العالم و السماء: مترادفين؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شعيب محمد الاشباني
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 78

    #1

    العالم و السماء: مترادفين؟

    حياكم الله
    قرأتُ:
    توسع الكون بين الغزالي وابن رشد لكاتبه الدكتور محمد باسل الطائي و يقول فيما قاله: العالم الذي جعله الكون فجعله الذي نجده كمعنى من المعاني في التعريفات لا ما كانوا يقصدونه هؤلاء بالعالم و الذي عرفته أنهم يعنون: كل شيء غير الله و في كتاب آخر كل شيء غير الله يتكون من جوهر و عرض. إذن هل العالم الذي قصده الغزالي رحمه الله هو ما يذهب إليه الطائي؟ و هل يمكن أن يكون العالم مرادف السماء أم لا معنى لمن يطلق السماء على الكون؟؟؟
  • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
    مـشـــرف
    • Jun 2006
    • 3723

    #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي شعيب،

    مقصود الإمام الغزالي هو نفس مقصود الدكتور الطائي...

    فسياق كلام الإمام الغزالي هو على نفس ما تكلَّم عليه الفيزيائيون من توسُّع الكون...

    فالإمام الغزاليُّ رضي الله عنه في مناقشة الفلاسفة يناقشهم في قولهم إنَّ العالم -الجسمانيُّ- محدود غير ممتدٍّ لا إلى نهاية فيفرض زيادته...

    فالعالم عند الفلاسفة والمتكلمين والفيزيائيين محدود ليس ممتدّاً لا إلى نهاية.

    فيُنتقل السؤال إلى كون حدود العالم تتِّسع أو لا.

    فلو أعدت قراءة نصِّ الإمام الغزاليِّ رضي الله عنه فستجد أنَّه قد قصد بالعالم العالم الجسمانيَّ الذي هو حدود الكون.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

    تعليق

    • شعيب محمد الاشباني
      طالب علم
      • Feb 2010
      • 78

      #3
      جزاك الله خيرا أخي العزيز
      لكن ليس كل الفلاسفة فالكندي -- كما فهمت -- يقول العالم محدود زمانا مكانا و يدلل على ذلك بالحركة التي يراهما موجدة للزمان.

      أفهم من ردك أن الكلمات التي يمكن أن تعني أكثر من معنى يجب نبحث عنها في السياق لكن ماذا عن تعريف العالم بكل شيء غير الله له جوهر و عرض؟ كيف نفهم من السياق أن المراد هو هذا؟

      تعليق

      • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
        مـشـــرف
        • Jun 2006
        • 3723

        #4
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

        أخي شعيب،

        لما كان كلام الإمام الغزاليِّ على حدِّ العالم بيِّنٌ أنَّه يتكلَّم على العالم الجسمانيِّ! أي إنَّه وإن أثبت النفوس مجرَّدة مثلاً فكلامه على العالم هنا إنَّما هو على مجموع الأجسام.

        أما قول الكندي فلم أفهم ما تذكر عنه؟؟؟

        هل تقول إنَّه يقول إنَّ العالم محدود؟ فكذا قول الفلاسفة.

        والسلام عليكم...
        فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

        تعليق

        • شعيب محمد الاشباني
          طالب علم
          • Feb 2010
          • 78

          #5
          أخي العزيز
          ربما أسأت فهمك فقد فهمت من الكلام _ محدود غير ممتدٍّ لا إلى نهاية _ أن العالم غير متناهي أي لا حدود له. كلام الدكتور الطائي هو ما يلي:

          توسع العالم بين الغزالي وابن رشد
          انطلق الغزالي في ردوده على الفلاسفة من مبادئ المتكلمين ومنطلقاتهم. فقد تكلم في كتاب التهافت بلسان المتكلمين، وحاجَّ الفلاسفة بحججهم. لذلك فقد استطاع بجدارة مواجهتهم بحجج قوية جداً، غلبهم فيها معظم الأحيان. وهو في مواجهاته تلك لم يستعن بالأدلة من القرآن والسنة، بل استند إلى أدلة عقلية صرف؛ وذلك لأن خطابه كان موجهاً بالأصل إلى الجمهور من فلاسفة ومفكرين ومتعلمين وعامة.

          اعتمد الغزالي مبدأ الحدوث الذي قال به المتكلمون ومعناه أن العالم قد خُلق من عدم وأن له بداية في الزمان وبداية في المكان، خلافاً للفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم؛ أي أنه لا بداية له في الزمان رغم التزامهم ضرورة أن يكون العالم محدوداً في المكان على قول أرسطو الذي يقرر أن التزايد في العِظَم إلى غير نهاية مستحيل. ومبدأ الحدوث الذي قال به المتكلمون المسلمون صار له اليوم شأن كبير وأصبح الفلاسفة المؤمنون من أمثال وليم كريغ يحتجون به في أبحاثهم مستفيدين في ذلك من دعم الكشوف العلمية المعاصرة لهذا المبدأ .

          كما ينطلق الغزالي من فهم المتكلمين للزمان والمكان باعتبارهما هويتين متكاملتين لا اختلاف بينهما من الناحية الفلسفية أو التصورية وهما يجتمعان دوماً في الحدث. فالزمان والمكان عند المتكلمين هما جنس واحد؛ ماهيتان لا معنى لأحدهما دون الآخر وُجِدا مع خلق العالم وليس قبله ولا معنى لوجودهما بعده . لذلك يستخدم الغزالي في أحيان كثيرة أثناء حواراته عن خلق العالم مصطلحي البعد الزماني والبعد المكاني. وهذه بحد ذاتها اليوم إضافة مفاهيمية نوعية تعكس استيعاباً علمياً راقياً للمسألة. سأل الغزالي الفلاسفة سؤالاً فقال: "هل كان في قدرةِ الله تعالى أن يَخْلق الفلك الأعلى في سمكهِ أكبر مما خلقه بذراع؟ فإن قالوا: لا، فهو تعجيز. وإن قالوا: نعم، فبذراعين وثلاثة أذرع، وكذلك يرتقي إلى غير نهاية".

          ثم يقول: "فنقول في إثبات بُعد وراء العالم له مقدار وكمية، إذ الأكبر بذراعين أو ثلاثة يشغل مكاناً أكبر مما كان يشغل الآخر بذراعين أو ثلاثة، فوراء العالم بحكم هذا كمية تستدعي ذا كم، وهو الجسم أو الخلاء، فوراء العالم خلاء أو مُلاء. فما الجواب عنه؟".

          في هذين الخيارين اللذين يضعهما الغزالي لنتيجة القول إن العالم يمكن أن يكون أكبر مما هو عليه معضلتان. الأولى أننا إذا قلنا إن خلف العالم خلاء فإن هذا يعني وجود العالم في حيز أكبر منه. لكن هذا الحيز هو خلاء مطلق وهو ما لا معنى له عند المتكلمين. أما إذا قلنا بوجود ملاء وراء العالم فلِمَ لا يكون هذا الملاء جزءاً من العالم نفسه؟ تتضح أهمية هذه القضية عند الغزالي إذا عدنا إلى تصوره للمسألة من خلال مناقشته لموضوعة القبل والبعد عند مناقشة أبي حامد لمسألة القدم والحدوث (المسألة الأولى من الإلهيات)؛ إذ نجده يقول: "وذلك القبل الذي لا ينفك الوهم عنه يُظنُّ أنه شيء محقق موجود هو الزمان. وهو لعجز الوهم عن أن يُقدّر تناهي الجسم في جانب الرأس، مثلاً، إلا على سطحٍ له فوق، فيتوهم أن وراء العالم مكاناً، إما مَلاء وإما خلاء. وإذا قيل ليس فوق سطح العالم فوق ولا بُعد أبعد منه، امتنع الوهم من الإذعان لقبوله، كما إذا قيل: ليس قبل وجود العالم قبل هو وجود محقق، نفر عن قبوله. وكما جاز أن يُكّذَب الوهم في تقديره فوق العالم خلاء هو بُعد لا نهاية له بأن يقال له: الخلاء ليس مفهوماً في نفسه، وأما البعد فهو تابع للجسم الذي تتباعد أقطاره، فإذا كان الجسم متناهياً كان البعد الذي هو تابع له متناهياً وانقطاع الملاء والخلاء غير مفهوم. فثبت أن ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء". يعني هذا أن الغزالي يفهم وجود المكان والزمان بوجود المادة ولا معنى عنده لوجود الزمان المطلق والخلاء المطلق . وإن الضرورة الظاهرية في تصور(توهم) وجود الملاء والخلاء هو أمر يفرضه الوهم وليس العقل.

          ثم يقول أبو حامد: "وكذلك هل كان الله قادراً أن يخلق كرة العالم أصغر مما خلقها بذراع أو بذراعين؟ وهل بين التقديرين تفاوت فيما ينتفي من الملاء ويتبقى من شغل للأحياز، إذ الملأ المنتفي عن نقصان ذراعين أكثر مما ينتفي عنه نقصان ذراع فيكون الخلاء مقدراً والخلاء ليس بشيء فكيف يكون مقدراً؟" ثم يقول أبو حامد: "وجوابنا في تخيل الوهم (أي التصور الذهني) تقدير الإمكانات الزمانية قبل وجود العالم، كجوابكم في تخيل الوهم تقدير الإمكانات المكانية وراء وجود العالم ولا فرق". هنا يجب أن نتوقف قليلاً عند هذه العبارة لنفهم معناها ومبتغى الغزالي منها. ذلك أن الفلاسفة يتصورون وجود زمان قبل وجود العالم ومن هنا كان العالم عندهم قديماً (أو أزلياً) لا بداية له في الزمان. إلا أن العالم عندهم محدود مكانياً وهو غير قابل للزيادة ولا النقصان؛ على حين أن المتكلمين ينفون أزلية العالم لكنهم يجوزون أن يصير أكبر منه أو أصغر، أي يجوزون أن يكون له إمكان الامتداد إلى حجم أكبر أو الانكماش إلى حجم أصغر. لذلك يوازن هنا أبو حامد بين جوابه (وهو أيضاً جواب المتكلمين الذين ينطق باسمهم في تهافت الفلاسفة) في مسألة الإمكان المكاني وجواب الفلاسفة في الإمكان الزماني. وأرى إن هذه الموازنة غير ضرورية وليس يحتاج إليها أبو حامد. فالزمان غير متعلق بالمكان عند الفلاسفة، بل لكل منهما هويته ووجوده المستقل. وليس الحال كذلك عند المتكلمين الذين يجعلون الزمان والمكان كينونة مشتركة يجمعها الحدث.

          يجيب ابن رشد عن الفلاسفة فيقول : "هذا الإلزام صحيح إذا جوّز تزيّد مقدار جسم العالم إلى غير نهاية (أي اتساعه إلى غير نهاية) وذلك أنه يلزم على هذا التزيّد أن يوجد عن الباري سبحانه شيء متناه يتقدمه إمكانات كمية لا نهاية لها، وإذا جاز هذا في إمكان العِظَم جاز في إمكان الزمان فيوجد زمان متناه من طرفه وإن كان قبله إمكانات أزمنة لا نهاية لها".

          ثم يقول ابن رشد "والجواب عن هذا أن توهم كون العالم أكبر أو أصغر ليس بصحيح، بل هو ممتنع. وليس يلزم من كون هذا ممتنعاً أن يكون توهم إمكان عالم قبل هذا العالم ممتنعاً، إلا لو كانت طبيعة الممكن قد حدثت. ولم يكن قبل وجود العالم هناك إلا طبيعتان: طبيعة الضروري والممتنع. وهو بَيّنٌ أن حكم العقل على وجود الطبائع الثلاثة لم تزل ولا تزال، كحكمه على وجود الضروري والممتنع". أي أن يكون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر قضية لا تقع في حيز الممكن ، بل هي بين الضروري والممتنع فقط. وكما سيبين ابن رشد في الفقرة التالية فإن كون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر ليس ضرورياً بل هو ممتنع. يقول ابن رشد: "وهذا العناد لا يُلزم الفلاسفة لأنهم يعتقدون أن العالم ليس يمكن أن يكون أصغر مما هو ولا أكبر، ولو جاز أن يكون عِظَم أكبرُ من عِظَم ويمر ذلك إلى غير نهاية لجاز أن يوجد عِظَم لا آخر له، ولو جاز أن يوجد عِظَم لا آخر له لوجد عِظَم بالفعل لا نهاية له، وذلك مستحيل. وهذا شيء قد صرح به أرسطو، أعني أن التزيّد في العِظَم إلى غير نهاية مستحيل".

          يتضح من هذا القول أن الفلاسفة لا يقبلون أن يكون العالم أكبر مما هو عليه لأنه لو جاز ذلك لأمكن أن يكون غير متناه في العِظم، وهو عندهم محال. وكأن السماح بزيادة حجم العالم تفضي إلى توسعه إلى ما لا نهاية له! وهذا مُحال عندهم. ثم يعالج الغزالي المسألة ثانية، وكأنه يرد على ما قاله ابن رشد للتو من حيث الممكن والمقدور؛ فيقول: "فإن قيل: ونحن نقول إن ما ليس بممكن فغير مقدور وكون العالم أكبر مما هو عليه وأصغر ليس بممكن فلا يكون مقدوراً". وذلك لأن الفلاسفة يربطون بين المقدور (على الله)؛ والممكن فقدرة الله عندهم مرتبطة بالخلق المتحقق لا أكثر منها ولا أقل. وهذا يعني ضمناً محدودية قدرة الله (تعالى عما يصفون) بحكم أن المتحقق من الخلق محدود.

          فيرد ابن رشد هنا متهرباً، على ما يبدو، بقوله: "هذا جواب لِما شنّعت به الأشعرية (يعني على الفلاسفة): من أن وضع العالم لا يمكن للباري أن يُصيّره أكبر ولا أصغر، هو تعجيز للباري سبحانه، لأن العجز إنما هو عجز عن المقدور لا عن المستحيل". يعني أن الادعاء بهذا القول على الفلاسفة من أنهم يقولون بعدم قدرة الله على أن يصير العالم أكبر منه ولا أصغر هو تعجيز لله. ولذلك ينفي ابن رشد هنا هذا الادعاء بقوله إن العجز عند الفلاسفة هو عجز عن الممكن وليس عن المستحيل. لكن من الواضح أن في هذا القول تضميناً لفرضية أن المستحيل عقلاً (في منهج أرسطو) هو مستحيل على الله أيضاً.

          لكن الغزالي يُكمل شوطه في محاكمة هذه المسألة فيقول: "وهذا العذر باطل من ثلاثة أوجه: أحدها أن هذا مكابرة العقل، فإن العقل في تقدير العالم أكبر أو أصغر مما هو عليه بذراع ليس كتقدير الجمع بين السواد والبياض والوجود والعدم. والممتنع هو الجمع بين النفي والإثبات وإليه ترجع المُحالات كلها، فهو تحكم بارد فاسد".

          أي أن الغزالي يُقر وجود المحالات (المستحيلات) لكنه لا يرى أن اتساع العالم أو تصاغره هو من المحالات. فالمحالات عند الغزالي (والمتكلمين عامة) هي جمع النقائض إلى بعضها ووجودها معاً في آن. وعلى هذا الاحتجاج يرد ابن رشد بقوله: "القول بهذا - أي ما قاله الغزالي في حجته- هو كما قال، مكابرة للعقل الذي هو في بادئ الرأي. وأما عند العقل الحقيقي فليس هو مكابرة فإن القول بإمكان هذا أو بعدم إمكانه مما يحتاج إلى برهان". أي أن ابن رشد هنا لا يوافق الغزالي في اعتبار توسع الكون أو انكماشه أمراً ممكناً دون برهان؛ فهو عنده ليس أمراً معروفاً بنفسه. لذلك يقول ابن رشد: "ولذلك صدق (يعني الغزالي) في قوله إنه ليس امتناع هذا (أي اتساع العالم أو انكماشه) كتقدير الجمع بين السواد والبياض لأن هذا معروف بنفسه استحالته، وأما كون العالم لا يمكن فيه أن يكون أصغر أو أكبر مما هو عليه، فليس معروفاً بنفسه. والمُحالات، وإن كانت ترجع إلى المُحالات المعروفة بأنفسها، فهي ترجع بنحوين: أحدهما أن يكون ذلك معروفاً بنفسه أنه محال. والثاني أن يكون يلزم عن وضعه لزوماً، قريباً أو بعيداً، مُحال من المُحالات المعروفة بأنفسها أنها مُحال".

          هاهنا نرى أن ابن رشد يوافق الغزالي في أن مسألة توسع أو انكماش العالم هي ليست من المُحالات الواضحة البينة بنفسها بل هي مما يحتاج إلى برهان. ويسلك ابن رشد البرهان الجدلي فيما يلي ذلك من قوله مستخدماً حجة القول بأن إقرار إمكان التوسع والانكماش يفضي إلى مُحال من المُحالات. وفي هذه الحالة فإن أحد المحالات هو أن يوجد خارج العالم فضاء فارغ لكي يتوسع العالم إليه وهو الخلاء. ومبعث هذه الفرضية يكمن في أن الفلاسفة لا يرون التوسع المكاني إلا أن يكون في خلاء موجود مسبقاً، وذلك لأن وجود المكان عندهم مستقل عن وجود المتمكّن فيه خلافاً للمتكلمين الذين لا يرون انفصالاً بين المكان والمتمكن فيه. والخلاء عند الفلاسفة مرفوض لأنه كما سيقول ابن رشد "بُعد مفارق" أي فراغ لا حركة فيه، وهذا غير مقبول. فالحركة أساس لوجود وبدونها لا معنى للوجود عند الفلاسفة. أما المحال الثاني فهو وجود المُلاء، لأن هذا سيعني وجود جسم ووجود الجسم يعني وجود الحركة، والحركة يمكن أن تكون إلى فوق أو إلى أسفل أو دورانية. وفي كل هذه الأحوال سيعني أن يكون عالمنا جزءاً من عالم آخر، وهذا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية أيضاً، وهو أمر مرفوض بناءً على أن وجود عِظَم لا نهاية له مُحال. حيث يوجد مكان فوق أو أسفل أو حول عالمنا. وعلى المنوال نفسه ربما يمكن القول بوجود عالم آخر فوق العالم الثاني وهكذا. لذلك نجده يقول: "مثال ذلك أن فرض العالم يمكن أن يكون أكبر أو أصغر يَلزم عنه أن يكون خارجه ملاء أو خلاء. ووضع خارجه ملاء أو خلاء يَلزم عنه مُحال من المُحالات: أما الخلاء فوجود بُعدٍ مُفارِق، وأما الجسم فكونه متحركاً: إما إلى فوق أو إلى أسفل وإما مستديراً. فإن كان ذلك كذلك وجب أن يكون جزءاً من عالم آخر، وقد تَبَرهن أن وجود عالَم آخر مع هذا العالم مُحال في العلم الطبيعي وأقل ما يلزم عنه الخلاء لأن كل عالم لا بد له من اسطقسات أربعة وجسم مستدير يدور حولها".

          وأما الوجه الثاني الذي يُنكر به أبو حامد على الفلاسفة قولهم في مسألة استحالة أن يكون العالم اكبر أو أصغر مما هو عليه فينبني على كشف التناقض عند الفلاسفة بين القول بكون العالم ثابتاً على قدر معين، والقول بكون العالم معلولاً. يقول أبو حامد: "إنه إن كان العالم على ما هو عليه لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب مُستغنٍ عن علة، فقولوا بما قاله الدهريون من نفي الصانع ونفي سببٍ هو مُسبّب الأسباب. وليس هذا مذهبكم".

          بهذه الحجة البالغة أوقع الغزالي خصومه الفلاسفة في الفخ فعلاً؛ ذلك لأن استحالة أن يكون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر يعني أنه مطلق، أي واجب، والواجب (أو المطلق) مستغن عن العلة. فكيف يكون العالم معلولاً إذن؟ هذه النتيجة، برأي أبي حامد، تُلزم الفلاسفة أن يقولوا بما قاله الدهريون إن العالم ليس له خالق.

          ورداً على حجة الغزالي هذه يحتكم ابن رشد إلى قياس مغلوط وحجة باهتة لا أدري كيف ساغها لنفسه فهو يقول: "الجواب عن هذا، أما بحسب مذهب ابن سينا فقريب، وذلك أن واجب الوجود عنده ضربان: واجب الوجود بذاته وواجب الوجود بغيره".

          أي ربما كان العالم عند ابن سينا واجب الوجود بغيره من حيث كونه ضرورياً. ثم يقول ابن رشد: "والجواب في هذا عندي أقرب: وذلك أنه يجب في الأشياء الضرورية على هذا القول أن لا يكون لها فاعل ولا صانع، مثال ذلك أن الآلة التي ينشر بها الخشب هي آلة مقدرة في الكمية والكيفية والمادة، أعني أنها لا يمكن أن تكون من غير حديد، ولا يمكن أن تكون بغير شكل المنشار، ولا يمكن أن يكون المنشار بأي قدر اتفق. وليس أحد يقول إن المنشار هو واجب الوجود، فانظر ما أخس هذه المغالطة (يعني ما قاله أبو حامد)...".
          أقول: قياس ابن رشد هذا خاطئ لأن الآلة التي يُنشر بها الخشب يُمكن بالفعل أن تكون أكبر مما هي عليه بقليل أو أصغر، فالمنشار يمكن أن يكون كبيراً كما يمكن أن يكون صغيراً فليس منشار قطع الأشجار كمنشار تخريم الخشب ونقشه، وهذا ليس مُحالاً؛ لذلك فهي ليست واجبة الوجود، بل ممكنة. من هنا نرى أن الحجة المقابلة التي جاء بها ابن رشد في قضية كون العالم المطلق واجباً هي حجة ضعيفة، وقياسه على المنشار قياس خاطئ. الملاحظ أن ابن رشد يغضب حينما يواجهه الخصم بحجة قوية تضعه في موقف حرج أمام سلامة العقيدة. ولعله كان يخاف مثل هذه الاتهامات ويضيق بها ذرعاً لخطورتها؛ لذلك يعتبرها شيئاً من الخسّة، والسقوط، وغير ذلك من الألفاظ التي استعملها أحياناً بحق الغزالي؛ على حين أننا نرى بوضوح هنا أن قياسه هو الذي فيه المغالطة ولا نقول إنها خسيسة.
          أما الوجه الثالث لبطلان عذر الفلاسفة فيقول فيه أبو حامد: "الثالث هو أن هذا (المذهب) الفاسد لا يعجز الخصم عن مقابلته بمثله، ونقول: إنه لم يكن وجود العالم قبل وجوده ممكناً، بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان". ثم يختم الغزالي بقوله: "والتحقيق في الجواب أن ما ذكروه من تعذر الإمكانات لا معنى له، وإنما المُسلَّم أن الله تعالى قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبداً لو أراده. وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد إلا أن يضيف الوهم إليه بتلبيسه بأشياء أُخر". أي أن كون كون العالم أكبر مما هو عليه أو أصغر ممكن ولا يوجب هذا أن يكون هنالك زمن ممتد قبله ولا بعده، وذلك لأن المتكلمين ومعهم أبو حامد لا يرون وجوداً للزمان إلا مع العالم، لا قبله ولا بعده، لأن وجود الزمان نسبي مرتبط عندهم بالمكان ووجود المادة. فلا وجود لزمان مطلق ولا لمكان مطلق.



          كلام يحتاج الى تعليقات و تشريحات بالسؤالات و المناقشات. الأستاذ الطائي في كلام آخر يخبر عن الفرق بين الكلام و الفلسفة و يقول المتكلم ينطلق من القرآن ليحاجج العالم قديم أم لا بينما الفيلسوف ينطلق من العالم ليصل الى الله. بالنسبة لي كلامه غير صحيح لأن تصورات الفلاسفة للحركة و السببية تصورات عقلية بالأولى و بالتالي غيبية. ما رأيك؟

          تعليق

          • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
            مـشـــرف
            • Jun 2006
            • 3723

            #6
            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

            أخي الفاضل،

            كلام الإمام الغزاليِّ رضي الله تعالى عنه بيِّن، وهو يقول بجواز أن يكون العالم أكبر أو أصغر، وذلك لا يكون إلا للمحدود لأنَّ ما لا نهاية له لا يُتصوَّر فيه زيادة ولا نقص.

            وقال: "وكما جاز أن يُكّذَب الوهم في تقديره فوق العالم خلاء هو بُعد لا نهاية له".

            فالبعد المقدَّر هنا هو وهميٌّ محض، فالحقيقة أنَّ العالم محدود من فوق له نهاية -وكذا كل الجهات-.

            وما ذكرتَ: "محدود غير ممتدٍّ لا إلى نهاية" فصحيح، فإنَّ كلَّ محدود فهو لا يوصف بأنَّه (ممتدٌّ لا إلى نهاية)...

            وكأنَّ كلمة "غير" لم يظهر محلُّ نفيها لك.

            أما الفرق بين المتكلمين والفلاسفة بأنَّ المتكلمين سارون على قانون الإسلام دون الفلاسفة فصحيح ذكره الإمام الغزاليُّ رضي الله عنه -وغيره من الأئمَّة كما أذكر-.

            فإنَّ المتكلم ينطلق في بحثه لإثبات العقائد الحقَّة ودفع الشبه عنه، فلذلك عرَّف بعض السادة الأئمَّة رحمهم الله علم الكلام بما يأتي:

            1- الإمام عضد الدين الإيجي (ت 756 هـ) في كتابـه "المواقف" بقوله:هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيـة بإيراد الحجـج ودفـع الشبه.

            2- الإمام ابن خلدون (ت 808هـ) في مقدمته بقوله: هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعين المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة.

            3- الإمام السيد الشريف الجرجاني (ت 816 هـ) في كتابه "التعريفات" بأنه: علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام.

            والسلام عليكم...
            فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

            تعليق

            • شعيب محمد الاشباني
              طالب علم
              • Feb 2010
              • 78

              #7
              بارك الله فيك أستاذنا العزيز
              سأعود للموضوع في وقت لاحق حالما أنتهي من بحث أشتغل فيه الآن.

              بالنسبة للعالم فقد ظهر أنه بمعنيين معنى انطلوجي وجودي يطلق على المخلوق و هو مقابل الخالق، ثم معنى كوني كوسمولوجي و هو الكون. لكن الا يطلق العلماء كلمة السماء على الكون بدل العالم؟

              في كتاب الإكليل في استنباط التنزيل، في الكلام على الاستنباط من قوله تعالى والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون، قال جلال الدين السيوطي رحمه الله:
              "سمعت شيخنا العلامة محي الدين الكافيجي يقول: هذه الآية تدل على أن السماء كرة لا سطحية كما قال أهل الهيئة، قلت له: ما وجه الدلالة؟ قال: من قوله وإنا لموسعون فإنه يقتضي المبالغة في الاتساع لأنه مقام الفخر والامتنان والشكل الكروي أوسع من المسطح". [ص200].
              مسألة أخرى: في سورة الفاتحة المباركة نقرأ رب العالمين، هذا يشير الى عوالم كثيرة أم لا؟ و إذا صح أن الجن و الملك و الشيطان من العالم كالانسان و الحيوان و النفس و الفلك، فإن الجنون و الملائكة و الشياطين أيضا جواهر و أعراض و بالتالي قابلة للرؤية، أم أنها كذلك لكن تتخذ أشكالا لا ترى و أخرى ترى بالعين خاصة أننا نقرأ في الآثار أن الحمير ترى الشياطين و الكلب الأسود بحفرة بيضاء في رأسه أيضا شيطان إضافة إلى أن الشيطان تشكل في هيئة بشر ظهر لاجتماع قريش يحل لهم كيف يقتلوا النبي صلى الله عليه و سلم، ثم الملك ظهر للنبي صلى الله عليه و سلم في هيئة إنسان و الجن استمعت للقرآن أي كانت في هيئة مادية قابلة لإستقبال إشارات كلامنا المادي؟ إذا صحت أفهامي هذه فهل ما (يُقال) ترصده وكالة نازا من حياة خارجة كوكبنا الارضي جنون أم شياطين أم ماذا؟

              هذا كلام عن معنى العالم يؤدي الى كثير أشياء و منها السؤال الافتراضي إذا كانت هناك حياة عاقلة متحضرة في السماء يمكن تتصل بنا و ربما بشكل آخر غير استثنائي فما آثاره الايجابي أو السلبي على معتقداتنا؟

              اعذرني اخي كثير سؤالات لكن أشياء يجب أفهم مقدماتها ليسهل البحث.

              تعليق

              • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
                مـشـــرف
                • Jun 2006
                • 3723

                #8
                السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                أخي الفاضل شعيب،

                قولك:
                "بالنسبة للعالم فقد ظهر أنه بمعنيين معنى انطلوجي وجودي يطلق على المخلوق و هو مقابل الخالق، ثم معنى كوني كوسمولوجي و هو الكون".

                صحيح، وهي مسألة اصطلاحيَّة.

                "لكن الا يطلق العلماء كلمة السماء على الكون بدل العالم"؟

                نعم، أي إنَّ المقصودَ بالسماء الكونُ الفيزيائيَّ المحسوس.

                أمَّا قوله تعالى: "العالمين"، فقد قال الإمام البيضاويُّ رحمه الله تعالى ورضي عنه في تفسيره: (والعالم اسم لما يعلم به كالخاتم والقالب، غلب فيما يعلم به الصانع تعالى، وهو كلُّ ما سواه من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوده. وإنما جمعه ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة، وغلب العقلاء منهم فجمعه بالياء والنون كسائر أوصافهم.
                وقيل: اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع.
                وقيل: عنى به الناس هاهنا، فإنَّ كلَّ واحد منهم عالَم من حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يُعلم بها الصانع كما يُعلم مما أبدعه في العالم الكبير، ولذلك سوى بين النظر فيهما، وقال تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون").

                إذن: جمع "العالمين" هو بالدلالة على أجناس المخلوقات.

                وقولنا إنَّ كلمة (العالم) تدلُّ على جميعها فمن حيث الاصطلاح، أو أنَّه هو الأصل بناء على بعض ما ذكر الإمام البيضاويُّ هنا.

                فلا تخالف بين أن نقول إنَّ العالم هو كلُّ غير الله تعالى وأنَّه تعالى قال "رب العالمين".

                فالملائكة والجنُّ على الإطلاق الاصطلاحيِّ هم كلُّهم من العالم منطبق عليهم وعلى غيرهم، وبناء على القول إنَّ كلَّ جنس فهو عالم فهما عالمان.

                وعلى كلٍّ، الملائكة والجنُّ موجودات مادِّيَّة لما دلَّت عليه النصوص الشريفة.

                أما وجود حياة خارج الأرض فلا إشكال فيه، بل إنَّ النقل قد جاء بأنَّ للسماوات سكانها، ولا يُدرى حصر ذلك بالملائكة الكرام.

                ملحوظة: جمع (الجنِّيِّ) (الجنَّةُ) لا (الجنون).

                والسلام عليكم...
                فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

                تعليق

                • شعيب محمد الاشباني
                  طالب علم
                  • Feb 2010
                  • 78

                  #9
                  بارك الله فيك أخي
                  أما وجود حياة خارج الأرض فلا إشكال فيه، بل إنَّ النقل قد جاء بأنَّ للسماوات سكانها، ولا يُدرى حصر ذلك بالملائكة الكرام.
                  و هؤلاء السكان غير الملائكة الكريم هم؟ الجنة () و الشياطين أم عوالم أخرى؟
                  و ما هو نص هذه الآثار؟

                  تعليق

                  • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
                    مـشـــرف
                    • Jun 2006
                    • 3723

                    #10
                    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                    أخي الفاضل،

                    الذي أذكر أن في بعض الروايات ذكراً لسكان للسماوات، سكان السماء الأولى والثانية...

                    ويبدو أني نسيت النَّصَّ تماماً.

                    وربما أفدنا من قوله تعالى إنَّ الجنَّ قد قالوا: "وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً" أنَّ الجنَّ يسكنون الأرض كذلك لا السماء.

                    والشياطين من الجنِّ.

                    ولكنَّ الاحتمال الأكبر أن يكون المقصود من سكان السماء الملائكة الكرام، وإنما أن يكون غيرهم احتمالٌ فقط غير ممنوع في ذاته.

                    وأنت تعلم أخي أنَّ مراد الملحدين من تجويز القول بوجود غير ما نعلم في السماوات هو فتح باب لأن يقولوا إنَّ فاعل الإنسان هو مخلوقات غيرهم... من سخافاتهم.

                    ونحن نقول بجواز أن يكون هناك مخلوقات خضراء البشرة عيونها كبيرة وتتنفس الميثان تعيش في قمر يوروبا مثلاً، فالله تعالى على كلِّ شيء قدير، لكنَّ تجويز ذلك لا يعني كونه حاصلاً!

                    والسلام عليكم...
                    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

                    تعليق

                    يعمل...