بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
قد دار حوار بيني وبين أخي الكريم نزار بن علي في موضوع « مخالفة الشيخ ابن عربي لاعتقاد السادة الأشعريَّة»
وهو هنا:
http://www.aslein.net/showthread.php?t=16309
فادَّعى أخي نزار دعوى فقال: «ومن هنا نستنتج حقيقة لا مناص منها وهي أن معلومات الله تعالى قديمة قدم علم الله تعالى وقدم ذاته العلية، وأن لها ثبوتاً أزلا في علمه عز وجل، فللمعلومات وجود علمي أزلي بلا شك ولا ريب ولا اختلاف».
فأنكرتُ القول بالوجود العلميِّ القديم للمعلومات فضلاً أن يكون لا شكَّ في ذلك ولا ريب ولا اختلاف!
فقلتُ: «أقول: هل قولك هذا موافق لقول أهل السُّنَّة أخي نزار؟؟! تعلُّقات علم الله تعالى أمور اعتباريَّة لا ثبوتيَّة! فكيف تثبت لها أنفسها الثبوت؟! ثمَّ تقول إنَّ لها وجوداً علمياً قديماً؟؟! من أين لك هذا؟! ومن أين لك أنَّ ما تزعمه هنا لا شكَّ فيه ولا ريب ولا اختلاف»؟!
وقلتُ في مشاركة أخرى: «ثمَّ ألا ترى أنَّ قولك إنَّ للمعلومات وجوداً علمياً أزلياً قولٌ لم يقل به أشعريٌّ معتبرٌ من قبل؟!
فهناك المعلوم وهناك صفة العلم وهناك تعلُّق صفة العلم، والموجود هو صفة العلم والمعلوم، أمَّا التَّعلُّق فاعتباريٌّ، فماذا تقصد أصلاً بقولك إنَّ للمعلومات وجوداً علمياً أزلياً؟!
فضلاً عن أن قلتَ إنَّ هذا ممَّا لا ريب فيه ولا شكَّ! وأنا أجزم أنَّك لم تقل بهذا القول الشَّاذِّ إلا لتقريب فهمك لوحدة الوجود».
فأجاب أخي نزار فقال: «فعلى ما أتذكر فإنك اشتغلت على كتاب للجلال الدواني، فراجع ما كتب في شرح العضدية فالظاهر أنك لم تقف عليه، أو ربما نسيته، وانظر ماذا يقول في قضية ثبوت المعلومات أزلا، لا قدم المخلوقات».
فأقول: قد رجعتُ إلى نصِّ الإمام الدَّوَّانيِّ رحمه الله تعالى فما وجدته يقول كما زعم أخي نزار...
فها هو كلام الإمام الدَّوَّانيِّ رحمه الله في «شرح العقائد العضديَّة» لم أنقص ما رأيته خارجاً عن مسألتنا ليكون فهم السياق تامّاً من غير احتمال قصِّ مخلٍّ بالمعنى.
ويمكن قراءة الكتاب أو تحميله من هنا:
http://www.aslein.org/kutob/Akieda/dwani_adud.pdf
...........................................
قال رحمه الله: «فإن قلتَ: إذا كان صدور الممكنات عن الواجب بالاختيار، والأفعال الاختياريَّة مسبوقة بالعلم -كما ذكرت- فيلزم أن يكون للحوادث وجود أزلي في علم الله تعالى، إذ تعلُّق العلم باللاشيء المحض محال بديهة. وما يقوله الظاهريون من المتكلمين من أنَّ العلم قديم والتَّعلُّق حادث لا يسمن ولا يغني من جوع، إذ العلم ما لم يتعلَّق بالشيء لايصير ذلك الشيء معلوماً، فهو يفضي إلى نفي كونه تعالى عالماً بالحوادث في الأزل تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
قلتُ: المخلص ما أشرنا إليه سابقاً من أنَّه ((يعلم بعلمه البسيط الإجماليِّ)) جميع الأشياء،وذلك العلم مبدأ لوجود التفاصيل في ((الخارج)) كما أنَّ العلم الإجماليَّ فينا مبدأ لحصول التفاصيل فينا.
فإن قلتَ: هذا الوجود العلميُّ للممكنات صادر عن الواجب تعالى، وهو فاعل مختار، فلا بدَّ أن يكون مسبوقاً بالعلم، فيلزم أن يكون قبل هذا الوجود وجود آخر في علم الله تعالى. وننقل الكلام إلى الوجود السابق، فإمَّا تتسلسل الموجودات أو تنتهي إلى وجود واجب، وكلاهما محال.
قلتُ: قد سبق [أنَّ] الواجب تعالى موجب بالنظر إلى صفاته الذاتيَّة، وكما أنَّ علمه تعالى ليس صادراً عنه بالاختيار كذلك وجود الحوادث في علمه تعالى، ((فإنَّ ذلك الوجود عين علمه تعالى بالذات وغيره بالاعتبار)) فلا يحتاج هذا الوجود إلى سبق علمه به.
ولا يخفى عليك أنَّه لا يمكن مثل ذلك في المعلول الأوَّل على التقرير الذي قدَّره[قرَّره]شارح (الإشارات)، لأنَّه ليس عنده وجودان يكون أحدهما علميّاً، وصدوره عنه تعالى بالإيجاب والآخر خارجيّاً وصدوره عنه تعالى بالاختيار، بل له وجود واحد هو الخارجيُّ هو عين علمه.
والقول بأنَّ هذا الوجود الخارجيَّ باعتبار أنَّه علم صادر عنه بالإيجاب وباعتبار أنَّه وجود خارجيٌّ صادر عنه بالاختيار تعسُّف لا ترضاه الفطرة السليمة، لأنَّ اعتبار كونه علماً ليس وجوداً آخر له حتى يصحَّ كونه صادراً عنه بالإيجاب، بل اعتبار كونه علماً هو بعينه اعتبار وجوده الخارجيِّ، فإنَّه بحسب هذا الوجود علم لكونه جوهراً مجرَّداً غير غائب عن مجرَّد. وليس له وجود آخر بحسب هذا العلم، فإنَّ الصورة العلميَّة هي بعينها الصورة الخارجيَّة في العلم الحضوريِّ.
واعلم أنَّ ما ذكرناه جارْ على مذهب المتكلِّمين، إذ حينئذ يكون علمه تعالى غير ذاته وتكون الممكنات كلُّها موجودة في علم الله على سبيل الإجمال، ومعنى الإجمال كون العلم واحداً والمعلوم متعدِّداً.
وهو علم بالفعل بجميع المعلومات لا بالقوَّة كما توهَّمه بعض المتأخِّرين من التمثيل الذي ذكروه من حال المجيب عن مسألة يعلم جوابها إجمالاً، فإنَّه يتبادر إلى الوهم أنَّه ليس علماً بالفعل بل بالقوَّة القريبة، فإنَّه لو فُرِضَ أنَّ الأمر في المثال كذلك فليس الحال في الممثَّل له هكذا، والغرض من المثال تقريب وتوضيح، وقد حُقِّق ذلك في الكتب العقليَّة.
وأمَّا على مذهب الحكماء القائلين بأنَّ علماه تعالى عين ذاته فيبقى أنَّ تلك الممكنات الموجودة في علم الله تعالى هل هي قائمة بأنفسها أو بذاته تعالى كما هو مبسوط في (الشفاء)؟ ولم يتعرَّض لجوابه، بل ردَّد بين الاحتمالات وقال إنَّه لا يتجازوز الحقُّ عنها ولم يعيِّن أنَّ أيَّ الاحتمالات هو الحقُّ! وقد تيسَّر لنا في تحقيق مذهبهم مقالة قد ضاعت عنَّا ولم يتَّفق لنا إعادتها، وعسى أن تتيسَّر لنا بتوفيقه تعالى.
فإن قلتَ: على ما ذكرته من سياق مذهب المتكلمين يأتي الترديد المذكور بأنَّ الممكنات الموجودة في علمه تعالى إمَّا قائمة بنفسها أو بذاته تعالى.
قلتُ: على أصولهم لا بأس بقيام الممكنات بحسب الوجود العلميِّ بذاته، فإنَّ الممكنات بحسب هذا الوجود هي العلم، وهي في هذا الوجود متَّحدة».
أقول: فالإمام الدَّوَّانيُّ رحمه الله تعالى لا يقول بوجود زائد على عين وجود علم الله تعالى، وكلامه في غاية الصراحة: «فإنَّ ذلك الوجود عين علمه تعالى بالذات وغيره بالاعتبار».
ونصُّه كالشَّمس في قوله: «يعلم بعلمه البسيط الإجماليِّ».
فهو إذن غير خارج عن قول السَّادة الأشاعرة في شيء، فتعدُّد تعلُّقات العلم هو تعدُّد اعتباريٌّ. والتَّعبير بالوجود العلميِّ أرجعه صراحة إلى وجود نفس صفة العلم البسيطة.
والذي يزعمه أخي نزار هو أنَّ الإمام الدَّوانيَّ قد قال بوجود علميٍّ قديم للممكنات .
فأين كلام الإمام الدَّوَّانيِّ من هذا؟!
أو إنَّك أخي نزار تستدلُّ على صحَّة الإطلاق اللفظيِّ فقط؟
فإنَّ الذي تريد أنت إثباته هو تحقُّق وجوديٌّ قديم للمعلومات في علم الله تعالى لينتظم تقريرك لمقدِّمة الثبوت العلميِّ القديم للمعلومات، لتقرِّب به فهمك الخاصَّ بك لوحدة الوجود!
فليس الإمام الدَّوَّانيُّ مريداً لهذا المعنى من أيِّ وجه لنصِّه بأنَّ ، فالاشتراك بين قوله وقولك هو لفظيٌّ فقط لما سبق من نصِّه.
ومعلوم أنَّ الاستناد اللفظيَّ ليس يفيد شيئاً هاهنا!
والحاصل أنِّي أسلِّم أنَّ الإمام قد أطلق هذا الإطلاق، لكنَّ مقصوده منه ليس مقصوك ولا يصحُّ أن يكون مقصودك أصلاً!
................................................
وممَّا يؤيِّد فهمي لكلام الإمام الدَّوَّانيِّ رحمه الله تعالى هو ما قال العلَّامة العطَّارفي حاشيته على شرح جمع الجوامع، فقد قال: «ثم إني رأيت في شرح الدواني على العقائد العضدية إشكالا حاصله أنه إذا كان صدور الممكنات عن الواجب تعالى بالاختيار والأفعال الاختيارية مسبوقة بالعلم فيلزم أن يكون للحوادث وجود أزلي في علم الله تعالى إذ تعلق العلم باللاشيء المحض محال بديهة وما يقوله الظاهريون من المتكلمين من أن العلم قديم والتعلق حادث لا يسمن ولا يغني من جوع إذ العلم ما لم يتعلق بالشيء لا يصير ذلك الشيء معلوما فهو يفضي إلى نفي كونه تعالى عالما بالحوادث في الأزل تعالى عن ذلك علوا كبيرا. قلت المخلص ما أشرنا إليه سابقاً من أنه تعالى يعلم بالعلم البسيط الإجمالي جميع الأشياء ، وذلك العلم مبدأ لوجوده التفصيلي في الخارج كما أن العلم الإجمالي فينا مبدأ لحصول التفاصيل فينا».
فقد قال العلَّامة إنَّ المورَد بالقول بالوجود الأزلي للحوادث هو الإشكال، ورأى في كلام الإمام الدَّوَّانيِّ رحمه الله تعالى إجابة عنه.
.................................................
سلَّمنا تنزُّلاً أنَّ الإمام الدَّوَّانيَّ رحمه الله تعالى قد قصد المعنى الذي تريد...
فما معنى القول بالوجود العلميِّ للمعلومات؟!
أدنى ما يفيده هذا بحسب المعنى الذي تطلب- هو أنَّ هناك وجوداً وتحقُّقاً وثبوتاً أزلياً للمعلومات...
فهل هذا قول صحيح على مذهب أهل السُّنَّة؟!
..........................................
ثمَّ هل القول بتعدُّد وجوديٍّ لا نهاية له (لأنَّ المعلومات لا نهاية لها) حقٌّ في نفسه جارٍ على قول أهل السُّنَّة؟!!!
ألسنا ندرِّس مبتدئي الطَّلبة أنَّ تعلُّقات العلم اعتباريَّة ليست موجودة؟؟!
فكيف تجاهر بمخالفة قولهم الواضح البيِّن هذا؟!
وهذا الإلزام يلزمك يقيناً، فإنَّك إنَّما تريد بقولك بالوجود العلميِّ للمعلومات ذلك المعنى الذي تريد به تقريب القول بوحدة الوجود، وبحسب وحدة الوجود للأعيان ثبوت ذاتيٌّ أو علميٌّ- هو غير وجودها الخارجيِّ، وهذا الثبوت هو غيرُ صفة العلم وإلا لعاد قولك إلى قول أهل السُّنَّة باعتباريَّة تعلُّقات صفة العلم فلَمْ يصحَّ لك أن تقول إنَّ للمعلومات وجوداً علمياً قديماً، ولم يفدك ذلك شيئاً في تقريبك المزعوم!
فالقياس هكذا:
للمعلومات وجود أزليٌّ قديم (أي ثبوت هو غير ثبوتها الخارجيِّ).
المعلومات لا نهاية لها.
إذن: الموجودات لا نهاية لها بالفعل.
فهذا قياس منتج من الشكل الثالث لإيجاب الصغرى وكلِّيَّة المقدِّمتين.
والمقدِّمة الثانية صحيحة.
والنَّتيجة باطلة.
فيلزم بطلان المقدِّمة الأولى.
.............................................
أو إنَّك تقول إنَّ الوجود العلميَّ للممكنات هو عين علم الله تعالى؟ فيكون علم الله تعالى مركَّباً لا بسيطاً بخلاف نصِّ الإمام الدَّوَّانيِّ رحمه الله فضلاً عن سائر الأشاعرة رضي الله عنهم؟!
............................................
وإن كان مقصودك أمر غير ما احتملتُ فبيِّنه واخرج بنفسك عن الكلام المجمل ليكون استدلالك بما هو واضح!
............................................
ثمَّ يقال: الإمام الدَّوَّانيُّ رحمه الله تعالى إمام جليل له اختيارات في المذهب قد تكون معتبرة وقد لا تكون، فلا يُحتجُّ بها على إطلاقها!!
فلو سلَّمنا أنَّه قد قال بما تريد كما تريد لما كان قوله في هذه المسألة معتبراً، فهو مخالف لقول أهل السُّنَّة المقرَّر المعتبر الصحيح.
............................................
وبعد هذا كلِّه أسأل عن كيف ادّعيت دعواك العريضة: «فللمعلومات وجود علمي أزلي بلا شك ولا ريب ولا اختلاف».
وهو قول لم يقل به أحد من الأئمَّة على المعنى الذي تريد؟! ولئن كان الإمام الدَّوَّانيُّ قائلاً به فكيف صار عندك أمراً قطعيّاً لا شكَّ ولا ريب ولا اختلاف فيه؟!
ألهذه الدَّرجة صار الإمام الدَّوَّانيُّ عندك معتبراً؟!
أو إنَّك تزعمُ أنَّ هذا هو قول العلماء كلِّهم فقصرت العبارة إلا عند الإمام الدَّوَّانيِّ؟؟!
أو إنَّ ذلك لموافقة مرادك فقط؟!
............................................
والسلام عليكم...
تعليق