بسم الله الرحمن الرحيم
الكلام في هذا القال يستدعي نقلا موسّعا لحاصل ما ذكرهُ الشيخ الأكبر في المسألة فكم من عام خصصه وكم من مُطْلقٍ قيّده وما ذُكر هنا شُرح هنالك لأنّ غالب كتاباته كانت عن حال اقتضاه الوقت ومن تأمّل لغالب عباراته يجدها مباني ضيّقة لها معاني عدّة نعم قد يكون مَشروحا صُراحةً لكن هل هذا وحدَه كافٍ لبناء حكم ما على الرّجل فكلام ابن عربي رضي الله عنه يعتريه الغموض في غالبه فلم يكتب ما كتبَ إلا بحال أو بنقل أو الفضل الموهوب وهكذا هو في غالبه والفقير يَجزمُ أيضا أنّ كلَ ما ورد عنه ما يُخالف الشرعَ المنزَل فهو مردود لمخالفته لأصل قطعي إذا كان ذلك الأصل قطعيا لا مُحتملا فلا مجالَ للنّقاش وهو القائل:
ولا تركن لمن زلّت شريعته ولو جاك بالإنبا عن الله
والمسألة تُعالج في ابتدائها فما ذكره ابن عربي من تلك المسائل وغيرها من المسائل التي في ظاهرها المخالفة للأصول الكلية لا شيء في اجتنابها أو بيان الردّ عليها لما بان له من المُخالفة الواردة في المحل المنقود لكن بشرط العذر وحمل الكلام على أحسن المحامل فلابد أن يصحبَ أحدنا اليقين بما بان لنا من محكم كلامه والنقد المشتبه وردّه للمحكم وزيادةً فحاصل ما كان للشيخ ابن عربي من عوارض يَشهد هو بأنّها كذلك سواء مسألة وحدة الوجود أو غيرها من المسائل المنقولة عنه هي من باب إظهار الحقائق التي يَجب أن تُصانَ قطْعًا "وإظهار الحقيقة مُبطل لها" لا لأنّها تُخالف الشرع بل لأنّها تفهم على غير وجهها وكما لا يخفى فإظهار السر إبطال لاسمه وهتك لمسمّاه وعليه فإنّ هذه المسائل لا أقصد أعيانها ذكر الشيخ زروق الفاسي في قواعده كلامًا نفيسا مهمّا
قال الشيخ زروق رضي الله عنه في القاعدة 204 من "قواعد التصوف"-
دواعي الإنكار على القوم خمسة:-
أولها:- النظر لكمال طريقهم،فإذا تعلقوا برخصة،أو أتوا بإساءة أدب،أو تساهلوا في أمر،أو بدر منهم نقص،أسرع الإنكار عليهم،لأن النظيف يظهر فيه أقل عيب.
ولا يخلو العبد من العيب،ما لم تكن له من الله عصمة أو حفظ.
الثاني:- رقة المدرك،ومنه وقع الطعن على علومهم في احوالهم.
الثالث:- كثرة المبطلين في الدعاوى،والطالبين للأغراض بالديانة،وذلك سبب إنكار حال من ظهر منهم بدعوى،وإن أقام عليها الدليل،لاشتباهه.
الرابع:- خوف الضلال على العامة،باتباع الباطن دون اعتناء بظاهر الشريعة،كما اتفق لكثير من الجاهلين.
الخامس:- شحة النفوس بمراتبها،إذ ظهور الحقيقة مبطل حقيقة،فمن ثم أولع الناس بالصوفية أكثر من غيرهم.
وتسلط عليهم أصحاب المراتب أكثر من سواهم.
وكل الوجوه المذكورة صاحبها مأجور معذور،إلا الأخير،والله أعلم....**
والمسألة الثانية: "رقة المدرك،ومنه وقع الطعن على علومهم في أحوالهم"كلامٌ منه يحتاج لتأمّل وبيان،فلا يَتجّل أحدنا بالنقد عليهم أو دفاعا عليهم وما بان له الوجه المُراد وليس هذا يعني الرفع من مقامهم على النّاقد فالذي يُريد نُصحًا هذا ما دفعه لهذا إلا خوف ضلال أو أن هذه المسائل ربما تعود على الأصل بالإبْطَال ولا شك بعد أنّها واجبة الدّفع والإبْعاد لا نسفا وهتكا للمنقود فمحكمُ كلامه ينقض هذه الدّعوى لأن اليقين مقدّم مرتبة واعتبارا.
وقال الشيخ زروق في القاعدة 204:-
إنكار المنكر إما أن يستند لاجتهاد،أو لحسم ذريعة،أو لعدم التحقيق،أو لضعف الفهم،أو لقصور العلم،أو لجهل المناط،أو لانبهام البساط،أو لوجود العناد.
فعلامة الكل الرجوع للحق عند تعينه إلا الأخير (يقصد العناد)،فإنه لا يقبل ما ظهر،ولا تنضبط دعواه،ولا يصحبه اعتدال في أمره.
وذو الذريعة إن رجع للحق لا يصح له إلا الوقوف مع إنكاره،ما دام وجه الفساد قائما بما أنكر".
وهذا استقراءٌ منه لكل ناقد أو معاند لكن للأسف فغالب من ينقد فعن عناد لا لقيام الموانع ووجود الأسباب ...
والنّقد للســادة الصّوفية ليس بالجديد علينا حتى يثُرى هذا الإثراء لكن الإنْصاف عزيز وهدر الأقوال في صالحي الأمّة لا بد من النّظَر فيه والتوجّس من نتاجه
والمسألة الرّابعة من قول الشيخ زروق الفاسي رحمه الله تعالى "الرّابع :الخوف الضلال على العامة.."أهـ هو اختيار الكثير من علماء وأولياء هذه الأمّة اعتقاد ولاية الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى ومنع النّظر في كتبه وعلّتها المسألة الثانية التي ذكرها لأن كلامه غالبه رقيقي لا يُدرك أو لرمز أو لحال اقتضاه وما أراد ما فهم السامع له كلامه لذا مُنع النّظر في كتب الشيخ وحَسبنا تفنيد القصّة المزعومة عن العزّ ابن عبد السلام رضي الله عنه وفيها الكثير من الألغاز لمن تدبّر
الطيب الإمام المقري فيقول:-
وأما احتجاجه - أي الذهبي- بقول شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام شيخ مشايخ الشافعية (أن محي الدين زنديق أو شيخ سوء كذاب) فغير صحيح،بل كذب وزور.
فقد روينا عن شيخ الإسلام صلاح الدين العلائي عن جماعة من المشايخ كلّهم عن خادم الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام أنّه قال:-
كنّا في مجلس الدرس بين يدي الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام، فجاء في باب الردة ذكر لفظة الزنديق.
فقال بعضهم:- هل هي عربية أو عجميّة ؟
فقال بعض الفضلاء:- إنّما هي فارسيّة معرّبة،أصلها زَنْ دِين،أي على دين المرأة، وهو الذي يضمر الكفر ويظهر الإيمان.
فقال بعضهم:- مثل من ؟
فقال آخر إلى جانب الشيخ:- مثل ابن عربي بدمشق.
فلم ينطق الشيخ ولم يردّ عليه.
قال الخادم:- وكنت صائماً ذلك اليوم، فاتفق أن الشيخ دعاني للإفطار معه،فحضرت ووجدت منه إقبالاً ولطفاً.
فقلت له:- يا سيّدي،هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا ؟
فقال:- ما لك ولهذا ؟ كل.
فعرفت أنّه يعرفه،فتركت الأكل.
وقلت له:- لوجه الله تعالى عرّفني به، من هو ؟
فتبسّم،رحمه الله تعالى.
وقال لي:- الشيخ محيي الدين بن عربي.
فأطرقت ساكتاً متحيراً.
فقال:- ما لك ؟
فقلت:- يا سيّدي، قد حرت.
قال:- لِمَ ؟
قلت:- أليس اليوم قال ذلك الرجل إلى جانبك ما قال في ابن عربي،وأنت ساكت ؟
فقال:- اسكت،ذلك مجلس الفقهاء.
هذا الذي روي لنا بالسند الصحيح عن شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام.)أهـ
وكم أحجمتُ لكي أكتب ما كتبتُ والله يعلم بأن ما ذُكر ليس موجّه لمعيّن وما طالعتُ ما كتبَ لكي لا أكون ظالما لأحد وإنما بعض مشاركات رأيتها فأردت هذه المُداخلة أن أشارككم بها والله أعلم.
الكلام في هذا القال يستدعي نقلا موسّعا لحاصل ما ذكرهُ الشيخ الأكبر في المسألة فكم من عام خصصه وكم من مُطْلقٍ قيّده وما ذُكر هنا شُرح هنالك لأنّ غالب كتاباته كانت عن حال اقتضاه الوقت ومن تأمّل لغالب عباراته يجدها مباني ضيّقة لها معاني عدّة نعم قد يكون مَشروحا صُراحةً لكن هل هذا وحدَه كافٍ لبناء حكم ما على الرّجل فكلام ابن عربي رضي الله عنه يعتريه الغموض في غالبه فلم يكتب ما كتبَ إلا بحال أو بنقل أو الفضل الموهوب وهكذا هو في غالبه والفقير يَجزمُ أيضا أنّ كلَ ما ورد عنه ما يُخالف الشرعَ المنزَل فهو مردود لمخالفته لأصل قطعي إذا كان ذلك الأصل قطعيا لا مُحتملا فلا مجالَ للنّقاش وهو القائل:
ولا تركن لمن زلّت شريعته ولو جاك بالإنبا عن الله
والمسألة تُعالج في ابتدائها فما ذكره ابن عربي من تلك المسائل وغيرها من المسائل التي في ظاهرها المخالفة للأصول الكلية لا شيء في اجتنابها أو بيان الردّ عليها لما بان له من المُخالفة الواردة في المحل المنقود لكن بشرط العذر وحمل الكلام على أحسن المحامل فلابد أن يصحبَ أحدنا اليقين بما بان لنا من محكم كلامه والنقد المشتبه وردّه للمحكم وزيادةً فحاصل ما كان للشيخ ابن عربي من عوارض يَشهد هو بأنّها كذلك سواء مسألة وحدة الوجود أو غيرها من المسائل المنقولة عنه هي من باب إظهار الحقائق التي يَجب أن تُصانَ قطْعًا "وإظهار الحقيقة مُبطل لها" لا لأنّها تُخالف الشرع بل لأنّها تفهم على غير وجهها وكما لا يخفى فإظهار السر إبطال لاسمه وهتك لمسمّاه وعليه فإنّ هذه المسائل لا أقصد أعيانها ذكر الشيخ زروق الفاسي في قواعده كلامًا نفيسا مهمّا
قال الشيخ زروق رضي الله عنه في القاعدة 204 من "قواعد التصوف"-
دواعي الإنكار على القوم خمسة:-
أولها:- النظر لكمال طريقهم،فإذا تعلقوا برخصة،أو أتوا بإساءة أدب،أو تساهلوا في أمر،أو بدر منهم نقص،أسرع الإنكار عليهم،لأن النظيف يظهر فيه أقل عيب.
ولا يخلو العبد من العيب،ما لم تكن له من الله عصمة أو حفظ.
الثاني:- رقة المدرك،ومنه وقع الطعن على علومهم في احوالهم.
الثالث:- كثرة المبطلين في الدعاوى،والطالبين للأغراض بالديانة،وذلك سبب إنكار حال من ظهر منهم بدعوى،وإن أقام عليها الدليل،لاشتباهه.
الرابع:- خوف الضلال على العامة،باتباع الباطن دون اعتناء بظاهر الشريعة،كما اتفق لكثير من الجاهلين.
الخامس:- شحة النفوس بمراتبها،إذ ظهور الحقيقة مبطل حقيقة،فمن ثم أولع الناس بالصوفية أكثر من غيرهم.
وتسلط عليهم أصحاب المراتب أكثر من سواهم.
وكل الوجوه المذكورة صاحبها مأجور معذور،إلا الأخير،والله أعلم....**
والمسألة الثانية: "رقة المدرك،ومنه وقع الطعن على علومهم في أحوالهم"كلامٌ منه يحتاج لتأمّل وبيان،فلا يَتجّل أحدنا بالنقد عليهم أو دفاعا عليهم وما بان له الوجه المُراد وليس هذا يعني الرفع من مقامهم على النّاقد فالذي يُريد نُصحًا هذا ما دفعه لهذا إلا خوف ضلال أو أن هذه المسائل ربما تعود على الأصل بالإبْطَال ولا شك بعد أنّها واجبة الدّفع والإبْعاد لا نسفا وهتكا للمنقود فمحكمُ كلامه ينقض هذه الدّعوى لأن اليقين مقدّم مرتبة واعتبارا.
وقال الشيخ زروق في القاعدة 204:-
إنكار المنكر إما أن يستند لاجتهاد،أو لحسم ذريعة،أو لعدم التحقيق،أو لضعف الفهم،أو لقصور العلم،أو لجهل المناط،أو لانبهام البساط،أو لوجود العناد.
فعلامة الكل الرجوع للحق عند تعينه إلا الأخير (يقصد العناد)،فإنه لا يقبل ما ظهر،ولا تنضبط دعواه،ولا يصحبه اعتدال في أمره.
وذو الذريعة إن رجع للحق لا يصح له إلا الوقوف مع إنكاره،ما دام وجه الفساد قائما بما أنكر".
وهذا استقراءٌ منه لكل ناقد أو معاند لكن للأسف فغالب من ينقد فعن عناد لا لقيام الموانع ووجود الأسباب ...
والنّقد للســادة الصّوفية ليس بالجديد علينا حتى يثُرى هذا الإثراء لكن الإنْصاف عزيز وهدر الأقوال في صالحي الأمّة لا بد من النّظَر فيه والتوجّس من نتاجه
والمسألة الرّابعة من قول الشيخ زروق الفاسي رحمه الله تعالى "الرّابع :الخوف الضلال على العامة.."أهـ هو اختيار الكثير من علماء وأولياء هذه الأمّة اعتقاد ولاية الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى ومنع النّظر في كتبه وعلّتها المسألة الثانية التي ذكرها لأن كلامه غالبه رقيقي لا يُدرك أو لرمز أو لحال اقتضاه وما أراد ما فهم السامع له كلامه لذا مُنع النّظر في كتب الشيخ وحَسبنا تفنيد القصّة المزعومة عن العزّ ابن عبد السلام رضي الله عنه وفيها الكثير من الألغاز لمن تدبّر
الطيب الإمام المقري فيقول:-
وأما احتجاجه - أي الذهبي- بقول شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام شيخ مشايخ الشافعية (أن محي الدين زنديق أو شيخ سوء كذاب) فغير صحيح،بل كذب وزور.
فقد روينا عن شيخ الإسلام صلاح الدين العلائي عن جماعة من المشايخ كلّهم عن خادم الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام أنّه قال:-
كنّا في مجلس الدرس بين يدي الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام، فجاء في باب الردة ذكر لفظة الزنديق.
فقال بعضهم:- هل هي عربية أو عجميّة ؟
فقال بعض الفضلاء:- إنّما هي فارسيّة معرّبة،أصلها زَنْ دِين،أي على دين المرأة، وهو الذي يضمر الكفر ويظهر الإيمان.
فقال بعضهم:- مثل من ؟
فقال آخر إلى جانب الشيخ:- مثل ابن عربي بدمشق.
فلم ينطق الشيخ ولم يردّ عليه.
قال الخادم:- وكنت صائماً ذلك اليوم، فاتفق أن الشيخ دعاني للإفطار معه،فحضرت ووجدت منه إقبالاً ولطفاً.
فقلت له:- يا سيّدي،هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا ؟
فقال:- ما لك ولهذا ؟ كل.
فعرفت أنّه يعرفه،فتركت الأكل.
وقلت له:- لوجه الله تعالى عرّفني به، من هو ؟
فتبسّم،رحمه الله تعالى.
وقال لي:- الشيخ محيي الدين بن عربي.
فأطرقت ساكتاً متحيراً.
فقال:- ما لك ؟
فقلت:- يا سيّدي، قد حرت.
قال:- لِمَ ؟
قلت:- أليس اليوم قال ذلك الرجل إلى جانبك ما قال في ابن عربي،وأنت ساكت ؟
فقال:- اسكت،ذلك مجلس الفقهاء.
هذا الذي روي لنا بالسند الصحيح عن شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام.)أهـ
وكم أحجمتُ لكي أكتب ما كتبتُ والله يعلم بأن ما ذُكر ليس موجّه لمعيّن وما طالعتُ ما كتبَ لكي لا أكون ظالما لأحد وإنما بعض مشاركات رأيتها فأردت هذه المُداخلة أن أشارككم بها والله أعلم.
لا قُوّةَ إلاّ بالله .. زادَكُم الله من فضلِهِ و فتح عليكُم فتوحَ العارفين المُثَبَّتين أهل التمكين المحفوظين ..
)
تعليق