سؤال لشخص ملحد وجوابه
ورد هذا السؤال فى مشاركة فى منتدى أهل الحديث :تحت عنوان [ سؤال للعلماء ] فى قسم العقيدة :
[ ورد علي سؤال عجزت عن صياغته تأدبا مع الله سبحانه لأنه يؤدي إلى القول بأن أصل الكون منفصل عن الله ( قال له كن فيكون ) لمن توجه الخطاب هنا هل هو لشئ موجود ؟
فأدركت إنها شبهة وحدة الوجود ثم إني رأيت بعض الملاحدة يطرح الإشكال نفسه فيقول مستهزءا [.من اين أتيت بالماده التى خلقت منها الوجود .
.هل اشتريتها من سوق الماده ..حيث لم يكن هناك ..إلا أنت ..هل أخرجتها من مخزن العدم الفارغ تماما حتى من العدم نفسه !!!
..هل قمت باقتطاعها من جسدك الإلهى اللامتناهى واللامادى ؟؟؟ وهل تتحول اجساد الآلهه إلى ماده ؟؟؟
وهل نكون وفى هذه الحاله جزأ من الإله المتحول ..
. وهل تقبل أجزاء الإله الأمر من بعضها البعض ليتحول بعضها على حساب البعض الآخر لأشكال من الماده ؟؟
هل يقبل المؤمنون مثل هكذا تبريرات
لم يبق لك .. إلا الجواب الاخير أن تكون قد وجدتها موجوده هكذا.. فأخذتها وقمت بصنع هذا الكون .
.ولكن أنتظر هل من الممكن أن تشرح أين وجدتها ..نعم أقصد
المكان الذى عثرت عليها فيه..هل وجدتها داخل نفسك أم خارجها ..اعتقد أنى لم اسمع أجابه
واعتقد ايضا أنكم لن تسمعوا اجابه ومهما حاول أتباع الإله اخراجه من هذه
الورطه فلن يزيدوه إلا احراجاًَََ ..فلكى يحافظو على صورة الإله المفارق للماده.. والتى يستميتون فى الدفاع عنها
أن ينزلوا به إلى حضيض الماده ليجعلوا الخالق مادى ,]
تعالى الله عما يقول هذا الملحد لكنه يبقى إشكالا أحب أن نتعاون على إزالته بالحجة والبرهان ]
*************
الرد :
أنا قصدت نقل الكلام كما هو رغم قلة أدبه وجرأته فى التعبير , لأن البعض فى العالم العربى بالفعل يستهويه هذا الكلام ويظن أن فيه بعض الإشكال , والأكثر من هذا يظن أنه بلا إجابة مقنعة ,
ونحن لاننكر وجود الملحدين العرب , ولا ننكر وجود مواقع لهم يبثون منها سمومهم , والذى أدى الى انتشارهم , وجرأتهم , الردود السقيمة التى برد بها أدعياء السلفية , الحرفيون النصيون , الذين يحلون كل المشاكل والأزمات بقولهم المقدس عندهم [ قال شيخ الإسلام ] ولذلك كانت الإجابة فى منتدى أهل الحديث [ قال ابن تيمية قال الشيخ صالح آل الشيخ ]
وهذا كلام فارغ لايصلح للرد على من يطعنون فى أصل الدين , ويتجرأون على رب العالمين , وأنا أدعوهم أن يتابعوا هذا الموضوع , وأن يتعلموا كيفية الرد :
وكذلك أدعو من يسمون أنفسهم [ الملحدون العرب ] أن يتقنوا اللغة العربية قبل أن يطعنوا فى الدين أو القرآن أو السنة , لأنهم إذا أرادوا أن ينتقدوا شكسبير مثلا , أو ديستوفسكى أو فولتير أو غيرهم من كتاب وأدباء وفلاسفة الغرب , فسوف يعكفون على قراءة إنتاجهم حتى ينتقدوهم , فمن الإنصاف أن يتعاملوا مع القرآن بالمثل :
أى أن يتقنوا اللغة العربية نحوا وصرفا وبلاغة قبل الدخول فى هذا الميدان :
مع الأخذ فى الإعتبار :
أن هذه الشبهة قديمة جدا , والرد عليها قديم جدا , فأنتم لم تأتوا بجديد , كل ما فعلتموه[ أن الشيطان أوحى اليكم ] أو أنكم قرأتم فى كتب المعتزلة والرد عليهم , وأثرتم بعض الشبه القديمة
ومع الأخذ فى الإعتبار أيضا :
أن موقف الوهابية أدعياء السلفية يساعد على هذه الجرأة وهذه الوقاحة , لأنهم هم الجهة الوحيدة التى أحيت مذهب التجسيم المادى لله تعالى فى العصر الحديث , فهذا المذهب ليس لديه ما يرد به على الملحدين الماديين لأنهم ينسبون المادة والأعضاء الى الله تعالى , ثم ينكرون ذلك أشد الإنكار , وهذا جهل وتخلف :
فأنت حينما تنسب الى الله تعالى [ اليد والعين والنزول والجلوس والمجيء على الحقيقة ] فأنت جعلته جسما ماديا لافرق بينه وبين الأصنام التى يعبدها الكفار إلا أن الأصنام على الأرض وهو فى السماء ,
فليتهم يراجعوا أنفسهم
الى من يتوجه الخطاب فى قوله تعالى [ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ] ؟؟
أيها الملحدون , بما أنكم تنبشون فى الشبهات القديمة , فسأنقل لكم نفس الردود القديمة الصحيحة , التى أفحمت أسلافكم , وهى كفيلة بإفحامكم إن كنتم تعقلون , أو أرد الله لكم الهداية :
قد يقول قائل :
أنت تعيب على أتباع ابن تيمية نقلهم واستشهادهم بأقواله , ثم تنقل وتستشهد بأقوال غيرك من علماء سابقين , فما الفرق ؟
الفرق أن كتب ابن تيمية هى التى أحيت مذهب التجسيم فى الأمة , وبذرت بذوره فى الأرض العربية , فلا ينفع النقل منها للرد على الملحدين الماديين , الذين ينفون الإله , أو ينسبونه للمادة والطبيعة , أو يعتقدون بقدم الطبيعة والعالم مع الله تعالى
والآن الى الإجابة :
قال الفخر الرازى فى تفسير سورة [ يس ]
[ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ]
وهذا إظهار فساد تمثيلهم وتشبيههم وضرب مثلهم حيث ضربوا لله مثلاً وقالوا لا يقدر أحد على مثل هذا قياساً للغائب على الشاهد فقال في الشاهد الخلق يكون بالآلات البدنية والانتقالات المكانية ولا يقع إلا في الأزمنة الممتدة والله يخلق بكن فيكون ، فكيف تضربون المثل الأدنى وله المثل الأعلى من أن يدرك .
وفي الآية مباحث :
البحث الأول : قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن المعدوم شيء لأنه يقول لما أراده : { كُنْ فَيَكُونُ } فهو قبل القول له كن لا يكون وهو في تلك الحالة شيء حيث قال : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً }
والجواب أن هذا بيان لعدم تخلف الشيء عن تعلق إرادته به ، فقوله : { إِذَا } مفهوم الحين والوقت والآية دالة على أن المراد شيء حين تعلق الإرادة به ولا دلالة فيها على أنه شيء قبل ما إذا أراد وحينئذٍ لا يرد ما ذكروه لأن الشيء حين تعلق الإرادة به شيء موجود لا يريده في زمان ويكون في زمان آخر بل يكون في زمان تعلق الإرادة ، فإذاً الشيء هو الموجود لا المعدوم لا يقال كيف يريد الموجود وهو موجود فيكون ذلك إيجاداً لموجود؟ نقول هذا الإشكال من باب المعقولات ونجيب عنه في موضعه ، وإنما غرضنا إبطال تمسكهم باللفظ ، وقد ظهر أن المفهوم من هذا الكلام أنه يريد ما هو شيء إذا أراد ، وليس في الآية أنه إذا أراد ما كان شيئاً قبل تعلق الإرادة .
البحث الثاني : قالت الكرامية لله إرادة محدثة بدليل قوله تعالى : { إِذَا أَرَادَ } ووجه دلالته من أمرين أحدهما :
من حيث إنه جعل للإرادة زماناً ، فإن إذا ظرف زمان وكل ما هو زماني فهو حادث وثانيهما :
هو أنه تعالى جعل إرادته متصلة بقوله : { كُن } وقوله : { كُن } متصل بكون الشيء ووقوعه لأنه تعالى قال : { فيَكُون } بفاء التعقيب لكن الكون حادث ، وما قبل الحادث متصل به حادث ، والفلاسفة وافقوهم في هذا الإشكال من وجه آخر فقالوا إرادته متصلة بأمره وأمره متصل بالكون ولكن إرادته قديمة فالكون قديم فمكونات الله قديمة ،
وجواب الضالين من التمسك باللفظ هو أن المفهوم من قوله : { إِذَا أَرَادَ } من حيث اللغة إذا تعلقت إرادته بالشي لأن قوله : { أَرَادَ } فعل ماض ، وإذا دخلت كلمة إذا على الماضي تجعله في معنى المستقبل ، ونحن نقول بأن مفهوم قولنا أراد ويريد وعلم ويعلم يجوز أن يدخله الحدوث ، وإنما نقول لله تعالى صفة قديمة هي الإرادة وتلك الصفة إذا تعلقت بشيء نقول أراد ويريد ، وقبل التعلق لا نقول أراد وإنما نقول له إرادة وهو بها مريد ،
ولنضرب مثالاً للأفهام الضعيفة ليزول ما يقع في الأوهام السخيفة ، فنقول:
قولنا فلان خياط يراد به أن له صنعة الخياطة فلو لم يصح منا أن نقول إنه خاط ثوب زيد أو يخيط ثوب زيد لا يلزم منه نفي صحة قولنا إنه خياط بمعنى أن له صنعة بها يطلق عليه عند استعماله تلك الصنعة في ثوب زيد في زمان ماض خاط ثوبه ، وبها يطلق عليه عند استعماله تلك الصنعة في ثوب زيد في زمان مستقبل يخيط ثوبه ، ولله المثل الأعلى فافهم أن الإرادة أمر ثابت إن تعلقت بوجود شيء نقول أراد وجوده أي يريد وجوده ، وإذا علمت هذا فهو في المعنى من كلام أهل السنة تعلق الإرادة حادث وخرج بما ذكرنا جواب الفريقين .
الإجابة الثانية :
وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
نظم الدرر للبقاعى
{ وإذا قضى } أي أراد { أمراً } منهما أو من غيرهما ، والقضاء إنفاذ المقدر . والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم - قاله الحرالي . { فإنما يقول له كن } من الكون وهو كمال البادي في ظاهره وباطنه { فيكون } فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة ، وسر التعبير بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران . قال الحرالي : وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى غاية الكمال - انتهى . قالوا : ورفع « يكون » للاستئناف أي فهو يكون ، أو العطف على { يقول } إيذاناً بسرعة التكوين على جهة التمثيل ، ومن قال بالأول منع العطف على { يقول } لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين فيلزم قدم التكوين ، وقال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة : إن ذلك لا يطرد في مثل ثاني حرفي آل عمران وهو قوله : { ثم قال له كن فيكون } [ آل عمران : 59 ] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين المتعاطفين بالمضي وغيره ، وأول قوله :
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثم أقول لا يعنيني
بأن معناه : مررت ماضياً ، وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في الآية ماض مثله وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني؛ وفائدة التعبير به مضارعاً ، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير : كن فكان ، لأنه متى قضى شيئاً قال له : كن ، فيكون ، وجعل الأحسن عطفه على { كن } لأنه وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر أي يكون؛ وقال : إن ذلك أكثر اطراداً لانتظامه لمثل قوله : { ثم قال له كن فيكون } [ آل عمران : 59 ] . وهذا الموضع مجمع على رفعه ، وكذا قوله تعالى في الأنعام : { ويوم يقول كن فيكون } [ الأنعام : 73 ] . وإنما الخلاف في ستة مواضع اختص ابن عامر منها بأربعة : وهي هذا الموضع ، وقوله تعالى في آل عمران : { إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون } [ آل عمران : 47 ] ، وفي مريم مثله سواء ، وفي غافر : { فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون } [ غافر : 68 ] ؛ ووافقه الكسائي في حرفين في النحل : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [ النحل : 40 ] وفي يس : { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } [ يس : 82 ] فجعلوا النصب في هذين عطفاً على { يقول } وفي الأربعة الأولى جواباً للأمر في قوله : { كن } اعتباراً بصورة اللفظ وإن لم يكن المعنى على الأمر فالتقدير : يقول له يكون فيكون ، أي فيطاوع ، فطاح قول من ضعفه بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه ، وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون الشيء شرطاً لنفسه ، لأن التقدير : إن يكن يكن؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر وأن هذا غير جائز في العربية ، كما نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح الشاطبية؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها نقلاً عمن أنزل عليه القرآن ، فلما رأيته لم ينصب إلا ما في حيز { إذا } علمت أن ذلك لأجلها لما فيها من معنى الشرط ، فيكون مثل قوله تعالى في الشورى : { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } [ الشورى : 35 ] بنصب « يعلم » في قراءة غير نافع وابن عامر على بعض التوجيهات ، وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ولا استبعاد إذا تؤمل الكلام على « إذا » قال الرضي وهو العلامة نجم الدين محمد بن حسن الإستراباذي في الظرف من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن الحاجب في كافيته : ومنها « إذا » وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط ، فلذلك اختير بعدها الفعل ، والأصل في استعمال « إذا » أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به ، ثم قال : وكلمة الشرط ما يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضاً حصول مضمون الثانية ، فالمضمون الأول مفروض ملزوم ، والثاني لازمه؛ ثم قال : و « إن » موضوعة لشرط مفروض وجوده في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ولا بعدم وقوعه ، وذلك لعدم القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم ، سواء شك في وقوعه كما في حقنا ، أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى؛ وقال : ولا يكون الشرط في اسم إلا بتضمن معناها؛ ثم قال : فنقول : لما كان « إذا » للأمر المقطوع بوجوده في اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده ، لتنافي القطع والفرض في الظاهر ، فلم يكن فيه معنى « إن » الشرطية ، لأن الشرط كما بينا هو المفروض وجوده ، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيراً في الأمور التي نتوقعها قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه جوّزوا تضمين « إذا » معنى « إن » كما في « متى » وسائر الأسماء الجوازم ، فيقول القائل : إذا جئتني فأنت مكرم - شاكاً في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء؛ ثم قال : ولما كثر دخول معنى الشرط في « إذا » وخروجه عن أصله من الوقت المعين جاز استعماله وإن لم يكن فيه معنى « إن » الشرطية ، وذلك في الأمور القطعية استعمال « إذا » المتضمنة لمعنى « إن » ، وذلك لمجيء جملتين بعده على طرز الشرط والجزاء وإن لم يكونا شرطاً وجزاء ، ثم قال في الكلام على الفاء في نواصب الفعل ، وقد تضمر « أن » بعد الفاء والواو الواقعتين بعد الشرط قبل الجزاء ، نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو . تكرمني - آتك ، أو بعد الشرط والجزاء ، نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو : وأكرمك - وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي ، إذ الجزاء مشروط وجوده بوجود الشرط ، ووجود الشرط مفروض ، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة ، وعليه حمل قوله تعالى : { إن يشأ يسكن الريح فيظللن } - إلى قوله : { ويعلم الذين يجادلون } [ الشورى : 35 ] على قراءة النصب؛ ثم قال : وإنما صرفوا ما بعد فاء السببية من الرفع إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية والمضارع المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى الحال ، كما تقدم في باب المضارع ، فلو أبقوه مرفوعاً لسبق إلى الذهن أن الفاء لعطف جملة حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء ، يعني فكان يلزم أن يكون الكون قديماً كالقول ، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفاً ، إذ المضارع المنصوب بأن مفرد ، وقبل الفاء المذكورة جملة ، ويتخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن ، فكان فيه شيئان : رفع جانب كون الفاء للعطف . وتقوية كونه للجزاء؛ فيكون إذن ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوباً - انتهى . فالتقدير هنا والله أعلم : فكونه واقع حق ليس بخيال كالسحر والتمويهات ، فعلى هذا قراءة النصب أبلغ لظهورها في الصرف عن الحال إلى الاستقبال مع ما دلت عليه من سرعة الكون وأنه حق ، ثم رأيت البرهان بن إبراهيم بن محمد السفاقُسي حكى في إعرابه ما خرجته عن ابن الضائع - يعني بالضاد المعجمة والعين المهملة - وهو الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكُتامي شيخ أبي حيان فقال ما نصه : زاد ابن الضائع في نصب { فيكون } وجهاً حسناً وهو نصبه في جواب الشرط وهو إذا ، وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت ، قال السفاقسي : ويصح فيه وجه ثالث على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر بإنما ، لأنهم أجازوا : إنما هي ضربة أسد فيتحطم ظهره .
*********************
ورد هذا السؤال فى مشاركة فى منتدى أهل الحديث :تحت عنوان [ سؤال للعلماء ] فى قسم العقيدة :
[ ورد علي سؤال عجزت عن صياغته تأدبا مع الله سبحانه لأنه يؤدي إلى القول بأن أصل الكون منفصل عن الله ( قال له كن فيكون ) لمن توجه الخطاب هنا هل هو لشئ موجود ؟
فأدركت إنها شبهة وحدة الوجود ثم إني رأيت بعض الملاحدة يطرح الإشكال نفسه فيقول مستهزءا [.من اين أتيت بالماده التى خلقت منها الوجود .
.هل اشتريتها من سوق الماده ..حيث لم يكن هناك ..إلا أنت ..هل أخرجتها من مخزن العدم الفارغ تماما حتى من العدم نفسه !!!
..هل قمت باقتطاعها من جسدك الإلهى اللامتناهى واللامادى ؟؟؟ وهل تتحول اجساد الآلهه إلى ماده ؟؟؟
وهل نكون وفى هذه الحاله جزأ من الإله المتحول ..
. وهل تقبل أجزاء الإله الأمر من بعضها البعض ليتحول بعضها على حساب البعض الآخر لأشكال من الماده ؟؟
هل يقبل المؤمنون مثل هكذا تبريرات
لم يبق لك .. إلا الجواب الاخير أن تكون قد وجدتها موجوده هكذا.. فأخذتها وقمت بصنع هذا الكون .
.ولكن أنتظر هل من الممكن أن تشرح أين وجدتها ..نعم أقصد
المكان الذى عثرت عليها فيه..هل وجدتها داخل نفسك أم خارجها ..اعتقد أنى لم اسمع أجابه
واعتقد ايضا أنكم لن تسمعوا اجابه ومهما حاول أتباع الإله اخراجه من هذه
الورطه فلن يزيدوه إلا احراجاًَََ ..فلكى يحافظو على صورة الإله المفارق للماده.. والتى يستميتون فى الدفاع عنها
أن ينزلوا به إلى حضيض الماده ليجعلوا الخالق مادى ,]
تعالى الله عما يقول هذا الملحد لكنه يبقى إشكالا أحب أن نتعاون على إزالته بالحجة والبرهان ]
*************
الرد :
أنا قصدت نقل الكلام كما هو رغم قلة أدبه وجرأته فى التعبير , لأن البعض فى العالم العربى بالفعل يستهويه هذا الكلام ويظن أن فيه بعض الإشكال , والأكثر من هذا يظن أنه بلا إجابة مقنعة ,
ونحن لاننكر وجود الملحدين العرب , ولا ننكر وجود مواقع لهم يبثون منها سمومهم , والذى أدى الى انتشارهم , وجرأتهم , الردود السقيمة التى برد بها أدعياء السلفية , الحرفيون النصيون , الذين يحلون كل المشاكل والأزمات بقولهم المقدس عندهم [ قال شيخ الإسلام ] ولذلك كانت الإجابة فى منتدى أهل الحديث [ قال ابن تيمية قال الشيخ صالح آل الشيخ ]
وهذا كلام فارغ لايصلح للرد على من يطعنون فى أصل الدين , ويتجرأون على رب العالمين , وأنا أدعوهم أن يتابعوا هذا الموضوع , وأن يتعلموا كيفية الرد :
وكذلك أدعو من يسمون أنفسهم [ الملحدون العرب ] أن يتقنوا اللغة العربية قبل أن يطعنوا فى الدين أو القرآن أو السنة , لأنهم إذا أرادوا أن ينتقدوا شكسبير مثلا , أو ديستوفسكى أو فولتير أو غيرهم من كتاب وأدباء وفلاسفة الغرب , فسوف يعكفون على قراءة إنتاجهم حتى ينتقدوهم , فمن الإنصاف أن يتعاملوا مع القرآن بالمثل :
أى أن يتقنوا اللغة العربية نحوا وصرفا وبلاغة قبل الدخول فى هذا الميدان :
مع الأخذ فى الإعتبار :
أن هذه الشبهة قديمة جدا , والرد عليها قديم جدا , فأنتم لم تأتوا بجديد , كل ما فعلتموه[ أن الشيطان أوحى اليكم ] أو أنكم قرأتم فى كتب المعتزلة والرد عليهم , وأثرتم بعض الشبه القديمة
ومع الأخذ فى الإعتبار أيضا :
أن موقف الوهابية أدعياء السلفية يساعد على هذه الجرأة وهذه الوقاحة , لأنهم هم الجهة الوحيدة التى أحيت مذهب التجسيم المادى لله تعالى فى العصر الحديث , فهذا المذهب ليس لديه ما يرد به على الملحدين الماديين لأنهم ينسبون المادة والأعضاء الى الله تعالى , ثم ينكرون ذلك أشد الإنكار , وهذا جهل وتخلف :
فأنت حينما تنسب الى الله تعالى [ اليد والعين والنزول والجلوس والمجيء على الحقيقة ] فأنت جعلته جسما ماديا لافرق بينه وبين الأصنام التى يعبدها الكفار إلا أن الأصنام على الأرض وهو فى السماء ,
فليتهم يراجعوا أنفسهم
الى من يتوجه الخطاب فى قوله تعالى [ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ] ؟؟
أيها الملحدون , بما أنكم تنبشون فى الشبهات القديمة , فسأنقل لكم نفس الردود القديمة الصحيحة , التى أفحمت أسلافكم , وهى كفيلة بإفحامكم إن كنتم تعقلون , أو أرد الله لكم الهداية :
قد يقول قائل :
أنت تعيب على أتباع ابن تيمية نقلهم واستشهادهم بأقواله , ثم تنقل وتستشهد بأقوال غيرك من علماء سابقين , فما الفرق ؟
الفرق أن كتب ابن تيمية هى التى أحيت مذهب التجسيم فى الأمة , وبذرت بذوره فى الأرض العربية , فلا ينفع النقل منها للرد على الملحدين الماديين , الذين ينفون الإله , أو ينسبونه للمادة والطبيعة , أو يعتقدون بقدم الطبيعة والعالم مع الله تعالى
والآن الى الإجابة :
قال الفخر الرازى فى تفسير سورة [ يس ]
[ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ]
وهذا إظهار فساد تمثيلهم وتشبيههم وضرب مثلهم حيث ضربوا لله مثلاً وقالوا لا يقدر أحد على مثل هذا قياساً للغائب على الشاهد فقال في الشاهد الخلق يكون بالآلات البدنية والانتقالات المكانية ولا يقع إلا في الأزمنة الممتدة والله يخلق بكن فيكون ، فكيف تضربون المثل الأدنى وله المثل الأعلى من أن يدرك .
وفي الآية مباحث :
البحث الأول : قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن المعدوم شيء لأنه يقول لما أراده : { كُنْ فَيَكُونُ } فهو قبل القول له كن لا يكون وهو في تلك الحالة شيء حيث قال : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً }
والجواب أن هذا بيان لعدم تخلف الشيء عن تعلق إرادته به ، فقوله : { إِذَا } مفهوم الحين والوقت والآية دالة على أن المراد شيء حين تعلق الإرادة به ولا دلالة فيها على أنه شيء قبل ما إذا أراد وحينئذٍ لا يرد ما ذكروه لأن الشيء حين تعلق الإرادة به شيء موجود لا يريده في زمان ويكون في زمان آخر بل يكون في زمان تعلق الإرادة ، فإذاً الشيء هو الموجود لا المعدوم لا يقال كيف يريد الموجود وهو موجود فيكون ذلك إيجاداً لموجود؟ نقول هذا الإشكال من باب المعقولات ونجيب عنه في موضعه ، وإنما غرضنا إبطال تمسكهم باللفظ ، وقد ظهر أن المفهوم من هذا الكلام أنه يريد ما هو شيء إذا أراد ، وليس في الآية أنه إذا أراد ما كان شيئاً قبل تعلق الإرادة .
البحث الثاني : قالت الكرامية لله إرادة محدثة بدليل قوله تعالى : { إِذَا أَرَادَ } ووجه دلالته من أمرين أحدهما :
من حيث إنه جعل للإرادة زماناً ، فإن إذا ظرف زمان وكل ما هو زماني فهو حادث وثانيهما :
هو أنه تعالى جعل إرادته متصلة بقوله : { كُن } وقوله : { كُن } متصل بكون الشيء ووقوعه لأنه تعالى قال : { فيَكُون } بفاء التعقيب لكن الكون حادث ، وما قبل الحادث متصل به حادث ، والفلاسفة وافقوهم في هذا الإشكال من وجه آخر فقالوا إرادته متصلة بأمره وأمره متصل بالكون ولكن إرادته قديمة فالكون قديم فمكونات الله قديمة ،
وجواب الضالين من التمسك باللفظ هو أن المفهوم من قوله : { إِذَا أَرَادَ } من حيث اللغة إذا تعلقت إرادته بالشي لأن قوله : { أَرَادَ } فعل ماض ، وإذا دخلت كلمة إذا على الماضي تجعله في معنى المستقبل ، ونحن نقول بأن مفهوم قولنا أراد ويريد وعلم ويعلم يجوز أن يدخله الحدوث ، وإنما نقول لله تعالى صفة قديمة هي الإرادة وتلك الصفة إذا تعلقت بشيء نقول أراد ويريد ، وقبل التعلق لا نقول أراد وإنما نقول له إرادة وهو بها مريد ،
ولنضرب مثالاً للأفهام الضعيفة ليزول ما يقع في الأوهام السخيفة ، فنقول:
قولنا فلان خياط يراد به أن له صنعة الخياطة فلو لم يصح منا أن نقول إنه خاط ثوب زيد أو يخيط ثوب زيد لا يلزم منه نفي صحة قولنا إنه خياط بمعنى أن له صنعة بها يطلق عليه عند استعماله تلك الصنعة في ثوب زيد في زمان ماض خاط ثوبه ، وبها يطلق عليه عند استعماله تلك الصنعة في ثوب زيد في زمان مستقبل يخيط ثوبه ، ولله المثل الأعلى فافهم أن الإرادة أمر ثابت إن تعلقت بوجود شيء نقول أراد وجوده أي يريد وجوده ، وإذا علمت هذا فهو في المعنى من كلام أهل السنة تعلق الإرادة حادث وخرج بما ذكرنا جواب الفريقين .
الإجابة الثانية :
وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
نظم الدرر للبقاعى
{ وإذا قضى } أي أراد { أمراً } منهما أو من غيرهما ، والقضاء إنفاذ المقدر . والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم - قاله الحرالي . { فإنما يقول له كن } من الكون وهو كمال البادي في ظاهره وباطنه { فيكون } فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة ، وسر التعبير بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران . قال الحرالي : وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى غاية الكمال - انتهى . قالوا : ورفع « يكون » للاستئناف أي فهو يكون ، أو العطف على { يقول } إيذاناً بسرعة التكوين على جهة التمثيل ، ومن قال بالأول منع العطف على { يقول } لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين فيلزم قدم التكوين ، وقال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة : إن ذلك لا يطرد في مثل ثاني حرفي آل عمران وهو قوله : { ثم قال له كن فيكون } [ آل عمران : 59 ] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين المتعاطفين بالمضي وغيره ، وأول قوله :
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثم أقول لا يعنيني
بأن معناه : مررت ماضياً ، وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في الآية ماض مثله وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني؛ وفائدة التعبير به مضارعاً ، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير : كن فكان ، لأنه متى قضى شيئاً قال له : كن ، فيكون ، وجعل الأحسن عطفه على { كن } لأنه وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر أي يكون؛ وقال : إن ذلك أكثر اطراداً لانتظامه لمثل قوله : { ثم قال له كن فيكون } [ آل عمران : 59 ] . وهذا الموضع مجمع على رفعه ، وكذا قوله تعالى في الأنعام : { ويوم يقول كن فيكون } [ الأنعام : 73 ] . وإنما الخلاف في ستة مواضع اختص ابن عامر منها بأربعة : وهي هذا الموضع ، وقوله تعالى في آل عمران : { إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون } [ آل عمران : 47 ] ، وفي مريم مثله سواء ، وفي غافر : { فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون } [ غافر : 68 ] ؛ ووافقه الكسائي في حرفين في النحل : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [ النحل : 40 ] وفي يس : { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } [ يس : 82 ] فجعلوا النصب في هذين عطفاً على { يقول } وفي الأربعة الأولى جواباً للأمر في قوله : { كن } اعتباراً بصورة اللفظ وإن لم يكن المعنى على الأمر فالتقدير : يقول له يكون فيكون ، أي فيطاوع ، فطاح قول من ضعفه بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه ، وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون الشيء شرطاً لنفسه ، لأن التقدير : إن يكن يكن؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر وأن هذا غير جائز في العربية ، كما نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح الشاطبية؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها نقلاً عمن أنزل عليه القرآن ، فلما رأيته لم ينصب إلا ما في حيز { إذا } علمت أن ذلك لأجلها لما فيها من معنى الشرط ، فيكون مثل قوله تعالى في الشورى : { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } [ الشورى : 35 ] بنصب « يعلم » في قراءة غير نافع وابن عامر على بعض التوجيهات ، وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ولا استبعاد إذا تؤمل الكلام على « إذا » قال الرضي وهو العلامة نجم الدين محمد بن حسن الإستراباذي في الظرف من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن الحاجب في كافيته : ومنها « إذا » وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط ، فلذلك اختير بعدها الفعل ، والأصل في استعمال « إذا » أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به ، ثم قال : وكلمة الشرط ما يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضاً حصول مضمون الثانية ، فالمضمون الأول مفروض ملزوم ، والثاني لازمه؛ ثم قال : و « إن » موضوعة لشرط مفروض وجوده في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ولا بعدم وقوعه ، وذلك لعدم القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم ، سواء شك في وقوعه كما في حقنا ، أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى؛ وقال : ولا يكون الشرط في اسم إلا بتضمن معناها؛ ثم قال : فنقول : لما كان « إذا » للأمر المقطوع بوجوده في اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده ، لتنافي القطع والفرض في الظاهر ، فلم يكن فيه معنى « إن » الشرطية ، لأن الشرط كما بينا هو المفروض وجوده ، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيراً في الأمور التي نتوقعها قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه جوّزوا تضمين « إذا » معنى « إن » كما في « متى » وسائر الأسماء الجوازم ، فيقول القائل : إذا جئتني فأنت مكرم - شاكاً في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء؛ ثم قال : ولما كثر دخول معنى الشرط في « إذا » وخروجه عن أصله من الوقت المعين جاز استعماله وإن لم يكن فيه معنى « إن » الشرطية ، وذلك في الأمور القطعية استعمال « إذا » المتضمنة لمعنى « إن » ، وذلك لمجيء جملتين بعده على طرز الشرط والجزاء وإن لم يكونا شرطاً وجزاء ، ثم قال في الكلام على الفاء في نواصب الفعل ، وقد تضمر « أن » بعد الفاء والواو الواقعتين بعد الشرط قبل الجزاء ، نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو . تكرمني - آتك ، أو بعد الشرط والجزاء ، نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو : وأكرمك - وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي ، إذ الجزاء مشروط وجوده بوجود الشرط ، ووجود الشرط مفروض ، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة ، وعليه حمل قوله تعالى : { إن يشأ يسكن الريح فيظللن } - إلى قوله : { ويعلم الذين يجادلون } [ الشورى : 35 ] على قراءة النصب؛ ثم قال : وإنما صرفوا ما بعد فاء السببية من الرفع إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية والمضارع المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى الحال ، كما تقدم في باب المضارع ، فلو أبقوه مرفوعاً لسبق إلى الذهن أن الفاء لعطف جملة حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء ، يعني فكان يلزم أن يكون الكون قديماً كالقول ، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفاً ، إذ المضارع المنصوب بأن مفرد ، وقبل الفاء المذكورة جملة ، ويتخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن ، فكان فيه شيئان : رفع جانب كون الفاء للعطف . وتقوية كونه للجزاء؛ فيكون إذن ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوباً - انتهى . فالتقدير هنا والله أعلم : فكونه واقع حق ليس بخيال كالسحر والتمويهات ، فعلى هذا قراءة النصب أبلغ لظهورها في الصرف عن الحال إلى الاستقبال مع ما دلت عليه من سرعة الكون وأنه حق ، ثم رأيت البرهان بن إبراهيم بن محمد السفاقُسي حكى في إعرابه ما خرجته عن ابن الضائع - يعني بالضاد المعجمة والعين المهملة - وهو الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكُتامي شيخ أبي حيان فقال ما نصه : زاد ابن الضائع في نصب { فيكون } وجهاً حسناً وهو نصبه في جواب الشرط وهو إذا ، وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت ، قال السفاقسي : ويصح فيه وجه ثالث على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر بإنما ، لأنهم أجازوا : إنما هي ضربة أسد فيتحطم ظهره .
*********************
تعليق