موقف السادة الأشاعرة...من الخروج على الحكام

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • همام ابراهيم طوالبه
    طالب علم
    • Jun 2007
    • 95

    #1

    موقف السادة الأشاعرة...من الخروج على الحكام

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وبعد:

    كعادة أكابر المحققين والعلماء... الإمام العضد والسيد الشريف رحمهما الله تعالى ورضي عنهما، يختصران بحوث العلماء وفهومهم المختلفة والمتشعبة من النصوص الشرعية في كلمات يسيرة، كلام في قمة التحقيق، ويحتاج إلى بحوث في بيان مصادره وأدلته، وشرحه وتفصيله، وكيفية العمل به.

    فقد جاء في كتاب "المواقف" وشرحه للإمام عضد الدين الإيجي والسيد الشريف الجرجاني (الجزء 8 صفحة 385):

    وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه، مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين، وانتكاس أمور الدين، كما كان لهم نصبه وإقامته لانتظامها وإعلائها، وإن أدى خلعه إلى فتنة احتمل أدنى المضرتين.


    تنبيه: المواقف وشرحه من أعظم الكتب المعتمدة عند السادة الأشاعرة رضي الله عنهم، ويدرس في الأزهر الشريف بعناية شديدة، منذ مئات السنين.

    بعض ما أشار إليه النص:

    أولا: الأمة... هي التي تنصب الإمام وتقيمه، أو تخلعه وتعزله... فكما لها حق إقامة الإمام... لها حق خلعه.

    ثانيا: الإمام له وظيفتان:

    1. انتظام أحوال المسلمين
    2. إعلاء أمور الدين

    ثالثا: للأمة أن تخلع الإمام وتعزله؛ وذلك إن فرّط في وظيفتيه السابقتين، فاختلت أحوال المسلمين، أو انتكست أمور الدين.

    رابعا: خلع الإمام أو تركه ... يتعلق بالقدرة وتقدير الفتنة، والنظر يكون باعتبار احتمال أدنى المضرتين لدفع أعلاهما، فقد يكون الخلع أدنى المضرتين، وقد يكون تركه... هو الأدنى، والمسألة ترجع لتقدير المسلمين.

    خامسا: لم يتعرض النص لكفر الحاكم ولا فسقه، وإنما كان التقييم لفعل الحاكم وعمله في حراسة الدين... ورعاية شؤون المسلمين.

    والله تعالى وحده الهادي والموفق إلى كل مطلب
    ( ولا تقف ما ليس لك به علم
    إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )

  • هاني علي الرضا
    طالب علم
    • Sep 2004
    • 1190

    #2
    المسألة فقهية لا عقدية أخي الكريم ، فلا قول فيها للأشاعرة وإنما القول قول فقهاء المذاهب الأربعة ومحل بحثها القسم الفقهي ، وما تفضلت بنقله عن المواقف يتكلم عن "خلع" الإمام لا عن "الخروج" عليه وبينهما فرق ، وراجع تكرما الغياثي للجويني .
    صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

    تعليق

    • همام ابراهيم طوالبه
      طالب علم
      • Jun 2007
      • 95

      #3
      الأخ هاني...

      في هذه الأيام تبعثرت المسائل عند كثير من الباحثين...

      فقائل يقول وعلى صفحات هذا المنتدى...عن حرمة الخروج على الحكام انها من عقائد أهل السنة: "هذا صار شعارا لأهل السنة ..معدودا في ضمن عقائدهم ..كما في الطحاوية و غيرها ..."..

      وانظر إن شئت هذا الرابط

      فأحببت أن أنقل له ولغيره من كتب العقائد المعتمدة بتفصيلها الدقيق، وعباراتها المحكمة... هذا أولا...

      وثانيا: ما تتفضل به خطبه يسير... فالمسألة إن نظرت إليها من جهة العمل فهي فقه... وإن نظرت إليها من جهة الاعتقاد فهي عقيدة... وهذا على حد تعبير الإمام السعد في العقائد النسفية:

      "الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل، وتسمى فرعية وعملية، ومنها يتعلق بالاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية" فالخلاف اعتباري...والخطب يسير

      ثالثا: المواقف كتاب عقيدة وعلم كلام... فبحثتها كما بحثها العضد والسيد الشريف تحت عنوان العقيدة وعلم الكلام... وكل ما يمكن لك أن تبرر به لهما... أبرره لنفسي

      والله الموفق

      أما ما تفضلت به من الفرق بين "خلع" الإمام و"الخروج عليه"، فغير مفهوم، إذ الخلع يقتضي الخروج، فبيّن لنا مرادك بيانا شافيا

      ( ولا تقف ما ليس لك به علم
      إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )

      تعليق

      • هاني علي الرضا
        طالب علم
        • Sep 2004
        • 1190

        #4
        المقصود أخي أن العنوان احتوى تعميما لا يصح ، فالأشاعرة فرقة كلامية لا فقهية وبالتالي فلا يتصور أن يكون لهم قول في مسألة فقهية ، ثم على فرضه فلا يمكن جمعهم جميعا على قول واحد في مسألة فقهية يزعم زاعم أنه موقف "كل" الأشاعرة في هذه المسألة ، كيف وأنت نفسك تسوغ نقلك بأنه في مقابل من قال إن عدم الخروج شعار لأهل السنة بما يعني محاولتك اثبات الخلاف ، فكيف تصير محاولة اثبات الخلاف حكاية لاتفاق كل "الأشاعرة" على ما تريد ؟

        الأمر الآخر : اقحام الإيجي للمسألة في المواقف لا يعني تحولها إلى مبحث من مباحث الكلام يستفاد من كتب الكلام ومن المتكلمين !!
        ولا أظن أحدا يرجع إلى أحد متون الكلام أو شروحها ليتسقي منها أحكام المسح على الخفين رغم ذكره في أكثر من متن عقدي ، فالامر كذلك هنا ولا يليق بطالب علم أن يترك ما قرره الفقهاء ويستقي أحكام المسائل الفقهية من كتب العقيدة أو يحيل غيره إلى ما فيها من إشارة إلى مسائل فقهية .

        والمقصود من هذا أنك إن أردت معرفة حكم الخروج على الحكام فلا يمكنك أن تقارع قول الغزالي والنووي وابن حجر والرملي بقول الإيجي أو الجرجاني مثلا ، ولا يليق أن تترك قول خليل والخرشي وابن الحاجب والدردير والدسوقي لإشارة غير مفصلة تجدها في كتاب عقيدة هنا أو هناك ، باختصار لا يمكن أن تقارع ما فصله وبحثه وقرره السادة الفقهاء في مسائل الفقه بما أشار إليه المتكلمون لمما كما لا يمكنك أن تقارع قول المتصوفة في تهذيب النفس ومراتب السلوك بكلام الفقهاء في صحة الصلاة وبطلانها ، فلهذا مأخذ ومبحث يختلف عن ذاك والخلط بينهما يؤدي إلى الاختلال في الموازين والاحكام ولا بد .

        وما استشهدت به من كلام السعد لا يصح في رأيي ، فهو لا يتكلم عن أحكام الفقه الفرعية ولا يقصدها بقوله "تسمى أصلية اعتقادية" ، وأحكام الفقه لا تعلق لها بالإعتقاد إلا من وجه اعتقاد أنها شرع الله وحكمه والإذعان لذلك ، أما أن تعد هي نفسها أي الحلال والحرام من الأصول والاعتقاديات فلا أرى كيف يكون ، فالخلاف ليسا اعتباريا والخطب ليس يسيرا ، وذات هذا الخلط هو ما ادى بالوهابية إلى اخراج مسائل التوسل والاستغاثة من مباحث الفقه إلى مباحث العقيدة ثم التوصل به إلى إكفار الناس والمولاة والمعاداة عليه فتأمل .

        أما الفرق بين الخلع والخروج فقد أحلتك على غياثي الجويني ، ولو تفضلت بمراجعته فستجده يفرق بينهما كما يفرق بينهما الفقهاء عند كلامهم عن البغي والخروج .
        فكيف تخلع من لم تنصبه ابتداءً ؟؟
        وكيف ينخلع بطروء الفسق والظلم من تولى وهو فاسق ظالم ابتداءً ؟

        وما ظننته من تلازم الخلع والخروج غير صحيح ، فالخلع قد يكون بغير حرب وقتال بل بنقض البيعة وإبطالها فقط من أهل الحل والعقد ، بينما الخروج في عرف جمهور الفقهاء لا يكون إلا بقتال ومغالبة ، والمساواة بين اللفظين غير صحيحة .

        لو تفضلت ورجعت إلى هذه الكتب أخي لوجدتهم يتكلمون عن خلع "اهل الحل والعقد" لمن فسق وظلم كما كان لهم نصبه ابتداءً ، وهذا كلام في المبايع من أهل الحل والعقد اختيارا لا في المتغلب ، والمبايع اختيارا هو من يشترط في صحة توليه العدالة وعدم الفسق ، فإن طرأ عليه ما أخل بشرط توليه فلمن ولاه خلعه ، بينما المتغلب كرها لا يشترط في صحة توليه وانعقاد بيعته مثل ذلك لأن حكمه حكم المضطر ، فأخذ أحكام المبايع وتعميمها بما يشمل المتغلب ثم جعل ذلك هو مراد الفقهاء وحكم المذاهب خلط واجتزاء للنصوص من سياقاتها .

        ونفس النص الذي نقلته عن المواقف وشرحها هو في المُبايَع لا في المتغلب الذي يؤدي الخروج عليه إلى ما لا يحمد ، فهو في الإمام المُبايَع من قبل أهل الحل والعقد نيابة عن الأمة بشاهد قول الجرجاني معللا تجويز خلعه بما يفوت مقاصد الإمامة :

        [وللأمة خلع الإمام وعزله لسبب يوجبه؛ مثل: أن يوجد منه ما يوجب اختلال أمور المسلمين، وانتكاس أمور الدين، كما كان لهم نصبه وإقامته، لانتظامها وإعلائها، وإن أدى خلعه إلى الفتنة؛ احتمل أدنى المضرتين ـ] آ.هـ

        فالكلام في إمام تنصبه الأمة ، وكما نصبته فإنها تخلعه إن لم يف بالشروط ولم يقم بالمتفق على إقامته .

        أما عند التغلب والقهر فتهمل الشروط كما تجده مبثوثا في الغياثي وفي كتب الفروع ويحرم الخروج إلا لموجب الكفر إلا أن يخرج قرشي عدل صاحب شوكة فيعان عند المالكية ، يقول الإمام التفتازاني في شرح المقاصد :

        [ وبالجملة : مبنى ما ذُكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار، وأما عند العجر والاضطرار واستيلاء الظلمة والكفار والفجار وتسلط الجبابرة الأشرار فقد صارت الرياسة الدنيوية تغلبية ، وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ضرورة ، ولم يُعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط ، والضرورات تبيح المحظورات وإلى الله المشتكى في النائبات وهو المرتجى كشف الملمات ] آ.هـ شرح المقاصد 5/245 ط عالم الكتب .

        والتفريق بين المتغلب وبين المبايع في كلام الفقهاء كثير في التولي وفي العزل أو الخروج والخلط بين الأحوال المختلفة يفضي إلى اضطراب الحكم وإنزاله على غير وجهه .

        والله الموفق .
        صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

        تعليق

        • لؤي الخليلي الحنفي
          مشرف منتدى الفقه الإسلامي وأصوله
          • Jun 2004
          • 2544

          #5
          جزاكم الله خيرًا أخي الكريم الشيخ هاني
          ولربما من أراد مناقشة مسألة الخروج على الحاكم أن يحشد لها أقوال الفقهاء المعتمدة في كل مذهب، وذلك بعد إتقانه لفهم كلامهم، أما أن يكيّف المسائل وفق فهمه وما ترتضيه نفسه فهذا ما لا يحمد عقباه، ونتيجته الحتمية الاضطراب، وهذا ما تفضلتم وأشرتم إليه بأن الأحكام الفقهية يرجع فيها إلى كتب الفقهاء لفهمها وحملها على محملها الصحيح.
          وهي إشارة إلى عدم خوض من لم يطلع على أقوال الفقهاء في المسألة، فلا يأتينا بفهمه دون الاطلاع على أقوال من ارتضينا باتباعهم وتقليدهم، ففي كلامهم غنى عن فهمه وفقهه.
          دمتم بخير.
          وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
          فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
          فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
          من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

          تعليق

          • عبد النصير أحمد المليباري
            طالب علم
            • Jul 2010
            • 302

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة هاني علي الرضا
            المسألة فقهية لا عقدية أخي الكريم ، فلا قول فيها للأشاعرة وإنما القول قول فقهاء المذاهب الأربعة ومحل بحثها القسم الفقهي ، وما تفضلت بنقله عن المواقف يتكلم عن "خلع" الإمام لا عن "الخروج" عليه وبينهما فرق ، وراجع تكرما الغياثي للجويني .
            كلامك صحيح من وجه، إلا أن تسويتك لمسألة تنصيب الحاكم والخروج عليه مع سائر الأحكام الفقهية - كما يبدو لي من كلامك - فكلامك غير مسلم به،
            فكم من مسائل فقهية تدخل في باب العقائد كمتمم عقدي، أو كشعار من شعائر أهل السنة، منذ أقدم العصور هكذا، وحتى الإمام الطحاوي رحمه الله في عقيدته المشهورة ذكر مسائل "فقهية" ضمن العقائد كما قلت،
            وفي شرح العقائد النسفية لمولانا السعد رحمه الله: «سئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن أهل السنة والجماعة، فقال: أن تحب الشيخين، ولا تطعن في الختنين، وتمسح على الخفين»
            .

            تعليق

            • همام ابراهيم طوالبه
              طالب علم
              • Jun 2007
              • 95

              #7
              وجاء في شرح المقاصد للإمام سعد الدين التفتازاني رحمه الله

              نقلاً عن إمام الحرمين الجويني رحمه الله ورضي عنه:

              (وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه وغشمه، ولم ينزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه
              ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب)

              (شرح المقاصد في علم الكلام، لسعد الملة والدين، سعد الدين التفتازاني، الجزء 2 صفحة 272)

              تنبيه: المقاصد وشرحه من أعظم الكتب المعتمدة عند السادة الأشاعرة رضي الله عنهم، ويدرس في الأزهر الشريف بعناية شديدة، منذ مئات السنين.

              الأخ هاني:

              أولا:
              لماذا لا يستفاد من كتب علم الكلام في مسألة الإمامة؟
              ولماذا ذكر العلماء مثل هذه المسائل في هذه الكتب الكلامية الموسعة ؟
              أليس لنرجع إليها ؟!!

              كلام العلماء كله مفيد...فكيف إذا كان كلام العضد أو السيد أو السعد!! أنعم وأكرم بأمثال هؤلاء الأكابر
              وكيف إذا كانت الكتب التي نُرجع إليها من الكتب المعتمدة عند أهل السنة في التدريس!!

              ومن تجربتي الشخصية: في كتب العقائد وعلم الكلام من المباحث الفقهية والتربوية والكونية ما هو في قمة التحقيق والدقة، وربما لن تجده في كتب أخرى ...
              أخي العزيز: "لا ينبغي أن تلتلبس عليك حقائق الأمور بالعادات والمراسم" كما قال الحجة الغزّالي (تهافت الفلاسفة ص 9)

              ثانيا:
              أحكام الفقه لها تعلق بالإعتقاد...

              وذلك من جهة اعتقاد أنها من شرع الله وحكمه، ويجب الإذعان لذلك الحكم والتشريع...
              وربما تورد المسألة الفقهية في كتب الاعتقاد لشبهة طرأت عليها تضر بأصل من أصول الدين... فيذكر العلماء فيها من التحقيقات ما يكون في قمة التحقيق والدقة، وربما لا تجده في كتب الفقه الأخرى...

              فهل أعرض عن هذه التحقيقات لكونها في كتب علم الكلام!!

              ثالثا:
              الفرق بين الخلع والخروج غير مفهوم...
              والحق: أن الخلع يلزم منه الخروج، وإلا لما ترتب عليه فتنة، كما أشار إليه العضد في النص المذكور

              ثم...إذا كان المبايع بالاختيار يعزل بما ذكر العضد رحمه الله، فما بالك بالمتغلب الذي ولي المسلمين كرها وبيعته من باب الضرورة، هل نعطي للبيعة التي تؤخذ كرها من المسلمين... هل نعطيها من الحصانة ما لا نعطيه للبيعة الشرعية الإختيارية!!

              فقولك: أن المتغلب ويحرم الخروج عليه إلا لموجب الكفر، بينما يصح خلع المبايع لمجرد مخالفته لمهامه الشرعية التي بايعته لأجلها الأمة
              غريب جدا جدا
              ورحم الله الإمام مالك الذي لم يوقع طلاق المكره... فخلعت كتفه لأنه أشار بها إلى بيعة الحكام في ذلك الزمان...

              يقول السعد في المقاصد أيضا:
              (وبالجملة مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار...
              وأما عند العجز والاضطرار واستيلاء الظلمة والكفار والفجار وتسلط الجبابرة الأشرار فقد صارت الرياسة الدنيوية تغلبية وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ضرورة
              ولم يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط والضرورات تبيح المحظورات
              وإلى الله المشكي في النائبات وهو المرتجى لكشف الملمات)
              (المقاصد الجزء 2 صفحة 278)

              فالمسلم يسعى لرفع هذه الضرورة... التي يجأر الإمام سعد الدين إلى الله تعالى منها ويعتبرها من النائبات

              أما كتاب الغياثي
              فهو من أحب الكتب إلى نفسي، وقد قرأته، وأرجع إليه دائما، وأسأل الله أن يرجع الأمة إلى إمام كإمام الحرمين رضي الله عنه، يلم شملها وشعثها...
              فارجو منك أن تنقل لنا فقرات هذا الكتاب المتعلقة بالموضوع، حتى تبين لنا ما تريد، ونقارنها بكلام العضد والسيد رحمهما الله...
              فيتضح المقام

              أكرمك الله ونفع بك
              ( ولا تقف ما ليس لك به علم
              إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )

              تعليق

              • هاني علي الرضا
                طالب علم
                • Sep 2004
                • 1190

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة عبد النصير أحمد المليباري
                كلامك صحيح من وجه، إلا أن تسويتك لمسألة تنصيب الحاكم والخروج عليه مع سائر الأحكام الفقهية - كما يبدو لي من كلامك - فكلامك غير مسلم به،
                فكم من مسائل فقهية تدخل في باب العقائد كمتمم عقدي، أو كشعار من شعائر أهل السنة، منذ أقدم العصور هكذا، وحتى الإمام الطحاوي رحمه الله في عقيدته المشهورة ذكر مسائل "فقهية" ضمن العقائد كما قلت،
                وفي شرح العقائد النسفية لمولانا السعد رحمه الله: «سئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن أهل السنة والجماعة، فقال: أن تحب الشيخين، ولا تطعن في الختنين، وتمسح على الخفين»
                .
                ما فهمت المقصد ؟

                هل مباحث الإمامة عندك من الفقه أو من العقائد ؟؟
                فأنت تصحح كلامي ثم تقول إن تسويتها بماحث الفقه غير صحيح ؟

                والأمر لا يخلو من أحد اثنين : فإما أن تكون من الفقه أو تكون من العقائد ، فإن كانت من الفقه فلا تميز لها عن بقية مباحثه وبحثها في العقائد أجنبي ومن باب النقاش لا التقرير فلا يليق بطالب علم فيها أن يستقيها إلا من محلها الذي هو كتب المذاهب الأربعة لا من كتب الكلام والأصول كما يحاوله الأخ صاحب الموضوع هنا لما لم يجد ضالته في كتب الفروع ، وإن كانت من العقائد عندك فذاك يقتضي أن تبين لنا من قال من أهل السنة إن الإمامة من أصول الدين وما يقتضيه ذلك من تبديع أو تفسيق أو تكفير المخالف فيها ؟

                وقد كفانا من أقحمها في العقائد مؤونة الرد واعتذر عن إيراده لها في العقائد ، وأنا هنا أنقل عن ذات الكتاب الذي يستشهد به أخونا الطوالبة أي مواقف الإمام العضد رحمه الله :

                يقول الإمام العضد في أول مباحث الإمامة من مواقفه :

                [ المرصد الرابع : في الإمامة ومباحثها
                عندنا من الفروع وإنما ذكرناها في علم الكلام تأسيا بمن قبلنا ] آ.هـ

                فهي عنده من الفروع ومحل بحثها الفروع لا كتب الأصول ، ويعتذر عن إيرادها في الأصول بأنه في ذلك متأس بمن قبله ، ولو كان لها أدنى تعلق بالأصول يزيد عما ذكرته أنا سابقا من وحوب اعتقاد أنها حكم الله في المسألة مثلها مثل أحكام الطهارة والصلاة لا كما تقترحه حضرتكم من أنها مكملة للعقيدة - والمتمم المكمل لا يكمل إيمان المرء إلا به - لما اعتذر عنه وبين وجه فعله أول بحثه فتأمله رجاء .

                ثم لو تكرمت وقرأت مقدمة المواقف بشرح الشريف فستتضح الصورة أكثر :

                يقول الشريف الجرجاني في مقدمة المواقف :
                [ (ولما توفاه) إشارة إلى مباحث الإمامة فإنها وإن كانت من فروع الدين إلا أنها ألحقت بأصوله دفعا لخرافات أهل البدع والأهواء وصوتا للأئمة المهديين عن مطاعنهم كيلا يفضي بالقاصرين إلى سوء اعتقاد فيهم ] آ.هـ

                فهذا يبين لك سبب خوض السابقين الذين تأسى بهم العضد في مباحث الإمامة وإلحقاهم إياها بمباحث الكلام لا من حيث إن لها تعلقا بالعقيدة أو أنها متممة لها بل من حيث إنه لما خاض فيها أهل البدع والشقاق بالباطل فجعلوها من أصول الدين وربما توصلوا بها إلى إكفار من خالفهم فيها كما بعض فرق الإمامية اضطر أئمتنا اضطرارا إلى بحثها في كتب الأصول لمنهج يمزج بين العقل والنقل لدفع شبه المعتزلة والإمامية والزيدية وغيرهم عن الحق فيها ولبيان سلامة مسلك أهل السنة الذي سلكوه في شأنها والذي محل تفصيله سواء في شروط الإمام أو تنصيبه أو خلعه كتب فروع الفقه على المذاهب الأربعة لا كتب الكلام ، فالخوض في مباحث الإمامة إنما هو من باب الاضطرار لا التأصيل .

                وبحثها في كتب الأصول هو فقط من الحيثية التي حصرها فيها الشريف : أي من حيث مدافعة خرافات أهل البدع والأهواء والرد على شبهاتهم ، ووفق منهج الرد والدفع كتب فيها أئمة الأصول ، اما جعل ما كتبوه وفق منهج الرد والدفع هو المقرر لأحكام الإمامة عند أهل السنة وهو الأصل الذي تستقى منه تلك الأحكام لا كتب المذاهب الفقهية الأربعة فهو قلب للامور وحيدة بمراد الأئمة من بحثها في الأصول عن قصده ، فلا هم قصدوا بها بحث أحكام الإمامة وفق مذاهب مجتهدي أهل السنة ولا أردوا استيفاء تلك الأحكام لتستقى مما كتبوه فيها وإنما قصدوا الرد فقط ودفع الشبه وأوكلوا مهمة الكشف عن تفاصيل أحكامها وتكييفها وفق الواقع للفقهاء .

                ومن خالف في مباحث الإمامة - كأن يقول بالسيف ووجوب الخروج على أئمة الجور كما تقوله بعض الفرق - غايته المخالفة في حكم فرعي لا يحكم عليه بسببه لا بضلال ولا بكفر اللهم إلا أن يقال هو فاسق لخروجه عن المذاهب الأربعة المستقرة اليوم لا لكونه خالف أهل السنة مخالفة عقدية ، فالإمامة فعل بشري تعتريه الأحكام التكليفية ولا تعلق له من قريب أو بعيد بالعقائد الأصلية للإسلام ، والذين جعلوه من العقائد هم المعتزلة والقدرية والإمامية والزيدية ، وجعله من مباحث الكلام أو متمما لعقيدة المسلم اقتداء بسنن هؤلاء لا بسنن أئمة السنة الذين حاولوا ثنيهم عن غلوائهم وردهم إلى الحق وإطهار أن المسألة شرعية بحتة تبحث وفق النصوص في ضوء نظر مجتهدي المذاهب ولا تعلق لها بإيمان أو كفر إلا من حيث الإيمان بحكم الله فيها .

                والله الموفق
                صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                تعليق

                • نوران محمد طاهر
                  طالب علم
                  • Nov 2010
                  • 139

                  #9
                  الشيخ الفاضل هاني بوركت يمينك وطاب فوك، وجزى الله خيرا الشيخ لؤي على هذا التوضيح ايضا:
                  من عجائب الزمان تصوير الفروع الفقهية كالأصول العقدية، وتسويق أهل الأشاعرة في حيز الخلاف الفقهي، مسائل الإمامة كما تم توضيحه مسائل فرعية يجب ملاحظة هذا عند النظر فيها، ومن أحب أن ينظر لها نظرا عقديا فلها سبلها، وساحاول التمهيد لبعضه:
                  ما تعانيه الأمة من ظلم الظلمة يجب النظر إليه عقديا من ناحية ربط الأسباب بالمسببات ربطا واجبا عرضيا، وعلى الدعاة إيقاظ هذه الحقيقة العقدية في نفوس الناس ، أعني أن الله تعالى جعل سبب النصر نصرَهُ، فمن قفز فوق هذه الحقيقة بأي شكل من الأشكال فهو سيغير صورة الظلم فقط، اما حقيقة الظلم فهي باقية، وتأمل في قول سيدنا موسى لقومه مبينا لهم حقيقة الاستخلاف من غير تغير حقيقة النفوس: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}، فالإيذاء وإن حصل لا يعني تعليل النصر، وقد التقيت بأناس من رؤوس الحركات الإسلامية وقال كفرا وهو يظن أنه يعظ الناس:
                  أيها الناس، الله يرى آلامكم، يا رب ؛ ألا يكيفي هذا؟! أما آن لك أن تنصر عبادك المستضعفين في الأرض؟!!!! هدانا الله وإياه.
                  وانظر الآن إلى أحوال الأمة هل هي تنصر الله ؟
                  ولا أدري كيف رضينا بالسبل الملتوية للوصول لتحقيق أهدافنا وحرَّمنا على غيرنا هذه السبل؟
                  أقول: هذا اعتقدنا بربنا، ولو شاء لقلب الأمر بغيرما سبب، ولكنه حكيم عليم.
                  وليس هذا وعظ وإرشاد ، بل هو اعتقاد ندين الله به.
                  ووجود الصالحين والصادقين لا يعد مبررا لنصر الفاسقين والضالين، بل كل يبعث على نيته.
                  قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

                  تعليق

                  • لؤي الخليلي الحنفي
                    مشرف منتدى الفقه الإسلامي وأصوله
                    • Jun 2004
                    • 2544

                    #10
                    بارك الله فيكم يا شيخ نوران
                    وودت لو أن الأخ همام نهض بهمته وكتب بحثا في الموضوع، جمع فيه أقوال الأئمة من الكتب المعتمدة في المذهب، وتم بعدها فتح حوار حول الموضوع.

                    ولقد كثر القيل والقال في الموضوع حتى ممن لم يشم أنفه الفقه، أو حتى معرفة أسماء كتبه، حتى امتلأت المنتديات بكتابات المتفيقهين الذين حملوا على الشيخ البوطي في رأيه، مع أنه لم يخرج قيد أنملة عند معتمد المذاهب.
                    وليت شعري هل وصل أولئك المتفيقهة كعبه في الاطلاع والعلم.
                    فكل ما رأيته وقرأته آراء شخصية مبنية على العواطف، لا تنم على علم صاحبها، فضلا عن أن يكون فقيها.
                    جتى وصل الأمر أنْ كتبَ بعضهم يحمل على الشيخ البوطي في منتدانا، وما تركنا الأمر وقتئذ إلا لمنع حصول فتنة -ولا يعني اطلاقًا أنا نوافقه فيما ذهب إليه- كوننا لا نعلم له اشتغالا بالفقه، ولم نر في مشاركاته ما يدل عليه، ورأيت أيضا في منتدانا من يدعو للشيخ البوطي بحسن الخاتمة (ففي رأيه أنه ضلَّ بفتواه).
                    ولقد رأيت تراجع كثير إلى فتوى الشيخ البوطي، حتى ممن كانوا يفتون بالخروج دون أية قيود أو ضوابط.
                    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
                    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
                    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
                    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

                    تعليق

                    • عبد النصير أحمد المليباري
                      طالب علم
                      • Jul 2010
                      • 302

                      #11
                      ولم أقل إن موضوع الإمامة ليس بحثا فقهيا، وإنما الذي قلته أن له مساسا عقديا، وهو أمر لا يخفى على من له دراية بالتراث العقدي والكلامي، وذكرت لك دليلا من كلام الطحاوي وكلام السعد، ولم تلتفت إليهما، وكلام السعد نص صريح على صحة ما قلته لك؛ حيث قال فيه عن سيدنا أنس رضي الله عنه إن علامة أهل السنة ... أن تمسح على الخفين، وهل تظن أن كون مسألة مسح الخفين فقهية يخفى علي حتى تصححني !!
                      وكذلك مسألة الإمامة يا أخي، وهي وإن كانت مسألة كلامية بالأصالة إلا أن لها مساس قوي بالعقيدة، فلم يكن المتكلمون بهذا القدر من الغفلة حتى يخصصوا عشرات الصفحات لهذه المسألة في كتبهم الكلامية،
                      فالموضوع إذن ليس حكرا على الكتب الفقهية فقط، وإنما يستعان فيه بما قرره علماء الكلام كلما نحتاج إليه،
                      هذا، وإن كثيرا من هؤلاء الأئمة كانوا فقهاء ومتكلمين في الوقت نفسه، مثل إمام الحرمين والغزالي والتقي السبكي والتاج السبكي وشيخ الإسلام زكريا، فالإعراض الكلي عن كتب المتكلمين في هذا الموضوع كلام غريب، لم أسمعه من قبل.
                      وهذا بعيدا عما يحدث الآن في سوريا، وبعيدا عن موقفكم من الدكتور البوطي ومن خالفه، وأنا لست طرفا في هذا النزاع.

                      تعليق

                      • نوران محمد طاهر
                        طالب علم
                        • Nov 2010
                        • 139

                        #12
                        أخي عبد النصير:
                        ما كنت أوجه الكلام إليك من قبل إن قصدت الرد علي، فأنت في نفسي كما أقرأ لك من أهل العلم المنضبطين بالنص، وكلامي لغيرك، فإن كنت تعتقد ما اعتقده الغير فليكن الكلام لكما ولا ضير بإذن الله، فما نبهت عليه أمر جلي، ولكنه لا يجعل المسألة عقدية كما تفضل الشيخ هاني وبين، ومسح الخفين على أهميته وإن ضُمَّ لكتب العقيدة فهو فرع وليس بأصل، وأهمية الشيء شيء وكونه أصلا شيء آخر، فنحن لا ننفي وجود الفروع في كتب الأصول، بل ونعرف بحمد الله لم جاء بها علماؤنا السابقون، ولكننا لا نخلط ما لا يخلط، وقد نقل لك الشيخ هاني تنبيهات على هذا فلعلك جاوزتها أخي عبد النصير ولم تعرها انتباهك، فاستبصر بها فهي نافعة.
                        وأنفعك بأمر فأعرني أذنك وأنا لك أخ محب:
                        إنما دونت مسألة الإمامة في كتب الأصول للرد على من جعلها أصلا أولا، وللرد على من عبث بأحكامها فتارة جعلها عقلية، وتارة ادعى عصمة أهلها، وتارة ادعى هدرها، ولكن ...
                        ما رأيناه في كتب أصولنا هي هذه البيانات ، مع الردود العقلية والنقلية على هذه المقولات، أما عن أحكام الإمامة فما في الأصول مطابق لما في كتب الفروع عند أهل السنة، ولكن عندما نحرر المسألة كحكم شرعي لا بد من عودة أكيدة قاطعة لكتب الفروع، وعندما نعمد للرد على خصوم أهل السنة في مسألة التنصيب والوجوب والعصمة فلا غنية للعالم عن النظر في كتب الأصول، وتأمل كلام مولانا الحجة الغزالي في الاقتصاد:
                        (النظر في الإمامة ليس من المهمات، وليس أيضاً من فن المعقولات بل من الفقهيات، ثم إنها مثار للتعصبات؛ والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض وإن أصاب، فكيف إذا أخطأ)
                        عتبي كبير عليك يا شيخ عبد النصير أن تفهم عني ما فهمت، إنا نُغلِّط من أراد بحثها فقها وعمد إلى كتب الأصول، وكان الواجب أن يعمد إلى كتب الفقهاء، فما دونه الحجة الغزالي عن الإمامة في الاقتصاد بالنظر إلى أهدافه ومقاصده مباين لم دونه في الوسيط مثلا من تفريع القول، وكذا سنغلِّط من أراد الرد على الفرق والقائلين بعصمة الأئمة ووجوب النصب العقلي إن هجر كتب الأصول وعمد لكتب الفقه، فلا تسق قولي مساقا بعيدا، فبحث الإخوة في الفروع، فليلتزموا منهج أئمتنا في هذا ولينقلوا كما قال الشيخ لؤي كلاما مفصلا عن الفقهاء ، وعندي ملحوظة:
                        عندما ننقل عن المدارس الفقهية لا نعمد لواحد من رجالات المذهب وننقل عنه، فنحن نعرف أقدارنا، فلسنا بمجتهدي مذهب، بل علينا أن ننقل المحرر في المذهب والمعتمد، لا أن نتشهى في اختيار الأقوال لنكنون كعبثة من يدعي اتباع السلف!
                        قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

                        تعليق

                        • هاني علي الرضا
                          طالب علم
                          • Sep 2004
                          • 1190

                          #13
                          الأخ همام

                          لماذا لا يستفاد من كتب علم الكلام في مسألة الإمامة؟
                          ولماذا ذكر العلماء مثل هذه المسائل في هذه الكتب الكلامية الموسعة ؟
                          أليس لنرجع إليها ؟!!
                          نعم صحيح : لنرجع إليها وفق ما أردوا هم منا أن نرجع إليها لأجله -- دفعا لخرافات أهل البدع والأهواء كما يعبر الشريف الجرجاني .
                          ولم يذكروا هذه المسائل في كتب الكلام لنرجع إليها في استقاء الأحكام التفصيلية منها كما تحاوله ، بل يصدرون كلامهم بالاعتراف بأن المبحث فرعي وإنما ذكر لأجل الرد على من جعله من مباحث العقيدة من الفرق الزائغة ، وهو إشارة إلى الرجوع إلى كتب الفروع الفقهية لمعرفة تفاصيل أحكام المسألة بما يوافق كل مذهب .



                          تقول :
                          ومن تجربتي الشخصية: في كتب العقائد وعلم الكلام من المباحث الفقهية والتربوية والكونية ما هو في قمة التحقيق والدقة، وربما لن تجده في كتب أخرى ...
                          أخي العزيز: "لا ينبغي أن تلتلبس عليك حقائق الأمور بالعادات والمراسم" كما قال الحجة الغزّالي
                          أقول : ليست المسألة مكانة الإيجي أو الجرجاني أو السعد أو الرازي ، فهذا لا نزاع فيه وتصور المسألة بهذا الشكل بُعدٌ عن المنهجية العلمية والعمق في التعامل مع التراث .
                          وتصوير المنهج العلمي الرصين الصحيح في التعامل مع العلوم الشرعية بأنه من العادات والمراسم مؤسف وينبي عن عدم احترام لهذا المنهج وتفلت منه ولا أريد أن أقول استشراف لتمجهد واستسهال للخروج عن مقررات المذاهب الأربعة والتقليد الفقهي ، والمصيبة الأعظم الاستشهاد على ذلك بقول الإمام الغزالي الذي يخالفك في هذا المنهج وفي هذه المسألة .
                          الإشكال الجلي في استقاء أحكام المسائل الفقهية من غير كتب الفقه المعتمدة أنه مظنة الوقوع في الخلط وسوء الفهم في تلك المسائل ، وذلك لأن من ذكرها في كتب العقيدة أو التفسير أو التصوف لم يقصد بذلك استيفاءها وتحريرها وإنما قصد بذلك الرد على المخالف في العقيدة الذي جعلها من صميم العقائد أو بيان وجه استنباطها من النص القرآني أو الحديثي أو بيان لطيفة نورانية لها تعلق بذلك الحكم الفقهي ، فالعتب ليس على الأئمة الذين أدرجوا مسائل الفقه في غير محلها وإنما العتب كله على من جاء بعدهم وغفل عن مقاصدهم ثم طفق وحده يكافح كلامهم بفهمه الخاص ليبني عليه ويستنبط منه معرفة أحكام المسألة كلها ثم يعزو ذلك إلى كل قبيلة متكلمي أهل السنة أو مفسريهم أو متصوفتهم بأن هذا هو حكم المسألة الفقهية عندهم مع أنه لا المتكلمون ولا المفسرون ولا المتصوفة أرداوا بذكرها في كتبهم بيان الوجه الفقهي منها -- أي ما يتعلق بفعل المكلف وحرمة أو جواز الفعل .

                          ويشبه هذا الأسلوب منهجية الوهابية والأحباش وغيرهم من أصحاب الأغراض في نسبة أقوال إلى الإمام مالك مثلا مأخوذة من كتاب ككتاب الاعتقاد للالكائي زاعمين أنه هو المذهب المالكي غافلين عما هو مدون في كتب المذهب المعتبرة ساعين إلى التعرف على المذهب وفق ما يشتهونه من غير الباب المعتبر في تحصيل المعرفة السليمة الذي هو باب كتب المذهب المعتمدة المنقحة .


                          تقول :

                          ثانيا:
                          أحكام الفقه لها تعلق بالإعتقاد...

                          وذلك من جهة اعتقاد أنها من شرع الله وحكمه، ويجب الإذعان لذلك الحكم والتشريع...
                          وربما تورد المسألة الفقهية في كتب الاعتقاد لشبهة طرأت عليها تضر بأصل من أصول الدين... فيذكر العلماء فيها من التحقيقات ما يكون في قمة التحقيق والدقة، وربما لا تجده في كتب الفقه الأخرى...

                          فهل أعرض عن هذه التحقيقات لكونها في كتب علم الكلام!!
                          يا أخانا الفاضل يرحمك الله .. هذه تحقيقات حجاجية لمتكلمين قصدوا بها الرد على مخالفين مشاغبين وليست تحقيقات تفصيل وإبانة وكشف عن الأحكام ، وإلا إن كانت فإنها لا تخرج عن أن تكون فقها محضا لأن المسألة فقهية محضة كونها متعلقة بأفعال المكلفين ، فالكاتب فيها يكتب في الفقه ، ومن كتب في الفقه فإنه يوزن بميزان الفقه والفقهاء ، فهؤلاء المتكلمة الخائضون في المسألة إما أن يكونوا ممن بلغ رتبة الاجتهاد فيكتبوا فيها وفق قواعدهم الخاصة في الاستنباط وهو ما يكذبه الاستقراء حيث لم يبلغ واحد منهم رتبة الاجتهاد المطلق ، أو يكونوا من فقهاء المذاهب فلا يسعهم أن يكتبوا فيها بما يخالف قواعد مذهب الإمام الذي يتبعونه وإلا عد كلامهم سقط قول لا قيمة له ، والعضد الذي تنقل عنه شافعي فتوزن أقواله إذن بميزان فقه الشافعية وينظر مقامه في المذهب فلا تجده من أهل الترجيح أو الفتوى ولذا قلت لك منذ الابتداء أنه لا يقارع قول النووي والرملي وابن حجر بقول العضد على جلالته في الكلام ، وعلى ذلك فقس في بقية المذاهب .
                          أما إن كان ما يسطره هؤلاء المتكلمة خارج أسوار المذاهب الأربعة والفرض أنهم مقلدة فإنه عندها منهج "لا مذهبية" فسقة وهو قنطرة إلحاد كما عبرة مولانا الكوثري فتنبه بارك الله فيك .


                          ثالثا:
                          الفرق بين الخلع والخروج غير مفهوم...
                          والحق: أن الخلع يلزم منه الخروج، وإلا لما ترتب عليه فتنة، كما أشار إليه العضد في النص المذكور
                          أقول : بل الفرق مفهوم متقرر واضح لكل من درس كتب المذاهب على أهلها المجازين بها ، وخلاصته أن بين المفهومين عموما وخصوصا ، فكل خروج يلزم منه إرادة الخلع ولكن ليس كل خلع يلزم أن يكون خروجا ، أترى لو أن مجلسا لأهل الحل والعقد توافق أهله على عزل الإمام لفقدانه الأهلية ونقضوا بيعته وانصاع الإمام لأمرهم دون قتال أيكون فعلهم مندرجا في مسمى الخروج الذي تكلم عنه الفقهاء ؟
                          وهل يستوي حال هؤلاء ومن شهر السيف يبغي عزل الإمام بالقوة والخروج عن أمره سواء كان الإمام أهلا للحكم أو لا ؟

                          وأما التسوية بين الاثنين بحجة الفتنة فكما أسلفت ليس كل خلع يلزم منه أن يكون فتنة أو يؤدي إليها خاصة إذا احترمت الشورى في الدولة وقامت الدولة على المؤسسية والبيعة الاختيارية لا على الجبر والإكراه ، ولو تتبعت كلام الفقهاء في المسألة لظهر لك الفرق وسيأتيك .



                          تقول :

                          ثم...إذا كان المبايع بالاختيار يعزل بما ذكر العضد رحمه الله، فما بالك بالمتغلب الذي ولي المسلمين كرها وبيعته من باب الضرورة، هل نعطي للبيعة التي تؤخذ كرها من المسلمين... هل نعطيها من الحصانة ما لا نعطيه للبيعة الشرعية الإختيارية!!
                          ليس في الأمر منح حصانة بل حكم فقهي وفق واقع مفروض ، ولو أنك تكرمت وراجعت كتب الفقه الفرعية لوجدتهم ينصون على شروط الإمام ثم يصرحون بأن هذه الشروط غير معتبرة في صحة ولاية المتغلب بل تنعقد له وإن فقد أغلبها بينما لا تصح ولاية المبايع المختار إلا بوجودها ، انظر مثلا :

                          - قال الإمام الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير :

                          [ واعلم أن الإمامة تثبت بأحد أمور ثلاثة : إما بيعة أهل الحل والعقد ، وإما بعهد الإمام الذي قبله له ، وإما بتغلبه على الناس ، وحينئذ فلا يشترط فيه شرط لأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته ] آ.هـ 4/426 طـ دار المعارف .

                          فإن لم يشترط في المتغلب شرط المبايع فما معنى أن يخرج عليه لأجل فسقه وهو قد تقلد الأمر فاسقا ابتداءً ، ثم من يخلعه والحال أنه متغلب اشتدت وطأته ؟


                          - قال ابن عابدين في حاشيته معلقا على قول الأصل :

                          [ (والإمام يصير إماما) بأمرين (بالمبايعة من الأشراف والأعيان ، وبأن ينفذ حكمه في رعيته خوفا من قهره وجبروته ، فإن بايع الناس ) الإمام (ولم ينفذ حكمه فيهم لعجزه) عن قهرهم (لا يصير إماما ، فإذا صار إماما فجار لا ينعزل إن) كان (له قهر وغلبة) لعوده بالقهر فلا يفيد (وإلا ينعزل به) لأنه مفيد .] آ.هـ

                          قال ابن عابدين :
                          [ قوله: (وبأن ينفذ حكمه) أي يشترط مع وجود المبايعة نفاذ حكمه، وكذا هو شرط أيضا مع الاستخلاف فيما يظهر، بل يصير إماما بالتغلب ونفاذ الحكم والقهر بدون مبايعة أو استخلاف كما علمت.

                          قوله: (فلا يفيد) أي لا يفيد عزله.


                          قوله: (وإلا ينعزل به) أي إن لم يكن له قهر ومنعة ينعزل به: أي بالجور. ]
                          آ.هـ حاشية ابن عابدين 6/414

                          فهذه مدارك الفقهاء وهذا قول كبار أئمة الفقه واضحا بل منصوصا عليه في أكثر من موضع ، ولو ذهبت أستقصي مواضع تلك النصوص في كتب المذاهب لما وسعني .


                          فما توهمته من عدم الفرق بين المبايع والمتغلب في أحكام الخلع والخروج لا محل له .

                          وليس الأمر تفضيلا للمتغلب وتحصينا له كما فهمت من كلام الفقهاء بل هم لا ينظرون إلى الإمامة أنها تفضيل أو مغنم أصلا ، بل مبنى فقههم على حفظ دماء المسلمين ودء الفتنة عن مجتمعهم لأن المتغلب بالشوكة والقهر لن يسلم إلا بعد سفك للدماء وإفساد في الأرض كما هو مشاهد اليوم بينما المبايع ممن لا شوكة له مستند سلطانه أهل الحل وهم من منحه سلطته ببيعتهم وتفويضهم فيزول بخلعهم كما كانوا هم مصدر سطلته ابتداء وراجع ما تقدم نقله عن ابن عابدين والصاوي .

                          وإلا لو صح فهمك ما قالوا إن المتغلب لا يشترط فيه ما يشترط في المبايع وقد صرح به كل فقهاء المذاهب الأربعة وتحتاج أن تنقل خلافه وإلا ظهر خطأ ما فسرت به كلامهم وكلام العضد .

                          يتبع ..
                          صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                          تعليق

                          • نوران محمد طاهر
                            طالب علم
                            • Nov 2010
                            • 139

                            #14
                            فليتبع يا شيخ هاني فليتبع، فالنقل عن أهل العلم لا يمل سماعه.
                            قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

                            تعليق

                            • هاني علي الرضا
                              طالب علم
                              • Sep 2004
                              • 1190

                              #15
                              الأخ همام

                              تقول :

                              فقولك: أن المتغلب ويحرم الخروج عليه إلا لموجب الكفر، بينما يصح خلع المبايع لمجرد مخالفته لمهامه الشرعية التي بايعته لأجلها الأمة
                              غريب جدا جدا
                              قد عكست الحكم ، فقولك أنت أخي هو الغريب عن كلام الفقهاء ومعتمدات مذاهبهم ، وأنت تستغرب ما قاله السادة الفقهاء لأنك تساوي بين الخلع والخروج من كل وجه وليس كذاك ، وهو مبين أعلاه .
                              ولتقريب الفهم أضرب مثلا : فلو أن جبارا استحوذ على بيتك وصار الآمر الناهي فيه ولا يمكن الخلاص منه إلا بقتاله وهو لا يتورع عن سفك دم كل أهلك وعيالك للحفاظ على مكتسبه ، فهل يتساوى هذا ومن جعلته على رأس بيتك يأمر وينهى وفق تفويض منك ويمكنك إزاحته بإلغاء ذلك التفويض متى شئت ؟
                              الأمر سهل بين لمن تأمله .


                              تقول :
                              ورحم الله الإمام مالك الذي لم يوقع طلاق المكره... فخلعت كتفه لأنه أشار بها إلى بيعة الحكام في ذلك الزمان...
                              أقول : بل صرّح إمامنا مالك رضي الله عنه بأن بيعة المكره لا تلزم ولم يلمح ويلوح فقط كما تقول وتجد ذلك في مرويات المالكية صريحا منقولا - راجع مثلا البيان والتحصيل لابن رشد - ، ونحن مالكية نعرف إمامنا ومذهبه ، ولكن ما تعلق هذا بما نحن فيه ؟
                              أنت تخلط الأمور أخي ، وتظن أن عدم لزوم البيعة يرادف الخروج على الحاكم وليس الأمر كذلك أبدا عندنا ، ومالك رضي الله عنه ما خرج على بني العباس ولا دعا إليه يوما بل فتواه بلزوم المنزل والحياد عند فتنة وثورة النفس الزكية مشهورة معروفة عند المالكية وقوله : "دع الظالم وما يراد منه يضرب الله الظالم بالظالم الزم بيتك إلا أن تراد في نفسك ومالك فادفع" من النفاسة في هذه الأحوال بمكان .

                              عدم لزوم البيعة لا يعني الدعوة إلى الخروج إلا عند من يقحم المعاني بين السطور إقحاما لا يحتمله الكلام ، وبالفعل فبيعة المكره لا تلزم ولا يعني حل الخروج على من أكرهه لأن منع الخروج على الظالم ليس لحرمة بيعته ولزومها كما تظن وإنما الحرمة لما يؤدي إليه ذلك من الفتن والقتل وانتهاك الأعراض وضياع الاموال واختلال النظام كما تراه يتكرر عبر التاريخ مرة تلو أخرى ، فالجهة منفكة أخي لا تعلق لزيد بعبيد .

                              والمالكية أخي الكريم إن كنت لا تعلم يجيزون الخروج على الظالم الفاسق إن قام عليه عدل مستجمع للشرائط داعيا إلى الحق والشرع صاحب شوكة وراية يؤمن معهما وقوع الفتنة وراجع فيه حاشية الدسوقي على الكبير .


                              تقول :
                              فالمسلم يسعى لرفع هذه الضرورة... التي يجأر الإمام سعد الدين إلى الله تعالى منها ويعتبرها من النائبات
                              وهل ترفع الضرورة باقتحام ما أباحته لدفعها ابتداء؟؟

                              هذا بعيد جد عما أراده التفتازاني رحمه الله .


                              تقول :

                              أما كتاب الغياثي
                              فهو من أحب الكتب إلى نفسي، وقد قرأته، وأرجع إليه دائما، وأسأل الله أن يرجع الأمة إلى إمام كإمام الحرمين رضي الله عنه، يلم شملها وشعثها...
                              فارجو منك أن تنقل لنا فقرات هذا الكتاب المتعلقة بالموضوع، حتى تبين لنا ما تريد، ونقارنها بكلام العضد والسيد رحمهما الله...
                              فيتضح المقام

                              ليس في كلام العضد أو السيد ما يخالف ما في معتمدات المذاهب أو ما في الغياثي ، وإنما يقع توهم المخالفة من اختصار كلامهما وعدم الاعتناء ببيان الأحاكم تفصيلا كما في كتب الفقه ولذا قلنا منذ الابتداء أن من أراد الحكم عليه ببحثه ونقله من كتب الفقه لا الكلام .

                              وقد فرق الفقهاء بين المتغلب والمبايع من حيث إن المبايع يمكن خلعه وعزله لأنه يستمد سلطانه من بيعة اهل الحل والعقد له ، بينما المتغلب يستمد سلطانه من شوكته وظهوره ، ولذا لم يشترطوا في المتغلب الشروط التي اشترطوها في المبايع لأنه لا معنى له ، فلو تغلب علينا فاسق أو امرأة أو عبد أو طفل التزمنا طاعته في غير محرم مع أنه لا يصح عقد البيعة لأي واحد من هؤلاء ابتداء في حال الإختيار .
                              ولذا أجاز المالكية لمن استجمع شرائط الإمامة وتوفرت له الشوكة الخروج على المتغلب الفاسق الظالم الغير مستجمع للشروط متى ظن إزاحته بادنى قدر من الضرر كما تقدم .

                              وأنقل من كلام الإمام الجويني في عزل الحاكم من كتابه (غياث الأمم) باختصار غير مخل :


                              قال إمام الحرمين في "غياث الأمم" بعد أن بين شرائط الإمامة ومن يعقد الإمامة للإمام وأن بدور الفسق منه لا يخلعه :

                              [ فإن قيل : فلم منعتم الإمامة لفاسق ؟ [ قلتُ : يقصد أي مع قوله بعدم انخلاعه بيسير الفسق كما يعرف من سياق الكلام قبله ] .

                              قلنا : إن أهل العقد على تخيّرهم في افتتاح العهد ، ومن سوء الاختيار أن يعين لهذا الأمر العظيم والخطب الجسيم فاسق وهم مأمورون بالنظر للمسلمين من أقصى الإمكان . وأما الذهاب إلى الانخلاع - أي بيسير الفسق - بعد الاستمرار والاستتباب مع التعرض للزلات فمفسد لقاعدة الولاية ولا خفاء بذلك عند ذوي الدراية ، وهذا كله - حرس الله مولانا - في بوادر الفسق ، فأما إذا تواصل منه العصيان وفشا منه العدوان وظهر الفساد وزال السداد وتعطلت الحقوق والحدود وارتفعت الصيانة ووضحت الخيانة واستجرأ الظلمة ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور وتعطل الثغور فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم على ما سنقرر القول فيه على الفاهم إن شاء الله عز وجل !!

                              وذلك أن الإمامة إنما تُعنى لنقيض هذه الحالة ، فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة فيجب استدراكه لا محالة ، وترك الناس سدى ملتطمين مقتحمين لا جامع لهم على الحق والباطل أجدى عليهم من تقريرهم اتباع من هو عون الظالمين وملاذ الغاشين وموئل الهاجمين ومعتصم المارقين الناجمين.
                              ...................
                              فإن أمكن استدراك ذلك فالبدار قبل أن تزول الأمور عن مراتبها وتميل من ماصبها وتميد خطة الإسلام بمناكبها وها أنا بعون الله عزت قدرته وجلت عظمته لا آلو في وجه ذلك جهدا ولا أغادر مضطربا وقصدا وعلى المنتهى إلى هذا الموضع أن يقبل في هذه الإطالة عذري ويحسن أمري فقد انجر الكلام إلى غائلة ومعاصة هائلة لا يدركها أولوا الآراء القائلة ، والوجه عندي قبض الكلام فيما لا يتعلق بالمقصود والمرام وبسطه على أبلغ وجه في التمام فيما يتعلق بأحكام الإمام وفيها الاتساق والانتظام فأقول :

                              إن عسر القبض على يده الممتدة لاستظهاره بالشوكة العتيدة والعدد المُعدّة ، فقد شغر الزمان عن القائم بالحق ، ودُفع إلى مصابرة المحن طبقات الخلق .......

                              فأما إذا تمكنا من كفاية هذا المهم ودفع هذا الملم : فليشمر فيه عن ساق الجد وليسع فيه بأقصى الجهد وليس الخوض في ذلك بالهين اللين فلا يثورن على الأمراء من غير بصيرة دين فأقول :

                              إن تيسر نصب إمام متجمع للخصال المرضية والخلال المعتبرة في رعاية الرعية : تعين البدار إلى اختياره . فإذا انعقدت له الإمامة واتسقت له الطاعة على الاستقامة فهو إذ ذاك يدرأ من كان [أي الحاكم المتغلب الفاسق المعطل للحدود ] ، وقد بان الآن أن يعد درؤه في مهمات أموره ، فإن أذعن فذاك وإن تأبى عامله معاملة الطغاة وقاتله مقتالة البغاة ، ولا مطمع في الخوض في هذا فإن أحكام البغاة يحويها كتاب من كتب الفقه فليطلب من موضعها ،
                              وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية دهياء وإراقة دماء ومصادمة أحوال جمة الأهوال وإهلاك أنفس ونزف أموال : فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه ، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدر وقوعه في روم الدفع فيجب احتمال المتوقع له لدفع البلاء الناجز ، وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه فلا يسوغ التشاغل بالدفع بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع
                              ، وقد يقدم الإمام مهما ويؤخر آخر والابتهال إلى الله وهو ولي الكفاية .

                              .............................
                              .... ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته وكثرت عاديته وفشي احتكامه واهتضامه وبدت فضاحته وتتابعت عثراته وخيف بسببه ضياع البيضة وتبدد دعائم الإسلام ولم يجد من تنصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة فلا يطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيدوا وكان ذلك سببا في ازدياد المحن وإثارة الفتن ، ولكن إن اتفق رجل مطاع ذو أتباع وأشياع ويقوم محتسبا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه فليمض في ذلك قدما والله نصيره على الشرط المقدم في رعاية المصالح والنظر في المناجح وموازنة ما يندفع ويرتفع بما يتوقع وسيأتي هذا الفن على أبلغ وجه في البيان والله المستعان ]
                              آ.هـ غياث الأمم صـ 80 - 88 طـ دار الدعوة .



                              وليتأمل ما نص عليه الجويني أخيرا أنه إن فقد المستجع للشرائط لا يطلق للآحاد أن يثورا من عند أنفسهم دون تدبير وراية تجمعهم ، ومن هنا يعلم أن من له الخلع هو من له التولية ابتداء وهو من له تدبير الأمر وإرشاد العوام إلى ما يصلحهم وهم أهل الحل والعقد ، فأما ثورات يقوم بها العوام من عند أنفسم دون ان يتصدرها أهل حل وعقد تحت راية واحد لرجل مطاع ذي شوكة فهذا إلى الإفساد أقرب منه إلى الإصلاح كما بينه الجويني وكما يشهد له الواقع في أكثر من حال .

                              [ فإن قيل : فمن يخلعه ؟
                              قلنا : الخلع إلى من إليه العقد وقد سبق وصف العاقدين بما فيه مقنع وبلاغ تام]
                              آ.هـ غياث الأمم صـ 96 طـ دار الدعوة .

                              فهذا نص على أن الخلع إنما هو لأهل الحل والعقد حصرا ، لا للعوام والجهلة وكل من هب ودب ، وسببه أنهم هم من كان إليهم العقد ابتداء فهم أصحاب المنح والمنع وهذا كله فيمن يستمد سلطانه من منح البيعة وبموجبها لا من يقهر الخلق ويستعلي عليهم بشكوته وبطشه .


                              والله الموفق
                              صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                              تعليق

                              يعمل...