفيق الأعلى ورفع الحجب بينه وبينه , ذاك الترياق المقدسي المجرب , فمن كانت له إلى الله حاجة فليأت قبره وليدع , فإنه يستجاب له إن شاء الله تعالى ) .

      ابن العديم والدعاء عند قبور الصالحين

      13. قال كمال الدِّين بن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب ( 1 / 133 ) :
      ( باب في ذكر ما بحلب وأعمالها من المزارات وقبور الأنبياء والأولياء والمواطن الشريفة التي بها مظان إجابة الدعاء )
      وذكر من هذه المواطن مقبرة فيها جماعة من العلماء الصالحين الأخيار , منهم أحمد الأصولي صاحب برهان الدين البلخي , وقبر أبي الحسين الزاهد المقدسي , وذكر أنّ الدعاء عند قبره مستجاب .

      القرطبي المفسر والدعاء عند قبور الصالحين

      14. قال القرطبي في "الإعلام بما في دين النصارى وإظهار محاسن دين الإسلام" ص384 :
      ( وقد دوّن من هذا كثير يقضى منه العجب في كتب كرامات الأولياء , ولو لم يكن من هذا إلا قبر معروف الكرخي الكائن ببغداد , لكان فيه كفاية وأعظم آية , وذلك أنّ قبره يستشفى به , ويدعى الله عنده , فيشفى المريض وتقضى الحاجة ) .

      ابن دقيق العيد والدعاء عند قبور الصالحين

      15. قال ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة في ترجمة الإمام ابن دقيق العيد :
      ( وقرأت بخط محمد بن عبد الرحمن العثماني قاضي صفد , أخبرني الأمير سيف الدين بلبان الحسامي قال: خرجت يوماً إلى الصحراء فوجدت ابن دقيق العيد في الجبانة واقفاً يقرأ ويدعو ويبكي , فسألته فقال : صاحب هذا القبر كان من أصحابي وكان يقرأ علي , فمات فرأيته البارحة فسألته عن حاله فقال: لما وضعتموني في القبر جاءني كلب أنفط كالسبع وجعل يروعني فارتعبت , فجاء شخص لطيف في هيئة حسنة فطرده وجلس عندي يؤنسني , فقلت: من أنت؟ فقال: أنا ثواب قراءتك سورة الكهف يوم الجمعة ) .

      فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
      بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

      تعليق

      • عثمان محمد النابلسي
        طالب علم
        • Apr 2008
        • 438

        #93



        الذهبي والدعاء عند قبور الصالحين

        16. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة السيّدة نفيسة (10/107):
        ( نفيسة : السيدة المكرمة الصالحة، ابنة أمير المؤمنين الحسن بن زيد بن السيد سبط النبي ص- الحسن بن علي رضي الله عنهما ... وقيل: كانت من الصالحات العوابد، والدعاء مستجاب عند قبرها، بل وعند قبور الانبياء والصالحين ، وفي المساجد، وعرفة ومزدلفة ...الخ ) .

        17. وقال في سير أعلام النبلاء (17/75) :
        ( ابن لال : لشيخ الامام الفقيه، المحدث، أبو بكر، أحمد بن علي بن أحمد ابن محمد بن الفرج بن لال ، الهمذاني الشافعي .... وكان إماما مفننا... قال شيرويه: كان ثقة، أوحد زمانه، مفتي البلد، وله مصنفات في علوم الحديث، غير أنه كان مشهورا بالفقه... والدعاء عند قبره مستجاب ...
        قلت (أي الذهبي) : والدعاء مستجاب عند قبور الانبياء والاولياء ، وفي سائر البقاع ، لكن سبب الإجابة حضور الداعي ، وخشوعه وابتهاله ، وبلا ريب في البقعة المباركة ، وفي المسجد ، وفي السحر، ونحو ذلك ، يتحصل ذلك للداعي كثيرا ، وكل مضطر فدعاؤه مجاب ) .

        18. وقال أيضاً في سيرأعلام النبلاء (17/215) :
        ( ابن فورك : الإمام العلامة الصالح شيخ المتكلمين أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني , سمع مسند أبي داود الطيالسي من عبد الله بن جعفر بن فارس , وسمع من ابن خرزاذ الأهوازي , حدث عنه أبو بكر البيهقي وأبو القاسم القشيري ,وأبو بكر بن خلف , وآخرون وصنف التصانيف الكثيرة .
        قال عبد الغافر في سياق التاريخ : الأستاذ أبو بكر قبره بالحيرة يستسقى به ...
        فمات بقرب بست ونقل إلى نيسابور ومشهدة بالحيرة يزار ويستجاب الدعاء عنده ..) .

        19. وقال في سير أعلام النبلاء في ترجمة بكار( 12 / 603 ) :
        ( قال ابن خلكان: وكان بكار تاليا للقرآن بكاء صالحا دينا , وقبره مشهور قد عرف باستجابة الدعاء عنده )

        20. وقال في سير اعلام النبلاء في ترجمة الأردستاني ( 17 / 428 ) :
        ( قال شيرويه : كان ثقة يحسن هذا الشأن ،سمعت عدة يقولون ما من رجل له حاجة من أمر الدنيا والآخرة يزور قبره ويدعوه إلا استجاب الله له ، قال -يعني شيرويه- :وجربت أنا ذلك )

        صلاح الدين الصفدي والدعاء عند قبور الصالحين

        21. قال الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات في ترجمة عبد الرحيم القنائي :
        ( وقد اشتهر أن الدعاء عند قبره مجاب ) .

        22. وقال في ترجمة السيد نفيسة :
        ( واشتهر إجابة الدعاء عند قبرها ) .

        اليافعي والدعاء عند قبور الصالحين

        23. قال اليافعي في مرآة الجنان عند الكلام على سنة أربع وثمانين وثلاثمائة :
        (وفيها توفي الحافظ أبو الفضل الهمداني السمسار الذي لما أملى الحديث باع طاحوناً له بسبع مائة دينار، ونثرها على المحدثين، قيل: كان ركناً من أركان الحديث، ديناً ورعاً، لا يخاف في الله لومة لائم، وله عدة مصنفات. والدعاء عند قبره مستجاب) .

        تاج الدين السبكي والدعاء عند قبور الصالحين

        24. قال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ( 6 / 201 ) في ترجمة محمد بن الفضل الفراوي ثم النيسابوري:
        ( قال ابن السمعاني وأذكر أنا خرجنا في رمضان سنة ثلاثين وحملنا محفته على رقابنا إلى قبر مسلم بن الحجاج بنصر أباذ لإتمام الصحيح عند قبر المصنف فبعد أن فرغ القارىء من قراءة الكتاب بكى ودعا وأبكى الحاضرين وقال لعل هذا الكتاب لا يقرأ علي بعد هذا ، وكان قوله هذا في شهر رمضان ،وما قرىء عليه الكتاب بعد ذلك بل توفي في شوال ضحوة يوم الخميس الحادي والعشرين من سنة ثلاثين وخمسمائة ، ودفن عند ابن خزيمة ) .

        25. وقال في طبقات الشافعية الكبرى ( 3/20 ) في ترجمة أحمد بن علي بن لال أبو بكر الهمذاني :
        ( قلت: اضطرب فى وفاته فقيل سنة اثنتين وتسعين , وقيل سادس عشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين , وقيل سنة تسع وتسعين , وقيل وكان يقول: اللهم لا تحينى إلى سنة أربعمائة فمات قبلها , قيل: والدعاء عند قبره مستجاب )

        26. وقال في طبقات الشافعية الكبرى ( 4 / 128 ) في ترجمة محمد بن الحسن بن فورك :
        ( وذكر الإمام الشهيد أبو الحجاج يوسف بن دوناس الفندلاوي المالكي المدفون خارج باب الصغير بدمشق , وقبره ظاهر معروف باستجابة الدعاء عنده ) .

        ابن الملقن والدعاء عند قبور الصالحين

        27. قال ابن الملقن في طبقات الأولياء في ترجمة معروف الكرخي :
        ( وأهل بغداد يستسقون به، ويقولون: " قبره ترياق مجرب! " .
        قال أبو عبد الرحمن الزهري: " قبره معروف لقضاء الحوائج. يقال: أنه من قرأ عنده - مائة مرة - : ((قل هو الله أحد))، وسأل الله ما يريد، قضى حاجته " .
        ومثل هذا يذكر عن قبر أشهب، وابن القاسم، صاحبي الأمام مالك. وهما مدفونان في مشهد واحد بقرافة مصر، يقال أن زائرهما، إذا وقف بين القبرين، مستقبلا القبلة، ودعا استجيب له، وقد جرب ذلك.
        وقد زرتهما وقرأت عندهما مائة مرة ((قل هو الله أحد)) ودعوت الله لأمر نزل بي، أرجو زواله فزال ) .

        28. وقال في طبقات الأولياء في ترجمة السيدة نفيسة :
        ( ولها فضائل جمة ، وكان من حقها التقديم ، لكن الختام مسك , وقبرها معروف بالإجابة) .

        ابن الجزري والدعاء عند قبور الصالحين

        29. قال ابن الجزري في غاية النهاية عند ترجمة الإمام الشافعي :
        (قلت: ولد سنة خمسين ومائة بغزة وقيل بعسقلان , ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين , وتوفي بمصر سنة أربع ومائتين , وذلك من ليلة الجمعة بعد المغرب آخر ليلة من رجب ودفن يوم الجمعة بعد العصر , وقبره بقرافة مصر مشهور والدعاء عنده مستجاب , ولما زرته قلت :
        زرت الإمام الشافعي ... لأن ذلك نافعي
        لأنال منه شفاعة ... أكرم به من شافع )

        30. وقد قال في الحصن الحصين :
        ( وجرب استجابة الدعاء عند قبور الصالحين ) .

        31. وقال في باب القاف في ترجمة الشاطبي ناظم الشاطبية:
        ( القاسم بن فيره ... الشاطبي .. ولي الله الإمام العلامة أحد الأعلام الكبار والمشتهرين في الأقطار ...
        ودفن بالقرافة بين مصر والقاهرة بمقبرة القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني , وقبره مشهور معروف يقصد للزيارة , وقد زرته مرات وعرض علي بعض أصحابي الشاطبية عند قبره , ورأيت بركة الدعاء عند قبره بالإجابة , رحمه الله ورضي عنه ) .

        ابن حجر العسقلاني والدعاء عند قبور الصالحين

        32. قال ابن حجر العسقلاني في رفع الإصر في ترجمة بكار :
        ( وصلى عليه ابن أخيه محمد بن الحسن بن قتيبة ، ودفن بطريق القرافة ، والدعاء عند قبره مستجاب ) .

        السخاوي والدعاء عند قبور الصالحين

        33. قال السخاوي في الضوء اللامع في ترجمة علي بن أحمد أبو الحسن الآدمي ج3 :
        ( ومات في يوم الثلاثاء رابع شعبان سنة ثلاث عشرة عن نحو سبعين سنة , وصلي عليه بالأزهر ثم بمصلى المؤمني ثم بالقرافة ودفن بها بالقرب من تربة التاج بن عطاء الله؛ وتأسف الناس عليه , ويقال أن الدعاء عند قبره مستجاب) .

        السيوطي والدعاء عند قبور الصالحين

        34. قال السيوطي في طبقات الحفاظ في ترجمة أبي الفضل التميمي :
        ( وكان ركناً من أركان الحديث ثقة ثبتاً حافظاً فهماً ديناً لا يخاف في الله لومة لائم وله مصنفات.
        توفي في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة , والدعاء عند قبره مستجاب ) .

        ابن العماد الحنبلي والدعاء عند قبور الصالحين

        35. قال ابن العماد في شذرات الذهب في ترجمة نصر بن إبراهيم المقدسي ج3 :
        ( قال النووي : سمعنا الشيوخ يقولون : الدعاء عند قبره يوم السبت مستجاب ) .

        36. قال ابن العماد في شذرات الذهب في ترجمة خير الدين خليل بن قاسم بن حجي ج7 :
        ( وكان صاحب كرامات , يستجاب الدعاء عند قبره ) .

        الشوكاني والدّعاء عند قبور الصالحين

        37. قال الشوكاني في تحفة الذاكرين ص46 , عند ذكر الإمام ابن الجزري قبور الأنبياء من أماكن إجابة الدعاء :
        ( أقول : هذا جعله المصنف ر- داخلا فيما تقدم من التجريب الذي ذكره , ووجه ذلك مزيد الشرف ونزول البركة , وقد قدّمنا أنّها تسري بركة المكان على الداعي , كما تسري بركة الصالحين الذاكرين الله سبحانه على من دخل فيهم ممن ليس هو منهم , كما يفيده قوله ص- : "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" ) .

        فها هم الأئمة من السلف والخلف يدعون الله تعالى عند قبور الصالحين , ولا يرون في ذلك شركاً ولا وسيلة إلى الشرك , بل يرون قبور الصالحين من أماكن استجابة الدّعاء , وقد ثبت ذلك بتجربة الأئمة سلفاً وخلفاً , فإن الشرع قد ندب الدعاء دون تقييده بمكان مخصوص , فتحريم الدعاء في مكان دون غيره يحتاج إلى دليل من الشرع , ولم ينكر هذا الدعاء أحد من السلف أو الخلف المقتدى بهم , فصار بذلك إجماعاً منهم على جوازه , حتى جاء ابن تيمية رحمه الله- وأنكر ذلك , خلافاً لمن قبله من الأئمة , وقلّده الوهابية في رأيه هذا كعادتهم في مخالفة الأمة .

        شبهة ركيكة وجوابها:
        وقد حاول بعض الوهابية محاولات فاشلة في تحريف كلام هؤلاء الأئمة , وقالوا أنّهم ما وضعوا مثل هذه الأمور في كتبهم دون نكير منهم إلا من سرعة التأليف والكتابة!! , ولا أدري هل هذا اعتذار عن الأئمة أم طعن مبطّن فيهم؟! فهل وصل الجهل بأئمة السلف والخلف إلى حدٍّ لا يمّزون فيه بين القشرِ وبينَ اللُّباب ، ولا بينَ الدُرِّ وبين التُّراب ، ولا بين الدَّرِّ وبين اللُّعاب ، ولا بين القدْرِ وبين الحِلاب؟! فيضعون للأمة في كتبهم ما يحثّ على الشرك وهم لا يعلمون! وهل سرعة التأليف والكتابة عذر مقبول لترويج وسائل الشرك وذكرها مع إقرارها!! أم أنّه الخداع والمراوغة حتى لا تنكشف مخالفتهم للأئمة من المتقدمين والمتأخرين سلفًاً وخلفًاً؟!
        فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
        بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

        تعليق

        • إنصاف بنت محمد الشامي
          طالب علم
          • Sep 2010
          • 1620

          #94
          { إنَّ الذين قالوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ استقامُوا تتنزَّلُ عليهِمُ الملائكَةُ أَن لا تخافُوا وَ لا تحزَنُوا وَ أبشِرُوا بالجَنَّةِ التي كُنتُم تُوعَدُون } ( الآيات) .
          ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلاّ أن يقولوا ربنا الله ... ... ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ( 40 ) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ( 41 ) ) (الآيات) ... قال مُحيي السُنّةِ البغويّ رحمه الله تعالى ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ) بدل عن " الذين " الأولى ( إلا أن يقولوا ربنا الله ) أي : لم يخرجوا من ديارهم إلا لقولهم ربنا الله وحده .
          أما وَرَدَ أنَّ رَدّ المُؤْمنين على الدجّال سيكون :" رَبُّنا اللهُ لا شريكَ لَهُ ، ما بِرَبّنا خفاء " ... ؟؟؟ فأين يذهبُون ؟
          رضيتُ بالله رَبّاً وَ بالإسلامِ ديناً وَ بِمُحَمَّدٍ صلّى الله عليه و سلّمَ نبيّاً وَ بالقرآنِ الكريمِ حَكَماً وَ إماماً .
          ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
          خادمة الطالبات
          ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

          إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

          تعليق

          • إنصاف بنت محمد الشامي
            طالب علم
            • Sep 2010
            • 1620

            #95

            عَنْ سيّدنا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ :
            " ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَ بِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَ بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ". هذا مشهور في صحيح مسلم.
            قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَعْنَى الْحَدِيثِ صَحَّ إِيمَانُهُ وَ اطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ وَ خَامَرَ بَاطِنَهُ ، لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْمَذْكُور دَلِيلٌ لِثُبُوتِ مَعْرِفَتِهِ وَ نَفَاذِ بَصِيرَتِهِ وَ ... وًَ مُخَالَطَةِ بَشَاشَتِهِ قَلْبَهُ ... "
            وَوَرَدَ :" ما من عبد يقول حين يمسي وحين يصبح ثلاث مرات : رضيت بالله ربا و بالإسلام دينا و بمُحَمَّدٍ نبيّاً إلا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة " أظُنُّهُ عند أبي داود و غيره ...
            ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
            خادمة الطالبات
            ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

            إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

            تعليق

            • عثمان محمد النابلسي
              طالب علم
              • Apr 2008
              • 438

              #96
              المبحث الخامس : الحلف بغير الله تعالى


              أذكر أنني صليت صلاة العصر في أحد المساجد , فوقف شاب بعد الصلاة وأخذ يتكلّم عن الشرك وعقوبته , وأنّ الله تعالى لا يغفر أن يشرك به , وساق مجموعة من النصوص تدل على ذلك كقوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) (النساء/48) , وقوله تعالى: ((وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ)) (الزمر/65)

              ثم قال بأنه سيتحدّث عن أحد مظاهر الشرك القولية التي وقع فيها بعض المسلمين , وهو الحلف بغير الله تعالى , وذكر قول النبي ص- : ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) , ليثبت أنّ الحلف بغير الله تعالى شرك , فكان المفهوم من كلامه أنّ المقصود هو الشرك الأكبر ..
              فقال إمام المسجد وكان حينها يعد رسالة الدكتوراه في العقيدة الإسلامية- أن هذا شرك أصغر لا كما يتوهم الشاب , فما كان من هذا الشاب إلا أن قاطع الإمامَ قائلاً : أنّ النبي ص- لم يقل ((فقد أشرك شركاً أصغر)) , ولو كان المقصود هنا الشرك الأصغر لبيّن ذلك النبيص- كما في حديث الرياء ولما كتمه , والحلف عبادة , فمن حلف بغير الله تعالى فقد عبده غيره , فأخذ الإمام مكبّر الصوت وأمر المصلين بعدم الاستماع لهذا الشاب , وامتلأ المسجد باللغط والكلام .

              مثل هذه الحادثة تتكرر كثيرًاً في المساجد والمجالس العامة , فترى غوغاء الوهابية يحملون الشرك والكفر هنا على الشرك الأكبر المخرج من الملّة! لا يبالون بفهم الأئمة والعلماء للنصوص الشرعية , فيحكمون على من فعل بعض المكروهات والمحرمات بالشرك والخروج من ربقة الإسلام!

              فأقول : للحلف بغير الله تعالى أربع حالات :

              الحالة الأولى : الحلف بغير الله تعالى تعظيماً له وتاليهًا


              وقد أجمع العلماء على أن هذا الحلف كفر وشرك مخرج من الملة , وعليه تتنزل الأحاديث الدالة على كفر وشرك من حلف بغير الله تعالى , قال الإمام ابن حجر العسقلاني في الفتح (11/540):
              ( فَإِنْ اِعْتَقَدَ فِي الْمَحْلُوف فِيهِ مِنْ التَّعْظِيم مَا يَعْتَقِدهُ فِي اللَّه حَرُمَ الْحَلِف بِهِ وَكَانَ بِذَلِكَ الِاعْتِقَاد كَافِرًا ، وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُور). أي حديث الترمذي : (من حلف بغير الله فقد كفر) .

              وجاء في طرح التثريب :
              ( وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَ الْحَالِفُ بِالْمَخْلُوقِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى كَفَرَ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ }) .

              وجاء في نيل الأوطار:
              ( فإن اعتقد في المحلوف به ما يعتقد في الله تعالى كان بذلك الاعتقاد كافراً ) .

              الحالة الثانية : الحلف بالأوثان وبغير ملة الإسلام..


              وكذلك اتفقوا على حرمة الحلف بالأوثان وبغير ملة الإسلام , لأنها قرينة على تعظيم ما أبطله الإسلام ونسخه..
              فقد روى النسائي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه حلف باللات والعزى فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ((قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وانفث عن يسارك ثلاثاً وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا تعد))
              وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله)) .

              والأمر بالتشهد في هذين الحديثين لا لكون الحلف الوارد مُخرجاً من الملة كما يتوهم بعض الجهلة , لكن لمّا كان القوم حديثي عهد بجاهلية بعدما غرس الإسلام شجرة التوحيد في قلوبهم , لم تزل تلك الألفاظ جارية على ألسنتهم دون قصدٍ لتعظيم الأوثان وتأليهها , فكان النطق بكلمة الشهادة يردّ قلبه منْ السَّهْو إِلَى الذِّكْر , وَلِسَانه إِلَى الْحَقّ , وَيَنْفِي عَنْهُ مَا جَرَى بِهِ مِنْ اللَّغْو , كما قال ابن العربي . الفتح .

              وروى البخاري عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ) .


              الحالة الثالثة : الحلف بغير الله دون تعظيمه واعتقاد ألوهيته
              ففيه خلاف كما يلي:

              أ- الجواز :

              فذهب بعضهم إلى جواز الحلف بغير الله تعالى , وحملوا النهي الوارد في الأحاديث على أيمان الجاهلية التي يعظمون بها غير الله تعالى من اللات والعزى والآباء , وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْد وَطَائِفَة , واستدلوا على الجواز بما يلي :

              أولاً : مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآن الكريم مِنْ الْقَسَم بالمخلوقات , كقوله تعالى : ((وَالفَجْرِ * ولَيال عَشْر * والشَّفْعِ وَالوَتْرِ * وَالليلِ إذَا يَسْرِ )) .

              وأجيب عن ذلك بما يلي (1) :
              1- أن الإقسام هنا على حذف المضاف , فيكون المعنى : ورب الفجر ..الخ .
              ورُد ذلك بأنه لو كانت الغاية من هذه الأقسام بالمخلوقات المتنوعة هو تعظيم الرب سبحانه وتعالى , لما كان للقسم بهذه المخلوقات فائدة , إذ إن العظمة لله تعالى , وعظمة هذه الأشياء من عظمته سبحانه .

              2- أنّ العرب كانت تعظم هذه الاَشياء وتقسم بها فنزل القرآن على ما يعرفون .
              ورُدّ ذلك أيضاً بأن لو كان الحلف منهياً عنه في الشرع , لما جارى القرآن العرب في عاداتهم التي أبطلها الشرع , فقد نزل القرآن ليهديهم لا ليجاريهم .

              3- أن َالْخَالِق يُقْسِم بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْمَخْلُوق لَا يُقْسِم إِلَّا بِالْخَالِقِ , قاله الشعبي كما في الفتح .
              ورُد بأن الله تعالى لا يشرك مع نفسه غيره , فما كان شركاً من المخلوق فإن القاعدة لا تقبل التخصيص .
              وأجيب عن ذلك بأن أقسام القرآن ليست لتعظيم غير الله تعالى كتعظيمه , فلا يَرِدُ هذا الاحتمال.

              4- أن هذه الأقسام القرآنية جاءت لِيُعْجِب بِهَا الْمَخْلُوقِينَ وَيُعَرِّفَهُمْ قُدْرَتَهُ لِعِظَمِ شَأْنهَا عِنْدهمْ وَلِدَلَالَتِهَا عَلَى خَالِقهَا , قاله مُطَرِّف عَنْ عَبْد اللَّه كما في الفتح عن الطبري .

              ثانياً : مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَة مِنْ إِيجَابهمْ عَلَى الْحَالِف بِالْعِتْقِ وَالْهَدْي وَالصَّدَقَة مَا أَوْجَبُوهُ مَعَ كَوْنهمْ رَأَوْا النَّهْي الْمَذْكُور ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدهمْ لَيْسَ عَلَى عُمُومه ؛ إِذْ لَوْ كَانَ عَامًّا لَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجِبُوا فِيهِ شَيْئًا , نقله ابن المنذر عن أَبُي عُبَيْد وَطَائِفَة مِمَّنْ لَقِيهم .
              وَتَعَقَّبَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّ ذِكْر هَذِهِ الْأَشْيَاء ، وَإِنْ كَانَتْ بِصُورَةِ الْحَلِف فَلَيْسَتْ يَمِينًا فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ الِاتِّسَاع ، وَلَا يَمِين فِي الْحَقِيقَة إِلَّا بِاَللَّه .(فتح الباري) .

              ثالثاً : ما رواه مسلم وغيره في قصة الرجل الذي جاء يسأل عن الإسلام وفيه :
              ( فأدبر الرجل وهو يقول : لا أزيد على هذا ولا أنقص منه , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ" أَوْ "دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ" ) .

              وأجيب (2) :
              1- قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذِهِ اللَّفْظَة غَيْر مَحْفُوظَة وَقَدْ جَاءَتْ عَنْ رَاوِيهَا وَهُوَ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر بِلَفْظِ " أَفْلَحَ وَاَللَّهِ إِنْ صَدَقَ " قَالَ : وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَة مَنْ رَوَى عَنْهُ بِلَفْظِ أَفْلَحَ وَأَبِيهِ لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ تَرُدُّهَا الْآثَارُ الصِّحَاح . وَلَمْ تَقَع فِي رِوَايَة مَالِك أَصْلًا . وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة عَنْهُ صَحَّفَ قَوْله " وَأَبِيهِ " مِنْ قَوْله " وَاَللَّهِ " وَهُوَ مُحْتَمَل . الفتح .
              ورد بأنّ مِثْل ذَلِكَ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ ، وَقَدْ ثَبَتَ مِثْل ذَلِكَ مِنْ لَفْظ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فِي قِصَّة السَّارِق الَّذِي سَرَقَ حُلِيَّ اِبْنَتِهِ فَقَالَ فِي حَقِّهِ " وَأَبِيك مَا لَيْلُك بِلَيْلِ سَارِقٍ " أَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأ وَغَيْره قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَقَدْ وَرَدَ نَحْوه فِي حَدِيث آخَر مَرْفُوع قَالَ لِلَّذِي سَأَلَ أَيُّ الصَّدَقَة أَفْضَل فَقَالَ " وَأَبِيك لَتُنَبَّأَنَّ " أَخْرَجَهُ مُسْلِم . الفتح .

              2- أَنَّ الحلف كَانَ يَقَع فِي كَلَامهمْ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا لِلتَّعْظِيمِ وَالْآخَر لِلتَّأْكِيدِ ، وَالنَّهْي إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ الْأَوَّل فَمَنْ أَمْثِلَة مَا وَقَعَ فِي كَلَامهمْ لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلتَّعْظِيمِ قَوْل الشَّاعِر " لَعَمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ إِنِّي أُحِبُّهَا " وَقَوْل الْآخَر . فَإِنْ تَكُ لَيْلَى اِسْتَوْدَعَتْنِي أَمَانَةً فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أُذِيعُهَا فَلَا يُظَنُّ أَنَّ قَائِل ذَلِكَ قَصَدَ تَعْظِيمَ وَالِد أَعْدَائِهَا كَمَا لَمْ يَقْصِد الْآخَر تَعْظِيم وَالِد مَنْ وَشَى بِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْد بِذَلِكَ تَأْكِيد الْكَلَام لَا التَّعْظِيم . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : هَذَا اللَّفْظ مِنْ جُمْلَة مَا يُزَاد فِي الْكَلَام لِمُجَرَّدِ التَّقْرِير وَالتَّأْكِيد وَلَا يُرَاد بِهِ الْقَسَم ، كَمَا تُزَاد صِيغَة النِّدَاء لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصَاص دُون الْقَصْد إِلَى النِّدَاء .

              وَقَدْ تُعُقِّبَ الْجَوَاب بِأَنَّ ظَاهِر سِيَاق حَدِيث عُمَر يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّفهُ لِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهُ كَانَ يَقُول لَا وَأَبِي لَا وَأَبِي فَقِيلَ لَهُ لَا تَحْلِفُوا ، فَلَوْلَا أَنَّهُ أَتَى بِصِيغَةِ الْحَلِف مَا صَادَفَ النَّهْي مَحَلًّا .

              3- إِنَّ هَذَا كَانَ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ : أَكْثَر الشُّرَّاح عَلَيْهِ ، حَتَّى قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَرُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْلِف بِأَبِيهِ حَتَّى نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ : وَتَرْجَمَة أَبِي دَاوُدَ تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ ، يَعْنِي قَوْله " بَاب الْحَلِف بِالْآبَاءِ " ثُمَّ أَوْرَدَ الْحَدِيث الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ "

              وفي الجواب عن هذا قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَلَا يَصِحّ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَحْلِف بِغَيْرِ اللَّهِ , وَلَا يُقْسِمُ بِكَافِرٍ ، تَاللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَبَعِيدٌ مِنْ شِيمَتِهِ .
              وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : دَعْوَى النَّسْخ ضَعِيفَة لِإِمْكَانِ الْجَمْع , وَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّارِيخ .

              4- أَنَّ فِي الْجَوَاب حَذْفًا تَقْدِيره أَفْلَحَ وَرَبِّ أَبِيهِ , قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ .
              وأجيب بأنه خلاف للظاهر .

              5- أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِالشَّارِعِ دُون غَيْره مِنْ أُمَّته .
              وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخَصَائِص لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ .

              6- ما َحَكَى السُّهَيْلِيّ عَنْ بَعْض مَشَايِخه أَنَّهُ قَالَ : هُوَ تَصْحِيف ، وَإِنَّمَا كَانَ وَاَللَّه ، فَقُصِّرَتْ اللَّامَانِ .
              وَاسْتَنْكَرَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا وَقَالَ : إِنَّهُ يَجْزِم الثِّقَة بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَة .

              7- ادَّعَى الْقَرَافِيّ أَنَّ الرِّوَايَة بِلَفْظِ : وَأَبِيهِ لَمْ تَصِحّ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ الْجَوَاب فَعَدَلَ إِلَى رَدّ الْخَبَر.
              وردّه ابن حجر بقوله : وَهُوَ صَحِيح لَا مِرْيَة فِيهِ .

              8- أَنَّ هَذَا اللَّفْظ كَانَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَقْصِدُوا بِهِ الْقَسَم ، وَالنَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقّ مَنْ قَصَدَ حَقِيقَة الْحَلِف ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبَيْهَقِيُّ ، وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّهُ الْجَوَاب الْمَرَضِيّ .
              وأجيب بأن هذا لو سُلّم فهو ذريعة للحلف بغير الله , والشرع قد سدّ ذرائع المحرمات , فلا ينهى الشرع عن شيء ويفتح ذرائعه .
              وأيضاً لو سلم أنّه كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا القسم , فلا دلالة على حرمة الحلف بغير الآباء المشركين , لأن آباءهم كانوا مشركين والمشرك لا كرامة له حتى يحلف به , فيكون التحريم مقتصراً على الحلف بآبائهم المشركين , ومما يدل على ذلك أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل آباءَهم قرناء مع الطواغيت مرّة فقال : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت » رواه النسائي ، وبالأنداد ـ أي الأصنام ـ ثانية مرة أخرى فقال: « لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمهاتكم ولا بالأنداد » رواه أبو داود والنسائي .

              رابعاً : ما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :
              ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ , أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) .


              خامساً : قال ابن حجر في الفتح : ( حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى نَجْدَة : وَكَتَبَتْ تَسْأَلُنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْم الْيَتِيمِ ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُت لِحْيَته وَإِنَّهُ لَضَعِيف الْأَخْذ لِنَفْسِهِ ضَعِيف الْعَطَاء ، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا أَخَذَ النَّاس فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْم " وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَقَدْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُهُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ )


              سادساً : ما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ: عَنْ عَمِّه : ( أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَقْبَلَ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِهِ فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ رَجُلٌ مُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ أَهْلُهُ: إِنَّهُ قَدْ حُدِّثنا أَنَّ مَلِكَكُمْ هَذَا قَدْ جَاءَ بِخَيْرٍ فَهَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ تَرْقِيهِ؟ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فبرأ فأعطوني مئة شَاةٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "خُذْهَا فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرْقُيَةِ بَاطِلٍ فقد أكلت بِرُقْيَةِ حَقٍّ" ) .

              سابعاً : ما رواه أحمد في مسنده وغيره عن لَيْلَى امْرَأَةَ بَشِيرٍ تَقُولُ :
              ( إِنَّ بَشِيرًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا أُكَلِّمُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَحَدًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَصُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا فِي أَيَّامٍ هُوَ أَحَدُهَا أَوْ فِي شَهْرٍ وَأَمَّا أَنْ لَا تُكَلِّمَ أَحَدًا فَلَعَمْرِي لَأَنْ تَكَلَّمَ بِمَعْرُوفٍ وَتَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَسْكُتَ ) .

              ثامناً : ما في موطأ مالك وغيره عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ :
              ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ , فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ , فَكَانَ يُصَلِّ مِنْ اللَّيْلِ فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ : وَأَبِيكَ مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ ) .

              تاسعاً : ما رواه ابن حبان وغيره عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
              ( خرجتُ يَوْمَ الخندق أقفُوا أَثَرَ النَّاسِ فَسَمِعْتُ وَئِيدَ الْأَرْضِ مِنْ وَرَائِي فالتفتُّ فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ يَحْمِلُ مِجَنَّهُ فَجَلَسْتُ إِلَى الْأَرْضِ فمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ قَدْ خرجتْ مِنْهَا أَطْرَافُهُ فَأَنَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أَطْرَافِ سَعْدٍ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلِهِمْ قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:
              لبِّثْ قَلِيلًا يُدرك الْهَيْجَا حَمَلْ **** مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ
              قَالَتْ: فقمتُ فاقتحمتُ حَدِيقَةً فَإِذَا فِيهَا نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ عُمَرُ: وَيْحَكِ! مَا جَاءَ بِكِ؟! لَعَمْرِي وَاللَّهِ إِنَّكِ لَجَرِيئَةٌ مَا يُؤمنك أَنْ يَكُونَ تحوُّزٌ أَوْ بلاءٌ؟!.. ).

              عاشراً : ما رواه مسلم عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ :
              ( كُنْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ مُسْتَنِدَيْنِ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَإِنَّا لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ قَالَ فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجَبٍ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ أَيْ أُمَّتَاهُ أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ وَمَا يَقُولُ قُلْتُ يَقُولُ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجَبٍ فَقَالَتْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَعَمْرِي مَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ وَمَا اعْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ إِلَّا وَإِنَّهُ لَمَعَهُ قَالَ وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ فَمَا قَالَ لَا وَلَا نَعَمْ سَكَتَ ) .

              الحادي عشر : ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ , وفي الحديث :
              (وَايْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا قَالَ يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا قَالَتْ لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ ) .
              فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
              بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

              تعليق

              • عثمان محمد النابلسي
                طالب علم
                • Apr 2008
                • 438

                #97
                ب- الحرمة:

                المعتمد من أحد قولي الحنفية أنه مكروه تحريماً , وهناك قَوْلَانِ عِنْد الْمَالِكِيَّة ، كَذَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد ، وَالْمَشْهُور عِنْدهمْ الْكَرَاهَة ، وَالْخِلَاف أَيْضًا عِنْد الْحَنَابِلَة لَكِنْ الْمَشْهُور عِنْدهمْ التَّحْرِيم(3) .

                واستدلوا على الحرمة بما يلي :

                أولاً : أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر أنّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّه فَقَدْ كَفَرَ ، أَوْ أَشْرَكَ ) . قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَنٌ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم .
                وَالتَّعْبِير بِقَوْلِهِ "فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ" لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ فِي ذَلِكَ .
                وأجيب بأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته , فيكون من حلف بغير الله تعالى مشركاً , وهذا لا يحمل إلا على من اعْتَقَدَ فِي الْمَحْلُوف فِيهِ مِنْ التَّعْظِيم مَا يَعْتَقِدهُ فِي اللَّه , كما قال ابن حجر والشوكاني .

                ثانياً : روى الشيخان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ) .

                ثالثاً : وما رواه أبو داود عن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من حلف بالأمانة فليس منا ) .

                رابعاً : أخرج أبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون)) .

                خامساً : روى النسائي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ ) .

                وأجاب المجيزون للحلف بغير الله تعالى عن جميع أدلة المحرّمين , بأنّ النهي فيها لا يخرج عن أمرين:
                الأول : أنّ المنهي عنه هو أيمان الجاهلية التي يعظمون بها غير الله تعالى من اللات والعزى , أو الحلف بالآباء المشركين كما سبق بيانه .
                الثاني : أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم- في بعض هذه الأدلة إنما هو عن اليمين الذي يُفصل به في القضاء والخصومات والدعاوي ، والذي يترتب عليه الكفارة في حالة الحنث ، فإن هذا النوع من القسم لا ينعقد إلا بالله .

                وأجاب القائلون بالكراهة بأن النهي للكراهة لا للتحريم , وذلك لورود أدلة أخرى تدل على عدم الحرمة , فنهى الشرع عن الحلف بغير الله تعالى لكونهم حديثي عهد بالجاهلية , فكان ذلك الحلف مكروهاً .

                سادساً : الإجماع , فقد نقل ابن عبد البر الإجماع على المنع من الحلف بغير الله تعالى , قال ابن حجر :
                (وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا يَجُوز الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه بِالْإِجْمَاعِ )

                وأجيب:
                - أولاً بعدم تسليم هذا الإجماع , فقد نقل ابن قدامة في المغني عن البعض الجواز , ونقل ابن المنذر عن البعض جواز الحلف بغير الله فيمَا كَانَ يَؤُولُ إِلَى تَعْظِيم اللَّه وَالْقُرْبَة إِلَيْهِ , وأنه ليس دَاخِلًا فِي النَّهْي , قال ابن حجر :
                (وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي مَعْنَى النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه ، فَقَالَتْ طَائِفَة هُوَ خَاصّ بِالْأَيْمَانِ الَّتِي كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَحْلِفُونَ بِهِ تَعْظِيمًا لِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى كَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَالْآبَاء فَهَذِهِ يَأْثَم الْحَالِف بِهَا وَلَا كَفَّارَة فِيهَا ، وَأَمَّا مَا كَانَ يَؤُولُ إِلَى تَعْظِيم اللَّه كَقَوْلِهِ وَحَقّ النَّبِيّ وَالْإِسْلَام وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة وَالْهَدْي وَالصَّدَقَة وَالْعِتْق وَنَحْوهَا مِمَّا يُرَاد بِهِ تَعْظِيم اللَّه وَالْقُرْبَة إِلَيْهِ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي النَّهْي ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْد وَطَائِفَة مِمَّنْ لَقِينَاهُ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَة مِنْ إِيجَابهمْ عَلَى الْحَالِف بِالْعِتْقِ وَالْهَدْي وَالصَّدَقَة مَا أَوْجَبُوهُ مَعَ كَوْنهمْ رَأَوْا النَّهْي الْمَذْكُور ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدهمْ لَيْسَ عَلَى عُمُومه ؛ إِذْ لَوْ كَانَ عَامًّا لَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجِبُوا فِيهِ شَيْئًا ) .(فتح الباري) .

                - وثانياً : بأن مذهب كثير من الأئمة هو الكراهة لا الحرمة , فيكون معنى الإجماع الذي نقله ابن عبد البر هو أعم من الحرمة , قال ابن حجر في الفتح :
                ( وَمُرَاده بِنَفْيِ الْجَوَاز الْكَرَاهَة أَعَمّ مِنْ التَّحْرِيم وَالتَّنْزِيه ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْيَمِين بِغَيْرِ اللَّه مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوز لِأَحَدٍ الْحَلِفُ بِهَا ، وَالْخِلَاف مَوْجُود عِنْد الشَّافِعِيَّة مِنْ أَجْل قَوْل الشَّافِعِيّ : أَخْشَى أَنْ يَكُون الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه مَعْصِيَة ، فَأَشْعَرَ بِالتَّرَدُّدِ ، وَجُمْهُور أَصْحَابه عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ ) .
                فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                تعليق

                • عثمان محمد النابلسي
                  طالب علم
                  • Apr 2008
                  • 438

                  #98

                  ج- الكراهة :


                  وهو أحد قولي الحنفية لكنه غير المعتمد عندهم , والمشهور عند المالكية , والمشهور عند الشافعية , وغير المشهور من مذهب الحنابلة .

                  واستدلوا على ذلك بالتوفيق بين أدلة المجيزين وأدلة المحرمين , فإن المجيزين قاموا بتأويل النصوص الناهية عن الحلف بغير الله تعالى , وكذلك قام المانعون بتأويل حلف الرسول صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضي الله عنهم- , فكان الأصوب هو التوفيق بين أحاديث النهي عن الحلف بغير الله وبين ما ورد من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعل بعض الصحابة , فقالوا أن النهي هو للكراهة لا للحرمة .

                  وبعد هذا العرض السريع لأقوال العلماء في الحلف بغير الله تعالى , يتبيّن بطلان المشهور عند جهلة الوهابيين من كون الحلف بغير الله تعالى شركاً يخرج من الملة , وأن النصوص التي يظهر منها شركية الحلف بغير الله أشرك ليست كما يفهمون , لكنّ هذا الخلل عند هؤلاء الدهماء سببه إطلاق مشايخهم لفظة الشرك على كثير من الأفعال التي لا تُخرج من الملة , دون التنبيه على كونها شركاً أصغر أو أكبر , فإذا قرأ أو سمع بعض أتباعهم فتوى يحكمون فيها بالشرك على مثل هذه الأفعال دون تقييده بكونه أصغر , تبادر إلى أذهانهم أنه شرك أكبر , فيقومون -بناء على هذا الفهم السقيم الناتج عن التقرير السقيم- بتكفير من يرونه يقوم بهذه الأفعال وإخراجه من الملة .

                  وإليك بعض النماذج من هذه الفتاوى :

                  فقد جاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية (1/81) :
                  ( وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَعْبُدَ إلَّا اللَّهَوَحْدَهُ فَلَا يُصَلِّي إلَّا لِلَّهِ وَلَا يَصُومُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يَحُجُّ إلَّا بَيْتَ اللَّهِ وَلَا يَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَى اللَّهِ وَلَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَلَا يَنْذِرُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ} . وَفِي السُّنَنِ : { مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ } وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا) لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ , وَالْحَلِفَ بِاَللَّهِ تَوْحِيدٌ , وَتَوْحِيدٌ مَعَهُ كَذِبٌ خَيْرٌ مِنْ شِرْكٍ مَعَهُ صِدْقٌ...الخ ) .

                  فتأمّل قوله : ((ولا يحلف إلا بالله)) في سياق النهي عن صرف العبادة لغير الله تعالى , فكأن من حلف بغير الله تعالى فقد عبد غيره!!

                  وجاء في مجموع فتاوى ابن عثيمين (2/217) :
                  ( وسئل أيضًا: عن حكم الحلف بغير الله ؟ والحلف بالقرآن الكريم ؟
                  فأجاب بقوله : الحلف بغير الله أو بغير صفة من صفاته محرم وهو نوع من الشرك؛ ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت » . وجاء عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: « من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك » . رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم . وثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: " « من » « قال واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله » . وهذا إشارة إلى أن الحلف بغير الله شرك يطهر بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله.
                  وعلى هذا فيحرم على المسلم أن يحلف بغير الله سبحانه وتعالى , لا بالكعبة ولا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا بجبريل ولا بولي من أولياء الله، ولا بخليفة من خلفاء المسلمين، ولا بالشرف، ولا بالقومية، ولا بالوطنية كل حلف بغير الله فهو محرم وهو نوع من الشرك والكفر...الخ ) .

                  فانظر كيف أطلقوا الشرك والكفر على الحلف بغير الله تعالى دون تقييد , ممّا جعل كثيراً من أتباعهم يتوهمون أن المقصود هو الشرك الأكبر والكفر المخرج من الملة , وخصوصاً أنهم يطلقون مثل هذه الأحكام في سياق كلامهم على نواقض التوحيد ووجوب إفراد الله تعالى بالعبادة وخطر الكفر والشرك , أضف إلى ذلك تقريرهم لأتباعهم أن الشرك إذا أطلق دون تقييد فالمراد به الشرك الأكبر ، وممّا يؤدي إلى تأكيد معنى الشرك الأكبر عند أتباعهم أنهم يسوقون الآيات الدالة على عاقبة الشرك الأكبر كقوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)) ..

                  فإذا قرأ أتباعهم مثل هذه الفتاوى الغير منضبطة وما أكثرها- , دون أن يطلعوا على فتاويهم القليلة المقيدة للشرك بكونه أصغر , جزموا بأن المراد هو الشرك الأكبر , وليس هذا مختصاً بمسألة الحلف بغير الله تعالى , بل معظم المسائل التي تعتبر عندهم شركاً أصغر هي هكذا .

                  ولو سلمنا للوهابية صحة إطلاق الشرك الأصغر على الحلف بغير الله تعالى , فلا نسلّم لهم إطلاق ذلك على ما يصدر من العوام , لأن مثل تلك الألفاظ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَة العوام غالباً مِنْ غَيْر أَنْ يَقْصِدُوا بِهِا الْقَسَم ، وَالنَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقّ مَنْ قَصَدَ حَقِيقَة الْحَلف , فنسمع العوام أحياناً يقولون : (وحياتك) ولا يريدون به حقيقة الحلف وإنما يريدون به التأكيد أو لفت الانتباه , فلا يصح تبديع العوام والحكم بالشرك عليهم في كلّ ما يصدر منهم .
                  فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                  بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                  تعليق

                  • عثمان محمد النابلسي
                    طالب علم
                    • Apr 2008
                    • 438

                    #99


                    الحالة الرابعة : الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم-


                    لم يفرّق الجمهورمن الحنفية والمالكية والشافعية بين الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم- وغيره , فجرى فيه الخلاف السابق , إلا أنّه ورد عن الإمام أحمد في رواية جواز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم-, وأنّ اليمين بالنبي ص- منعقد , لأنه لا يتم الإيمان إلا به , أو لأنه أحد ركني الشهادة .

                    قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ( 27 / 349) :
                    (وَعَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُحْلَفُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ خُصُوصًا , وَيَجِبُ ذِكْرُهُ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَالْأَذَانِ . فَلِلْإِيمَانِ بِهِ اخْتِصَاصٌ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : بَلْ هَذَا لِكَوْنِهِ نَبِيًّا ) .

                    وقال البجيرمي في حاشيته :
                    ( قَوْلُهُ : ( عَدَمُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِمَخْلُوقٍ ) أَيْ فَلَا كَفَّارَةَ بِالْحِنْثِ فِيهِ , خِلَافًا لِأَحْمَدَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً , لِأَنَّهُ قَالَ : تَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ أَحَدُ رُكْنَيْ الشَّهَادَةِ كَاسْمِ اللَّهِ ) .

                    ---------------------------------------------------
                    1- الإتقان للسيوطي , وفتح الباري لابن حجر .
                    2- فتح الباري لابن حجر , كتاب الأيمان والنذور , باب : لا تحلفوا بآبائكم .
                    3- فتح الباري لابن حجر , وتكملة فتح الملهم للعثماني , والموسوعة الفقهية الكويتية .

                    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                    تعليق

                    • عثمان محمد النابلسي
                      طالب علم
                      • Apr 2008
                      • 438

                      #100
                      المبحث السادس : الذبح والنذر لغير الله تعالى


                      معنى (الذبح والنذر لغير الله) :
                      كثيراً ما نسمع الوهابية يقولون أنّ الذبح لغير الله تعالى شرك , وأنّ من ذبح للبدوي أو للعيدروس أو لولي من الأولياء فقد أشرك , ومعلوم أنّ الذبح بقصد التعبد والتقرب لغيره تعالى شرك , فقد بينت فيما سبق أن الفعل بقصد التعبد يعتبر عبادة , إلا أنّ المؤمن عندما يذبح لوالده أو لقريبه أو لأحد الأولياء , فلا يتطرق هذا الوهم إلى تفكيره بتاتاً , بل يقصد أن يهدي ثواب الذبيحة لوالده أو لقريبه أو للولي , وخصوصاً أنّه يسمّى الله وحده على ذبيحته .(1)

                      قال العلامة العزامي في فرقان القرآن (133) :
                      ( ومن استخبر حال من يفعل ذلك من المسلمين ، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للأموات ـ من الأنبياء والأولياء ـ إلاّ الصدقة عنهم ، وجعل ثواباها لهم ، وقد علموا أنّ إجماع أهل السنة منعقد على أن صدقة الأحياء نافعة للأموات ، واصلة إليهم ، والأحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.
                      فمنها : ما صحّ عن سعد أنّه سأل النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلم ) قال : يا نبىّ اللّه إنّ اُمّي قد افتلتت ، وأعلم أنها لو عاشت لتصدّقت أفإن تصدّقتُ عنها أينفعها ذلك؟
                      قال ( صلَّى الله عليه وآله وسلم ) : نعم. فسأل النبي : أىّ الصدقة انفع يا رسول اللّه؟
                      قال : الماء.
                      فحفر بئراً وقال : هذه لأُم سعد...
                      اللام في « هذه لأُم سعد » ، هي اللام الداخلة على الجهة الّتي وجهت إليها الصدقة لا على المعبود المتقرب إليه ، وهي كذلك في كلام المسلمين ، فهم سعديون لا وثنيون ، وهي كاللام في قوله تعالى : ( إنّما الصّدقات للفرقاء ) لا كاللام في قوله سبحانه : ( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا في بَطْني مُحرَّراً ) أو في قول القائل : صلّيت للّه ونذرت للّه ، فإذا ذبح للنبي أو الولي أو نذر الشيء له فهو لا يقصد إلاّ أن يتصدق بذلك عنه ، ويجعل ثوابه إليه ، فيكون من هدايا الأحياء للأموات ، المشروعة ، المثاب على إهدائها ، والمسألة محرّرة في كتب الفقه وفي كتب الردّ على الرجل ومن شايعه » ) .

                      والذبح عمّن فارق هذه الحياة الدنيا من الأنبياء أو الأولياء أو الوالدين أو أي شخص من المسلمين هو داخل في التقرب إلى الله تعالى , بأن يكون لأجل إهداء الثواب للأنبياء أو غيرهم من المسلمين أي ثواب الصدقة عن الأموات ، وهو أمر مندوب إليه شرعاً , وقد اعتاد المسلمون في بقاع كثيرة أن يتقربوا إلى الله تعالى بهذا العمل كما قال الله تعالى ((فصل لربك وانحر )) وكما قال تعالى ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )) ثم يتصدقون بهذه الذبيحة على فقراء المسلمين , ويطلبون من الله تعالى أن يجعل ثوابها لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو لولي من الأولياء رحمهم الله تعالى ،أو لعالم من علماء الأمة الإسلامية أو للوالدين أو لولد من أولاده ، أو غير ذلك من أسباب التواصل والإحسان.

                      وقد وقع الوهابية في اتهام إخوانهم بالشرك وقالوا : إنهم يذبحون الذبائح عبادة للنبي عليه الصلاة والسلام أو للولي ، لأنهم يقولون هذه الذبيحة للنبي ص- ،وهذا شرك يخرج من الملة , ولا شك أن الأمر لو كان عبادة لأي مخلوق فهو شرك مخرج من الملة , ولكن هذا الكلام باطل لم يقع من إخواننا المسلمين , بل هم يذبحون عبادة لله تعالى وحده لا شريك له , وقولهم "هذه للنبي صلَّى الله عليه وآله وسلم -" هو كما نقول : "ذبحت للضيوف" أي لإكرامهم بالأكل منها لا لقصد عبادتهم , وكذلك ذبحوا للأولياء من باب إهداء الثواب لهم لا من باب عبادتهم .
                      وتأمل في قول الله تعالى (( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ...)) فإن اللام الداخلة هنا على كلمة الفقراء تفيد جهة الصرف , وليس المقصود أن الصدقة عبادة للفقراء ، وليست كاللام الداخلة على "الله" جل جلاله في مثل قوله تعالى ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)) فهنا اللام المقصود بها عبادة لله .
                      وكذلك تأمل في هذا الحديث عن سعد بن عبادة - رضي الله عنه - : قال : « قلت : يا رسول الله ، إن أمي ماتت ، فأي الصدقة أفضل ؟ قال : الماء ، فحفر بئرا وقال : هذه لأم سعد ». أخرجه أبو داود ، والنسائي . ومعلوم أنه لايقصد عبادة لأم سعد ، ولا أن تشرب منها ، وإنما المقصود أن يكون لها ثوابها.
                      فالمسلمون يذبحون لله تعالى وحده لا شريك له , ويكون ثوابه للأولياء أو غيرهم من المسلمين , وليس عبادة للأولياء كما يردده الوهابية .
                      والصدقة عن الميت بالنقود أو باللحم أوبالماء أو غيره من الصدقات بقصد إهداء الثواب إليه جائز بلا ريب , فمن الأمثلة على الصدقة بشيء من الذبائح ما روت السيدة عائشة رضي الله عنها ، قالت: ((ما غرت على أحد من نساء النبي ص- ما غرت على خديجة وما رأيتها , ولكن كان النبي ص- يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ؛ فربما قلت له : كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟! فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد)) متفق عليه .أخرجه البخاري في: 63 كتاب مناقب الأنصار: 20 باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها.
                      وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: إن أمي افْتَلَتَتْ نَفْسُها ، وأراها لو تَكَلَّمَتْ ، تصَدَّقَتْ؛ فهل لها أجرٌ إن تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: ((نعم)) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ .
                      قال ابن عبد البر : فأما الصدقة عن الميت فمجتمع على جوازها لا خلاف بين العلماء فيها ، وكذلك العتق عن الميت جائز بإجماع . التمهيد لابن عبد البر 20 / 27
                      وقال القرافي : أجمع العلماء على أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها ، وعلى وصول الدعاء وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك . الفروق للقرافي 4 / 398
                      وقال النووي : أجمع المسلمون على أن الصدقة عن الميت تنفعه وتصله ، وقال أيضاً : الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها باجماع العلماء ، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع. المجموع للنووي 5/286 وشرح صحيح مسلم للنووي 7 / 90

                      وقال أيضاً في روضة الطالبين عن الذبح (كتاب الضحايا-تجديد النية عند الذبح) :
                      (وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواءً كان الذابح مسلما أو نصرانياً , وفي تعليقة للشيخ إبراهيم المروروذي رحمه الله أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه , لأنه مما أهل به لغير الله تعالى , واعلم أن الذبح للمعبود وباسمه نازل منزلة السجود له , وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة , فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته , وكان فعله كفرا كمن سجد لغيره سجد عبادة , وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه , فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لأنها بيت الله تعالى أو الرسول لأنه رسول الله ص- فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة , وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل : أهديت للحرم أو للكعبة , ومن هذا القبيل الذبح عند استقبال السلطان فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود , ومثل هذا لا يوجب الكفر , وكذا السجود للغير تذللا وخضوعا , وعلى هذا إذا قال الذابح : باسم الله وباسم محمد , وأراد أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد فينبغي أن لا يحرم , وقول من قال لا يجوز ذلك يمكن أن يحمل على أن اللفظة مكروهة , لأن المكروه يصح نفي الحواز والإباحة المطلقة عنه , ووقعت منازعة بين جماعة ممن لقيناهم من فقهاء قزوين في أن من ذبح باسم الله واسم رسول الله ص- هل تحل ذبيحته؟ وهل يكفر بذلك؟ وأفضت تلك المنازعة إلى فتنة , والصواب ما بيناه , وتستحب الصلاة على النبي ص- عند الذبح , نص عليه في الأم , قال ابن أبي هريرة لا تستحب ولا تكره ) .

                      مكان الذبح :
                      إذا علمنا أن الذبح للأنبياء أو الأولياء ليس بقصد عبادتهم , وإنما بقصد إهداء ثواب الصدقة للأنبياء عليهم السلام أوالأولياء أو غيرهم من المسلمين , فأين يكون مكان الذبح ؟
                      الأصل هو جواز الذبح في أي مكان كان ما لم يأت نص يدل على تحريم الذبح في مكان بعينه , وما عدا ذلك فهو تحكم محض لا دليل يدل عليه , فمن خص مكاناً بالتحريم فعليه الدليل , لأن الأصل في الأشياء الإباحة , فقد جاء في تلخيص الحبير للإمام ابن حجرالعسقلاني رحمه الله ما نصه (4/439):
                      { أن رجلا نذر أن ينحر إبلا في موضع سماه ، فقال له رسول الله ص- : هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال : لا ، قال : أوف بنذرك } .أبو داود من حديث ثابت بن الضحاك بسند صحيح ، ومن حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، وسمى الموضع " بوانة " , ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس ، ويشبه أن يسمى الرجل كردمة ، فقد رواه أحمد في مسنده من حديث عمرو بن شعيب ، عن { ابنة كردمة ، عن أبيها أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني نذرت أن أنحر ثلاثة من إبلي فقال : إن كان على وثن من أوثان الجاهلية فلا } - الحديث - وفي لفظ لابن ماجه عن { ميمونة بنت كردمة الثقفية : أن أباها لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهي رديفة كردمة ، فقال : إني نذرت أن أنحر ببوانة ، فقال : هل فيها وثن ؟ قال : لا ، قال : فأوف بنذرك } .انتهى من تلخيص الحبير .

                      وجاء في سنن أبي داود بسنده عن ثابت بن الضحاك { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة ، فقال : أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا ، قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا ، قال : أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملك ابن آدم } رواه أبو داود .

                      وعليه نعلم فمن الخطأ أن ننهى الناس عن الذبح لله تعالى صدقة عن موتاهم أو عن موتى المسلمين , سواءً ذبحوا في أرض فضاء في البراري , أو في مجزرة قريبة من القبور أو بعيدة عنها.

                      أما الذبح داخل القبور المسبلة فلا يجوز , لأنها أرض موقوفة للدفن , فلا يجوز التصرف فيها بغير ذلك , ومعلوم أن المسلمين لا يدخلون أسوار المقبرة للذبح فيها إطلاقاً سواء كانت مسبلة أو غير مسبلة ، وإنما يذبحون في أماكن مخصصة للذبح نظّمتها الإدارات المختصة بذلك في بلادهم , مع العلم أن أكثر الأضرحة المشهورة توجد في مقصورات أو في غرف داخل المساجد , كما نرى قبر النبي صلى الله عليه وسلم- وقبر الولي الصديق سيدنا أبي بكر ر- وقبر الولي الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه- , وهناك كثير من الأولياء توجد قبورهم في مقصورة خاصة داخل المسجد ، وسميت مقصورة لأنها تقصر حدود القبر على هذا الموضع الذي لا يعتبر من المسجد الذي أوقف للصلاة فيه , بل هو مستثنى من ذلك حسب وقف الواقف , فجزء من الأرض للصلاة وجزء يسير لهذا القبر.

                      فلا يمكن أبداً تصوّر الذبح عند قبورهم لأن البقعة الخاصة بالصلاة محيطة بها ، وإنما هذا من تهويل المشددين على إخوانهم هدانا الله وإياهم , وكذلك القبور التي في نفس المقابر لا يذبح فيها أصلاً بل هو محض تهويل. (2)

                      ------------------------------------------------
                      1- ذهب الجمهور إلى حرمة ذكر اسم غير الله تعالى على الذبيحة , وذهب الشافعية إلى كراهة ذلك , فقد جاء إعانة الطالبين (2/394) :
                      ((تنبيه) لا يقول باسم الله، واسم محمد , فلو قال ذلك حرمت ذبيحته وكفر إن قصد التشريك , فإن أطلق حلت الذبيحة وأثم بذلك.
                      وإن قصد أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد , كره وحلت الذبيحة فالاقسام ثلاثة:
                      أ- الحرمة مع حل الذبيحة في صورة الاطلاق.
                      ب- الكفر مع حرمة الذبيحة في صورة قصد التشريك.
                      ج- الكراهة مع حل الذبيحة في صورة قصد التبرك باسم محمد )
                      2- بتصرف واختصار من مقال الذبح لغير الله , للشيخ غيث الغالبي .

                      فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                      بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                      تعليق

                      • عثمان محمد النابلسي
                        طالب علم
                        • Apr 2008
                        • 438

                        #101

                        المبحث السابع : التوسل بالنبي المختار صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته:


                        المطلب الأول : بعض أدلة التوسل

                        يرى الوهابية أنّ التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم- وسيلةٌ إلى الشرك فحكموا عليه بالبدعة , مع أنّ قولهم هذا مخالف لإجماع الأمة المرحومة , والأدلةُ الصحيحة الصريحة على التوسل كثيرة , ومنها :

                        من القرآن الكريم :
                        - قوله تعالى (وابتغوا إليه الوسيلة ) بعمومها تشمل التوسل بالأشخاص ، والتوسل بالأعمال , بل المتبادر من التوسل في الشرع هو هذا وذاك ، رغم تقول كل مفتر أفاك .
                        والفرق بين الحي والميت في ذلك لا يصدر إلا عمن ينطوي على اعتقاد فناء الأرواح ، المؤدي الى إنكار البعث وعلى ادعاء انتفاء الإدراكات الجزئية من النفس بعد مفارقتها البدن ، المستلزم لإنكار الأدلة الشرعية في ذلك .
                        أما شمول الوسيلة في الآية المذكورة للتوسل بالأشخاص فليس برأي مجرد ، ولا هو بمأخوذ من العموم اللغوى فحسب ، بل هو المأثور عن عمر الفاروق رضي الله عنه حيث قال بعد أن توسل بالعباس رضي الله عنه في الاستسقاء : (هذا ولله الوسيلة الى الله عز جل ) . كما في الاستيعاب لابن عبد البر .

                        وقال البغوي في تفسير قوله تعالى في الآية الأخرى {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} " الإسراء 57 " :
                        { عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : الوسيلة كل ما يُتقرب به إلى الله ، أي ينظرون أيهم أقرب إلى الله ، فيتوسلون به} اهـ
                        فالوسيلة عامةٌ شاملة للذوات والأفعال والأقوال ، وتخصيصُها بالأفعال تحكّم لا دليل عليه ، مع أن الذوات الفاضلة أفضل من الأفعال الصادرة عنها ، لا سيما نبينا صلى الله عليه و على آله وسلم .

                        وزد على ذلك قول عمر أيضاً في ( أنساب الزبير بن بكار ) على ما في فتح الباري : (واتخذوه يعني العباس وسيلة إلى الله ) .
                        ولا يتصور أن يكون هذا بمعنى : اطلبوا الدعاء منه , لأن عمر طلب منه الدعاء ، وتقدم هو للدعاء ، وبعد طلب أمير المؤمنين منه وتقدمه للدعاء إجابة لطلب عمر , لا يكون قول عمر هذا إلا بمعنى : (توسلوا به إلى الله) كما فعل عمر نفسه ، لكن الهوى يعمي ويعم .

                        وفي فتح الباري ( 2/ 337) وليس في قول عمر أنهم كانوا يتوسلون به دلالة على أنهم سألوه أن يستسقي لهم إذ يحتمل أن يكونوا في الحالتين طلبوا السقيا من الله مستشفعين به صلى الله عليه و سلم.
                        وقال ابن رشد أراد بالترجمة ( باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء ) : (الاستدلال بالطريق الأولى لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال). اهـ .

                        وكلام الحافظين يقضي على وهم من يهم قائلاً أن التوسل به صلى الله عليه وسلمهو طلب الدعاء منه ، وأين التوسل من الدعاء ؟
                        نعم قد يدعوا المتوسل به للمتوسل , ولكن ليس هذا مدلولاً لغوياً ولا شرعياً للتوسل .

                        - ويستأنس في التوسل به صلى الله عليه وسلم بما ذكره البغوي وغيره من أهل التفسير بالرواية في قوله تعالى : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به ).
                        من أن اليهود كانوا إذا حزبهم أمر وداهمهم عدو يقولون : " اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في أخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون " واستقصاء الروايات في ذلك في " الدر المنثور " .

                        ومن الحديث الشريف :

                        فمن الأحاديث الدالة على التوسل :

                        أولاً : حديث التوسل بالعباس --

                        هذا الحديث أخرجه البخاري في ( الاستسقاء ) حيث قال في صحيحه : حدثني الحسن بن محمد ، قال : حدثنا محمد الأنصاري قال : حدثني أبي عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس, عن انس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقوا بالعباس بن عبد المطلب فقال : ( اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون) .

                        وفيه التوسل بالذات , وادعاء أن هناك مضافاً محذوف، أي "بدعاء عم نبينا" تقوّل محض بدون أي حجة ، كما أن فرض العدول لوفاة النبي صلى الله عليه و سلم- إلى العباس تقويل لعمر ما لم يخطر له على بال , ومن حاول إنكار جواز التوسل بالأنبياء بعد موتهم بعدول عمر إلى العباس في الإستسقاء قد حاول المحال ، ونسب إلى عمر ما لم يخطر له على بال ، فضلاً عن أن ينطق به ، فلا يكون هذا إلا محاولة إبطال السنة الصريحة بالرأي , بل فيه جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ، بل التوسل بلفظ "عم نبينا" توسل بقرابة العباس منه عليه الصلاة والسلام وبمنزلته لديه ، فيكون هذا التوسل توسلاً به صلى الله عليه و سلم .

                        فقول عمر رضي الله عنه في الإستسقاء : "إنا نتوسل إليك بعم نبينا" نص في توسل الصحابة بالصحابة ، وفيه إنشاء التوسل بشخص العباس رضي الله عنه .
                        وليس في هذه الجملة فائدة الخبر ، لأن الله تعالى يعلم أيضاً علم المتوسلين بتوسلهم ، فتمحضت الجملة لإنشاء التوسل بالشخص .
                        وقوله (كنا نتوسل) فيه أيضاً ما في الجملة الأولى ، وعلى أن قول الصحابي : كنا نفعل كذا ينصب على ما قبل القول فيكون المعنى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتوسلون به صلى الله عليه و سلم في حياته ، وبعد لحوقه بالرفيق الأعلى إلى عام الرمادة , وقصر ذلك على ما قبل وفاته عليه السلام تقصير عن هوى وتحريف لنص الحديث ، وتأويل بدون دليل.

                        وفعل عمر إنما يدل على أن التوسل بقرابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأحياء جائز كجوازه بالنبي عليه الصلاة والسلام ليس غير ، بل في استعياب ابن عبد البر بيان سبب استسقاء عمر بالعباس حيث يقول فيه (إن الأرض أجدبت إجداباً شديداً على عهد عمر زمن الرمادة وذلك سنة سبع عشرة فقال كعب يا أمير المؤمنين : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا إستقوا بعصبة الأنبياء ، فقال عمر : هذا عم رسول الله صلى الله عليه و سلم وصنو أبيه وسيد بني هاشم فمشي إليه عمر , وشكا إليه ) .

                        فهل استبان أن استسقاء عمر بالعباس لم يكن من جهة أن الرسول ميت لا يسمع نداء ، ولا جاه له عند الله تعالى : حاش لله ، ما هذا إلا إفك مفترى .

                        وكان ابن عمر رضي الله عنهما يتمثل بشعر أبي طالب : "وأبيض يستسقى الغمام بوجهه" . كما في البخاري.
                        بل وروى استنشاد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر كما في فتح الباري .
                        وفي شعر حسان رضى الله عنه : "فسقى الغمام بغرة العباس" . كما في الاستيعاب وفي كل ذلك طلب السقيا من الله بذات العباس وجاهه عند الله تعالى.

                        ولذلك قال الحافظ ابن حجر في الفتح ( 2 / 497 ) ( ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه )) . اهـ .


                        ثانياً : حديث مالك الدار
                        روى البيهقي بإسناد صحيح عن مالك الدار (وكان خازن عمر) قال: ( أصاب الناس قحط في زمان عمر ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المنام فقال: إيت عمر فأقرئه مني السلام وأخبره أنهم يسقون وقل له : عليك بالكيس الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبر عمر فقال :" يا رب ما ءالو إلا ما عجزت) اهـ.

                        ومحل الاستشهاد طلب الاستسقاء منه صلى الله عليه و سلم في البرزخ ، ودعاؤه لربه ، وعلمه بسؤال من يسأل لمن ينكر صنيعه هذا أحد من الصحابة .
                        وقد أخرج هذا الحديث البخاري في تاريخه بطريق ابي صالح ذكوان مختصراً .
                        وأخرجه ابن أبي خيثمة من هذا الوجه مطولاً ، كما في الإصابة .
                        وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ، كما نص عليه ابن حجر (2/495-496) حيث قال: ( وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار قال : أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر . . . الحديث. وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة) ا.هـ.
                        وقال ابن كثير في البداية والنهاية (7/90) : (هذا إسناد صحيح) .

                        وهذا نص على عمل الصحابة في الاستسقاء به صلى الله عليه و سلم بعد وفاته من غير نكير , حيث لم ينكر عليه أحد منهم مع بلوغ الخبر إليهم ، وما يرفع إلى أمير المؤمنين يذيع ويشيع . فهذا يقطع ألسنة المتقولين .

                        وهذا قامع لمن لا يجيز التوسل به صلوات الله عليه بعد لحوقه بالرفيق الأعلى .
                        وقد جمع المحدث الكبير محمد عابد السندي ، في جزء خاص الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب فشفى وكفى .
                        وعمل الأمة المتوارث طبقة فطبقة في ذلك مما يصعب استقصاؤه وفي ذلك كتب خاصة .
                        فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                        بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                        تعليق

                        • عثمان محمد النابلسي
                          طالب علم
                          • Apr 2008
                          • 438

                          #102

                          ثالثاً ورابعاً : حديثا عثمان بن حنيف :

                          حديث الضرير وهو: ما رواه الإمام أحمد في المسند (4 /138) والترمذي في سننه (5/229) والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص 204 ـ205) وابن ماجه (1/441) واللفظ له وابن خزيمة في صحيحه (2 /225) وعبدُ بنُ حُميدٍ في مُنتخَبِ مسنده (رقم 379) والبخاري في التاريخ الكبير (6/209) والحاكم في المستدرك (1/313 ,519) وصحّحه ووافقه الذهبي و أخرجه البيهقي في الدلائل (6/166) والبغوي في معجم الصحابة (4/346) و ابن أبي حاتم في العلل (3/229) : كلُّهم من طريق شُعبةَ عن أبي جعفر- وهو المدني الخطمي عمير بن زيد - عن عُمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف  أنّ رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :ادع الله لي أن يعافيني. فقال: إن شئتَ أخَّرتُ وهو خيرٌ لك وإن شئتَ دعوتُ, فقال ادعه، فأمره أن يتوضَّأ فيُحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمدصلى الله عليه وسلم نبي الرحمة , يا محمدُ.. إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى اللهم فشفعه في».

                          ولا يخفى أن هذا الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه و على آله وسلم ومعجزاته ، حيث أن رجلا أعمى أبصر ببركته صلى الله عليه و على آله وسلم كما كان عيسى بن مريم يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن الله .
                          وترجم له المحدّثون بـقولهم: " باب من له إلى الله حاجة ، أو إلى أحد من خلقه " .
                          وذكره الحافظ الجزري في " الحصن الحصين " ، والحافظ السيوطي في " الجامع الصغير " ، وشرْحه للمناوي ، و قال العلامة علي القاري :
                          { " قوله ( " يا محمد " ) : إلتفات وتضرع لديه ، ليتوجه النبي صلى الله عليه و سلم بروحه إلى الله تعالى ، ويُغني السائل عما سواه ، وعن التوسل إلى غير مولاه، قائلاً : " إني أتوجه بك " أي بذريعتك ، الذريعة :الوسيلة ، والباء للاستعانة ، و " إلى ربي في حاجتي هذه " ، وهي المقصودة المعهودة " لتُقضى لي " . ويمكن أن يكون التقدير : ليقضي الله الحاجة لأجلك ، بل هذا هو الظاهر . وفي نسخة : " لتَقضي " بصيغة الفاعل ، أي : لتقضي أنت يا رسول الله الحاجة لي . والمعنى : لتكون سبباً لحصول حاجتي و وصول مرادي ، فالإسناد مجازي .}.انتهى .

                          قال الترمذي ـ كما في بعض نُسخ سُننه ـ: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غيرُ الخطمي, وفي أكثر النُّسَخ أنه قال : وهو الخطمي .
                          زاد شُعبةُ في روايته عند أحمد وابن خزيمة والحاكم: «وشفعني فيه» لكنه نُقِلَ عنه الشك فيها من طريقين وذلك في روايتي أحمدٍ وابنِ خزيمة وقال شعبة أيضاً في روايته عند البيهقي في الدلائل:«وشفعني في نفسي», بدل:«وشفعني فيه».
                          و رواه الإمام أحمد في المسند (4 /138) والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص204) والبخاري في التاريخ الكبير (6/209) وابن أبى خيثمة في تاريخه ـ حسبما نقله ابن تيميّة في قاعدة (ص99) وفتاويه (1/275) ـ : كلهم من طريق حماد بن سلمة عن أبي جعفر- وهو أيضًا الخطمي- عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف  . زاد حمادٌ في روايته عند ابن أبي خيثمة " ثم ما كانت حاجةٌ فافعل مثلَ ذلك أو قال " فُعِلَ مثلُ ذلك " على نقل ابن تيميّة في قاعدته وفتاويه.
                          ورواه النسائي في العمل (ص 205) والبخاري في التاريخ الكبير (6/210) كلاهما من طريق هشام الدستوائي عن أبي جعفر وهو أيضا الخطمي عن أبي أمامة  عن عثمان بن حنيف  عن النبي صلى الله عليه وسلم زاد في رواية النسائي: «شفعه في وشفعني في نفسي ». وزاد أيضاً : فرجع وقد كُشف له عن بصره.
                          ورواه ابنُ السُّنِّي في عمل اليوم والليلة (رقم 633) والحاكم في المستدرك (1/625) وصحح إسناده وأقره الذهبي وأخرجه البيهقي في الدلائل (6/167): كلهم من طريق روح بن القاسم عن أبي جعفرٍ وهو أيضا الخطمي عن أبي أمامة عن عثمان بن حنيف , وقال روحٌ في جميع رواياته: " وشفعني في نفسي".

                          وروى البيهقي في الدّلائل (6/167-168) من طريقين وإسنادهما صحيح , والطبراني في الدعاء (2/1290) وفي الصغير (1/184) وفي الكبير وصححه بعد سوقه من طرق (9/17-18) كما ذكره أبو الحسن الهيثمي في " مجمع الزوائد " وأقره عليه , كما أقر المنذري قبله في " الترغيب والترهيب " , وقبله الحافظ عبد الغني المقدسي في الترغيب رقم 91 ..
                          عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أنّ رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان  في حاجة له فكان عثمان  لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف  فشكا ذلك إليه فقال عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمدصلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي عز وجل فيقضي لي حاجتي" وتذكر حاجتك, ورح إلي حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة. وقال ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلَّمتَه في، فقال عثمان بن حنيف : ما كلَّمتُه ولكن شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير البصر فشكا إليه ذهاب بصره... فذكر الحديث باختصار.

                          والصحابي المذكور فَِهم من حديث دعاء الحاجة أنه لا يختص بزمنه صلى الله عليه وسلم وهذا توسل به .
                          وهكذا علّم الرسول صلى الله عليه و سلم الضرير الدعاء ، وفيه التوسل بالشخص وصرفه عن ظاهره تحريف للكلم عن مواضعه بهوى .
                          وأما كون استجابة دعاء الضرير بدعاء الرسول صلوات الله عليه وهو غير مذكور في الرواية أوبدعاء الضرير ، فلا شأن لنا بذلك ، بل الحجة هي نص الدعاء المأثور عن الرسول عليه الصلاة والسلام .

                          وقد نص على صحة هذا الحديث جماعة من الحفاظ .

                          وقد قال القادحون في هذا الحديث بأنَّ التوسُّل بذات النَّبي صلى الله عليه وسلم وبجاهه لم يبينه النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يرشد إليه أمّته ولم يعلِّمهم إيَّّاه)
                          والصحيحُ عكسُه , لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن وعلَّم التوسُّل به للضرير وأرشده إليه في حديث الضرير الذي ثبتت صحّتَه بالأدلَّة الواضحة, ولقد تقرَّر في قواعد الأصول أنَّ العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب , وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه , وأنَّ تبيينه وإرشاده و تعليمه لفرد من أفراد الأمّة تبيينٌ وإرشادٌ وتعليمٌ لعمومها , إلاّ إذا ثبت نسخٌ أو تخصيصٌ , وهيهات أن يَثْبُتَ النَّسخُ أو التَّخصيصُ لهذا الحديث ..
                          فقد قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (5/42): لا خلاف بين علماء أهل الأثَر والفقه أن الحديث إذا رواه ثقةٌ عن ثقةٍ حتى يتصل بالنبيصلى الله عليه وسلم أنّه حُجَّةٌ يُعمَلُ بها إلا أن ينسخه غيرُه.
                          ثم قال في الجزء نفسه (ص220): فضائله صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليها النسخ ولا الاستثناء ولا النقصان.

                          وقالوا: (العلة الأولى في حديث الضرير: أنه من رواية شُعبةَ عن أبي جعفر عن عُمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف , وأبو جعفر هذا مجهول ولذلك قال الترمذي عن أبي جعفر: وليس الخطمي , فأبو جعفر الخطمي ثقة مدني معروفٌ. والحديث إذا كان في إسناده مجهول لا يصح الاحتجاج به.) .
                          وفيه لَبسٌ واضحٌ وتهرُّبٌ من مواطن التحقيق , لأنه يوهم أنّ الحديث ليست له روايةٌ مُعتَبَرَةٌ غير رواية شُعبة, وهو خلاف الواقع، فقد سبق أن بيَّنتُ في هذا البحث أنّ له ثلاث روايات أخرى غير رواية شعبة هي: رواية حماد بن سلمة , ورواية هشام الدستوائي , ورواية روح بن القاسم, وكل واحدة منها تثبته على انفرادها فكيف بهن مجتمعات؟.

                          قولهم: ( أبو جعفر هذا مجهول , ولذلك قال الترمذي عن أبى جعفر: وليس الخطمي).
                          وهذا مردود من ستة أوجه:
                          أولها: أنّ أبا جعفر الخطمي هذا وإن كان لم يُعَيَّنْ في روايات شعبة عند الترمذي في السنن (رقم 3649) والنسائي في عمل اليوم والليلة (رقم 664) وعبد بن حميد في منتخب مسنده (رقم 379) وأحمد في إحدى روايتيه في المسند (4/138) وفي رواية حماد بن سلمة عند النسائي في العمل (رقم 633)
                          فقد عُيِّنَ في بقية روايات شعبة عند ابن ماجه في سننه (1385) وابن خزيمة في صحيحه (2/225) والبخاري في تاريخه (6/209) والحاكم في مستدركه (1/313،519) والبيهقي في الدلائل (6/166) والبغوي في معجم الصحابة (4/246) وابن أبي حاتم في العلل (3/229)، وفي إحدى روايتيه عند أحمد في المسند (4/138)
                          وعُيِّنَ كذلك في روايات حماد بن سلمة عند أحمد في المسند (4/138) والبخاري في التاريخ الكبير (6/209) وابن أبي خيثمة في تاريخه كما في قاعدة ابن تيميّة (ص98) وفتاويه (1/274)
                          وعُيِّنَ كذلك في روايتي هشام الدستوائي عند النسائي في عمل اليوم والليلة (رقم 665) والبخاري في التاريخ الكبير (6/210)
                          وعُيِّنَ كذلك في روايات روح بن القاسم عند ابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم 633)والحاكم في المستدرك (1/526) والبيهقي في الدلائل (6/167)
                          وقد تقرر في علم المصطلح : أنَّ الراويَ إذا أُبهم في طريق وعُيِّنَ في طريق مُعتَبَر آخر حُمِلَ المُبهَمُ على المُبيَّنِ , وزال الإبهامُ وارتفع الإشكالُ, وعلى هذا المنوال ألَّف الخطيبُ كتابَه: "الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة" ودَرَجَ عليه كافة المحدثين أيضًا قبل الخطيب وبعده.
                          ثانيها: أنّ الحافظ المَزِّي في تهذيب الكمال (21/242) والحافظ ابنَ حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب (6/20) عَدَّا أبا جعفر الخطميَّ هذا في الرواة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت ولم يعُدَّا فيهم أبا جعفر غيره.
                          ثالثها: أنّ الترمذي صحّح هذا الحديث في سننه , وليس من عادته تصحيحُ أحاديث المجهولين , أَحْرَى إذا كانت لا تُروَى إلا من طريقهم.
                          رابعها: أنّ بعض هؤلاء قد غيَّر العبارة الواردة في بعض نُسخ الترمذي: ( وهو غير الخطمي) فأبدلها بقوله: ( وليس الخطمي) وأرجو أن يكون هذا التغيير وقع بدافع الخطإ والنسيان لا بدافع حاجة في النفس , لأن العبارة الأصليةَ تقبل التوجيه , والمبدلة لا تقبله , إذ الاحتمال قد يتطرق إلى أن يكون أصل رواية الترمذي هو لفظة (عينُ) بدلا من (غيرُ) لِطِبَاقٍ بين اللفظتين, وكذلك يتطرق إلى أن تكون لفظةغيرُ) قد زيدت في بعض النُّسَخ , وهذا يؤيده كون أكثر نُسَخِ سنن الترمذي ليست فيها تلك اللفظةُ كما سياتي بيانه بإذن الله.
                          خامسها: أنّ الخطمي هو المدني: عمير بن يزيد وهو الذي في جميع روايات هذا الحديث كما تواطأ عليه الحُفَّاظُ حيث قال بعضهم: أبو جعفر المدني , وقال بعضهم الخطمي وقال بعضهم: المدني الخطمي وقال بعضهم: المدني وهو الخطمي عمير بن يزيد .
                          فممن قال: (الخطمي) شعبة في روايتيه عند البيهقي في الدلائل (6/166) وابن أبي حاتم في العلل (3/229), وحماد بن سلمة في رواياته عند أحمد في المسند (4/138) والبخاري وابن أبي خيثمة في تاريخيهما
                          وممن قال: (المدني) شُعْبَةُ في رواياته عند البخاري في التاريخ الكبير (6/210) وأحمد في المسند (4/138) وابن ماجه في السنن (رقم 1385) وابن خزيمة في صحيحه (2/225) والبغوي في معجم الصحابة (4/346) والحاكم في المستدرك (1/313 , 519) وقد وافقه الذهبي على ذلك
                          وممن قال: (المدني وهو الخطمي) روح بن القاسم في روايتيه عند ابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم 633) والحاكم في المستدرك (1/526) وأقره الذهبي على ذلك وكذا في دلائل النبوة للبيهقي (6/167), وفي معجم الطبراني الكبير (9/17-18) وقال في الصغير (1/184) أبو جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد)
                          وممن نص كذلك على أنه الخطمي: الترمذي في سننه كما في طبعة بولاق وهي أول الطبعات , وكما في طبعة دار سحنون بتونس ضمن موسوعة السنة , وكما في طبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1395 هـ , وكما في طبعة دار الكتب العلمية سنة 1408 هـ , وكذلك نسخة ابن كثير التي نقل منها في موضعين من تاريخه (6/161 , 295) , ونسخة المَزِّي التي نقل منها في تحفة الأشراف (7/226) , ونسخة الإمام السبكي التي نقل منها في شفاء السقام (ص: 134)، وكذلك نقل "شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم وعادل مرشد وإبراهيم الزئبق ومحمّد رضوان وسعيد اللَّحام وهشيم عبد الغفور وعامر غضبان ومحمّد أنس الخن ومحمّد بركات وعبد اللطيف حرز الله", نقلوا كلُّهم في تحقيقهم لمسند الإمام أحمد (28/479) طبعة مؤسّسة الرّسالة عن النُّسخ الّتي اطّلعوا عليها من سنن التّرمذيّ أنّه قال بأنّ أبا جعفرٍ هذا هو الخطميّ.
                          وقد جزم كلٌّ من الطّبراني في الصّغير (1/184) وابن أبي حاتم في العلل (3/229) وابن أبي خيثمة في تاريخه كما في قاعدة ابن تيميّة (ص 99) وفتاويه (1/275) والدَّارقطني في تعليقاته على ضعفاء ابن حبّان (ص 213) والمَزِّيُّ في تهذيب الكمال (19/359) وابن تيميّة في قاعدته (ص93) وفتاويه (1/266) والذهبي في جزء السّيرة من تاريخه (ص 364): جزموا كلهم بأنَّ الخطميَّ هو الّذي روى عنه شُعبةُ. وصرح الألباني في توسله (ص 76، 93) بأن هذا الحديث: لا شُبهة في سنده ولا شك في صحته.
                          سادسها: أنَّ لفظة: (وهوغيرالخطمي) بافتراض ثبوتها عن الترمذي يلزم الرجوع إلى بقية روايات شعبة عند غير الترمذي, ثم الرجوع إلى روايات رفيق شعبة: حماد بن سلمة, ثم الرجوع إلى روايات هشام الدستوائي وروح بن القاسم, وحينئذ نجد روايتي شعبة عند البيهقي في الدلائل (6/166) وابن أبي حاتم في العلل (3/229) مصرحتين بأنّه الخطمي، ونجد رواياته عند أحمد في إحدى روايتيه (4/138) وابن ماجه في سننه (رقم:1385) وابن خزيمة في صحيحه (2/225) والحاكم في مستدركه (1/313 , 519) والبغوي في معجم الصحابة (4/346): مصرحة كلها بأن أبا جعفر هذا هو المدني, والمدني هوالخطمي , ونجد روايات حماد بن سلمة عند أحمد في مسنده (4/138) والبخاري في تاريخه (6/209) وكذا ابن أبي خيثمة في تاريخه كما في قاعدة ابن تيميّة (ص98) وفتاويه (1/274): مصرحة كلها بأنه الخطمي وكذلك نجد تصريح النسائي في روايته في عمل اليوم والليلة (رقم 665) من طريق هشام الدستوائي بأنه الخطمي ونجد روايتي روح بن القاسم عند ابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم 633) والحاكم في المستدرك (1/526): مصرحتين بأنه الخطمي.

                          قالوا حتى الخطميُّ لو قُدِّرَ أنه هو, غير معروف بالمدينة ).
                          والظاهرُ أنَّهم وقفوا على تعريف ابن المدينيِّ لأبي جعفر الخطمي وهو قوله عنه هو مدني قدم البصرة, وليس لأهل المدينة عنه أثر, ولا يعرفونه)، غير أنهم فاتهم أنَّ ابن المديني أراد أن يبين أنَّ أهل المدينة لم يرووا عن أبي جعفر الخطمي , لأنه وإن كان مدنيا وأخذ عن أشياخ المدينة كأبي أمامة  وسعيد بن المسيب والحارث بن فضيل الخطمي وعُمارة بن خزيمة بن ثابت وعُمارة بن عثمان بن حنيف ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم، فإنه انتقل إلى البصرة وعنه روى أئمةٌ حفاظٌ أثباتٌ من أهل البصرة هم: شعبة ابن الحجاج وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي وروح بن القاسم ويحي بن سعيد القَطَّان .
                          ومُجمَلُ القول عن الخطميِّ أنه أنصاريٌّ مدنيٌّ, روى عن علماء المدينة دون أن يروي عنه أهلُها لأنه انتقل إلى البصرة وأقام بها, فكانت شُهرتُه وتلامذتُهُ بالبصرة دون المدينة, هذا هو الذي أراد ابن المديني من تعريفه السابق لاغير، فإن كانوا فهموا من تعريف ابن المديني جهالة الخطمي فلا وجه لذلك الفهم.
                          فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                          بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                          تعليق

                          • عثمان محمد النابلسي
                            طالب علم
                            • Apr 2008
                            • 438

                            #103


                            وأقوال هؤلاء عن الخطمي متناقضةٌ، فقولُهم في هذه المقابلة بجهالته متناقضٌ مع قولهم: (فأبو جعفر الخطميُّ ثقةٌ مدنيٌّ معروفٌ).
                            وتجهيلهم للخطمي بقولهم حتى الخطميُّ لو قُدِّرَ أنه هو, غير معروف بالمدينة ) غلط محض , فلجهالةُ مطلقًا على قسمين: جهالةُ عين وجهالةُ حال, فالأولى ترتفع برواية ثقتين عن الراوي, كما قال الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" ص88, 89, وابن الصلاح في "المقدمة" ص101, والعراقي في " شرحه لألفيته" ص158, والنووي في "التقريب" مع شرح السيوطي له: "تدريب الراوي" ص209 , 210, والصنعاني في "توضيح الأفكار" ج2 ص 174, 175 ,190 ,191, وغير هؤلاء.
                            وأبو جعفر الخطميُّ هذا روى عنه خمسةُ حُفَّاظٍ ثقاتٍ أثباتٍ, تقدمت أسماءهم, فجهالةُ العين إذن منفيةٌ عنه على الأقل.
                            وأما جهالة الحال فترتفع ـ في المذهب الصحيح ـ بتوثيق حافظٍ واحدٍ متيقِّظٍ عارفٍ بأسباب التَّزكيَّة, كما قال الخطيب في "الكفاية" ص96, و ابن الصلاح في "المقدمة" ص98, 99, والعراقي في "الألفية" رقم 263, وابن حجرفي "شرح نخبة الفكر" ص41, والنووي في "التقريب" والسيوطي في "التدريب" ص203, وغيرهم, وأبو جعفر الخطميُّ هذا وثقه تسعةٌ من حفاظ الحديث متيقظون عارفون بأسباب التَّزكية وهم: يحي بن معين وابن مهدي وابن نمير وابن حبان والعجلي والنسائي والطبراني والذهبي وابن حجر, ولم يَصِفه أحدٌ من حفاظ الحديث بشيء من أنواع الجرح, بل قال عنه ابن عبد البر في "الاستغناء" ج1 ص505: هو عند جميعهم ثقةٌ.
                            وهنا أسألهم كيف يمكن بعد كل ما تقدم جرح الخطمي هذا بالجهالة أوغيرها؟ وإن كان أخذ العلم عن أهل بلده ولم ينشره فيه ونشره في بلد آخر كيف يمكن جرحه بذلك؟ وهل عدم معرفةِ الراوي في مدينةٍ دون أخرى يَستلزمُ جهالتَهُ؟ ومتى كان ذلك جرحًا تُرَدُّ به أحاديثُ الثِّقات؟ أو سالبًا يسلبهم الثقَة الثَّابِتَةَ لهم؟ ومن قال بذلك من أئمة الجرح والتعديل؟ وفي أي كتاب من كتبهم يوجد؟ ولماذا تجرأتم على نقض الإجماع الذي نقلهُ ابنُ عبد البر على توثيق الخطمي هذا بعبارتكم التي ابتكرتم في الجرح لكنه غير معروف بالمدينة)؟
                            يـا ناطـح الجبل العالي ليهدمــه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
                            فتبين بهذه الحجج البالغة والبراهين الدامغة: أنّ أبا جعفر هذا هو الخطمي وأن ما زعموه من جهالة أبي جعفر لا أصل له ثابتًا ولا فرع نابتًا.

                            وقالوا: (العلّة الثانية في هذا الحديث: أنّ فيه أن عثمان احتجب, والخلفاء الراشدون لم يُعرَف أنَّ واحداً منهم قد احتجب عن الناس)
                            وهذا مردود من وجهين:
                            الوجه الأول: أنّ عثمان ـ وهو ابن عفان ـ لا ذكر له في شيء من طرق أصل هذا الحديث حتى يمكن إعلاله باحتجابه, وكذلك لفظُ الاحتجاب لم يرد في شيء من طرق هذا الحديث بما في ذلك طريق القصة التي في خلافة عثمان ، فإن كانوا فهموا الاحتجاب عن الناس من قول عثمان بن حنيف  في القصة: (فجاء البواب فأخذ بيده) فكون عثمان اتخذ بوابا لا يلزم منه دوام الاحتجاب المنهي عنه شرعا , لما ثبت في الصحيحين من أنّ له صلى الله عليه وسلم بوابا اسمه رباح, ولما ثبت فيهما أيضا عن أبي موسى الأشعري  أنه كان بوابا للنبي صلى الله عليه وسلم في أحد الأيام, وإن كانوا فهموا الاحتجاب من قول عثمان بن حنيف  في نفس القصة: (وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته) فقد جاء في رواية الطبراني في الصغير (1/184) وفي الكبير (9/17-18): أن ذلك وقع من عثمان  بسبب النسيان حيث قال للرجل: ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت هذه الساعة.

                            قولهم : ( والخلفاء الراشدون لم يُعرف أنّ واحدا منهم قد احتجب عن الناس)
                            هذا تحكم من غير إحاطة, إذ قد ثبت في الصحيحين وسنن أبي داود (3/139) ومصنف عبد الرزاق (5/469) وتمهيد ابن عبد البر (8/163-164) وشرح السنة للبغوي (6/337) وغيرهم من رواية مالك بن أوس عن عمر قال: فبينما أنا جالس عنده يعني عمر- أتاه حاجبه يَرْفَأ فقال: هل لك في
                            عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون, قال نعم, فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا ثم جلس يَرْفَأ يسيرا ثم قال: هل لك في علي وعباس, قال نعم, فأذن لهما فدخلا فسلما فجلسا.
                            قلت: فهذا الأثر الصحيح مصرحٌ بأن ثاني الخلفاء الراشدين كان له حاجب, كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم حاجب, فاتخاذ الحاجب إذن لا يلزم منه دوامُ الاحتجاب المنهي عنه شرعا.
                            الوجه الثاني: أنّ هذا الإعلال بالاحتجاب المزعوم فيه إدراج للقصة الواقعة في خلافة عثمان  في أصل الحديث الواقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, وإدراجُها في أصله وهي متميزة عنه تاريخًا وسببًا, ثمّ إعلال أصله بها لا يُستساغ صدورُهما ممن ينتسب إلى العلم إلا عن فادح الغفلة والنسيان.

                            وقالوا: (العلة الثالثة: أنّ في هذا الحديث " اللهم شفعني فيه وشفعه فِيَّ ", فكيف يُريد الرجل أن يشفع في النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا حُمل ذلك على أنَّ معناه: اللهم استجب دعائي له بالاستجابة واستجب دعاءه لي بردِّ البصر فيكون هذا من التوسل بدعائه لا بشخصه والتوسل بدعائه غير محل خلاف أصلاً)
                            وهو إعلالٌ باطلٌ مردودٌ بأنَّ هذه الزيادة انفرد شعبةُ بذكرها دون سائر الرواة, وهناك طريقتان للتعامل معها.
                            الطريقة الأولى : هيَّ حملُ الهاء في «شفعني فيه» على أنها هاءُ سَكْتٍ لتطابق معنى زيادة « فشفعه في وشفعني في نفسي» التي هي أصح زيادة وردت في هذا الحديث لثبوتها عن الحفاظ الأربعة الذين رووه عن أبي جعفر الخطمي الذي عليه مداره, وحينئذ فلا تَعارُضَ بين الزيادتين أصلاً لاتحادهما معنىً، وهذا هو الأولى لأنَّ الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول كما بينه ابن حجرفي الفتح ج3 ص94 وج 8 ص451 وج 9 ص474 وج13 ص410., وهاءُ السَّكْتِ وردت كثيرا في القرآن وفي الأثر، من ذلك قوله تعالى في سورة الحاقة:  هَآؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَّه إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَّهْ، وقوله:  يَالَـــيْـــتَـــنِي لَمُ أوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمَ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَة َ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ، وفي سورة القارعة:  وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، ومن أمثلتها في الأثر قول سعد بن أبي وقاص كما في طبقات ابن سعد (3/140) وأصله في صحيح البخاري: " لقد خِبْتُ إذن وضلَّ عمليَهْ" أي عملي، وكذلك المعنى في عبارة (وشفعني فيهْ) أي: فِيَّ بِيَاءِ المتكلِّم أي «شفعني في نفسي», وروايةُ حمادٍ بنِ سلمة التي ذكرها ابنُ تيميّة في قاعدته (ص99) وفتاويه (1/275) مُوضِّحةٌ لهذا المعنى لأنّ فيها " اللهم فشفّعني في نفسي وشفّع نبيّي في ردّ بصري". وبهذا تتّفق الرواياتُ كلُّها وينسجمُ المعنى ويَبطُلُ الإعلالُ من أصله .

                            أضِفْ إلى هذا أنّ حمل الهاء في هذه العبارة على الضمير يلزم منه أن يكون الأعمى شافعا في النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مستحيل شرعا وعقلا, أويُلجَأ إلى التأويلات البعيدة المتعسَّفة مثل ما فعل ابنُ تيميّة والألباني وتلميذُه الرِّفاعي , حيث قال ابنُ تيميّة في قاعدته (ص96) وفتاويه (1/271,335, 336) " وشفعني فيه" أي في دعائه وسؤاله لي, وقال الألباني في توسله (ص80): أي اقبل شفاعتي أي دعائي في أن تقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم أي دعاءه في أن ترد عليّ بصري, وقال الرِّفاعي في توصله (ص169؛ 238): أي واقبل شفاعتي بقبولك شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلمفي أي اقبل دعائي في قبول دعائه من أجل أن ترد على بصري, وقال أحدهم: اللهم استجب دعائي له بالاستجابة واستجب دعاءه لي بردِّ البصر.
                            هكذا تواردوا على هذه التأويلات البعيدة المتعسَّفة وغفلوا عن هذا التحقيق الجليّ الواضح, والعجب لابن تيميّة والألباني والرفاعي حيث صحّحوا عبارة " وشفعني فيه" وبالغوا في الاحتجاج بها في القاعدة (ص100) والفتاوي (1/266, 268؛ 270؛ 271؛ 274؛ 276؛ 277؛ 324). وفي التوسل (ص80؛ 81؛ 83) وفي التوصل: (ص168؛ 237؛ 238). دون أن يشير أحدٌ منهم إلى عِلَّةِ الشكّ التي فيها مع وقوفهم عليها, في الوقت الذي طعن ابنُ تيميّة والألبانيُّ في زيادة حمّاد بن سلمة المتقدمة التي هي: (ثم ما كانت حاجةٌ فافعل مـثلَ ذلك) أو قال (فُعِلَ مثلُ ذلك), مع أنّ العبارتين زِيدَتَا من ثقتين حافظين في متن حديثٍ واحدٍ , وحمادٌ أفقه من شعبة , وفِقْهُ الراوي من مرجّحات روايته كما بيَّنهُ ابنُ أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/25) والحاكم في علوم الحديث (1/11)، والخليلي في الإرشاد (1/177)، والخطيب في الكفاية (ص436)، والحازمي في الاعتبار (ص39)، والحسن بن عبد الرحمن في المحدث الفاصل (ص238)، وابن الأثير في جامع الأصول (1/62)، والسبكي في جمع الجوامع (ص 113)، وابن حجر في الفتح (1/362)، والسيوطي في شرح الكوكب الساطع (2/466)، ثم إنّ شُعبة نُقِلَ عنه الشكُّ في أصل زيادته من طريقين, وحمادٌ لم يُنقَلْ عنه قطّ شكٌّ في أصل زيادته, وروايةُ مَن جَزَمَ أرجحُ من رواية من شَكَّ كما بينه ابنُ حجر في الفتح (1/228, 2/178, 3/31, 563, 6/178, 8/5).

                            وأعجب من هذا أنّ ابن تيميّة في قاعدته (ص96) وفتاويه (1/271): زعم أنّ شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي قالوا في رواياتهم للحديث: (وشفعني فيه), وهذا خلاف الواقع لأنّ هذه العبارة لا توجد إلا في بعض روايات شعبة وحده , وقد نُقِلَ عنه الشَّكُّ فيها من طريقين كما سبق, بل إنَّ الذي وردعن حماد بن سلمة وهشام الدستوائي وروح بن القاسم, إنما هوعبارة (شفعني في نفسي), بدل(شفعني فيه),

                            ومن العجيب زعم الرفاعي في التوصل (ص 168؛ 237؛ 238) أنّ عبارة (شفعني فيه) في سنن الترمذي, ولم أقف عليها في شيءٍ من نُسَخِ سننه التي وقفت عليها ولا أعلم أحدًا غيره نسبها إلى الترمذي قطّ.
                            والحقيقةُ أنَّ ابنَ تيميّة والألباني والرفاعي, وإن اعترفوا بصحة هذا الحديث المخالف لنحلتهم, فإنهم قد تعسفوا له تأويلات بعيدة, وتخبطوا في شأنه.

                            الطريقة الثانية: في التعامل مع عبارةشفعني فيه) هي: أن يُرجَّحَ بينها وبين عبارة (شفعني في نفسي), وحينئذ يتَّضح أنَّ عبارة (شفعني فيه) مرجوحةٌ , لأن شعبة وهو الذي تفرد بها دون سائر الروات نُقِلَ عنه الشك فيها من طريقين وذلك في روايتي أحمد (4/138) وابن خزيمة (2/225)، وقال عنها ابنُ كثير في تاريخه (6/161): كأنها غلط من الراوي.
                            قلت: ويتأكد كونُها مرجوحةً إذا حُملت الهاءُ فيها على الضمير, مع أنَّنا لو افترضنا أنها ثبتت, لما كان ذلك قادحًا في صحة الحديث لما تقدم من كونه ثبت من دونها في ثلاث روايات أخر غير رواية شعبة.(1)

                            قالوا : ( العلّة الربعة : ما وجدنا الحديث في سنن النسائي, وعادة النسائي إذا كان الحديث مُختلَفاً فيه على الراوي أن يأتي به من الوجه الذي اختُلِفَ فيه على الراوي بعد ذكره الأَوَّلَ, فقد أورد هذا الحديث بالرواية السابقة من رواية عُمارة بن خزيمة بن ثابت, ثم أورده بعد ذلك من رواية عُمارة بن زيد بن ثابت, ولم نجد لعُمارة بن زيد بن ثابت في كتب الرجال ذكرًا, إلا ذكرًا لا يُبشِّرُ بخير, فإذن هذا الحديثُ الذي اعتمدوا عليه في إباحة التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ ضعيفٌ لا يصل إلى مرتبة الاحتجاج)
                            وهو كلام مردود من أوله إلى آخره باستثناء قولهم: (وعادة النسائي) إلى قولهم: ( فقد أورد هذا الحديث بالرواية السابقة من رواية عمارة بن خزيمة بن ثابت )

                            وبيان ذلك أنّ سنن النسائي حيث أُطلقت تنصرف إلى المُجتبىَ كما هو معروف عند حُفَّاظ الحديث, وهذا الحديث ليس في المُجتبىَ إطلاقًا وإنما هو في عمل اليوم والليلة , وهو في أواخر السنن الكبرى , وقد طُبِعَ مستقلا عنها عدة طبعات، وهذا الحديث رواه النسائي فيه من طريق شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر عن عُمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف ، ثم ذكر النسائيُّ أنّ شعبة وحماد بن سلمة خالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فروياه عن أبي جعفر:عمير بن يزيد, ـ وهو أيضا الخطمي ـ عن أبي أمامة  عن عثمان بن حنيف , وهذا يعني أنّ أبا جعفر الخطمي له في هذا الحديث شيخان أحدهما عمارة بن خزيمة بن ثابت والآخر أبو أمامة  وكلاهما رواه عن عثمان بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وسلم, فكان أبو جعفر الخطمي تارة يحدث به على هذا الوجه وتارة يحدث به على الوجه الآخر, وكلا الوجهين صحيح لا مطعن فيه, ومن اعتبر هذا نوعًا من الاختلاف القادح, فقد خالف منهج المحدثين.

                            وأما قولهم ثم أورده ـ يعني النسائيَّ ـ بعد ذلك من رواية عُمارة بن زيد بن ثابت, ولم نجد لعُمارة بن زيد بن ثابت في كتب الرجال...)
                            فهو كلام مردود بأنَّ عُمارة بن زيد بن ثابت لا رواية له في شيء من كتب النسائي على الإطلاق, ولوكان هذا الحديثُ رُوِيَّ عنهُ في شيء من كتب الحديث لكان معدودا في الرواة عن عثمان بن حنيف  وفي شيوخ أبى جعفر الخطمي، ولوكان النسائيُّ رَوَى عنه في شيء من كتبه لكان مُترجَمًا في كاشف الذهبي مع ذيل العراقي، وفي تهذيب الكمال للمَزِّي، وفي كتابي ابن حجر التهذيب, والتقريب, لأن كافة الرواة الذين روى لهم النسائيُّ محصورون في هذه الكتب, وعمارة هذا لا ذكر له في شيء منها على الإطلاق, بل لاذكر له في شيء من كتب الرجال إطلاقًا.

                            وقالوا: ( بأن الحديث أخرجه الترمذي وأصحاب السنن وأحمد )
                            وهذا حجة عليهم لأن رواية شعبة عند أحمد وابن ماجه فيها التصريح بأن أبا جعفر هذا هو المدني، والمدني هو الخطمي، وكذلك رواية أحمد من طريق حماد بن سلمة - رفيق شعبة - فيها التصريح بأنه الخطمي. لكنهم تغاضوا عن هذا كله ولم يذكروا شيئا عن روايات حماد بن سلمة وهشام الدستوائي وروح بن القاسم لعلمهم أنها ناسفة لدعواهم.

                            وقالوا : ( بأن الذين صححوا الحديث توهَّموا أنّ أبا جعفر هو الخطمي)
                            وهذا عكس الواقع، لأنهم لم يتوهَّمُوا ذلك بل تيقنوه جازمين, وصرحوا به واعتمدوه في كتبهم.

                            وقالوا: ( بأن مالكًا أخرج في الموطإ أنّ فتية من الأنصار تعاقروا الخمرَ في المدينة فقتلوا أحدهم فرفع مروانُ أمرَه إلى معاوية فأمره أن يقتاد له منهم ), وهو مردود من ثلاثة أوجه:
                            أولها: أنّ هذا الذي أشاروا إليه مجرد بلاغ, والبلاغ لا تقوم به حجة كما هو معروف عند علماء الحديث, وليس هذا البلاغ من بلاغات مالك التي وصلها الحافظ ابن عبد البر في التمهيد.
                            ثانيها: أنّ هذه القصة التي ذكروها لا تصح كما قال ابن حزم في المحلى (10/421).
                            ثالثها: أنّ المعاقرة التي ذكر أنها في الموطإ وشنَّع بها على هذا الرجل, لم أجد ذكرها في شيء من نُسَخِ الموطإ التي وقفت عليها ولم أر من نسبها إليه غيره, وإنما رأيت فيها: عن مالك أنه بلغه أنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يذكر أنه أوتي بسكران قد قتل رجلا فكتب إليه معاوية: أن اقتله به. وذكر ابن أبي شيبة في المصنف (6/592) والبيهقي في السنن (8/42): نحوه ولم يذكر واحدٌ منهما المعاقرة ولم يذكرها أيضا ابنُ حزم في المحلى ولم يسم الرجل المقتول كما زعم هؤلاء , وإنما نقل تسميته عن ابن أبي الزناد حيث قال ابن حزم في المحلى (10/421): "ومن طريق يحي بن سعيد الأنصاري وعبد الرحمن بن أبي الزناد: أنّ معاوية أقاد من السكران, قال ابن أبي الزناد: وكان القاتل محمد بن النعمان الأنصاري, والمقتول عُمارة بن زيد بن ثابت".
                            قال ابن حزم: وهذا لا يصح لأن يحي لم يولد إلا بعد موت معاوية, وعبد الرحمن بن أبي الزناد في غاية الضعف, أول من ضعفه مالكٌ.
                            قلت: وعبد الرحمن أيضا لم يولد إلا بعد موت معاوية  بأربعين سنة وبعد موت مروان بن الحكم بخمس وثلاثين سنة.
                            انظر تاريخ موت معاوية في تهذيب الكمال (28/179) وتهذيب التهذيب (28/179), والتقريب (2/592).
                            وتاريخ موت مروان في تهذيب الكمال (28/389) وتهذيب التهذيب (8/111), والتقريب (1/ 335).
                            وتاريخ ميلاد عبد الرحمن بن أبي الزناد في تهذيب الكمال (17/101) وتهذيب التهذيب (5/85) والتقريب (1/335).

                            وقالوا: ( بأن عُمارة بن زيد بن ثابت ليس بحجة إذا كان هو الذي قُتل في معاقرة الخمر)
                            وجوابه من وجهين:
                            أولهما: أنّ هذه القصة قد اتضح بالأدلة الواضحة أنها لا تصح لانقطاعها.
                            ثانيهما: أنّ عُمارة بن زيد بن ثابت تقدم أنه لا وجود له في شيء من طرق هذا الحديث على الإطلاق, بل لا وجود له في شيء من كتب الرجال فكيف يأتي به المحاضرُ من عند نفسه؟

                            جرد الحجج المصححة للحديث :
                            وبالجملة فإن نسبة هؤلاء للموطإ ما ليس فيه وتشنيعهم به على هذا الرجل واحتجاجهم بهذه القصّة مع التغاضي عن انقطاعها, وعن تضعيف ابن حزم لها, وعن كونها أجنبيةً على هذا الحديث, وإقحامها لهذا الرجل المجهول العين والحال في سند الحديث، ثمّ إعلالها به, تعصُّبٌ واضحٌ نتجت عنه التلبيساتُ والتي قابلناها بِعَدَدِهَا من الحجج القاطعة والبراهين الدامغة المصحّحة للحديث, وهي بالتفصيل:
                            1.- عدُّ الحفاظ لأبي جعفر الخطمي في الرواة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت وعدم عدهم لأبي جعفر آخر غيره.
                            2.- كون الراوي إذا أُبهِم في طريق وعُيِّنَ في طريق معتبَر آخر حُمِلَ المُبهمُ على المبيَّن وزال الإبهام وارتفع الإشكال.
                            3.- كون أكثر نُسَخِ سنن الترمذي مصرحةً بأنه قال بأن أبا جعفر هذا:هو الخطمي.
                            4.- تصحيح الترمذي نفسه لهذا الحديث وهو غيرُ معروف بتصحيح أحاديث المجهولين أحرى إذا كانت لا تُروَى إلا من طُرُقهم.
                            5.- روايتا شعبة عند البيهقي في الدلائل وابن أبي حاتم في العلل المصرحتان بأن أبا جعفر هذا هو الخطمي.
                            6.- روايات شعبة عند أحمد وابن خزيمة وابن ماجه والحاكم والبغوي والبخاري في التاريخ الكبير المصرحة بأنَّ أبا جعفر هذا هو المدني الذي هو الخطمي.
                            7.- روايات حماد بن سلمة ـ رفيق شعبة ـ عند أحمد والبخاري في التاريخ وابن أبي خيثمة المصرحة بأنَّ أبا جعفر هذا هوالخطمي.
                            8.- رواية هشام الدستوائي عند النسائي التي صرح فيها النسائي بأنَّ أبا جعفر هذا هو: عمير بن يزيد (الذي هو أبو جعفر الخطمي).
                            9.- روايتا روح بن القاسم عند ابن السني والحاكم المصرحتين بأنَّ أبا جعفر هذا هو الخطمي.
                            10.- تخطئة الحفاظ لتلك الرواية التي فيها أنه غيرُ الخطمي.
                            11.- تصاريحهم بأن الخطمي هو الذي روى عنه شُعبةُ.
                            12.- تصحيحهم لهذا الحديث في كتبهم واعتمادهم له.
                            13.- كون هذا الحديث لم يُضعفه حافظٌ قط من الحفاظ الذين خرَّجوه في كتبهم ولا من الحُفَّاظِ الذين لم يُخرِّجوه.
                            14.- نَقْلُ ابنِ تيميّة عن سائر العلماء أنهم قالوا: هو أبو جعفر الخطمي. وتصويبه لهم في ذلك في القاعدة (ص93) والفتاوي (1/266), واعترافُ الألباني في توسله (ص76, 93) بأن هذا الحديث لا شُبهة في سنده ولا شك في صحته.

                            وانطلاقًا مما سلف وتأسيسًا على ما تقدم , فإن عدم اعتبار شيء من هذه الحجج المقنعة والبراهين الدامغة, والاقتصار على تلك الرِّوايةِ البيِّنَةِ الخطإ, والإعراض عن غيرها, والإتيان برجل مجهول لا ذكر له في شيء من طرق هذا الحديث على الإطلاق, وإقحامه في سنده, وإعلاله به، هذه الأمورُ تصعُبُ استساغةُ صدورها ممن يحترمُ نفسه ويَتحلَّى بالأمانة العلميَّةِ.

                            وخلاصة القول: أنّ هذا الحديث صحيحٌ لذاته صريحٌ في دلالته على التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم وبجاهه, ثابتٌ عنه صلى الله عليه وسلم بما تَثبُتُ به الأدلَّةُ الشرعيةُ ولا يُمكن دفعُه ولا التخلُّصُ منه بحال من الأحوال, وهو معجزةٌ ظاهرةٌ من معجزاتهصلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته, وقد يَتَرَتَّبُ على إنكاره وردِّه ما يترتب على إنكار المعجزة وردِّها.

                            وكل من يحاول دفعَه والتخلُّصَ منه فإنما يحاول ذلك بصدر التعصب والعدوان لا بيد الدليل والبرهان .

                            وخلاصة القول أنه قد نصّ على صحّته جمعٌ كبيرٌ من حفّاظ الحديث ومن العلماء المحدّثين من بينهم : التّرمذيّ في كافة نسخ سننه, وابن ماجه في سننه(1/441), والطّبراني في الصّغير (1/184), والحاكم في المستدرك (1/313), والذّهبي في تلخيصه له, والسّيوطي في الجامع الصغير (رقم 1508) والحافظ أبو عبد الله المقدسي كما قال ابن تيمية في قاعدته (ص98), وفتاويه(1/274), كما صحّحه ابن خزيمة بإخراجه له في صحيحه(ج 2 ص 225 ), وحتّى ابن تيميّة نفسه صرّح في قاعدته (ص 132), وفتاويه(1/323) بصحّة هذا الحديث, وكذلك الألباني في توسّله (ص 76 ؛93). حيث صرّح بأنّ هذا الحديث لا شبهة في سنده ولا شكّ في صحته.
                            فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                            بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                            تعليق

                            • عثمان محمد النابلسي
                              طالب علم
                              • Apr 2008
                              • 438

                              #104
                              خامساً : حديث فاطمة بنت أسد

                              جاء في مناقب فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب إنها لما ماتت حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لحدها بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه فقال :

                              ((الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين . وكبر عليها أربعاً وأدخلوها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم)) .

                              رواه الطبراني في الكبير والأوسط . وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم ، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح .[ كذا بمجمع الزوائد ج9 ص257 ] .
                              واختلف بعضهم في [روح بن صلاح] أحد رواته ، ولكن ابن حبان ذكره في الثقات
                              وقال الحاكم : ثقة مأمون .
                              وكلا الحافظين صحح الحديث ، وهكذا الهيثمي في [مجمع الزوائد] : ورجاله رجال الصحيح.

                              ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس ، وابن أبي شيبة عن جابر ، وأخرجه الديلمي وأبو نعيم ، فطرقه يشد بعضه بعضاً بقوة وتحقيق .

                              وهو نص على أنه لا فرق بين الأحياء والأموات في باب التوسل .
                              وهذا توسل بجاه الأنبياء صريح .

                              قال الشيخ الحافظ الغماري في إتحاف الأذكياء (ص20) :
                              ( وروح هذا ضعفه خفيف عند من ضعفه كما يستفاد من عباراتهم ، ولذا عبر الحافظ الهيثمي بما يفيد خفة الضعف كما لا يخفى على من مارس كتب الفن . فالحديث لا يقل عن رتبة الحسن , بل هو على شرط ابن حبان صحيح ) .

                              ونلاحظ هنا أيضاً أن الأنبياء الذين توسل النبي صلى الله عليه وسلم بحقهم على الله في هذا الحديث وغيره قد ماتوا فثبت جواز التوسل إلى الله بالحق وبأهل الحق أحياء وموتى .

                              سادساً : حديث توسل سيدنا آدم بالنبي صلى الله عليه وسلم

                              روى البيهقي في دلائل النبوة (5/489) : عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لما اقترف ءادم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي، فقال الله عز وجل : يا ءادم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه ، قال: لأنك يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمدا رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك) . الحديث .

                              أخرجه الحاكم في المستدرك ، وقال : (هذا حديث صحيح الإسناد ، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ). اهـ
                              وساق سنده التقى السبكي في ( شفاء السقام ).
                              وأخرجه الطبراني في الأوسط والصغير ، وفي سندهما بعض من لا يعرفه الهيثمي .
                              وأما عبد الرحمن بن زيد فقد ضعفه مالك ، وتبعه أخرون ، إلا أنه لم يتهم بالكذب بل بالوهم , ومثله ينتقى بعض أحاديثه .
                              وهذا هو الذي فعله الحاكم حيث رأى ان الخبر مما قبله مالك فيما روى ابن حميد عنه حيث قال لأبي جعفر المنصور : "..... وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام " .
                              وبعد أن أقر الإمام مالك رضي الله عنه بصحة الخبر واحتج به , زالت تهمة الوهم وقلة الضبط عن عبد الرحمن الذي إنما يقتدي من رماه بذلك بمالك ، وعبد الرحمن بن زيد ليس ممن يرد خبره مطلقاً .

                              وهذا هو الإمام الشافعي يستدل في دين الله ببعض أحاديثه في " الأم " وفي " مسنده " , فلا لوم على الحاكم في عده هذا الحديث صحيحاً ، بل هو الصحيح ، إلا عند من يضيق صدره عند سماع فضائل المصطفى صلى الله عليه وسلم .
                              وأما قول مالك لأبي جعفر المذكور فهو ما أخرجه القاضي عياض في " الشفاء بتعريف حقوق المصطفى " بسند جيد وابن حميد في السند هو محمد بن حميد الرازي في الراجح، على خلاف ما ظنه التقي السكبي , لكن الرازي هذا ليس حاله كما يريد أن يصوره الشمس بن عبد الهادي , حيث حشر قول جميع من تكلم فيه وأهمل كلام من أثنى عليه ، وهو أحد الثلاثة الذين اتصلوا بابن تيمية ، وهم شباب ، فانخدعوا به وزاغوا, يذكر الجرح ويغفل عن التعديل في الأدلة التي تساق ضد شذوذ شيخه .
                              ومحمد بن حميد هذا روى عن ابو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل ، ويحى بن معين .
                              قال ابن ابي خيثمة : سئل عن أبي معين فقال : "ثقة لا بأس به رازي كيّس" ، وقال أحمد : "لا يزال بالرد علم مادام محمد بن حميد" ، وممن أثنى عليه الصاغاني والذهلي .
                              وقال الخليلي في " الإرشاد " كان حافظاً عالماً بهذا الشأن رضيه أحمد ويحي وقال البخاري : فيه نظر ، وليس مثله يتهم في هذا الخبر ، وقد مات سنة 248 هـ عن سن عالية , وكان عمره عند وفاة مالك لا يقل عن نحو خمس عشر سنة ، وهم يقبلون رواية ابن خمس في مسند إمامهم ويعقوب بن اسحاق ، لابأس به كما ذكره الخطيب في تاريخه .
                              وأبو الحسن عبد الله بن محمد بن المنتاب ، من أجلّ أصحاب إسماعيل القاضي ، ولاه المقتدر قضاء المدينة المنورة حوالي سنة ثلاثمائة ولم يكن غير الثقات الأفذاذ من أهل العلم ليولّى قضاء المدينة المنورة في ذلك العهد .
                              واسم المنتاب يهم فيه كثير ، وصاحبه محمد بن احمد بن الفرج وثقه السمعاني في " الأنساب " عند ذكر الجزائري ، وأقره ابن الأثير في " اللباب " وأبو الحسن الفهري من الثقات الأثبات مترجم في " العبر " للذهبي .
                              وابن دلهات من ثقاة شيوخ ابن عبد البر مترجم في " صلة " ابن بشكوال ، وهي مطبوعة بمدريد .
                              وابن عبد الهادي يأبى قبول هذا الخبر ، لأنه يمس شذوذ شيخه ليس إلا ، أراد ابن المنتاب بسوق هذا الخبر الرد على ما في " مبسوط " شيخه إسماعيل القاضي المالكي المخالف لما رواه ابن وهب ، عن مالك ، وإسماعيل من أهل العراق ، وأهل مصر والمدينة المنورة أعلم بمسائل مالك منهم .
                              على أن إسماعيل لم يسند ما ذكره إلى مالك بل ارسله إرسالاً ، لكنه حيث يوافق هوى إبن عبد الهادي يقبله بدون سؤال عن سنده بخلاف ما هنا ويطريه إطراء يغنيه عن ذكر السند في نظره ، فكأنه لم ير قول داود الأصفهاني فيه ، ولله في خلقه شؤون ، على أنه قد وردت أخبار اخرى في توسل آدم يعضد بعضها بعضاً .

                              فمن شواهده ما ذكره ابن تيمية في فتاواه (2/150) حيث قال :
                              (وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بشران مِنْ طَرِيقِ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي ( الوفا بِفَضَائِلِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ صَالِحٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ العوفي ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ طهمان عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ { مَيْسَرَةَ قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى كُنْت نَبِيًّا ؟ قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَاسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَخَلَقَ الْعَرْشَ : كَتَبَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَخَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ الَّتِي أَسْكَنَهَا آدَمَ وَحَوَّاءَ فَكَتَبَ اسْمِي عَلَى الْأَبْوَابِ وَالْأَوْرَاقِ وَالْقِبَابِ وَالْخِيَامِ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَلَمَّا أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى : نَظَرَ إلَى الْعَرْشِ فَرَأَى اسْمِي فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِك فَلَمَّا غَرَّهُمَا الشَّيْطَانُ تَابَا وَاسْتَشْفَعَا بِاسْمِي إلَيْهِ } .

                              وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ : وَمِنْ طَرِيقِ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ رشدين ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الفهري ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا أَصَابَ آدَمَ الْخَطِيئَةَ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ يَا رَبِّ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ إلَّا غَفَرْت لِي فَأَوْحَى إلَيْهِ وَمَا مُحَمَّدٌ ؟ وَمَنْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقَالَ : يَا رَبِّ إنَّك لَمَّا أَتْمَمْت خَلْقِي رَفَعْت رَأْسِي إلَى عَرْشِك فَإِذَا عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَعَلِمْت أَنَّهُ أَكْرَمُ خَلْقِك عَلَيْك ؛ إذْ قَرَنْت اسْمَهُ مَعَ اسْمِك . فَقَالَ : نَعَمْ قَدْ غَفَرْت لَك وَهُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِك وَلَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُك } .
                              فَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُمَا كَالتَّفْسِيرِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ) .
                              فهذان شاهدان لهذا الحديث .

                              وأما الشاهد الثالث :
                              فهو ما أخرجه ابن المنذر في تفسيره واخرج ابن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال : لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه ، واشتد ندمه . فجاءه جبريل فقال : يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه؟ قال بلى يا جبريل قال : قم في مقامك الذي تناجي فيه ربّك فمجده وامدح ، فليس شيء أحب إلى الله من المدح قال : فأقول ماذا يا جبريل؟ قال : فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير . ثم تبوء بخطيئتك فتقول : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت . رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي . قال : ففعل آدم فقال الله : يا آدم من علمك هذا؟ فقال : يا رب إنك لما نفخت فيّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوباً « بسم الله الرحمن الرحيم ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله » فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب ، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك . قال : صدقت . وقد تبت عليك وغفرت لك خطيئتك . (الدر المنثور 1/146) .

                              ومحمد بن علي بن الحسين هو أبو جعفر الباقر من ثقات التابعين وساداتهم , خرج له الستة , روى عن جابر , وأبي سعيد , وابن عمر , وغيرهم .

                              والشاهد الرابع :
                              ما رواه أبو بكر الأجري في كتاب الشريعة قال: حدثنا هارون بن يوسف التاجر، ثنا أبو مروان العثماني، حدثني أبو عثمان بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها علي آدم قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك قال الله تعالى وما يدريك ما محمد، قال: يا رب رفعت رأسي فرأيت مكتوباً علي عرشك لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك .

                              وممّن صححه من الأئمة :
                              - الحاكم في المستدرك (2/615) .
                              وقد نقل مجموعة من العلماء تصحيح الحاكم لهذا الحديث كالسبكي والقسطلاني والزرقاني .
                              - السبكي : حيث وصفه بأنه جيّد في شفاء السقام (ص163) .
                              - البلقيني في فتاواه .
                              - تقي الدين الحصني في دفع الشبه (ص72) .
                              - السيوطي : ذكره في تفسيره الدر المنثور , وفي الخصائص , وفي الرياض الأنيقة ص49 وقال : (أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه البيهقي في دلائل النبوة , وقال : تفرد به عبد الرحمن وهو ضعيف) , ونقل له شاهداً في الخصائص عن ابن عباس , وقال : (أخرجه الحاكم وصححه).
                              وأما قوله في مناهل الصفا : ضعيف , أي من طريق ابن عمر كما صرح بذلك بقوله : (رواه ابن عمر بسند ضعيف) .
                              والحاصل : أن الحديث عنده صحيح بشواهده وطرقه .
                              - القسطلاني : صححه في عدة مواطن من كتاب المواهب , آخرها (2/392) من ط دار الكتب العلمية.
                              - الزرقاني : صححه في شرح المواهب (8/314) .
                              - السمهودي : في وفاء الوفا (2/419) .
                              فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                              بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                              تعليق

                              • عثمان محمد النابلسي
                                طالب علم
                                • Apr 2008
                                • 438

                                #105
                                سابعاً : حديث الخروج إلى الصلاة
                                حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في سنن ابن ماجه في " باب المشي إلى الصلاة ": (من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ) الحديث .قال الشهاب البوصيري في " مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه " هذا إسناد مسلسل بالضعفاء .
                                عطيه هو العوفي ، وفضيل بن مرزوق ، والفضل بن الموفق ، (هو ابن خال ابن عيينة ، قال أبو حاتم صالح ضعيف الحديث ولم يضعفه سواه وجرحه غير مفسر بل وثقه اليسني) كلهم ضعفاء , لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق فضيل بن مرزوق ، فهو صحيح عنده .
                                وذكر رزين ، ورواه أحمد بن منيع في ( مسنده ) ثنا يزيد ، ثنا فضيل بن مرزوق ، فذكره بإسناده ومتنه وقال علاء الدين مفلطاي في ( الأعلام شرح سنن ابن ماجه ) ذكر أبو نعيم الفضل " وهو ابن دكين " في كتاب " الصلاة " عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري موقوفاً اهـ .
                                ولم ينفرد عطية عن الخدري ، بل تابعه أبو الصديق عنه في رواية عبد الحكم بن ذكوان . وهو ثقة عند ابن حبان ، وإن أعله أبو الفرج في ( علله ) .
                                وأخرج ابن السني في ( علم اليوم والليلة ) بسند فيه الوازع ،عن بلال ، وليس فيه عطيه ولا مرزوق ولا ابن الموفق " اللهم بحق السائلين عليك " تظهرانه لم ينفرد عطية ، ولا ابن مرزوق ،ولا ابن الموفق ,بالنظر إلى هذه الطرق على فرض ضعف الثلاثة .
                                مع أن يزيد بن هارون شيخ أحمد بن منيع شارك ابن الموفق في روايته ، عن ابن مرزوق وكذا الفضل بن دكين وابن فضيل وسليمان بن حبان وغيرهم .
                                وعطية جرح بالتشيع لكن حسن له الترمذي عدة أحاديث ، وعن ابن معين أنه صالح ، وعن ابن سعد : ثقة إن شاء الله ، وعن ابن عدي : له أحاديث صالحه .وبعد التصريح بالخدري لا يبقى إحتمال التدليس ، ولا سيما مع المتابعة وابن مرزوق ترجح توثيقه عند مسلم فروى عنه في " صحيحه " .
                                على أن الحديث مروي بطريق بلال ، رضي الله عنه فلا تنزل درجة الحديث مهما نزلت عن درجة الاحتجاج به ، بل يدور أمره بين الصحة والحسن لكثرة المتابعات الشواهد كما أشرنا إليها .
                                وقول من يقول : إن الجرح مقدم على التعديل على ضعفه فيما إذا تعارضا بتكافئهما في الميزان ، دون إثبات ذلك مفاوز فلا يتمكن المبتدعة من اتخاذ ذلك تكأة لرد الأحاديث الثابتة برجال وثقهم أهل الشأن بترجح ذلك عندهم .
                                وقد حسّن هذا الحديث الحفاظ : العراقي في " تخريج أحاديث الإحياء " وابن حجر في " أمالي " الأذكار " , والدمياطي في المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح (ص471_472) ، والحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ الحافظ المنذري كما في الترغيب والترهيب (3/273) , والحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (1/291) , وقال الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة (1/99) : لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه، من طريق فضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده . اهـ .
                                فهؤلاء خمسة من الحفاظ ، رحمهم الله تعالى ، صححوا أو حسنوا الحديث وقولهم حقيق بالقبول .

                                وفي الحديث التوسل بعامة المسلمين وخاصتهم، وإدخال الباء في أحد مفعولي السؤال إنما هو في السؤال الإستعلامي كقوله تعالى " فسئل به خبيراً " و " وسأل سائل بعذاب واقع " وأما السؤال الإستعطائي فلا تدخل الباء فيه أصلاً إلا على المتوسل به , فدونك الأدعية المأثورة فتصوّر إدخالها هنا في المفعول الثاني إخراج للكلام عن سننه بهوى ، وصيحة باطل تمجها الأسماع .

                                وليس معنى الحق الإجابة ، بل ما يستحقه السائلون المتضرعون فضلاً من الله سبحانه , فيكون عد " بحق السائلين " سؤالاً لهذا الداعي هذياناً محضاً ، ولا سيما عند ملاحظة ما عطف عليه في الحديث ، وأما زعم أنه ليس في سياق الحديث ما يصلح أن يكون سؤالاً غير ذلك , فمما يثير الضحك الشديد والهزء المديد ، فأين ذهب من هذا الزاعم "أن تعيذني من النار" وكم يكرر الفعل للتوكيد : فالسؤال في الفعل الأخر هو السؤال في الفعلين المتقدمين ، بل لو لم تكن تلك الأفعال من باب التوكيد لدخلت في باب التنازع ، فيكون هذا القيد معتبراً في الجميع على كل تقدير , وأما من يحاول رد التوسل بتصور دخوله في الحلف بغير الله ، فإنما حاول الرد على المصطفى صلوات الله عليه , لأنه هو الذي علم صيغ التوسل ، وفيها التوسل بالأشخاص ، وأين التوسل من الحلف؟

                                ثامناً : التوسل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-
                                قال أبو يعلى الموصلي في مسنده (4/132) :حدثنا عقبة ، حدثنا يونس ، حدثنا سليمان الأعمش ، عن أبي سفيان، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( ليأتين على الناس زمان يخرج الجيش من جيوشهم فيقال : هل فيكم أحد صحب محمداً فتستنصرون به فتنصروا ؟ ثم يقال : هل فيكم من صحب محمداً فيقال : لا . فمن صحب أصحابه ؟ فيقال لا . فيقال من رأى من صحب أصحابه ؟ فلو سمعوا به من وراء البحر لأتوه )) .إسناده صحيح .
                                ورواه أبو يعلى في مسنده ( 4 / 200) بلفظ مقارب :حدثنا ابن نمير ، حدثنا محاضر ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يبعث بعثٌ فيقال لهم : هل فيكم أحد صحب محمداً ؟ فيقال : نعم. فيلتمس فيوجد الرجل فيستفتح فيفتح عليهم . ثم يبعث بعث فيقال: هل فيكم من رأى أصحاب محمد ؟ قيلتمس فلا يوجد حتى لو كان من وراء البحر لأتيتموه . ثم يبقى قوم يقرؤن القرآن لا يدرون ما هو " .قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/18) :رواه أبو يعلى من طريقين ورجالهما رجال الصحيح . اهـ .

                                تاسعاً : التوسل بصعاليك المهاجرين
                                قال الطبراني في معجمه الكبير (1/292) :حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه ، ثنا أبي ، ثنا عيسى بن يونس ، حدثني أبي عن أبيه ،عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين ) ثم قال : وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، ثنا يحيى بن سعيد عن أبي إسحاق عن أمية بن خالد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين ) .
                                ثم رواه من طريق قيس بن الربيع ، عن أبي إسحاق ، عن المهلب بن أبي صفرة ، عن أمية بن خالد مرفوعاً نحوه .قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (10/262) : رواه الطبراني ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح . (2)
                                فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
                                بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

                                تعليق

                                يعمل...